الفصل الخامس

تعقيب

(١) تعقيب على فلسفة بوبر التكذيبية

(١) الجرأة هي الدافع الأعظم لتقدم العلم، فالعلم — كما وصفه بوبر في «عقم المذهب التاريخي» — متفرد بوصفه واحدًا من أعظم المغامرات الروحية التي عرفها الإنسان، فليستخدم العالم جماع عبقريته ليحاول اختراق المجهول بجرأة، هذه هي دعوة بوبر للعلماء المحصنة والمعززة بإثباته المنطقي أن النظرية العلمية — بما هي علمية — قابلة للتكذيب، وبوبر بدعواه التكذيبية هذه، أقْدَر الفلاسفة طُرًّا على التعبير عن روح العلم، بما هي كائنة وبما ينبغي أن تكون عليه، في النصف الأخير من القرن العشرين.

إذ كان معيار القابلية للتكذيب سيبدو فكرة بلهاء حمقاء، لو أنه قُدِّم في مرحلة عصر النهضة، والقرون التي تلته، واستمرت حتى نهايات القرن الماضي، أعني مرحلة استبدال النظرية اليونانية للطبيعة على أنها كيان عضوي يدخل العقل في نسيجه بالنظرة الآلية، التي تعتبر العالم آلة١ بالمعنى الحرفي والصحيح للكلمة،٢ حيث يقول هلمهولتز (١٨٢١–١٨٩٤م) معبرًا عن روح عصره: إن الغرض النهائي الذي ترمي إليه كل علوم الطبيعة هو أنه تحيل نفسها قواعد ميكانيكية، ويصرح كلفن Kelvin بأنه لا يستطيع أن يفهم شيئًا بغير أن يصطنع له نموذجًا آليًّا،٣ وقويت هذه النزعة بعد أن نجح وترزتون J. J. Witerston وجيمس كلارك ماكسويل Clark Maswell وغيرهما في تفسير خواص الغازات على أنها شبيهة بخواص الآلة،٤ «وبذلك جهود مماثلة في الضوء والجاذبية، ورغم أنها فشلت فإن هذا لم يزعزع إطلاقًا الاعتقاد بأن الكون في نهاية الأمر يمكن تفسيره تفسيرًا آليًّا محضًا، وكأن العلماء يشعرون بأن كل ما يحتاجون إليه هو أن يبذلوا مجهودات أعظم مما بذلوا، عندئذٍ تظهر الطبيعة غير الحية في نهاية الأمر سافرة عن آلة كاملة دقيقة في عملها.»٥ وهذا التصور الآلي يعني أننا سائرون صوب حقيقة نهائية، مما أدى إلى الحتمية واليقين، واعتبار كل إنجاز علمي ناجح حقيقة قاطعة، أو توصل إلى حقيقة قاطعة.
غير أن التطورات الفيزيائية في القرن العشرين حطمت كل هذا، وأصبح الإجماع الآن على أن نهر المعرفة يتجه نحو حقيقة غير آلية، وقد بَدا الكون يلوح أكثر شبهًا بفكر عظيم منه بآلة عظيمة،٦ ونتيجة لهذا التصور الجديد وسببًا له، ألف العلم التقدم الثوري المستمر، والانتقال من نصر عظيم إلى نصر أعظم، فأدرك أنه لن يبلغ ذروة المنتهى أبدًا، ولم يعد يتحرج من التعثر في موضع أو آخر، فسلَّم بحساب الاحتمال، وأحله محله اليقين الساذج، وإن كان بوبر قد عمق الموقف أكثر، وأصله تأصيلًا؛ إذ لم يقنع فقط بالاحتمال بل جعل القابلية للتكذيب معيار العلم، المهم في هذا أن فكرة الحقيقة النهائية القاطعة قد ذوت تمامًا، وسلَّم العلماء بأن التكذيب قدر لا يشين العلم بل يشرفه، ثم إنه محتوم، فهذا ماكس فيبر Max Weber (١٨٦٤–١٩٢٠م) الفيلسوف والعالم الاقتصادي السياسي، يوضح أن الإنجاز في الفن وفي العلم على السواء، يحتاج إلى تكريس الجهد والحياة، غير أن الإنجاز الفني يظل محتفظًا بجديته على الدوام، أما الإنجاز في العلم فسوف يتخطَّاه الزمن خلال عشر أو عشرين أو خمسين من السنين، فهذا هو مصير العلم وهو مغزاه،٧ وإن مآل كل تحقق علمي يعني أسئلة جديدة تريد أن تتجاوزه وتتقدم عليه، فعلى كل من ينشد خدمة العلم أن يوطد نفسه على ذلك، وأن يتخطانا القادمون علميًّا، ليس قدرنا المشترك وحسب، بل هو هدفنا أيضًا، ونحن لا نستطيع العمل دون أن نأمل في أن الآخرين سوف يتقدمون إلى أبعد مما وصلنا إليه، وهذا التقدم يستمر من حيث المبدأ إلى غير نهاية،٨ هذا هو التصور المأخوذ به حاليًّا، والذي استطاع منطق التكذيب أن يعالجه معالجة منطقية دقيقة، والذي على أساسه قال سير جيمس جينز Sir James Jeans (١٨٧٣–١٩٤٦م): ليس أهم ما أنتجه علم الطبيعة في القرن العشرين هو نظرية النسبية وما أدت إليه من إدماج الفضاء والزمن معًا، ولا هو نظرية الكم وما يبدو منها في الوقت الحاضر من إنكار القوانين السببية، ولا هو تمزيق الذرة وما كشف عنه هذا التمزيق من أن الأشياء ليست كما تبدو في ظاهرها، بل أهم من هذا كله إقرارنا العام بأننا لم نلمس بعدُ الحقيقة النهائية، فكأننا كما قال أفلاطون في تشبيهه الشهير لا نزال محبوسين في كهفنا، مستديرين للضوء ولا نستطيع أن نشاهد غير الظلال على الجدار.٩
وقد كانت فلسفة بوبر التكذيبية للعلم، محصلة منطقية لهذا التطور الخطير في بنية التفكير العلمي، فهو أولًا يؤمن فعلًا بالحقيقة المطلقة أو الصدق الموضوعي فقد جعله مبدأ تنظيميًّا لشتى الجهود المعرفية، ولكنه يرى — هو أيضًا مثل جينز — أننا في أية لحظة سجناء محبوسون في إطار نظرياتنا وآمالنا وتجاربنا الماضية ولغتنا، ولكننا سجناء بالمعنى المجازي، وفي وسعنا إذا بذلنا الجهد أن نتخلص من هذا الإطار في أي وقت، ولكن مما لا شك فيه أننا سوف نجد أنفسنا مرة أخرى في إطار آخر، ولكن أفضل وأرحب، وفي وسعنا أن نخرج من هذا الإطار مرة أخرى،١٠ إننا بحاجة دومًا إلى تحطيم الإطار كي نتقدم، هذا ما ينبغي أن يكون، ثم إنه قابل للتحطيم؛ لأنه قابل للتكذيب، هذا ما هو كائن، وتلك هي خلاصة فلسفة بوبر للعلم التي هي تكذيبية.
إذن قد عرفت الفلسفة التكذيبية كيف تستغل هذا التطور في بنية التفكير العلمي لتضاعف شحنات الطاقة التقدمية للعلم، وتؤكد أننا بلغنا من العمر رشدًا ولا ينبغي أن نخشى الخطأ، ولِمَ نخشاه؟ ونحن قادرون بحكم طبائع الأشياء على تجاوزه لما هو أفضل، فقد أصبح واضحًا الآن أن القابلية للتكذيب هي عماد تقدم العلم واقترابه الأكثر من الصدق؛ أي إنها عماد خصوبته، لقد اعتبر برتراند رسل الاستدلال القياسي تحفة من التحف القديمة، لا تدل إلا على الجبن العلمي «إذ كان الرأي عند أصحابه هو أن الاستدلال لو تعرض لأيسر احتمال للخطأ، كان من الخطأ أن ننتزع منه نتيجة نركن إليها، وهكذا كان طابع التفكير عند قساوسة العصور الوسطى، بل هكذا كان طابع حياتهم نفسها، فهم ينشدون السلامة على حساب الخصوبة.»١١ أما فلسفة بوبر التكذيبية، فهي تنشد الخصوبة على حساب القابلية للتكذيب.

وقد كان العالم البيولوجي سيرجون إكسلس أبرز من عُنُوا بتأكيد أن القابلية للتكذيب هي أشد ما يفتح الطريق أمام التقدم العلمي ويفجر خصوبته؛ لأنها تحرر العلماء وتحرر عملهم، وفي هذا كتب يقول:

«الاعتقاد الخاطئ بأن العلم يؤدي أخيرًا إلى اليقين والشرح النهائي، ويحمل معه تضمنًا بأن نشر فروض قد تكذب في النهاية هو إساءة علمية بالغة، ونجم عن ذلك أن العلماء قد يمتنعون عن الاعتراف بكذب مثل هذه الفروض، وقد يضيعون أعمارهم في الدفاع عما لم يعد قابلًا للدفاع عنه، بينما نجد — تبعًا لبوبر — أن التكذيب — كليًّا أو جزئيًّا — هو المصير المتوقع لكل الفروض، بل وأننا قد نبتهج بتكذيب فرض كنا ندلِّـلُه كإحدى بنات أفكارنا، والعالم لهذا يتخلص من الخوف والندم، ويصبح العلم مغامرة شيقة، يؤدي فيها الخيال والرؤية إلى تطورات تصورية تعلو في عموميتها ومداها عن الدليل التجريبي، والصياغة الدقيقة لهذه الرؤية الخيالية العميقة الداخلة في صميم الفرض، تفتح الطريق أمام أقسى الاختبارات التجريبية، ونظل على الدوام نتوقع أن الفرض قد يكذب، ويحل محله، كله أو بعضه، فرض آخر ذو قوة شارحة أعظم.»١٢

أما إذا أخذنا في الاعتبار أن الإنسان — خصوصًا أو فقط الغربي — في الحضارة المعاصرة لم يعد يخشى الخطأ، على الأقل كما كان أسلافه ونحن، وأصبح يهتم أكثر بتأكيد حريته وفردانية تجربته الوجودية وتعميق أبعادها، وأصبح يحترم كل عناصرها وأوضاعها وممارساتها، حتى وإن تعثرت في الخطأ، كان بوبر بفلسفته التكذيبية شاهدًا على حضارة القرن العشرين الغربية، وليس فقط على علمه الغربي.

(٢) ولعل ذلك الارتباط بين القابلية للتكذيب، وبين التحرُّر من وهم اليقين وقيود الحتمية، هو الذي دفع واتكينز تلميذ بوبر وصديقه إلى أن يرد مبدأ التكذيب إلى إيمان بوبر باللاحتمية، بل وأكثر من هذا ذهب إلى أن الإيمان باللاحتمية هو الاتجاه العام الأساسي لبوبر، الذي يحكم سائر اتجاهاته الفلسفية، والذي يربط أشتات تفلسفه يجعله وحدة واحدة تمثل اتجاهًا متسقًا.١٣
وهذا تأويل غير مقبول لفلسفة بوبر، حقًّا أننا من الناحية الموضوعية، أي من ناحية تطور الفكر العلمي المعاصر بصفة عامة سنجد اللاحتمية أسبق من التكذيب بلا جدال، بل وإنها هي التي مهدت له؛ لأنها أدت إلى انهيار مطلب اليقين في العلم، وهي التي أدت بكثير من العلماء إلى أفكار تماثل منطق التكذيب، فجعلت الكيميائي دوكلوس على سبيل المثال يربط بين تقدُّم العلم وبين قابليته للتكذيب — باصطلاح بوبر — مؤكدًا فكرة التكذيب الأساسية بإطلاقه الحكم التالي: إن العلم يتقدم دائمًا لأنه ليس أكيدًا من أي شيء؛ لأن العالم يفترض تقدمًا لا متناهيًا، ولا يفترض معرفة لا تمس، فهو يفترض إذن جهادًا دائمًا،١٤ وبالمثل الفيزيائي بارزان؛ إذ يقول: «ليس هناك حكم علمي يجعلنا متأكدين من أنه لن يصحح يومًا ما.»١٥ وحقًّا أيضًا أن بوبر لاحتمي أصيل، ولعل اللاحتمية هي التي ألهمته سيكولوجيًّا بفكرة معيار التكذيب، ولكن من ناحية بنية تفكير بوبر بالذات واتجاه فلسفته، سنجد أن اللاحتمية هي التي تسير في اتجاه التكذيب وتتخذ منه معوانًا لها، فلم تكن اللاحتمية — في حد ذاتها — هي الاتجاه العام الذي يحكم فلسفة بوبر، إنما هذا الاتجاه هو النقد واكتشاف الخطأ، فهو بمثابة العمود الفقري لفلسفة بوبر، أو هيكلها الذي تملؤه بقية نظرياته الفلسفية حسب موضوع التفلسف، من نظرية المعرفة «العقلانية النقدية» إلى منهج العلم ومنهج الفلسفة والأيدلوجية السياسية … وبصفة أكثر شمولًا، نجد بوبر يرى في النقد العمود الفقري لشتى المحاولات على وجه الأرض، أوَلم يكن البحث عن الخطأ واستبعاده «أ أ» أحد العناصر الأساسية في الصياغة التي تصفها «م١ ح ح أ أ م٢»؟
والقابلية للاختبار والتكذيب — أي لاكتشاف الخطأ — لا تعدو أن تكون أسلوب النقد الفني المختص بالعلم، وهي في الآن نفسه معيار العلم؛ لأن التناول النقدي هو ما يميز العلم،١٦ ثم إن هذه الفكرة أولى أفكار بوبر زمانيًّا، فلعله تطرق بها من أهمية النقد بالنسبة للعلم إلى أهميته بالنسبة لكل نشاط، فهي إذن — وليست اللاحتمية — التي تحكم اتجاه بوبر العام، وتعضد اللاحتمية كما تعضد سائر أفكاره.
(٣) غير أن ثمة تأويلًا طريفًا بالفعل لارتباط معيار القابلية للتكذيب بفلسفة بوبر العامة، يمكن أن نستخلصه من مناقشة لبيتر مونز، إذ جعل للمعيار مهمة أخرى غير تمييز المعرفة العلمية ومعالجة منطقها، وهي حماية بوبر من المثالية، ذلك أننا إذا نظرنا إلى العلاقة بين معرفتنا وبين العالم الخارجي الذي تصفه، وجدنا أن إبستمولوجيا بوبر تجعل المعرفة سابقة على الخبرة وهابطة إليها مما يعطي انطباعًا بأنها نوع جديد من المثالية، بل والمثالية بمعناها المتطرف الأفلاطوني، غير أن معيار القابلية للتكذيب القائم على أسس تجريبية والذي يمثل العمود الفقري لفلسفة بوبر بأسرها ويمثل أيضًا فيصلًا حاسمًا بين العلوم الحقيقية والعلوم الزائفة، يجعل بوبر فيلسوفًا ذا أصالة معرفية تماثل أصالة أفلاطون، غير أنه أصوب مرارًا؛ لأن معياره يكفل أخبار المعرفة التجريبية عن العالم التجريبي،١٧ وهذا ما لم يستطعه أفلاطون، ولا أي فيلسوف آخر قبل بوبر.

