الفصل الخامس

فبراير ١٩٩٢م

أمام باب شقة فريدة كان ياسين واقفًا حسَب الموعد المتفق عليه في ذلك المساء الشتوي، وفي يده علبة كرتونية مغلفة بورق تغليف ذلك المحل الشهير للشوكولاتة، الواقع على ناصية شارع النبي دانيال عند نهايته متعامدًا على شارع سعد زغلول، والذي يقدر جودة منتجاته كل السكندريون. فتحت له فريدة الباب فدخل مرتديًا معطفًا صوفيًّا بنيًّا، كان لوالده منذ زمن، لكن موضته عادت إلى الواجهة، فوق بلوفر أبيض رقيق من الطراز ذي الرقبة العالية الذي انتشر في تلك السنوات، وبنطالًا صوفيًّا أسود وحذاءً جلديًّا أنيقًا اشتراه خصيصًا لهذه المقابلة. ستتذكر فريدة كل تلك التفاصيل لسنوات طويلة قادمة، بينما لن يتذكر هو شيئًا من ذلك بالطبع باستثناء الحذاء الذي اشتراه بمبلغ كبير بالنسبة له؛ لأنه لم يكن يملك حذاءً رسميًّا يليق بمقابلة بهذه الأهمية، فاضطُر إلى اقتراض جزء من ثمنه من والدته. كان قد اتفق مع فريدة على أن يذهب هو أولًا لمقابلة والدتها التي طلبت التعرف عليه بشكل غير رسمي قبل أن يقابل الوالد فور تخرجه، لم يكن هو كذلك يرغب في مقابلة والدها وهو لم يزل طالبًا؛ فلم تكن كرامته لتتحمل أن يرفضه الرجل لهذا السبب. دخلت الأم في ثوب طويل فضفاض ووشاح خفيف على شعرها، وصافحته في وُدٍّ ثم قدمت له الشاي وبعض الفاكهة، وبادلته بعض عبارات الترحيب والمجاملات الروتينية التي كان يضجر منها ولا يعرف كيفية الرد النموذجي على أغلبها، ثم فاجأته بسؤال مباشر طرحته عليه بنبرة هادئة وعلى وجهها ابتسامة ودودة تحمل بعض التواطئ كما لو كانت تريد أن تقول له إنها تعرف كل شيء: حسنًا. لماذا تريد الزواج من ابنتي يا أستاذ ياسين؟

أربكه السؤال بشدة فبدأ يتململ في جِلسته ويتعرق رغم الجو البارد، ارتشف بعضًا من الشاي ليمنح نفسه القليل من الثواني للتفكير في ذلك السؤال غير المتوقع ثم قال في ارتباك: إن … إن ابنتك فريدة … أخلاقها وأدبها … و…

قاطعته السيدة في شيء من الإشفاق والتعاطف وربتت على كتفه سائلةً بابتسامة دافئة وبلهجة مطمئنة: أنا أعرف كل القصة، فريدة لا تخفي عني شيئًا؛ إنها تحبك وقد عرفتُ ذلك منذ البداية. إنها ابنتنا الوحيدة كما تعرف وقد قضيت أنا وأبوها عمرينا من أجلها، نحن لا نريد من الدنيا غير أن نطمئن على مستقبلها. هل ستعتني بابنتي؟ هل تعتقد حقًّا أنه بإمكانك إسعادها؟

أجاب في حماس وهو يسترد أنفاسه مرةً أخرى: نعم، نعم أؤكد ذلك لحضرتك.

ردت وعلى وجهها نفس الابتسامة: إذن استعد لمقابلة والد فريدة بعدما تحصل على شهادتك الجامعية بإذن الله، أظن أنه لم يتبقَّ على ذلك إلا شهور قليلة. أتمنى لك التوفيق، وليقدم الله ما فيه الخير.

تمت الخطبة بعد شهرين من تخرجه، في حفل عائلي بسيط اجتمعت فيه الأسرتان في بيت فريدة، لم يكن ثمة داعٍ لإنفاق المال على إحدى تلك القاعات التي انتشرت في المدينة وصارت موضةً بين الناس، رغم أن العادة جرت منذ القدم على أن تقام الخطبة في بيت العروس. يتكلف أقل حفل في تلك القاعات الجديدة ما يكفي لشراء غرفتين كاملتين من الأثاث. وكان اتفاقه مع والد فريدة أن لا يتحدثا في توقيت الزفاف قبل تخرجها، وكان يتبقى على تخرجها آنذاك عامان.