(٤) ومن الناحية فقد ذكرنا آنفًا أن رفض بوبر للاستقراء، يعني رفضه اعتبار التقدم العلمي نموًّا للوقائع المتراكمة كمكتبة متزايدة باستمرار، وأخذه بمنطق التكذيب يعني أن العلم ينمو عن طريق الثورات، البحث العلمي سلسلة مستمرة من الثورات اليومية الدائمة، تهدم وتغير وتعيد البناء، عن طريق خلق فروض جديدة دائمًا، ترفض الفروض القديمة وتحل محلها لا تتراكم فوقها.

وبنظرة شاملة، يعطينا بوليكاروف أربعة آراء تحصر تصورات تقدم العلم أو نموه هي:
  • (أ)

    تبعًا لتتالي الأحداث الذي لا يحكمه أي اطراد عام، فإنه لا يمكن تفسير تقدم العلم، يمكن فقط وصفه، هذا هو تصور الوضعيين المعاصرين.

  • (ب)
    تقدم العلم يتم كسلسلة من التحولات أو الثورات التي تحدث بغير رابطة داخلية internal link وبوبر هو الممثل المثالي لهذا الرأي.
  • (جـ)

    وكنقيض للرأي السابق، نجد الرأي التراكمي الذي يؤكد على استمرارية المعرفة العلمية وهو رأي شائع الانتشار بين مؤرخي العلم والعلماء الكلاسيكيين، مثال وليام ويول وبير دوهيم وجورج سارتون ونيلس بور وسائر الاستقرائيين.

  • (د)
    التصور الديالكتيكي لهيجل وماركس وإنجلز، وتبعًا له يؤدي التقدم التدريجي إلى قفزات كيفية، تصبح بدورها نقطة البدء لتراكم كمي جديد،١٨ تبعًا لقانون الكم والكيف الجدلي.
ولقد انفرد بوبر بتأكيد النظرية الثورية، تمامًا كما انفرد بالمواجهة الساحقة الماحقة للاستقرائيين؛ لذلك اعترض عليه الاستقرائي هيلاري باتنام، مؤكدًا أن التراكم له أهمية ميثودولوجية كبيرة تتلخص فيما يلي:
  • (أ)

    نقص الخبرة بالظواهر وبالمعرفة السابقة عن الظواهر، يقلل احتمالية صواب الفكرة.

  • (ب)
    زيادة الخبرة يزيد من احتمالية الصواب.١٩
وهذا نقد لا يقدم ولا يؤخر؛ لأنه لا يعدو أن يكون لفًّا في دائرة الاستقراء المفرغة، وهكذا كانت مناقشة باتنام لبوبر بأسرها، فقد قامت على أساس أن لدينا — رغم مشكلة الاستقراء — نزوعًا إلى التفكير استقرائيًّا، ونجاح الاستقراء يقوي هذا النزوع، وأن منهج الاستقراء ليس له تبرير لكن تمامًا كما أن أي منهج آخر ليس له تبرير، لا منهج بوبر، ولا حتى منهج الرياضة.٢٠

ولسنا في حاجة إلى إعادة القول بأن الاستقراء ليس له تبرير، لكن هناك استحالة في الأخذ به.

إن النظرية الثورية من إنجازات بوبر الثاقبة بحق، التي تزيد من دفع فلسفته التكذيبية للتقدم العلمي إذ تجعله ثوريًّا، وإن كان قد سبق أن بشر بها باترفيلد Butterfield عام ١٩٤٧م، وهو مؤرخ علم وليس عالمًا، وخلاصة نظريته المطروحة في كتابه «أصول العلم الحديث» كالآتي:
«على قدر ما يمكننا اقتفاء أثر الثورات من العوامل الخارجية، فالوضع هو أن العلماء في مرحلة ما، يتعثرون في مشاكل، وأثناء كفاحهم مع هذه المشاكل يُحْدِثون تغييرًا في إعمال عقولهم ويرون الأشياء القديمة بطريقة جديدة، ويحاولون التوصل إلى فكرة تمثل (مفتاحًا Keyidea وهو تعبير باترفيلد المفضل) يفض مغاليق التعثر الجديد، وحينما يتوصلون إلى فضِّ هذه المغاليق تتدفق الاكتشافات بمنتهى السهولة.»٢١
لكنه يشترك مع بوبر في رفض اعتبار تاريخ العلم تاريخًا للأفراد العظام، أو سلسلة من قصص النجاح، أو تراكم الاكتشافات والمعرفة بالوقائع، ويقول: إن هذه النظريات لا تعبر عن التناول السليم لتاريخ العلم.٢٢
أما فيلسوف العلم الذي تتلاقى نظريته تمامًا مع بوبر، فهو الفرنسي جاستون بشلار Gaston Beichelard (١٨٤٤–١٩٦٢م) فهو أولًا — مثل بوبر — يؤكد كثيرًا على أهمية النقد، أو حسب تعبيره: هذا الشك المسبق المنقوش على عتبة كل بحث علمي يتصف بأنه متجدد، وهو سمة أساسية لا موقوتة في بنية التفكير العلمي،٢٣ وهو أيضًا يرى ضرورة الربط الوثيق بين الفلسفة والعلم،٢٤ وأن العلم لا يخرج من الجهل، كما يخرج الظلام من النور؛ لأن الجهل ليس له بنية، بل يخرج — كما أكد بوبر — من التصحيحات المستمرة للبناء المعرفي السابق، حتى إن بنية العلم هي إدراك أخطائه، والحقيقة العلمية هي تصحيح تاريخي لخطأ طويل، والاختبار هو تصحيح الوهم الأولي المشترك، المهم الآن أن بشلار يرفض النظرة التراكمية ويؤكد على النظرية الثورية؛ إذ يرى التقدم العلمي مرهونًا بحدوسات جريئة، تمثل قفزات ثورية، تعقبها أفكار تصحح أفكارًا وتجارب، فروح العلم هي تصحيح المعرفة وتوسيع نطاقها، ما أسماه بوبر منهج التصحيح الذاتي، وكل هذا يعني أن الفكر العلمي فكر قلق، فكر يترقب الشيء، يبحث عن فرص جدلية ليخرج من ذاته، وليكسر أطره الخاصة، إنه الفكر الذي يسير على درب الموضوعية، ومثل هذا الفكر لهو الفكر المبدع.٢٥
ليس فحسب، بل ويؤكد بشلار على عمومية الثورية وعمقها، وأنها تؤثر تأثيرًا عميقًا على بنية العقل المتجددة دومًا، وحتى الثورات المتصلة بمفهوم واحد تواكب في الزمان ثورات عامة ذات تأثير عميق في تاريخ الفكر العلمي،٢٦ وكل شيء يمضي جنبًا إلى جنب، المفاهيم وإنشاء المفاهيم «فليس الأمر مجرد كلمات يتبدل معناها بينما يظل الترابط ثابتًا، كما أنه ليس أمر ترابط متحرك حر قد يفوز دائمًا بالكلمات ذاتها التي يترتب عليه أن ينظمها، إن العلاقات النظرية بين المفاهيم تبدل تعريفها كما يبدل تغيير المفاهيم علاقاتها المتبادلة،٢٧ وبالتعبير الفلسفي عن هذا نجد الفكر لا بد حتمًا أن تتبدل صورته إذا ما تبدل موضوعه، وينفي بشلار أية سكونية تراكمية عن نمو المعارف العلمية، فالمعارف التي تبدو ثابتة تجعلنا نحسب أن سكون المحتوى ناجم عن استقرار الحاوي، تجعلنا نؤمن باستمرار الأشكال العقلية وثباتها واستحالة قيام أية طريقة جديدة للفكر، في حين أن قوام البنية العلمية ليس بالتراكم، وليس لكتلة المعارف الثابتة تلك الأهمية الوظيفية المفترضة، فإذا قبلنا حقًّا أن الفكر العلمي في جوهره يعني إنشاء الموضوعية، وجب أن نستخلص أن مستنداته الحقيقية هي التصحيحات وتوسيعات الشمولية، وعلى هذا النحو كتابة التاريخ الحركي للفكر، فالمفهوم يحظى بمعنى أكبر، في تلك اللحظة بالذات التي يتغير فيها معناه، وإذ ذاك يصبح حدثًا من أحداث إنشاء المفاهيم.»٢٨
ومن المهم أيضًا أن نقارن بين نظرية بوبر وبين نظرية توماس كون Thomas Kuhn فهو فيلسوف العلم الثاني المعاصر بعد بوبر، وهو من أهم من عنوا بتفسير التقدم العلمي وقد طرح نظريته في كتابه الشهير «بنية الثورات العلمية»، «وهي نظرية تتضمن عناصر من كل النظريتين الثورية والجدلية.»٢٩ وتقوم أساسًا على التمييز في تقدم العلم بين: تقدم العلم العادي normal Science، وبين المراحل الثورية في هذا التقدم،٣٠ تقدم العلم العادي يحدث داخل إطار النموذج القياسي للعلم Scientific Paradigm، الذي يقبله المجتمع العلمي، كبناء علمنا اليوم، فهو الإنجازات العلمية المقبولة عالميًّا، والتي تعطي أنماط المشاكل وحلولها لجمهرة المشتغلين بالعلم، وتقدم العلم العادي يسير داخل إطار هذا النموذج،٣١ فالعالم العادي لا يبدأ عمله بالبحث في النظرية الأساسية للنسق العلمي، أو محاولة الثورة عليها، كما أنه لا يهتم باختبارها، وظهور مثال معارض للنظرية لا يعامل مباشرة كتفنيد للنسق، فربما عالجناه بفرض مساعد،٣٢ فنمو العلم العادي يسير من خلال عملية التلقيح المعرفي لمحتوى هذا الأنموذج، أي النظريات سواء كوقائع أو كعلاقات بين النظريات أو كحسابات دقيقة وتنبؤات، وتنقيح الإضافات التي تلحق بالنسق وتنقيح تطبيقاته، وعملية التنقيح هذه تأخذ طابع حل المتاهات Puzzle Solving، وخلال حلها تثار مشاكل جديدة في حاجة إلى الحل، بعبارة أخرى: العلم العادي هو حل المتاهات من خلال تنقيح النظريات الموجودة بالفعل،٣٣ وكل هذا داخل إطار النموذج القياسي للبناء العلمي، وقد استعمل كون مفهوم المستويات المختلفة للعمومية، وقد ميز على وجه الخصوص بين النماذج القياسية الميتافيزيقية (وهي النظرة العامة Outlook)، وبين النماذج القياسية السوسيولوجية كمجموعة العادات العلمية، وبين النموذج القياسي المصنوع أو المبني لحل المشاكل العلمية،٣٤ والمهم أن العلم العادي ينمو داخل إطار النموذج القياسي، بمعنى أن الفرض المتطور فيه يتحول من ، أما في مرحلة العلم الثوري، فإن الإطار نفسه يتحطم ويحل محله نموذج ذو أطر مختلفة، فيتحول الفرض من .٣٥
إذن ما يميز العلم الثوري، هو أن الأول يتحرك داخل النموذج القياسي، بينما الثاني يحطمه ويحل محله نموذجًا آخر، وهو علائم بارزة في تاريخ العلم، من هنا يكون الخلاف بين بوبر وكون، هو أن بوبر يجعل الثورة يومية دائمة، وليس هناك علم عادي في نظرية بوبر، ولم ير بريان ماجي تعارضًا ملحوظًا بينهما وقال: إن كل ما في الأمر هو أن بوبر لا يعالج إلا منطق العلم، بينما يدخل كون في اعتباره سوسيولوجية العلم وسيكولوجيته وعوامل أخرى،٣٦ غير أن هذا التأويل تزكية لرأي بوبر، أما بوليكاروف فإنه يوضح ببساطة أن أهم نقد لرأي كون هو أن كل تقدم علمي له طابع ثوري، وأننا نستطيع أن نؤكد على الحالات التي لا نجد فيها شيئًا مشتركًا ولا خط استمرارية بين النماذج القياسية المختلفة،٣٧ أي فقط يعترض بوليكاروف على رأي كون بتأكيد رأي بوبر.
ومن ناحية أخرى لاقت نظرية بوبر الثورية استصوابًا كبيرًا من ناليموف، والجدير بالذكر أنه ربطها بما يدعو إليه التكذيب من البحث عن النظرية ذات أقل درجة من الاحتمالية؛ فقد رأى بوبر أن «النظرية الثورية الجديدة، تظهر عادة في الميدان الفكري الذي نشأت فيه النظرية السابقة التي تختلف اختلافًا جوهريًّا عن النظرية الجديدة، وإذا قدرنا احتمال النظرية الجديدة في مكان القضايا التي تضمنها النظرية السابقة، وجدنا أن احتمالها يكون ضئيلًا جدًّا، ويزداد هذا الاحتمال ضآلة كلما ازداد الطابع الثوري للنظرية الجديدة، وإذا تتبعنا مصير التطور العلمي وجدنا أن الفرضيات العلمية المثمرة، وأرجاها للقبول تثير وقت ظهورها معارضة جنونية في الدوائر العلمية مما يعني أن احتمالها ضئيل في نظر المفكرين.»٣٨ وإن كان ناليموف قد وجَّه إلى نظرية بوبر الاحتمالية نقدًا قويًّا مؤداه أن بوبر يعبر عن فكرة خطيرة جدًّا بدون قدر كافٍ من الدقة، ومن هنا يأتي احتمال فهمها الخاطئ، والمسألة الأساسية هي أنه لا يجوز التحدث عن احتمال حادث إلا عندما نبين مكان حدوث الحوادث الأولية بدون غموض.٣٩
غير أن الربط السليم لنظرية بوبر الثورية لا يكون بنظريته الاحتمالية، بل بنظريته التطورية — أي داروينيته المنهجية — فبوبر يجعل الفروض تتنازع من أجل البقاء، ويرفض أن يعطي العالم الدور السلبي اللاماركي، الذي يجعله فقط يتلقى مؤثرات البيئة عليه، بل يعطيه دورًا داروينيًّا إيجابيًّا، فهو يتحدى البيئة ويفرض عليها تصوراته، إنه يغير ويبدل، كما يفعل الكائن الحي في نظرية دارون؛٤٠ لذلك كانت هذه النظرية الداروينية هي التي تبرز طابع العلم الثوري، ويمكن أن نجد تأكيدًا لارتباط التطورية بالثورية في بعد آخر هو مجال الفكر السوسيولوجي وتطور الأيديولوجية السياسية، مع و. ف. ورثيم W. F. Wertheism (١٩٠٧م–؟)، فهو في كتابه (التطور والثورة Evolution and Revolution) يرفض الاتجاه الذي يقبل الثبات والتوازن كقواعد norms للمجتمع، ويرى أن التغيرات التطورية التدريجية، هي قواعد العمليات الاجتماعية، والثورات هي ببساطة إسراع للخُطا التطورية؛ فالتطورية الثورية هي المفجرة للموجات التحررية الاجتماعية،٤١ وأيضًا التطورية البوبرية التكذيبية هي المفجرة لتقدم العلم، إذ تجعله ثوريًّا.
(٥) وبعدُ، فإذا نظرنا إلى العلوم في سلم تقدمها الشائع حسب درجة عموميتها، فبصرف النظر عن العلوم الصورية وقصره على العلوم الإخبارية، نجد الفيزياء البحتة على رأس سلم التقدم ومن بعدها تأتي الكيمياء ثم علوم الحياة، وبعد نهاية سلم العلوم الطبيعية تأتي العلوم الإنسانية، وفي مقدمتها الاقتصاد وفي مؤخرتها علم النفس ثم علم الاجتماع، وجدنا أن أكثر العلوم تقدمًا هي أكثرها قابلية للتكذيب؛ لأنها أكثرها عمومية ودقة وأبسطها، ونظرياتها هي النظريات الأقل أبعادًا، وأقلها تقدمًا هو أقلها قابلية للتكذيب،٤٢ معيار القابلية للتكذيب يميز العلم؛ لأنه معيار تقدم العلم، والعلم هو النشاط الإنساني الوحيد ذو الطبيعة التقدمية التي لا تخطئها أية عين، ولا يختلف عليها اثنان،٤٣ وذلك تبعًا للمعايير الموضوعية المنطقية، وعلى رأسها معيار القابلية للتكذيب.