يونيو ١٩٩٣م

على كورنيش سابا باشا حيث كانا يلتقيان في نادي المهندسين خلال إجازاته القصيرة التي يحصل عليها من وحدته العسكرية كل شهر أو نحو ذلك، والتي يضيع نصفها في طريق السفر والعودة ما بين الإسكندرية وبين موقع كتيبته النائي قرب السلوم؛ اشتاق إليها كثيرًا، ولكنه كالعادة لم يفلح قط في الإفصاح عما بداخله. تعوَّدت فريدة على طبعه الجاف، لطالما لم يكن يجيد إظهار مشاعره رغم رقته التي تدركها. عمليٌّ هو، شخص براجماتي يحرِّكه عقله المنظَّم كحاسب آلي، لا قلبه ولا مشاعره. كان يفترض فيها أن تفهمه دون كلام، ولكنها كانت تريده أن يتكلم، كانت تحب أن يغازلها وأن تسمع منه كلمات العشق، كانت تغضب منه؛ تظن أنه منشغل عنها وأنها مجرد شخص ثانوي في حياته المتخمة بالعمل وباهتماماته الأخرى، بينما كان هو يستغرب غيرتها من انشغاله بالمشروع العسكري الذي انخرط فيه خلال فترة تجنيده قرب الحدود الغربية خاصةً أنه عملٌ بدون أجر ولأجل الوطن فقط.

ترقبت هي إجازاته بشغف طوال أشهر التجنيد الطويلة، لم يكن ياسين يشتكي كثيرًا من الحياة العسكرية كأقرانه، لم يكن مدللًا بطبعه، وكان بإمكانه التكيف مع الحياة الخشنة؛ كانت طبيعة شخصيته تمكنه من أن يتكيف مع أي وضع بشكل عام، كما أنه كان يحب ما يعمل ويشعر بأهميته وبأهمية ما يشارك فيه لوطنه ولجيش بلاده. لم يكن حتى يفصح كثيرًا عن طبيعة المهمة التي يؤديها في ذلك المشروع حتى أمامها هي؛ حفاظًا على قواعد السرية كما نصت تعليمات قائده في الكتيبة. كان ملتزمًا بالتعليمات بشكل صارم وبلا تذمر؛ تعليمات المأكل والملبس والمظهر والمواعيد. اشتاق إليها كثيرًا في الليالي الباردة الموحشة التي قضاها في الكتيبة الصحراوية النائية، اشتاق إلى صوتها وإلى لمسة يدها، وإلى حبات الترمس التي تلقيها في فمه وهي تتمشى بجواره على رصيف الكورنيش ما بين نادي المهندسين وذلك الكازينو ذي الأشرعة الخرسانية البيضاء عند لسان جليم، وإلى شطائر الجبن الأبيض بشرائح الطماطم التي تصنعها له في المنزل وتلفها في أوراق بيضاء رقيقة. لكنه كالعادة لم يكن يجيد الإفصاح عن أي من ذلك؛ فكانت لقاءاتهما تنتهي في الغالب بعتاب منها، وبابتسامة تجمع بين السخرية والمرارة مع تمتمة خافتة كردٍّ على تبريره لحديثه الطويل عن الكتيبة والجيش والمشروع العسكري بدلًا من الحديث عن حبه وأشواقه لها: حسنًا، لا يهم. وهل سأكون أنا أكثر أهميةً من الوطن؟