(٢) مناقشة انتقادات معيار القابلية للتكذيب

(١) معيار القابلية للتكذيب، شأنه شأن أية فكرة فلسفية، لا بد له من اجتياز مواجهات عسيرة، حقًّا ليست بالوقائع التجريبية التي ينفرد بمواجهتها العلم، لكن بما هو أقسى: اعتراضات دارسي الفلسفة القوية، وانتقادات الفلاسفة الدقيقة، في هذا القسم من الفصل سنناقش النقد الذي أثير في وجه المعيار، ومن الأفضل أن نخص الفقرة الثانية لمناقشة النقد المتعلق ببنية المعيار ذاته، أما بقية الفقرات فستنفرد كل منها بعرض نقد أثاره باحث معين.٤٤
(٢): (أ) من أهم الاعتراضات التي قابلت المعيار — خصوصًا بعد ازدهار الميكانيكا الإحصائية — اعتراض يتعلق بالقضايا التي تدور حول الاحتمالية بمعنى التكرار Frequency وهو كالآتي: على الرغم من أن عبارات الاحتمالية تلعب الآن دورًا هامًّا في العلم، فإنها تبدو غير قابلة للتفنيد،٤٥ فليست هناك متتالية محددة أو متناهية finite Sequence٤٦ من «أ»، ولا تنشأ «ب» عن أيٍّ منها، ويمكن أن تفند بصورة منطقية حاسمة القضية الاحتمالية القائلة لو معظم حالات «أ» ينشأ عنها «ب»، مثلًا ليست هناك أية قضية محددة مثل القضية «السماء لم تمطر في بورسعيد مساء السبت.» يمكن أن تفند بصورة منطقية الفرض العلمي القائل: إن احتمال أن تمطر السماء في بورسعيد مساء السبت له القيمة «ن».
وقد أولى بوبر هذه الصعوبة عناية خاصة، وفي الرد عليها قال: أولًا على الرغم من أن قوانين ميكانيكا الكوانتم النماذج المثلى للقوانين الاحتمالية تختبر بواسطة الملاحظات الإحصائية، فإنها هي نفسها ليست إحصائية، وثانيًا الفروض الاحتمالية قابلة للتفنيد من حيث المبدأ، طالما أنها تقريرات عن تكرارات تحدث في طبقات متناهية Finite أي محددة.٤٧
ولقد أخذ بوبر برأي ريتشارد فون ميسيز Richard von Mises بصورة معدلة، خلاصتها أن احتمالية حدوث خاصة Property في طبقة مفتوحة بصورة غير محددة Unristrictedly open class هي التي تحدد تكرار حدوثها في حلقات متناهية Finite Segments من التتالي المفتوح Open Sequence، وفي الآونة الأخيرة أكد بوبر أن عبارات الاحتمالية، على الرغم من أنها قد تعتمد على دليل إحصائي، إلا أنها نفسها لا ينبغي أن تفسر إحصائيًّا، فالأحرى هو إرجاع القابليات والاستعدادات الموضوعية إلى أهداف طبيعية.٤٨
وقد رأى جون باسمور أن هذا الرد ليس مقنعًا تمامًا،٤٩ لكنه سيبدو مقنعًا إذا أخذنا في الاعتبار حقيقة غاية في الأهمية، وهي أن النظرية الاحتمالية التي يعتبر بوبر مجددًا عظيمًا فيها، أو بالأصح يعتبر بوبر وريتشارد فون ميسيز مجددين فيها؛ لأنهما يناديان بنظرية احتمالية متماثلة ذات نسق بدهيات واحد لحساب الاحتمال، هي نظرية تحسب احتمالية الأحداث events، وليس احتمالية الفروض العلمية، وهي لذلك نظرية رياضية فيزيائية، وليست منطقية إبستمولوجية،٥٠ غير أنها أساس موضوعية بوبر، خصوصًا التي حارب من أجلها نظريات الاحتمالية الذاتية.٥١

(ب) المفروض في العلم أنه يعطينا معلومات إيجابية، فكيف نميزه باستيفاء خاصة سلبية مثل إمكانية التكذيب أو التفنيد.

في الرد على هذا، أوضح بوبر أن كمية المعلومات الإيجابية المشتقة من العبارة العلمية، أي محتواها التجريبي، تزيد كلما زادت إمكانية تصادم هذه العبارات، بسبب خاصيتها المنطقية مع عبارات أساسية، كما أوضح الفصل الأول في القسم الثاني الذي أوضح ارتباط القابلية للتكذيب بالمحتوى المعرفي، فهذه هي جوهر فكرة التكذيب.

وربما كنا لا نقول عن قوانين الطبيعة قوانين، إلا أنها تمنع أكثر مما تقول،٥٢ ومن الناحية الأخرى فقد أوضح بوبر أن كل قانون من القوانين الطبيعية يمكن وضعه في عبارة تشبه في صورتها المثل القائل: «لا يمكنك حمل الماء في مصفاة.» وقانون الإنتروبي يمكن التعبير عنه كالآتي: «لا يمكنك أن تبني آلة كفايتها مائة في المائة.» وإن هذا النمو في صياغة القوانين الطبيعية لمن شأنه أن يبرز ما لهذه القوانين من دلالة تكنولوجية،٥٣ إن قوة العبارة الإخبارية في أن تحدد حالة معينة، وتنفي كل ما هو خارجها، بحيث يكذبها إذا حدث، بعكس تحصيلات الحاصل التي تسمح بكل ما هو ممكن، ولا تمنع أي شيء، فلا تخبر بشيء، ولا تتنبأ بشيء.
(ﺟ) يمكن قلب كل ما قاله بوبر في نقد الاستقراء والتحقق، ليصبح نقدًا للتكذيب على أساس أن إمكانية التكذيب مماثلة تمامًا لإمكانية التحقق.٥٤
يقول بوبر: إن هذا النقد ضعيف جدًّا، ولا ينبغي أن نلتفت إليه؛ لأن اللاتماثل المنطقي التكذيب والتحقيق، هو الأساس المنطقي للتكذيب، هذا اللاتماثل هو الذي يكفل الصحة المنطقية للتكذيب، بينما تستحيل تمامًا على التحقيق بسبب مشكلة الاستقراء.٥٥
(د) إذا أمكن تطبيق المعيار على نسق من العبارات، فقد تمكنَّا من تبين الخاصة العلمية للنسق ككل، لكننا نظل متشككين من عملية أو تجريبية أجزائه المكونة كنسق فرعي أو عبارة معينة فيه، والمثال على هذا من نظرية نيوتن للجاذبية، فقد يثار التساؤل حول ما إذا كانت قوانين نيوتن للحركة — أو أي منها — هي تعريفات أم هي تقريرات.٥٦
في الرد على هذا يقول بوبر: إن نظرية نيوتن هي نسق، ولو كذبناها فإننا نكذب النسق بأسره، وقد نكتشف الخطأ في أحد قوانينها أو في الآخر، واكتشاف هذا الخطأ يعني أننا أدركنا (أو افترضنا حدسيًّا Conjecture بتعبير بوبر) ضرورة تغير معين في النسق سيحرره من التكذيب، فيخرج النسق في صورة جديدة متضمنة هذا التغيير أو التعديل، أو هذه الإضافة، وهذا يعني نسقًا جديدًا أكثر اقترابًا من الصدق.
لكن تكذيب النسق هو أيضًا فرض، وإذا لم نقدم بديلًا محددًا للفرض الذي كذبناه، فإنه سيكون محض إثارة للشك، والعكس أيضًا صحيح: لو قررنا أن نسقًا آخر لم يتم تكذيبه فهذا القرار أيضًا فرض، فكل شيء في العلم مجرد فرض، والمهم دائمًا أن تتحدى النسق بتقديم نسق آخر أقوى منه، ينافسه فيتغلب عليه ويستطيع اجتياز الاختبارات التي لم يستطعها.٥٧
غير أن هذا الرد قد يثير اعتراضًا مؤداه: ماذا يحدث إذا لم نستطع إيجاد خلف ناجح للسالف الذي تم تفنيده،٥٨ وهذا اعتراض أثاره بريان ماجي في مناقشته مع بوبر، وفي الرد عليه قال بوبر: إننا سنستمر في استعمال النظرية القديمة المفندة، لكننا سوف نستعملها ونحن نعلم أن شيئًا ما خاطئ فيها، وسوف تكون هناك مشكلة مفتوحة تمثل تقدمًا في المعرفة أو إمكانية تقدم؛ إذ سندرك الحد الأدنى من الشروط التي يجب أن تتحقق في النظرية الجديدة التي سنقدمها يومًا ما كحل لتلك المشكلة المفتوحة،٥٩ إن التكذيب — كما أوضح القسم السابق — هو دومًا مثير لتقدم المعرفة.

(ﻫ) لو وضع عالم بيولوجي القانون: كل البجع أبيض، ثم وجدنا بجعة سوداء في أستراليا مثلًا، يمكن أن نرفض اعتبارها بجعة، وبهذا يصبح القانون أو النظرية غير قابلة للتفنيد.

ورد بوبر هذا النقد بأن وضع قاعدة ميثودولوجية هي: كل من يقبل وجود بجعة واحدة على الأقل، ليست بيضاء، لا بد أن يقبل تفنيد النظرية،٦٠ والعالم هو الذي يحدد مسألة القبول أو الرفض شريطة أن يكون متسلحًا بالنقد الذاتي الذي يجعله يرفض الفروض العينية، ويقبل فقط الفروض المساعدة.
(و) بعض النظريات العلمية غير قابلة للتكذيب، مثلًا «الماء يتجمد في درجة الصفر.» لا يحتمل إطلاقًا أن نجد واقعة تكذبه، ولو وجدنا ماءً لا يتجمد في درجة الصفر، فلن يكون ماء؛ ولهذا لا نجد إلا احتمالين:
  • هذا القانون ليس علميًّا، أو هو تحصيل حاصل.

  • نتمسك بافتراض وجود ماء لا يتجمد في هذه الدرجة.٦١
ولعل هذا هو أساس رفض وليام نيل اعتبار كل قضايا العلم فروضًا،٦٢ والحق أن هذه صعوبة خطيرة أمام المعيار، فهي تعني أنه لا يميز عبارات العلم الراسخة، وفي رد بوبر عليه يتمسك بالاحتمال الثاني، ومن خلال الدفاع سنجد المعيار وقد تطور.