يناير ١٩٩٤م

خلف مكتب معدِني رمادي اللون من النوع الذي كان منتشرًا في كل الشركات في تلك السنوات، والذي كان يعرف باسم «مكتب إيديال»؛ جلس ياسين على كرسي معدِني مغطًّى بجلد صناعي أسود رخيص، ومبطن بطبقة رقيقة من الإسفنج يبرز طرفها من أحد جوانب الكرسي المهترئة، وأمامه على سطح المكتب جهاز كمبيوتر من الطراز الأفقي الذي تستقر فوقه شاشة ثقيلة من مقاس الأربع عشرة بوصة. كان قد حصل على هذه الوظيفة في شركة للمحاسبة القانونية بعد انتهاء شهور خدمته العسكرية بوساطة أحد معارف والده، ولأنه كان أحد القلائل الذين يجيدون استخدام برامج الكمبيوتر المحاسبية التي كانت قد بدأت تجد طريقها للانتشار في السوق كبديل أسرع وأكثر كفاءةً لأنظمة المحاسبة اليدوية التقليدية. لم يكن الراتب كبيرًا، لكنه كان — في البداية على الأقل — مرضيًا له كشاب أعزب؛ لأنه كان يؤمِّن له الاستقلال المادي عن والده للمرة الأولى في عمره، كما كان يمكِّنه من دعوة فريدة للخروج من وقت لآخر، أو من شراء هدية بسيطة لها في المناسبات، أو ربما شراء بعض قطع الثياب الجديدة له هو أيضًا، لكنه بالتأكيد لم يكن يمثل مصدرًا للدخل يصلح ليؤسس به بيتًا أو ينفق منه على أسرة.

لم تكن لديه مشكلة كبيرة في الالتزام بمواعيد العمل كما حدث لغالبية أصدقائه الذين لم يكونوا يتصورون أن ينتقلوا من حياة الحرية والانطلاق الجامعية الخالية من الالتزامات، إلى حياة الوظيفة ذات الجدول الأسبوعي الصارم الذي يتضمن ستة أيام عمل، من الثامنة صباحًا إلى الخامسة عصرًا، مع إجازات شحيحة وصعبة الإدراك. لكن لأنه كان كذلك يعمل ما يحب فلم تكن ساعات العمل تمثل عبئًا كبيرًا عليه، كان في الحقيقة يستمتع بالعمل كما يستمتع بحياته بعد ساعات العمل وفي يوم الإجازة الأسبوعية، كان يتقدم في عمله مع الوقت ويتعلم ممن هم أقدم منه وتزداد خبرته، وكان على الجانب الآخر يجد الوقت للخروج مع فريدة في الأوقات التي لا تكون فيها منشغلةً بمشاريعها في الكلية، وكذلك للقراءة وللعب كرة القدم وللاستماع إلى الموسيقى وللذهاب إلى السينما ولحضور ليالي المديح الصوفية. اعتاد على أن ينتظر أصحابه أيام الخميس بعد انتهاء العمل مساءً على رصيف محطة ترام سيدي جابر، حيث يكون بعضهم قد استقل الترام المتجه إلى محطة الرمل من محطات سابقة، ووقف عند النافذة الأولى ناحية اليمين في العربة الأخيرة للترام كما كان اتفاقهم الدائم، فيلوِّح بيده لياسين عندما يدخل الترام إلى محطة سيدي جابر ليصعد إلى الترام. ثم يستمرون في التقاط أصحابهم من المحطات التالية بنفس الطريقة؛ فيركب من يركب من سبورتنج ومن الإبراهيمية ومن كامب شيزار ومن الشاطبي. ومن لم يكن موجودًا على رصيف محطته المعتادة فإنه ربما غيَّر رأيه أو حدث له طارئ ما، يمكنهم معرفته عبر الهاتف بعد نهاية السهرة. ينزلون جميعًا في محطة الرمل حيث يتسكعون بلا هدف أمام المحلات ويتجادلون حول نتائج مباريات الكرة أو حول أحدث الأفلام أو الإصدارات الموسيقية، ربما يدخلون إلى السينما إذا سمحت ميزانياتهم بذلك، ثم يبتاعون إما شطائر الفول والفلافل من المحل الشهير الكائن في أول شارع على جهة اليسار، من بداية شارع سعد زغلول، أو الكبدة على الطريقة السكندرية من ذلك المحل الضئيل المختبئ في شارع خلفي بجوار سينما مترو، ثم ربما يشربون عصير القصب بعد ذلك في طريقهم عائدين لمحطة الترام حيث محل الفشار الأشهر. كان ياسين يعود من تلك السهرات البريئة رائق البال مبتهجًا، لكنه كان يعلم جيدًا عندما يضع رأسه على الوسادة أنه إنما كان يهرب يختبئ وسَط أصحابه هربًا من الإجابة على الأسئلة الصعبة التي لا يملك لها إجابةً ولا يريد التفكير فيها، أسئلة مثل؛ من أين ستأتي بالمال لتأثيث الشقة التي تكفَّل والدك بدفع مقدم ثمنها، وستقوم أنت فقط بسداد الأقساط؟ وكيف ستتحمل مصروفات ومسئولية بيت مفتوح؟ ماذا ستفعل في المستقبل؟ هل ستقضي بقية عمرك في تلك الشركة؟ ما هي حدود طموحك؟ أين أحلامك؟ وكيف ستحقق أيًّا منها؟