فلنفترض أننا اكتشفنا ماءً له درجة تجمد مختلفة، فهل سنظل نسميه ماء؟

بوبر يقول: إن هذا السؤال أصلًا غير ملائم؛ فالتسمية لا تهم، وموضوع البحث سائل له خصائص كيميائية وفيزيائية معينة، ويتجمد في درجة الصفر، إذا لم ترتبط هذه الخصائص التي افترضناها في السائل فنحن مخطئون، وبهذا تنشأ مشاكل جديدة ومثيرة، منها مشكلة ما إذا كنا سنظل نسمي هذا السائل ماءً أم لا، وهذه مسألة تعسفية اصطلاحية، تتوقف على القرار الذي نتخذه، إذن فهذه الصعوبة لا تفند معيار التكذيب، وليس فحسب بل وإنها توضح كيف يساعدنا المعيار على اكتشاف ما هو هام ومميز في العلم، وما هو عشوائي أو اصطلاحي.٦٣
(٣) ولقد تعرض الباحث السوفيتي ف. ف. ناليموف بالدراسة النقدية لمعيار القابلية للتكذيب، واعترض عليه قائلًا: إن هناك «أمثلة مضادة توضح أن الظواهر التي لا يمكن تفنيدها تعد غالبًا ظواهر علمية، ومن هذه الأمثلة نظرية التطور، وفرضية تكوين القانون البيولوجي والأيديولوجية السيكولوجية (وهي نظرية تستخدم المفاهيم السيكولوجية في تفسيرات أحداث التاريخ)، وأخيرًا نظرية بوبر أيضًا، فكل هذه نظريات لا يمكن تفنيدها بالتجربة، ولكنها تُعَد علمية وإن أثارت اعتراض بعض العلماء، ومن ناحية أخرى فإن أيديولوجية اليوجا، أو بعبارة أصح: التوجيهات العلمية الصادرة عنها قد تفندها التجربة، لكن العلم الحديث بنموذجه المعروف لا يسلم بها كنظرية علمية.»٦٤
وواضح أن الأمثلة التي أوردها ناليموف هي الكفيلة تمامًا برد نقده، فأما عن نظرية التطور فهي ليست إلا تحصيل حاصل، وأنها لا تبلغ من المنزلة العلمية ما تبلغه النظريات ذات المحتوى المعرفي القابلة للتكذيب كنظرية نيوتن أو آينشتين.٦٥

وأما عن فرضية تكوين القانون البيولوجي، فهي في نطاق علم مناهج البحث وليس العلم التجريبي، وبالمثل الأيديولوجية السيكولوجية فهي محض أسلوب للبحث أو للفكر، ولا علاقة لها بالعلم الطبيعي الإخباري، وأخيرًا نجد نظرية بوبر أهم ما يشهر في وجه نقد ناليموف؛ لأن بوبر بمنتهى القطع الجازم لم يقدم نظريته بوصفها علمية قابلة للتكذيب، بل قدم فقط اقتراحًا بمبدأ منطقي، قادر على تمييز العلم.

الخطأ إذن ليس من معيار القابلية للتكذيب الذي يفشل في تمييز تلك النظريات، بل من ناليموف الذي قال: «ولكنها تعد علمية.»٦٦ وهي ليست هكذا.

أما ما قاله عن اليوجا أو أيديولوجيتها، فإنه ينطبق على نصائح سيدة عجوز حكيمة، وعلى الوصايا التي تقال في تربية الأطفال، فهي قابلة للتفنيد؛ إذ يمكن فعلًا أن نختبرها بأن نستنبط التنبؤات التي تلزم عن هذه التوجيهات ونقابلها بنتائج الممارسة العلمية لها التي قد تكذبها، غير أنها قابلة للتفنيد بمنظور مبهم فضفاض، غير قابلة له بالمنظور المنطقي الدقيق الذي طرحه بوبر لتمييز العلم، فلا هي ذات محتوى معرفي، تجريبي أو منطقي، قابل للدخول في نسق استنباطي، أو في منافسة مع الفرضيات الأخرى، أو مقارنة سعة فئات المكذبات المحتملة، وعلاقات القابلية للاشتقاق والفئة الفرعية، ودرجة تأليف العبارات الأساسية والبساطة والاحتمالية … ثم إن الوجه المنهجي لمعيار القابلية للتكذيب غير قائم فيها على الإطلاق، كل هذا لأنها ليست علمًا.

ويبدو أن معرفة ناليموف — وهو عالم في ذلك العلم الدقيق: الإحصاء — بمعيار القابلية للتكذيب ليست دقيقة؛ لأنه عاد ليقول: «الفيصل الصحيح للتمييز بين النظريات العلمية وغير العلمية يجب أن يكون قابليتها للتطور الذاتي؛ أي للفناء الذاتي.»٦٧ ولو كان يدري ما هو التكذيب تمامًا، لكان قد عرف أنه قابلية العبارات العلمية الشديدة لأن تكذب يومًا ما، فتترك لتفنى، ويحل محلها عبارات أفضل وأكثر تطورًا.
المهم أن ناليموف عاد ليقول: إن ذلك الفيصل الذي وضعه بوبر ضروري فقط، ولكنه ليس كافيًا ولا جواب كافٍ على مشكلة التمييز؛ لأنه من المستحيل تمييز النشاط العلمي عن النشاط الإنساني،٦٨ في حين أن بوبر كان أكثر الفلاسفة — ربما على وجه الإطلاق — عناية بتوضيح أنه لا فارق البتة بين النشاط العلمي وبين أي نشاط على وجه الأرض، ووضع صياغته الشهيرة: «م١ ح ح أ أ م٢» ليؤكد ذلك؛ لذلك فهو لم يهدف البتة إلى تمييز النشاط الإنساني، بل هدف إلى تمييز النظريات أو أنساق العبارات.٦٩

وشبيه باعتراض ناليموف على استحالة التمييز، اعتراض دكتور ياسين خليل؛ إذ يقول:

«ولا أقول هنا كما يقول فلاسفة التجريبية المنطقية في استبعاد الأفكار الميتافيزيقية؛ لأني أعتقد بعدم إمكانية التوصل إلى معيار للتمييز بين الأفكار العلمية والميتافيزيقية.»٧٠ فهل يا ترى لو اطلع دكتور ياسين خليل على العرض الوافي لمعيار القابلية للتكذيب، سيظل على اعتقاده هذا؟ تبدو الإجابة بالنفي أقرب إلى المعقول.
(٤) وقد تعرض عالم النفس أيزنك أيضًا بالنقد للمعيار، وذلك في سياق معالجته لعدم انطباقه على نظرية فرويد، مما عنى أنها ليست علمية، وفحوى نقد أيزنك أنه ليس صحيحًا أن الحكم بالكذب فيصل حاسم في العلم، وكل ما في الأمر أن هذا المعيار يفتح الطريق أمام صعوبات كثيرة في تطبيقه، ذلك أن كل النظريات لها عدد كبير جدًّا من المخالفات التي تبدو على أنها تكذب النظرية، غير أن النظرية تستمر وتنتعش على الرغم من مخالفاتها، فقد تنبأ كوبرنيقوس باختلاف موقع النجوم بالنسبة للرائي، كنتيجة لنظريته بمركزية الشمس، يبدو أن معاصريه لم يلاحظوا شيئًا من هذا، ولا حتى لاحظ خلفاؤه، لوحظ هذا فقط عام ١٨٣٨م، ورغم هذه المخالفة كانت مركزية الشمس مقبولة في كل مكان، وقد وضع وليام هارفي نظريته في الدورة الدموية ولم يكن فيها أي وسيط intermediaries بين الشرايين والأوردة، ولم تُكْتَشف الشعيرات الدموية إلا بعد وفاته بخمسين عامًا، على الرغم من هذا التكذيب الواضح فإن مبدأه كان مقبولًا في ذلك الوقت.٧١
بل وحتى نظرية نيوتن العظيم، لا يمكنها أن تلائم حركات القمر تمامًا، ولا يزال الفشل يتعقب خُطا كل من يحاول تعليل انحرافات عطارد عن نسقه، فأقرب نقطة من الشمس في فلك عطارد لا يمكن أن تتلاءم مع نظرية نيوتن، على الرغم من محاولات لافرير Laverrier بتعليل هذا بافتراض وجود كوكب أدنى، بل وإننا نجد هذا حتى في نظرية آينشتين العامة للنسبية؛ ففي حلها هي الأخرى لمشكلة عطارد، قد تنبأت بملاحظات للاستقبال الفلكي Procession تحوي خطأً قدره ١٪، ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات أعطتنا أدق التأييدات التجريبية للنظرية ثم إن تنبؤات آينشتين تفترض أن الشمس دائرية، وحتى الآن لم نجدها هكذا، بل نجدها مفرطحة ومنبعجة بنسبة ١ إلى ٢٠٠٠، وكل هذا يؤدي إلى أخطاء في الملاحظة تكاد تجعلها غير مقبولة بنسبة ٨٪، وأفضل النظريات العلمية المطروحة حتى الآن هي نظرية ديك وبرانز Dicke and Brans إلا أن الفلكيين ما زالوا يعتبرون المشكلة بغير حل، إذ إن الاستقبال الفلكي Precession لعطارد ما زال يتحدى كل الشروح.٧٢
وعلى الرغم من كل هذا ما زلنا نعتبر نسق نيوتن من أعظم إنجازات العلم، يمكن أن نمد القائمة بغير حدود، لننتهي إلى أن القابلية للتكذيب في صورتها البسيطة ليست معيارًا مقبولًا لتمييز العلم، وأنها لكي تكون هكذا تحتاج إلى سفسطة أكثر مما قد نتخيل!٧٣

وأبسط ما يقال في الرد على هذا النقد من أيزنك، أننا لا ندري ما إذا كان ينقد القابلية للتكذيب — أي معيار العلم — أم هو ينقد التكذيب — أي الحكم على النسق — بعبارة أخرى: يبدو أن أيزنك لم يدرك تمامًا الفارق الكبير بين القابلية للتكذيب وبين التكذيب، بل وحتى الأمثلة التي أوردها كمكذبات لنظريتَي كوبرنيقوس ووليام هارفي، ليست إطلاقًا مكذبات منطقية، بل مجرد أوجه نقص اكتملت مع نمو العلم، وإذا كانت النظريات العلمية تتطور أو تتدارك أخطاءها أو تأتي بالأدلة والشواهد بعد ولادتها، فهل هذا خلل في معيار القابلية للتكذيب؟ كلا؛ لأنه أقدر النظريات المنطقية على معالجة تطور العلم، وقد أوضح تمامًا ماذا نفعل بالنظرية العلمية بعد أن نكتشف الخطأ فيها، حتى ولو لم نجد سلفًا ناجحًا لها، ويبدو أن هذا قد فات أيزنك كما فاته أن السمة العلمية التي يميزها المعيار، هي الإخبار عن الواقع بدرجة معينة من الصدق، وليست الصورة النهائية مطلقة الكمال التي لا يأتيها الباطل من بين أيديها أو خلفها، مثل هذه النظرية مستحيلة، ولسنا في حاجة إلى معيار يميزها.

ثم يحاول أيزنك الإحاطة أكثر بإثبات فشل معيار القابلية للتكذيب، فيوضح أنه من الناحية الأخرى ينطبق أيضًا على العلوم الزائفة فيقول: إن قابلية علوم التنجيم والفراسة للتكذيب واضحة؛ إذ يمكن استنباط وقائع تجريبية كاذبة من نظرياتها،٧٤ وأبسط ما يقال لدحض هذا النقد هو الشق المنهجي للتكذيب، والذي يؤكد عليه بوبر تأكيدًا ربما أكثر من الشق المنطقي؛ ولذلك يمكن أن نقول لأيزنك: إن هذه العلوم لا يقوم منهجها على التكذيب، ولا يحاول العالم البحث عن الاختبارات والتفنيدات، ولو فعل لتبخرت هذه العلوم.
(٥) أما النقد المنطقي الدقيق للمعيار فيمكن أن نجده مع عالم المنطق الكبير وليام نيل، وقد تركز اعتراضه على أن منطق التكذيب يحكم على العبارات الوجودية غير المحددة unristrictedly existential بأنها ليست علمًا، واضطرم أوار النقد حين اعتبر بوبر إياها — في أحد المواضع — ميتافيزيقية، ورأى نيل أن بوبر في هذا لم يستطع أن ينفصل عن الوضعيين وقلقهم الشديد من الميتافيزيقا، وهو بذلك يناقض نفسه؛ إذ يأخذ بمصطلحات وضعية تمامًا، في حين أن الحاجة لا تدعو إلى هذا، ثم يأتي بعد هذا ليدَّعي أن اقتراحه بالتكذيب يدخل في نطاق الأحاديث اللاتحليلية المناهضة للوضعية.٧٥
والحق أن نيل مصيب في هذا الاعتراض، فكيف يسمي بوبر هذه العبارات ميتافيزيقا، «وهي قد تكون لا تقول أي شيء عن الميتافيزيقا كما يفهمها أي فيلسوف جاء قبل الوضعيين المناطقة؛ فهم فقط الذين استعملوا اصطلاح الميتافيزيقا استعمالًا مبهمًا فضفاضًا ليشير إلى كل قول يرونه سخيفًا منافيًا لما يرومون.»٧٦ فلنفترض مثلًا أن مؤمنًا بالقوى الغيبية قال: «السحرة يوجدون بالفعل.» فإن هذا القول ثرثرة، وبالطبع ليس علمًا، ولكنه أيضًا ليس ميتافيزيقا لمجرد أن له صورة العبارة الوجودية غير المحددة،٧٧ وإذا أضفنا إلى ذلك موقف بوبر من الميتافيزيقا وإجلاله إياها، بدا بوبر بالفعل متناقضًا مع نفسه، فما كان ينبغي له أبدًا استعمال مصطلح ميتافيزيقا في هذا الصدد، ومثل هذا الاستعمال المبهم العام.
غير أن نقد نيل لا يقتصر على هذه الهفوة الفيلولوجية الترمينولوجية لبوبر، بل إنه ينصبُّ أساسًا على اعتبار القضايا الوجودية غير المحددة ليست علمًا، يقول نيل: لنفترض أن معلوماتي عن الأسماك بسيطة وسطحية، ثم جاء عالم بيولوجي وقال في عبارة وجودية غير محددة: «توجد أسماك ذات رئة تستطيع التنفس على الأرض.» فلن أعتبر هذا القول ميتافيزيقا بل معلومة تجريبية لا بأس بها، ثم إن بوبر يرى القضايا العمومية التجريبية علمًا؛ لأنها قابلة للتفنيد بواسطة الخبرة، بينما القضايا الوجودية غير المحددة ليست علمًا، في حين أنها أيضًا قابلة للتفنيد، ومن ناحية أخرى فإن تفنيد أي قانون أو فرض هو بدوره تأسيس لقضية وجودية غير محددة.٧٨
ولقد استشهد نيل باكتشاف البروفسور أندرسون Anderson للبوزيترون Positron إذ اتخذت دعواه في البداية صورة اعتبارات لشكل مسار الجسيم على لوحة فوتوغرافية معينة، إلا أن ما قرره أندرسون هو القضية الوجودية غير المحددة بأن هناك مع كتلة الإلكترونات جسيمات موجبة الشحنة، وهذا هو ما اعتبره زملاؤه بحق أهم إسهاماته في الفيزياء،٧٩ فلقد قرر وجود جسيم لم يكن معروفًا إلا تبعًا لمعادلات ديراك التي كان أندرسون يجهلها، فإذا كان لأية فلسفة في العلم أن تستبعد هذا الإنجاز العظيم، فإن ذلك يضرها هي.٨٠
وفي رد بوبر على نيل، قال: إنه أخطأ لأنه تصور أن القابلية للتكذيب، وبالتالي السمة العلمية، مقصورة على القضايا العمومية،٨١ ونيل فعلًا بدأ نقده بمسلمة هي أن هدف بوبر الأساسي هو تمييز القضايا العمومية للعلوم الحقيقية،٨٢ في حين أن بوبر ناقض أيضًا العبارات الأساسية وجعلها موضعًا للبحث والاختبار.

ويبدو أن نيل لم يأخذ في اعتباره الصورة المنطقية لمختلف العبارات العلمية في تسلسل الاستنباط التكذيبي، وأيضًا في تسلسل نسق العلم، فهو يقول: إن العبارات الوجودية غير المحددة قابلة للتفنيد، لكنها تقبله بالمعنى المبهم الذي لا علاقة له بفلسفة العلم كما تقبله نصائح السيدة العجوز أو أيديولوجية اليوجا، لا بالصورة النسقية المنطقية التي طرحها بوبر لتمييز العلم، ففي هذه الصورة لا بد أن تكون المقدمة الكبرى عمومية كلية والمقدمات الصغرى وجودية محددة، وإلا انتفى الانضباط المنطقي، ثم إن نيل اقتطع عبارات معينة من تسلسلها لتعبر بصورة خاطئة عن نقده، فتقرير أندرسون عن البوزيترون يدخل في نسق العلم التركيبي لبنية الذرة، وأصبح لهذا الفرض تحديد معين في هذه البنية، بحيث يمكن تعيين العبارات الأساسية التي تحدد هذه العبارة.

أما ما أورده على لسان عالم بيولوجي فقد يصلح لتزجية أوقات وليام نيل مع صديقه البيولوجي، لكن لن يدخل في نسق العلم إلا إذا أتانا العالم بالشواهد التجريبية البينة التي تعزز القول بوجود أسماك ذات رئة؛ أي لا بد من عبارات أساسية تحدد هذه العبارة الوجودية، فتتمكن من دخول نسق العلم، ونتمكن نحن من رد نقد وليام نيل، إذ إن العبارة الوجودية لن تدخل نسق العلم إلا إذا كانت محددة.

(٦) وفي زمرة المناطقة المعترضين، يدخل التجريبي المنطقي والاستقرائي المتعصب هانز رايشنباخ، وينصبُّ اعتراض رايشنباخ على الجانب الاستنباطي للتكذيب، ويتلخص نقده في أن بوبر قد أغفل جوانب هامة تميز بين الاستدلال الاستنباطي وبين الاستدلال الاستقرائي، فبينما نجد النتيجة في الاستنباط متضمنة منطقيًّا في المقدمات، نجد الأمر بخلاف هذا في العلوم الطبيعية، ثم إننا قد نصل إلى نتيجة كاذبة على الرغم من صدق المقدمات؛ لذلك لا يمكن موافقة بوبر على وضع النظريات في نسق استنباطي؛ لأن الأساس الذي يتوقف عليه قبول النظرية ليس الاستدلال من النظرية إلى الوقائع، إنما هو العكس، الاستدلال من الوقائع المعطاة إلى النظرية، وقد اعترض رايشنباخ أيضًا على اعتبار النظريات العلمية افتراضات حدسية Conjectures، وقال: إن بوبر قد أساء فهم سيكولوجية العالم؛ لأنه لن يقدم افتراضه الحدسي إلا إذا أيده بالوقائع التجريبية، ثم إن تبرير بوبر للنظرية على أساس الوقائع — فيما أسماه بالتعزيز — لهو الاستقراء الحقيقي.٨٣

أولًا رايشنباخ لا يهدف إلا إلى الانتهاء إلى أن الاستقراء هو منهج العلم الذي لا منهج سواه فإذا كان لا يريد بعد كل هذا الاقتناع بأن الاستقراء خرافة، فهذا شأنه، وعلينا الآن أن نناقش أوجه القصور التي ألحقها بالمعيار.

أما عن موازنته بين الاستدلال الاستنباطي والاستدلال الاستقرائي، وحكمه بأن الأول غير صالح للعلم، فقد قال أحد الباحثين ردًّا عليه: «إن رايشنباخ في نقده لبوبر، لم يتبين المعنى الذي قصد إليه من الاستنباط؛ لأن بوبر لم يكن بصدد الحديث عن الاستنباط الصوري Formal Deduction الذي يضمر في مقدماته النتائج؛ وبالتالي لا تفيد النتيجة شيئًا جديدًا، أكثر مما تفيده المقدمات، بل إن بوبر يقصد إلى نوع آخر من الاستنباط الذي يكشف عن حقائق جديدة حين ننتقل من مقدمات معلومة إلى نتائج لم تكن معلومة، وهذه النتائج تفيد علمًا جديدًا.»٨٤ هو تنبؤات النظرية.
وأما عن اعتراضه الواهي بأن هذا النوع من الاستنباط يمكن أن يؤدي إلى نتائج كاذبة رغم صدق المقدمات، فإننا نحيله إلى مقال بوبر «أسس جديدة للمنطق»؛ حيث بدأ بطرح المشكلة الأساسية في المنطق وهي: كيف يمكن تمييز الاستدلال الصحيح Valid inference عن الاستدلال غير الصحيح؟ وفي الإجابة على هذا، عرَّف بوبر الاستدلال الصحيح نفس تعريف تارسكي، وهو: الاستدلال الذي — في أية صورة من الصور نبنيه، وفي أي تأويل له — لا بد أن يفضي بنا إلى استنتاجات صادقة إذا كانت المقدمات صادقة، فمثلًا إذا سلَّمنا ﺑ: «ق» و«ك» لتوصلنا إلى «ك»، هذا استدلال صحيح؛ لأننا لو أحللنا أية قضايا صادقة محل «ق» و«ك»، فإن نتائج الاستدلال لا بد أن تكون صادقة، حتى ولو غيرنا صورة الاستدلال فقلنا مثلًا: إذا كان لدينا «ك» و«ق» لتوصلنا إلى «ق».٨٥
وواضح أن بوبر يعطينا أنموذجًا لاستدلال تافه جدًّا trivial وبوبر أعطانا إياه عامدًا متعمدًا؛ لأنه لا يحتاج إلى أية افتراضات أو تسليمات مسبقة، وبوبر يريد أن ينتهي في النهاية إلى منطق يبدأ من مثل هذه الاستدلالات سائرًا بالتدريج إلى أعقدها وأكثرها تركيبًا، حتى ينتهي إلى منطق بلا أية افتراضات،٨٦ والمثل تمامًا فعله بوبر بنسق الرياضيات البحتة.٨٧

وبعد كل هذا، وما سلف في سياق البحث، لا غبار على اعتبار الاستنباط هو منهج العلم بدلًا من الاستقراء رايشنباخ، وأما عن اعتبار العلم افتراضات حدسية، فالأمر لا علاقة له بسيكولوجية العالم، بل بطبيعة النظرية العلمية المستحيلة اليقين، القابلة دومًا للتكذيب أي المؤقتة، وهي لهذا افتراضية، ثم إن بوبر لم يبرر النظرية بالوقائع، بل استهجن بشدة مطلب التبرير، وقال: إنه لا محل له إطلاقًا في منطق العلم الحديث، إن ما يطلبه بوبر من النظرية هو التعزيز، وقد أوضحنا في موضعه، أن التعزيز لا علاقة له البتة، لا بالتبرير ولا بالاستقراء.

(٧) وثمة نقد دقيق أيضًا للباحث ب. بيرنايز، فقد اعترض على المعيار اعتراضًا مؤداه أن القابلية للتكذيب ليست هي أساس منهج العلم، ولا هي معيار العلم المميز، فعلى الرغم من التطورات العظمى التي أحدثتها تطورات العلوم التجريبية على نظرتنا لمكونات المادة وطبيعة الضوء، وطبيعة القوانين الفيزيائية، ومبدأ السببية، بل وحتى الزمان والمكان؛ على الرغم من هذا فهناك قوانين عديدة من مستوى عمومية منخفض، تظل دائمًا على قوتها منذ لحظة اكتشافها، وإن كانت تأويلاتها تختلف من نظرية عمومية universal لأخرى، من أمثال هذه القوانين، قوانين كسر الأشعة الضوئية وانعكاسها، وقوانين الديناميكيا الحرارية، وقوانين التحليل الطيفي.
ثم إن الاختبار ليس له دائمًا سمة البحث عن التفنيد، وليس كل من يضع نظرية جديدة يعارض النظرية الشائعة ويحاول أن يوضح كذبها، وحقًّا تفنيد نظرية قد يكون انتصارًا لنظرية جديدة، لكن الاختبارات التجريبية للنتائج المنطقية التي تلزم عن النظرية، لا تجري دائمًا بتلك الروح العدائية المتشائمة التي يصفها بوبر بقوله: «نحاول على قدر المستطاع التخلص منها»، وليست التطورات الهامة هي فقط بالتعرف على خطأ النظريات، ولكن أيضًا بالثقة في نظريات كنا نأخذ بها بتهيب، والنظرية ليست بالضرورة ستتصادم مع الواقع، بل يمكن أن تدهشنا بتوافقها معه، كتوافق جميع الظواهر التي تحدث على الأرض وفي الفلك مع تقديرنا لسرعة الضوء مثلًا، ثم إن المناقشة العقلانية ليست بأسرها النقد فقط، وبوبر نفسه قد أوضح أن الإلمام بموقف المشكلة من أهم عناصر هذه المناقشة.٨٨

إن خلاصة اعتراض بيرنايز على منطق التكذيب هو أنه يرسم للتقدم العلمي صورة عدوانية متشائمة، ولكل ينزع إلى تكذيب الآخرين، وكأنه حرب ضروس، كل كشف علمي جديد لا يأتي إلا على أشلاء الكشوف الأخرى، وبوبر بهذا يسحب عن العلم طابعه التعاوني الجمعي الذي يميزه عن الفن مثلًا، والذي يؤكد عليه بيرنايز، كما يؤكد على أن بعض الكشوف العلمية ذات مستوى العمومية المنخفض تبقى ثابتة، وأن النظرية الجديدة تأتي على أكتاف النظريات الأخرى وليس على أنقاضها، أما عن أنها قد تتوافق مع الواقع، فيمكن أن نقول لبيرنايز: إنها قد تعزز؛ وبالتالي لا يكون هنا اختلاف بينه وبين بوبر.

لكن المهم أن نناقش الآن: أي الصورتين هي الأصوب: صورة بيرنايز التعاونية أم صورة بوبر التكذيبية؟ لكي نفصل القول يجمل بنا اقتطاع قطاع موجز يوضح كيفية التواتر العلمي بين النظريات، ليرينا أي النظريتين هي الأصوب، وليكن قطاعًا من أكثر العلوم تقدمًا أي الفيزياء النووية.

بدأ هذا العلم بالافتراض الديمقريطي الدالتوني المندليفي، الذي يدعم نظرية نيوتن والقائل: إن المادة مكونة من ذرات غير قابلة للانقسام، وأول خطوة حاسمة تمت على يد جوزيف جون طومسون، فبدراسته لأشعة الكاثود، أظهر أنها تدفق الإلكترونات حاملة الشحنات الأحادية السالبة، وبعد ذلك قاس علاقة الشحنة بالكتلة، وأخيرًا كتلة الإلكترونات، فكان هو الذي اكتشف أول ما عرف من جسيمات الذرة: الإلكترون، فحطم القاعدة القائلة: إن الذرة غير قابلة للانشطار، وأثبت وجود جسيمات أخرى أصغر منها وتدخل في تكوينها، ثم تعاون معه «روزفورد»، وعكفا على دراسة طبيعة الإشعاع الذي اكتشف حديثًا، فتمكن «روزفورد» من إثبات أن الإشعاع الذري غير متجانس ويتكون على أقل الفروض من مكونين هما جسيمات بيتا الخفيفة، وجسيمات ألفا الثقيلة ذات الشحنة الموجبة،٨٩ وبتعاون روزفورد مع مارسدين — حفيد تشارلز دارون — توصلا إلى أن مركز الذرة شبه الخالي تربض فيه النواة ذات الشحنة الموجبة وهي أصغر من الذرة نفسها بمائة ألف مرة، ومحاطة بحاجز كهربي منيع، ولما كان القانون القائل: إن إكساب البروتون طاقة مقدارها ميجا إلكترون — فولت واحد فقط، يمكنه من اجتياز الحاجز الكهربي، غير معروف في وقت روزفورد ولا كان المعجل معروفًا، فقد كانت هذه مشكلة كبيرة: كيف يمكن اجتياز الحاجز الكهربي للنواة، وتمكن مارسدين من حلها باقتراح الابتداء من نويات٩٠ أخف العناصر، أي الأيدروجين؛ لأن شحنتها أخف وبالتالي حمايتها أضعف؛ لذلك أطلق جسيمات ألفا على مستودع خاص مملوء بالأيدروجين، وتوصل إلى أنها تعطي طاقة لنويات الأيدروجين؛ إذ إن وميضها يظهر أمامه على الشاشة، ولكن كلما ملأ مارسدين المستودع بمادة أخرى — الأزوت مثلًا — ظهرت نويات الأيدروجين على الشاشة أيضًا، فلماذا؟ هل المستودع لم ينظف جيدًا؟ أخذ روزفورد هذا التساؤل وراح يبحث فيه، ولما تأكد من نظافة المستودع راحت الومضات تظهر مرة أخرى على الشاشة، فأدرك أنه وجد الجسيم ذا الشحنة الموجبة، الذي يدخل في تركيب كل النويات الذرية، أي البروتون، فدخلت هذه اللبنة الجديدة في تركيب الذرة.

ثم لاحظ الفيزيائيان الألمانيان والتر بوتيه وبيكر، بواسطة عداد جيجر جسيمات جديدة غير معروفة انطلقت من نويات البيرليوم، فاهتم الفيزيائيان الفرنسيان، الزوجان: إيرين كوري، وفردريك جوليو بدراسة إشعاع البيرليوم، لكنهما لم ينتهيا سوى إلى تكرار استنتاج كان قد انتهى إليه زميلاهما الألمانيان، وهو: أشعة جاما تتغلغل بصورة خارقة للعادة، ولم يكن من الممكن الرضا بهذا؛ لأنه يخل بقانون بقاء الطاقة.

فكان تشيدويك هو الذي تمكَّن من تحديد جسيم جديد يحل المشكلة، وهو جسيم ثقيل متعادل: النيوترون، وبظهور النيوترونات التي يمكنها بشكل مضمون أن تقاوم قوى التنافر الكهروستاتيكية، طردت الإلكترونات من النواة إلى الأبد، وأصبحت النواة مكونة من البروتونات والنيوترونات، وأصبحا — البروتونات والنيوترونات — معًا يسميان النيوكلونات، لكن ما الذي يثبتهما معًا في النواة؟ كانت إجابة روزفورد على هذا السؤال قد مكنته من تحطيم النواة عام ١٩٢٤م، باكتشاف قوى جديدة في الطبيعة هي القوى الكهرومغناطيسية، وكانت القوى النووية من أشد المواضيع تعقيدًا وصعوبة وأكثرها بذلًا للوقت والجهد في تاريخ العلم على وجه الإطلاق، وسار البحث فيها مع إيفانينكو، الذي راح يعمل بأفكاره الياباني هيديكي يوكاوا، فوجه الأنظار إلى أهمية الإشعاعات الكونية، فوجد العلماء جسيمًا جديدًا أسماه يوكاوا: الميزون (من: الميزوس أي متوسط باللغة الإغريقية)؛ لأن كتلته متوسطة بين كتلة الإلكترون والبروتون، ثم أسموه فيما بعد ميو-ميزون، واكتشفوا له خصائص فيزيائية مدهشة، ثم اكتشف السويسري فولفجانج باولي جسيمًا جديدًا هو النيوترنيو، ومعنى الاسم شيء صغير متعادل، ثم اكتشف أندرسون البوزتيرون، وهو يكاد يكون نسخة من الإلكترون، ولكنه ذو شحنة كهربية معكوسة الإشارة، وقد فتح اكتشاف البوزيترون الطريق أمام العالم النظري بول ديراك في كمبردج بالتنبؤ بضديدات الجسيمات، فظهرت خاصية جديدة للمادة هي إمكانية تحويلها من الشكل الوزني إلى شكل الطاقة، وبعد مرور ربع قرن من تنبؤ ديراك، اكتشف مجموعة من العلماء الأمريكيين برئاسة أمبيليو سيجريد وأوين تشمبرلين ضديد البروتون، ثم اكتشف العلماء أن الإلكترون والبوزيترون يقضي كل منهما على الآخر عند التقائهما، فكتلة كلا الجسمين قد تحولت إلى الطاقة التي وضع آينشتين معادلة تحسبها بأنها الكتلة مضروبة في مربع سرعة الضوء، وتم بعد ذلك اكتشاف جسيمات أخرى مثل الكا-ميرون والهيبرون،٩١ وقد يكتشف العلماء في الغد جسيمات أخرى.

والآن هل يبرهن هذا النموذج على نظرة بوبر التكذيبية، أم على نظرة بيرنايز التعاونية؟ لعل النظرة الأولى تؤيد بيرنايز، فيتعاون طومسون مع روزفورد، بدلًا من أن يكذب أحدهما الآخر، وجاء مارسدين ليكمل ما أنجزاه، ثم أضاف تشدويك جديدًا إلى البناء بدلًا من أن يفند، وبالمثل فعل باولي وأندرسون … وهكذا.

لكن النظرة الأعمق ترينا أن طومسون «هادئ لا يتمتع بروح النشاط والاندفاع اللازمة لمن يطيح بالأسس.»٩٢ أسس الفيزياء الكلاسيكية، ومع هذا كان هو الذي ضرب المعول الأول في هدم هذه الأسس؛ لأنه عالم أصيل، ثم أوضح روزفورد قصور نظريته، ثم جاء مارسدن ليثبت خطأ نظريتهما، وأن الذرة لها نواة لا بد من اختراق حاجزها الكهربي وبالمثل تمامًا كان كل عالم يكتشف جسيمًا جديدًا، يعني كشفه خطأ البناء المعرفي السابق إذا كان ينقصه هذا الجسيم، إن التكذيب لا يعني إطلاقًا الإطاحة بالبناء برمته، بل يعني التوصل إلى صورة جديدة أكمل، تبدو الصورة السابقة بجوارها قاصرة، أي مفندة لأن منطق التكذيب لا يعني الهدم، بل البناء على ما فات، وما فتئ بوبر يؤكد أن بناء هذه الصورة الجديدة لن يتأتى إلا بعد الإحاطة التامة بالبناء القائم «لكن لم يحدث أبدًا أن أفضت خبرة قديمة إلى نتائج جديدة، كل ما يحدث هو أن خبرات جديدة تسقط نظرية قديمة، وهذه النظرية القديمة، حتى بعد أن تغلبت عليها نظرية أخرى، تظل محتفظة بصحتها، ولكن فقط كحالة محدودة للنظرية الجديدة، فالنظرية الجديدة تحكم هذه الحالة بجوار حالات أخرى.»٩٣ بتعبير آخر نقول بشيء من التجاوز: «ليس المطلوب التسليم بخطأ الحقيقة السالفة، بل الاعتراف بأنها حقيقة جزئية.»٩٤ في مثالنا المطروح، تكون النظرية الجديدة محتوية على الجسيم السالف، لكن بجوار جسيم أو جسيمات أخرى؛ لذلك تتميز برجحان الصدق عن سابقتها، فتتمكن إذن من تكذيبها، وهذا ما سبق أن عبر عنه جاستون بشلار؛ إذ قال: «إذا ألقينا نظرة عامة على العلاقات الإبستمولوجية بين علم الفيزياء المعاصرة وبين العلم النيوتني، رأينا أنه ليس ثمة نمو ينطلق من المذاهب القديمة شطر المذاهب الجديدة، بل وجدنا بالأحرى احتواء الأفكار الجديدة للأفكار القديمة، إن الأجيال الروحية تعمل وفق أسلوب قوامه ضم التجارب المتعاقبة بعضها إلى بعض وتداخلها، وبين الفكر اللانيوتني والفكر النيوتني لا يقوم تناقض بل تقلص وإرغام، وهذا التقلص هو الذي يتيح لنا أن نجد الظاهرة مقتضبة في قلب الوجود المطلق (النومن) الذي يغلفها، وأن نجد الحال الخاصة في الحال العامة، من غير أن يستطيع الخاص البتة أن يستدعي العام.»٩٥

وأساس كل هذا هو النظرية الثورية في التقدم العلمي، التي ترى في كل إنجاز ثورة تطيح بالقديم وتحل محله، ويبدو أن بيرنايز يأخذ بالنظرية التراكمية وإن لم يكن قد صرح بهذا، ولكنه صرَّح بأنه يصوب أنظاره شطر القوانين ذات مستوى العمومية المنخفض، وهي بطبيعتها لا تقبل التكذيب بدرجة عالية؛ لأنها ذات محتوى معرفي منخفض، ولأنها لا تتطلب الكثير من الجرأة، ولكن بيرنايز نفسه أوضح أن تأويلات هذه القوانين تختلف من نظرية كلية إلى أخرى، وهنا يتضح الفارق الكبير بينه وبين بوبر الذي لا يصوب أنظاره إلا شطر الفيزياء البحتة، وإلى النظريات العمومية الكلية، وحينما يفلسف بوبر العلم، لا يأخذ في اعتباره نتيجة جزئية أُضيفت إلى الجزئيات الأخرى، بل ينظر إلى البناء الكلي بعد أن أضيفت إليه هذه النتيجة فيراه أشمل وأكمل من بناء الأمس، فيكون بناء الأمس مكذبًا مفندًا، بمعنى أننا توصلنا إلى ما هو أفضل منه وأكثر اقترابًا من الصدق، وليس بمعنى أن كل ما فيه خطأ، وإلا كان هراءً وليس علمًا، ولما كانت الفلسفة بطبيعتها، ينبغي أن تكون هي النظرة الكلية، كانت نظرة بوبر هي الأصوب من نظرية بيرنايز، وليس معيار القابلية للتكذيب قاصرًا؛ لأنه عدوانيٌّ كما تصور.

(٣) مقارنة معيار القابلية للتكذيب بمعايير الوضعية

(١) أهم أوجه مناقشة معيار القابلية للتكذيب، هو المقارنة بينه وبين معايير الوضعية وعلى وجه الخصوص المعيار الأساسي؛ أي التحقق؛ نظرًا لشيوع الخطأ الكبير، خطأ اعتبار التكذيب مجرد وضع التحقق في صور نافية كي تتلافى أخطاءه، وتتجنب صعوباته، وهذا خطأ عظيم: تاريخيًّا ومنطقيًّا وفلسفيًّا، والقول السليم هو أن معيار القابلية للتكذيب لا علاقة له البتة بمعايير الوضعية، تمامًا كما أن فلسفة بوبر لا علاقة لها البتة بفلسفة الوضعية المنطقية؛ إذ إنها تقف تمامًا على الطرف المقابل لها، كما أثبت الباب السابق.

(٢) أما عن كونه خطأً تاريخيًّا، فذلك أن بوبر قد توصل إلى معيار القابلية للتكذيب، وهو في السابعة عشرة من عمره عام ١٩١٩م، أي قبل أن تتشكل فلسفة دائرة فيينا أصلًا، وحتى بعد أن تشكلت، فإنها ظلت خافية على بوبر، وهو يقول: إنها ظلت بالنسبة له كالجماعة السرية لا يدري عنها شيئًا،٩٦ ويؤكد فيكتور كرافت هذا فيقول: إن بوبر حين بدأ اتصاله بأعضاء الدائرة في أواخر العشرينات من هذا القرن، كان اتجاهه المعادي لهم متشكلًا بالفعل، فبدأ بتحديهم ومواجهتهم،٩٧ أي إن أفكاره — وأولها زمانيًّا معيار القابلية للتكذيب — كانت محددة سلفًا.

إذن من الناحية الزمانية، يستحيل أن يكون التكذيب مجرد نفي للتحقق؛ لأن بوبر قد توصل إليه قبل أن يدري هو — وقبل أن يدري أحد — ما هو معيار التحقق الوضعي.

(٣) وأما عن كونه خطأً منطقيًّا؛ فذلك نظرًا للحجة التي تكررت كثيرًا في سياق البحث لأنها الأساس المنطقي لنظرية بوبر في العلم، ويجب أن تتكرر الآن مرة أخرى، وهي اللاتماثل المنطقي بين التحقيق والتكذيب، فملايين الوقائع المؤيدة لا يمكن منطقيًّا أن تحقق النظرية وإلا برزت مشكلة الاستقراء، في حين أن قبول واقعة نافية واحدة، تكذب النظرية بصفة منطقية حاسمة نهائية، إذن تكذيب النظرية سليم منطقيًّا، وليس التحقق هكذا؛ وبالتالي تكون القابلية للتكذيب معيارًا سليمًا منطقيًّا، وليست القابلية للتحقق هكذا.

وهذا اللاتماثل المنطقي كان أساس تفوق القابلية للتكذيب ونجاحها، فبينما لا يستطيع معيار التحقق استبعاد تحصيلات الحاصل مثل «إما أن تمطر السماء أو لا تمطر.» في الوقت الذي يستبعد فيه قوانين العلم الكلية، مما جعل شليك يعتبرها على مضض مجرد أداة لاستنباط العبارات الجزئية والأساسية، مما جعلهم في النهاية يلقون بها في نفس الهوة السحيقة التي ألقوا فيها بالميتافيزيقا … إلى آخر المشاكل التي رأيناها، بينما كان هذا مآل معايير الوضعية، نجد القابلية للتكذيب تستبعد تحصيلات الحاصل، وتنطبق أول ما تنطبق على قوانين العلم الطبيعي ونظرياته العمومية الكلية … باختصار لأن التكذيب أسلم منطقيًّا كانت نتيجته عددًا من الثمار الخصيبة٩٨ مثل حل مشكلة الاستقراء، ورسم الصورة السليمة لمنهج العلم على أساس القابلية للاختبار والمحتوى المعرفي، وطابعه النقدي، والنظرية الثورية التي تزيد من شحنات التقدم العلمي … إلى آخر مضمون هذا البحث، بينما أنتج التحقق الدورانات المنطقية والمشاكل التي لا تجد حلًّا.
(٤) وأما عن كونه خطأً فلسفيًّا؛ فذلك لأن التحقق مبدأ لفلسفة لغوية وهكذا سائر معايير الوضعية، أما التكذيب فهو مبدأ لفلسفة معرفية،٩٩ فالتحقق يبحث في الخاصة اللغوية للعبارات، خاصة اقتصارها على التعبير عن الواقع التجريبي، أما التكذيب فيبحث في المحتوى المعرفي للنظريات.
ذلك أن التحقق وسائر معايير الوضعية هي أساس نظريات في المعنى، تفصل فصلًا قاطعًا بين العبارات ذات المعنى والعبارات التي تخلو من المعنى، والوضعي المنطقي هربرت هيجل في مقال له عن فلسفتهم، التي هي لغوية، طرح معاييرهم «التحقق والاختبار والتأييد» تحت عنوان «معيار المعنى الدال على واقع»،١٠٠ أما التكذيب فلا يدَّعي على وجه الإطلاق أية سلطة على المعنى أو أدنى اهتمام به، ولقد انتقد بوبر بعنف فكرة المعنى كمعيار للتمييز واعتبرها خرافة،١٠١ واعتبر كل حديث عن المعنى لغوًا يخلو من المعنى، وحقًّا أن فتجنشتين كان هو الذي أثار مشكلة المعيار Problem of Criterion في الفلسفة الأنجلوسكسونية،١٠٢ لكن بوبر بدوره يميز بين مشكلة المعيار الزائفة: معيار المعنى، وبين مشكلة المعيار الحقيقية الأصيلة: معيار العلم،١٠٣ وقد وضع القابلية للتكذيب لتمييز العبارات العلمية، وقد تكون عبارة ما غير قابلة للتكذيب، أي لاعلمية، ولكنها ذات معنى مثلًا «الله موجود.» هي بالتحقق غير علمية وغير ذات معنى، أما بالقابلية للتكذيب فهي غير علمية، ولكنها ذات معنى قد تكون كاذبة، لكنها أيضًا قد تكون صادقة، بل وأقرب إلى الصدق من أية عبارة علمية أخرى قابلة للتكذيب،١٠٤ والمثال الأوضح هو المثال القياسي الدارج في أحاديث الوضعية على خلو العبارة الميتافيزيقية من المعنى، وهو «المطلق كامل» The absolute is Perfect، يناقش بوبر هذه العبارة فيقول: إنها ليست خالية من المعنى، رغم أنها ليست قابلة للتكذيب؛ لأنهم يقصدون بها أن العالم إذا فهمناه فهمًا سليمًا هو الأفضل؛ لأن الأفضل هو الكامل، والكامل هو تصور عقلاني محض لا تحده حدود منطقية أو واقعية، وهذا في رأي بوبر خطأ؛ لأن العبارة «العالم الذي يحوي التكتلات السياسية والعذاب والحروب ليس كاملًا» هي عبارة صادقة، ونفيها إذن كاذب، يمكن منطقيًّا أن يكون العالم الذي لا يحوي هذه الآلام كاملًا، وليس المطلق إذن هو الكامل أو هو فقط الكامل؛ ومن ثم تكون هذه العبارة الميتافيزيقية خطأ، لكنها ليست بغير معنى.١٠٥
إن التحقق يرسم خطًّا حول المعنى، أما القابلية للتكذيب فترسم خطًّا داخل نطاق المعنى،١٠٦ خطًّا يميز بين نوعين من القضايا ذات المعنى: قضايا العلم وقضايا اللاعلم، ولأن بوبر كما ذكرنا لم يكن أبدًا معنيًّا بمشكلة المعنى، والفارق الكبير بينهما — كما أوضحنا — هو أن مشكلة المعنى تهم فلسفة لغوية، أما مشكلة التمييز فتهم فلسفة معرفية،١٠٧ وبناءً على هذا وجدنا التحقق لا يدَّعي تمييز العبارات العلمية فحسب، بل وأيضًا المفاهيم العلمية، أما القابلية للتكذيب فلا شأن لها إطلاقًا بالمفاهيم والألفاظ؛ لأنها لا شأن لها بالمعنى وفلسفة اللغة التي حاربها بوبر بشدة في الباب السابق.
ورغم كل ذلك أُقِيمَت كثير من الانتقادات التي وجهت لمعيار القابلية للتكذيب على أساس فكرة المعنى، بل وإن كارناب يقول عن المعيار: إنه مجرد صورة معكوسة لنظرية التحقق في المعنى؛١٠٨ وذلك لأن الوضعيين قد استعملوا التحقق كمعيار للمعنى، وأيضًا لتمييز العلم، وهذا جعلهم صُمًّا وعميانًا عن أن بوبر قد استعمل القابلية للتكذيب كمعيار لتمييز العلم فقط، وليس أبدًا كمعيار للمعنى.١٠٩
وأخيرًا نجد بيتر بيرنايز يؤكد أن السبب الأساسي الذي جعل القابلية للتكذيب متميزة ومتفوقة على التحقُّق ومتفادية أخطاءه ومحققة أهدافها، هو أنها مستقلة تمامًا عن أي سؤال له أية علاقة بالمعنى.١١٠
(٥) ونظرًا للفقرة السابقة من ناحية، ولطبيعة الفلسفة اللغوية التحليلية في وضع تعريفات من ناحية أخرى، يمكن القول: إن معايير الوضعية — التي هي كشف لصميم طبيعة العلم — هي محاولة وضع تعريف للعلم، أما بوبر فقد رأيناه ينتقد بشدة منزع الوضعيين إلى التعريف، فهو «يكره فكرة التعريف بشدة على حد تعبيره، ويرى بوبر أن محاولة حل مشاكل العلم أو الفلسفة أجدى كثيرًا من محاولة وضع تعريف لهما؛ لذلك فهو لا يقدم معياره كتعريف للعلم؛ إذ من الممكن أن يقترح أحد تعريفًا آخر كما يقول: إن العلم هو الخلاصة النهائية من العبارات.»١١١ وهذا هو الرأي الذي يؤكده لندبيرج LundBerg مثلًا، فيقول: إن محتوى العلم في شكله الناضج ليس إلا مجموعة القضايا التي تأكدت صحتها،١١٢ وأية مناقشة لمثل هذا التعريف أو لغيره، أو لمحاولة دحضه وتبيان تفرق القابلية للتكذيب عليه ستكون عقيمة بل ومضرة؛ إذ ستطوح بنا بعيدًا عن المشكلة الأساسية؛ أي تمييز المعرفة العلمية؛ لذلك فإن بوبر يقدم بتواضع معياره فقط كاقتراح لتمييز العلم الطبيعي،١١٣ وصياغة تشخيص مناسب له، يحدد مفهومًا مناسبًا؛ كي نتمكن على أساسه من الحكم على نسق من العبارات، هل ندرسه كمنتمٍ إلى العلم الطبيعي أم لا؟ إنه مجرد نظرية أو اقتراح لنقبله طالما لا نجد مبررًا لرفضه، وقد نتوصل يومًا إلى اقتراح أفضل منه، إن معيار القابلية للتكذيب لم يكن أبدًا نظرية صادقة تنهي طريق النظريات التي تُطْرَح لتمييز العلم، وذلك تبعًا لاتجاه بوبر الإبستمولوجي العام، الذي يرى الطريق مفتوحًا دومًا أمام التقدم المعرفي، بحكم العنصر «م٢» في الصياغة «م١ ح ح أ أ م٢».
وقد كان هذا الفارق — في نظر بيتر مونز — أهم مواطن تفوق بوبر على الوضعيين وخصوصًا على فتجنشتين وتداركه لأخطائهم،١١٤ فهم يفترضون صوابية آرائهم، بل وقطعيتها المأخوذة من قطعية قواعد المنطق.

(٦) ثم كان التحقق — وسائر معايير الوضعية — ضربة قاصمة فاصلة، تقسم الدنيا إلى قسمين: علم ولا علم؛ لأن العبارة إما أن تكون قابلة للتحقق أو غير قابلة له، وليس هناك أمر وسط، غير أن الأمر الواقع ليس هكذا؛ لأن ما كان بالأمس ميتافيزيقا قد يصبح في الغد علمًا، وليس هذا بنقلة حاسمة، بل بانتقالات مرحلية متموجة، ثم إن النظريات العلمية ليست كلها على قدم المساواة، وقد أخذت فلسفة بوبر كل هذا في الاعتبار، فرأينا النظريات تتفاوت في درجة قابليتها للتكذيب، مما يساعد العالم على المفاضلة بين مجموعة من الفروض كلها علمية مطروحة لحل نفس المشكلة، وهذا ما لا يستطيعه التحقق، أو بالأصح ما نجد التحقق فيه عديم الجدوى على الإطلاق؛ أي إنه لا يجدي في الممارسة العلمية شيئًا، في حين أنه معيار لفلسفة تريد أن تجعل الدنيا المعرفية بأسرها خدامًا للعلم.

وحتى معيار القابلية للتأييد الذي وضع درجات له من أجل الممارسة العلمية، فإنه لا يجاري في هذا إطلاقًا معيار القابلية للتكذيب الذي كان الحكم بتفاوت درجاته تقييمًا لمختلف الجوانب المنطقية للنظرية العلمية.١١٥
وكل هذا أمر بدهي نتيجة لطبيعة الفلسفتين؛ إذ يقول بوبر: إنه حاول أن يرسم في ذهنه صورة عامة للعلم، ثم حاول البحث فيما يميزه، وهو عالم أن تمييزه سيكون بصورة عامة غير صارمة،١١٦ وهذا ما لا يمكن أن تقبله الفلسفة اللغوية، التي جعلت الوضعيين يظنون أنهم توصلوا إلى كشف في صميم طبائع الأشياء، وما فتئ بوبر يطور المعيار ويعدله ويكيفه ويستولد منه إمكانيات أكثر؛ لذلك جاء آير في مقاله «الفلسفة والمنهج العلمي» ليعيب على بوبر هذا، وينتقده لأنه لم يطرح معياره كضربة لازب، كما طرحوا هم معاييرهم، وبالطبع أبسط ما يقال في هذا: إنه نقطة لبوبر، وهو نقطة على الوضعيين.

(٧) وفضلًا عن هذا لا نجد فارقًا بين التحقق، وبين إمكانية التحقق، فهناك تكافؤ منطقي بين المتحقق والممكن التحقق، كلاهما علم وذو معنى، لا سيما وأنهم في الآونة الأخيرة استقروا على التحقق بالمعنى الضعيف، أي فقط إمكانية التحقق، وأيضًا هناك تكافؤ بين الحكم على العبارة بأنها غير متحققة وغير قابلة للتحقق، هي في الحالتين لا علم وغير ذات معنى.

أما في معيار القابلية للتكذيب فالحال مختلف كثيرًا:
  • عدم القابلية للتكذيب = لا علم.

  • عدم التكذيب = العلم الذي لم يثبت خطؤه بعد؛ أي علمنا اليوم.

  • وبالتالي: القابلية للتكذيب = العلم.

  • والتكذيب = النظريات التي كانت وستزال علمية تجريبية، لكننا تبينا كذبها؛ أي خطأها، فتركناها ولجأنا إلى نظريات أخرى أفضل؛ أي أكثر اقترابًا من الصدق.

من هذه الوجهة نلاحظ أن معيار القابلية للتكذيب، يتجنب خطأ التحقق العظيم في المطابقة بين التحقق من القضية وبين صدقها.

(٨) وأخيرًا فإن معيار القابلية للتكذيب من ناحية، وسائر معايير الوضعية من ناحية أخرى يختلفان هدفًا وغاية، وهذه هي أهم أوجه الخلاف قاطبة.

فالوضعيون لم يهدفوا لا بصدق ولا بنزاهة إلى تمييز العلم، بل إلى استبعاد الميتافيزيقا، ولم يعنوا بأن تميز معاييرهم العلوم الحقيقية عن العلوم الزائفة، ولا حتى عن تحصيلات الحاصل بقدر ما عنوا بأن تستبعد الميتافيزيقا، فقد بدءوا عملهم بعقيدة قاطعة (دوجما) هي المحرك الأساسي لدائرة فيينا، وهي الاعتقاد بأن الميتافيزيقا ثرثرة فارغة، وأنها تقريرات لا هي بالصائبة ولا بالخاطئة، بل هي بلبلة بغير معنى، واعتقدوا أساسًا أن القواعد النحوية الطبيعية للغة ذات المعنى تستبعد أي احتمال للحديث السليم نحويًّا عن أي شيء، بخلاف الوقائع التجريبية القابلة للملاحظة، فقد اعتقدوا أن الكلمة لا بد أن تشير إلى شيء مادي، وأن معنى الجملة واقعة تجريبية قابلة للتحقق؛١١٧ لذلك جعلوا هدفهم الأساسي بل والوحيد: استبعاد أي حديث يتجاوز هذا النطاق؛ لأنه سيكون في عرفهم ميتافيزيقا.
أما بوبر فقد رفض كل هذا بعنف وبتمكن، ولم ير هدف عمله أبدًا كتحطيم للميتافيزيقا،١١٨ فهو شديد الإجلال لها، ولم يكن هدفه إلا تمييز العلم الحقيقي عن العلوم الزائفة، فاستنكار العلوم الزائفة، وليس استنكار الميتافيزيقا، هو دافع بوبر، وبعد أن وضع المعيار الذي يحقق هذه المهمة، قام بتوسيع نطاقه من مرحلة لاحقة ليشمل الميتافيزيقا أيضًا.١١٩
(٩) بقي موضع مقارنة يتعلق فقط بلغة العلم عند كارناب ونيوراث، على أساس أن جمل البروتوكول تلعب في هذه اللغة دورًا مناظرًا لدور العبارات الأساسية في منطق التكذيب، وقد شرح كارناب هذا التناظر بإسهاب في مقال له بمجلة المعرفة Er Kenntis عام ١٩٣٣م.
وقد كانت جمل البروتوكول تجسيدًا شديدًا لتردي فلسفة العلم في مهاوي النزعة السيكولوجية، بحيث كانت سببًا كافيًا لرفض مشروع لغة العلم؛ لأنها لا تسمح فقط بالاتفاقات والاصطلاحات الذاتية، وإنما أيضًا بالانحيازات الذاتية،١٢٠ أما العبارات الأساسية، فقد كانت مصداقًا لموضوعية المعرفة، فكان قرار قبولها قائمًا على مبادئ هي أصلًا وفقط موضوعية؛ كي تؤدي إلى الاقتراب من الصدق بمفهومه الموضوعي، وأكد بوبر على أن معيارها الأخير هو إمكانية الاختبار بين الذوات، وأن مطلب الموضوعية يحتم أن تبقى كل عبارة علمية اختبارية إلى الأبد، وأنها قد تكون معززة، لكن التعزيز هو فقط بالنسبة لعبارات أساسية، هي مرة أخرى اختبارية وموضع بحث دائمًا،١٢١ هذا بينما ابتدع كارناب عددًا من الحيل الفنية الفذة؛ ليوضح أن جمل البروتوكول فورية، وهي لذلك قطعية.
ثم إن بوبر قد عني باتخاذ القرار بشأن العبارات، الذي يوقف ارتدادها اللانهائي، «وكان لهذا أهمية كبرى في ترسيخ موقف بوبر، بينما ترك نيوراث هذا بطريقة تعسفية إذ يمكن حذف جمل البروتوكول المتناقضة أو تغيير النسق كي يتفق معها، وقد اضطر نيوراث نتيجة لهذا إلى التخلي عن تجريبيته على الرغم منه.»١٢٢ بينما كانت العبارات الأساسية تأكيدًا لتجريبية بوبر، كما كانت من قبلُ تأكيدًا لموضوعيته.
(١٠) يقول الدكتور ياسين خليل في أعقاب مناقشته لمعايير الوضعية لتمييز العلم: «إذا كانت مهمة الفلسفة إبعاد الميتافيزيقا عن المعرفة العلمية، فلا بد إذن من تثبيت معيار واضح نستطيع بواسطته أن نعرف أن هذه القضية علمية أو ميتافيزيقية، أما إذا بقيت المسألة معلقة، فإننا سنخاطر بكثير من القضايا المستخدمة في العلوم لاعتقادنا أنها ميتافيزيقية، بينما هي ليست كذلك فالمشكلة التي واجهت التجريبية المنطقية هي في إيجاد معيار للتمييز بين العلم والميتافيزيقا، ولم توفق في وضع معيار حتى الآن.»١٢٣ لكن بوبر قد وُفِّقَ في وضع معيار لا يستبعد الميتافيزيقا فحسب، بل وأيضًا كل ما ليس علمًا إخباريًّا؛ لأنه بحق معيار للمعرفة العلمية.

وبعد كل هذا لا نحكم بأنه أفضل ألف ألف مرة من معايير الوضعية الفاشلة، ولا نأخذ في الاعتبار ما يتمتع به التحقق من شهرة، في حين أن الأغلبية لا تدري شيئًا عن معيار القابلية للتكذيب القادر والراسخ والمكين، ولكن لعلها الآن — بعد رحلتنا الطويلة مع بوبر — قد أصبحت تدري.

١  انظر في تفصيل هذا كتابنا: العلم والاغتراب والحرية: مقال في فلسفة العلم من الحتمية إلى اللاحتمية.
٢  ر. كولنجرد، فكرة الطبيعة، ترجمة د. أحمد حمدي محمود، مراجعة د. توفيق الطويل، سلسلة الألف كتاب، العدد ٦١٣، الهيئة العامة للكتب والأجهزة العلمية، مطبعة جامعة القاهرة، سنة ١٩٦٨م، ص٤–٦.
٣  جيمس جينز، الكون الغامض، ترجمة عبد الحميد حمدي مرسي، راجعه د. علي مصطفى مشرفة، المطبعة الأميرية ببولاق، القاهرة، سنة ١٩٤٢م، ص١٧.
٤  المرجع السابق، ص١٧.
٥  المرجع السابق، ص١٧-١٨.
٦  المرجع السابق، ص١٧٠.
٧  ماكس فيبر، صنعة العلم، ترجمة د. أسعد رزوق، سلسلة المكتبة العلمية، رقم ٥، الدار العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، سنة ١٩٧٣م، ص٢٥–٢٩.
٨  المرجع السابق، ص٢٩-٣٠.
٩  سير جيمس جينز، الكون الغامض، ترجمة عبد الحميد حمدي مرسي، راجعه د. علي مصطفى مشرفة، ص١٤٠.
١٠  ف. تاليموف، قبول الفرضيات العلمية، ترجمة أمين محمود الشريف، ص١٤.
١١  برتراند رسل، الفلسفة بنظرة علمية، عرض وتلخيص د. زكي نجيب محمود، ص٦٧.
١٢  النص مأخوذ من: Bryar Magee Karl Popper, p. 32.
١٣  See: John Watkins, Popper’s Indeterminism, in The Philosophy of Karl Popper, Vol. 1, pp. 373–404.
١٤  رينية مونية، البحث عن الحقيقة: وجوهها، أشكالها، علاقتها بالحرية، ترجم هاشم الحسيني، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، سنة ١٩٦٦م، ص٣٥–٤١.
١٥  المرجع السابق، ص٤١.
١٦  Paul Bernays, Concerning Rationality, in The Philosophy of Karl Popper, Vol, I, p. 298.
١٧  Peter Munz, Popper and Wittgenstein, in The Critical Approach to Science and Philosophy, p. 90.
١٨  A. Polikarov, Science and Philosophy, Publishing House of The Bulgarion Academy of Sciences, Sofia, 1973. pp. 29-30.
١٩  Hilary Putnam, Corroboration of Theories, in The Philosophy of Karl Popper Vol. I., p. 238.
٢٠  Ibid, p. 239.
٢١  J. O. Wisdom, The Nature of Normal Science, in The Philosophy of Karl Popper, Vol. p. 821.
٢٢  Ibid, p. 821.
٢٣  جاستون بشلار، الفكر العلمي الجديد، ترجمة د. عادل العوا، مراجعة د. عبد الله عبد الدائم، منشورات وزارة الثقافة والسياحة والإرشاد القومي، دمشق، سنة ١٩٦٩م، ص١٤٥-١٤٦.
٢٤  انظر في العرض الممتاز للترابط الوثيق بين الفلسفة والعلم، الكتاب القيم، لويس دي بروليه، الفيزياء والميكروفيزياء، ترجمة د. رمسيس شحاتة، مراجعة محمد مرسي أحمد، ص٧٠–٢٦٥.
٢٥  جاستون بشلار، الفكر العلمي الجديد، ترجمة د. عادل العوا، مراجعة د. عبد الله عبد الدائم ص٥٢، ٩٣.
٢٦  المرجع السابق، ص٥٢، ٩٣.
٢٧  المرجع السابق، ص٥٣.
٢٨  المرجع السابق، ص٥٣.
٢٩  A. Poilkarov. Science and Philosophy, p. 30.
٣٠  See Thomas S. Kuhm, The Structure of Scientific Revolutions, The University of Chicago, Press, 1962.
٣١  A. Polikarov, Op. Cit., p. 30.
٣٢  J. O. Wisdom, The Nature of Normal Science, p. 838.
٣٣  Ibid, p. 838.
٣٤  A. Polikarove, op. Cit., p. 34.
٣٥  Ibid, pp. 34-35.
٣٦  Bryan Magee, Karl Popper, p. 35.
٣٧  A. Polikarov, Science and Philosophy, p. 30.
٣٨  ف. ف. ناليموف، قبول الفرضيات العلمية، ترجمة أمين محمود الشريف، ص١٠.
٣٩  المرجع السابق، ص٩.
٤٠  ارجع إلى الباب الأول، الفصل الخامس: منهج العلم، القسم الثالث، خصوصًا الفقرتين الأولى والثانية.
٤١  See: W. F. Wertheim. Evolution and Revolution: The Pising Way of Emancipation Penguin Book, London, 1974.
٤٢  ارجع إلى الفصل الثالث من هذا الباب.
٤٣  حقًّا جميع الأنشطة الإنسانية تتقدم وتتطور، لكنها جميعًا عرضة لفترات تقهقرية تعود فيها إلى الوراء مثلًا الفكر الهلينستي أقل تقدمًا من الفكر الهيليني، والنظام الاجتماعي الفرعوني بقيمه وتقاليده أكثر تقدمًا من النظام الاجتماعي في العصور الوسطى وهكذا، أما العلم فهو لا يمكن أن يكون أبدًا في مرحلة لاحقة أقل تقدمًا منه في مرحلة سابقة ما يحدث في الفترات المظلمة أن يتوقف تقدمه لكن لا يعود إلى الخلف أبدًا.
٤٤  أخرج الباحثان إيمر لاكاتوس Immre Lakatas وألان موسجريف Allen Musgrave كتابًا بعنوان النقد وتقدم المعرفة Gritieism and Growth of Knowledge. خصيصًا لشرح معيار القابلية للتكذيب ومناقشته ونقده، غير أني للأسف الشديد بذلت كل ما يمكن، ولم أستطع إطلاقًا الحصول على نسخة منه بأية طريقة من الطرق، ومن الناحية الأخرى فإنني فور انتهائي من هذا البحث وقبيل إرساله إلى الاستنساخ، اطلعت على كتاب كبير نسبيًّا صادر لتوِّه هو: A. O’Kear, Karl Popper Routiedge and Kegan Paul, London, 1980. ولم أجد فيه شيئًا يستوقفني أو يدفعني لمراجعة ما، أو إضافة ذات بال.
٤٥  John Passmore A Hundred Years of Philosophy, p. 412.
٤٦  Encyclopedia for Philosophy, Karl Popper. Vol. p. 400.
٤٧  John Passmore, A Hundred Years of Philosophy, p. 512.
٤٨  Encyclopedia for Philosophy, Karl Popper Vol, 6. p. 400.
٤٩  John Passmore, A Hundred Years of Philosophy, p. 412.
٥٠  K. P., L. S. D., p. 148.
٥١  انظر الباب الأول، الفصل الثاني: «المعرفة موضوعية»، القسم الثاني، الفقرة السادسة.
٥٢  K. P., L. S. D., p. 42.
٥٣  كارل بوبر، عقم النزعة التاريخية، ترجمة د. عبد الحميد صبرة، ص٧٢–٨١.
٥٤  K. P., Replies., p. 980.
٥٥  Ibid, p. 980.
٥٦  Ibid, p. 981.
٥٧  Ibid, p. 981.
٥٨  Bryan Magee Modern British Philosophy, p. 72.
٥٩  Ibid, p. 72.
٦٠  K. P., Replies, p. 983.
٦١  Ibid, p. 983.
٦٢  William Kneal, Demarcation of Science, in the Philosophy of Karl Popper, Vol, I. p. 207.
٦٣  K. P., Replies, p. 983.
٦٤  ف. ف. ناليموف، قبول الفرضيات العلمية، ترجمة أمين محمود الشريف، ص١٠.
٦٥  انظر الباب الأول، الفصل الخامس «منهج العلم»، القسم الثالث، الفقرة الثانية.
٦٦  ف. ف. ناليموف، قبول الفرضيات العلمية، ترجمة أمين محمود الشريف، ص١٠.
٦٧  المرجع السابق، ص١٠.
٦٨  المرجع السابق، ص١١.
٦٩  دخل ناليموف بعد ذلك في مقارنة بين بوبر وبين الفيلسوف الهندي نجرجوانا، ليوضح أنهما على تمام الاختلاف، ولعله يقصد من هذه المقارنة تبيان الفارق بين العقلية الأوروبية المنطقية وبين العقلية الشرقية الصوفية؛ فقد اعتبر نظرية بوبر «حلقة نهائية في سلسلة العقلانية الأوروبية الطويلة التي بدأت أولى حلقاتها بالعالم الهليني.»
انظر مقال ناليموف المذكور: قبول الفرضيات العلمية، ص١٢–١٤.
٧٠  د. ياسين خليل، منطق المعرفة العلمية، ص١١٠.
٧١  H. J. Eysenck and G. D. Wilson: (ed). The Experimental Study of Freudian Theories, p. 3.
٧٢  Ibid, p. 3.
٧٣  Ibid, p. 4.
٧٤  Ibid, p. 1.
٧٥  William Kneale, The Demarcation of Science, in the Philosophy of Karl Popper, Vol, I. p. 206.
٧٦  Ibid, p. 206.
٧٧  Ibid, pp. 206-207.
٧٨  Ibid, p. 207.
٧٩  Ibid, p. 207.
٨٠  Ibid, p. 208.
٨١  K. P., Replies, pp. 987-988.
٨٢  William Kneale, The Demarcation of Science, p. 206.
٨٣  هانز رايشنباخ، نشأة الفلسفة العلمية، ترجمة د. فؤاد زكريا، ص٢٠٢-٢٠٣.
٨٤  د. ماهر عبد القادر محمد علي، فلسفة العلوم الطبيعية: المنطق الاستقرائي، ص٢٠٨.
٨٥  See: Karl Popper, New Foundations for Logic, Mind, 56, 1947. pp. 193–235.
٨٦  See: Karl Popper, Logic without Assumptions, Proceeding of the Aristotelian Society, xvii, 1447, pp. 251–292.
٨٧  ثارت مناقشات كثيرة تقول إن بوبر لم يقدم جديدًا في هذا الموضوع، ولعل الأمر هكذا فعلًا غير أنه ليس موضوعنا الآن.
٨٨  P. Bernays, Reflections on Popper’s Epistemology, in The Critical Approach to Science and Philosophy, edited by Mario Bungo, pp. 41–44.
٨٩  ف. تشير نوجوروفا، أسرار عالم الجسيمات الدقيقة، ترجمة د. إبراهيم محمود شوشة، ص١٤–١٨.
٩٠  في النص المترجم تجمع نواة على نوى، لكن من الأفضل جمع نواة على نويات، حتى لا تختلط بنوى التمر والفواكه، كما جاء في قوله تعالى: اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى.
٩١  المرجع السابق، ص١٩–٥٣.
٩٢  السابق، ص١٤-١٥.
٩٣  K. P., L. S. D., p. 252.
٩٤  جان فوراستيه، معايير الفكر العلمي، ترجمة فايزكم نقش، ص٨٦.
٩٥  جاستون بشلار، الفكر العلمي الجديد، ترجمة د. عادل العوا، مراجعة د. عبد الله عبد الدايم، ص٥٨.
٩٦  K. P., Replies, p. 1015.
٩٧  Victor Kraft, Popper and the Vienna Circle, in The Philosophy of Karl Popper, Vol 1., p. 187.
٩٨  K. P., Replies, p. 964.
٩٩  Ibid, p. 964.
١٠٠  يمكن استثناء كارل همبل من هذا؛ لأنه كما أوضحنا آنفًا قد طرح جانبًا مشكلة المعنى.
١٠١  K. P., L. S. D., p. 40.
١٠٢  Encyclopedia for Philosophy, Criterion, Vol, 2., p. 258.
١٠٣  K. P., L. S. D., p. 311.
١٠٤  Bryan Magee, Karl Popper, p. 41.
١٠٥  K. P., Replies, p. 41.
١٠٦  K. P., L. S. D., p. 40.
١٠٧  K. P., Replies, p. 964.
١٠٨  John Passmore, A hundred Years of Philosophy p. 406.
١٠٩  K. P., Replies, p. 967.
١١٠  Peter Bernays Concerning Rationality, in The Philosophy of Karl Popper, Volume I, p. 297.
١١١  K. P., Replies, p. 981.
١١٢  علا أنور مصطفى، التفسير في العلوم الاجتماعية، رسالة ماجستير غير منشورة، ص٢.
١١٣  K. P., Replies, p. 981.
١١٤  Peter Munz, Popper and Wittgenstein in The Critical Approach to Science and Philosophy, p. 91.
١١٥  قارن في هذا بين: الفصل الثالث من هذا الباب، وبين: كارل همبل، فلسفة العلوم الطبيعية، الترجمة العربية، ص٤٨–٥٩.
١١٦  K. P., Replies, p. 981.
١١٧  Ibid, p. 966.
١١٨  K. P., L. S. D., p. 37.
١١٩  Ibid, p. 42.
١٢٠  Ibid, p. 109.
١٢١  Ibid, p. 280.
١٢٢  Victor Kraft. Popper and the Vienna Circle, p. 194.
١٢٣  د. ياسين خليل، منطق المعرفة العلمية، ص١٧٤-١٧٥.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١