•••

على الأريكة الكبيرة في غرفة المعيشة بمنزله كان ياسين مستلقيًا أمام التليفزيون. شقة أسرته قديمة، تقع في الطابق الأرضي من بناية كلاسيكية الطراز تعود للنصف الأول من القرن العشرين، وتتكون من أربعة طوابق، وتقع في شارع هادئ من حي بولكلي، تظلله الأشجار المورقة التي تبرز جذوعها العتيقة من خلف الأسوار الحديدية المحيطة بالفيلات والبنايات العائدة إلى الفترة ذاتها، متعامد على شارع الترام حيث يبدأ، وممتد في اتجاه البحر حيث يتصاعد، ثم ينحدر بميل كبير مفضيًا إلى شاطئ ستانلي. هي كذلك من شقق قانون الإيجارات القديم. كانت شرفتها الكبيرة تطل على حديقة داخلية مهملة تنتصب في وسَطها شجرة ضخمة الجذع، تظلل فروعها وأوراقها كامل مساحة الحديقة، وتتساقط منها بين حين وآخر ثمار كروية في حجم حبة الحمص لكنها ذات لون داكن ومذاق لاذع، وتطل على طرفها الآخر فيلا صغيرة وقديمة من طابق واحد تسكنها سيدة متقدمة في العمر لدرجة مذهلة، لا يتذكرها إلا وهي عجوز، حتى عندما كانت تنهره بلكنتها الأجنبية أيام كان طفلًا يلهو أمام بابها ويعبث بنباتاتها الصغيرة ذات الروائح العطرية؛ كانت كذلك عجوزًا، يناديها الجميع مدام كوستا. يقول له صاحب كشك البقالة الصغير المستند إلى سور الفيلا الواقعة على الجانب الآخر من الشارع إنها يونانية، وإن زوجها كان صيدليًّا تحولت صيدليته بعد وفاته منذ سنوات طويلة إلى محل الخياطة الرجالي الذي يقع على ناصية الشارع. بينما يجزم البعض الآخر من قدامى سكان الشارع أنها إيطالية لأن زوجها كان يتحدث الإيطالية. بينما قالت هي يومًا لوالدته إن عائلتها هاجرت إلى الإسكندرية من قبرص، هاربةً من اضطهاد الأتراك منذ زمن بعيد، وأنها وُلدت في بيت خصصته الكنيسة للَّاجئين في شارع العطارين، ثم جاءت إلى هذا البيت عندما تزوجت السيد كوستا الذي لم يره ياسين ولم يعرف عنه إلا أنه مات قبل أن ينتقل أبوه وأمه للسكن في هذا الحي. لا تتحدث مدام كوستا كثيرًا، لكنها عندما تفعل فإنها تتحدث العربية بطلاقةٍ وبلهجة أولاد البلد السكندرية المميزة، مع لكنة أجنبية لطيفة. وفي أحيان نادرة حينما يكون مزاجها رائقًا تردد بفرنسية متقنة ما تغنيه مطربة قديمة يأتي صوتها مشوشًا من المذياع، أو ربما من ذلك الفونوجراف الذي يظهر بوقه النحاسي الكبير عندما تفتح السيدة كوستا البوابة الداخلية للفيلا. لم يعرف أحد ما بداخل بيت مدام كوستا، ولا ما تفعله طَوال اليوم منذ أن أصبحت لا تغادر البيت إلا في مناسبات معدودة من الأعياد الدينية حين يأتي بعض أقربائها المسنين لاصطحابها في سيارة أمريكية كبيرة وقديمة الطراز؛ إما لحضور القداس في كاتدرائية اليونان قرب ميدان المنشية الصغرى، أو لزيارة الموتى من عائلتها في مدافن طائفة الروم الأرثوذكس قرب الشاطبي. لكن ياسين كان يراها من الشرفة كل صباح تسقي النباتات في حديقتها الصغيرة، أو تتلو صلوات هامسة أمام أيقونة كبيرة للعذراء، معلقة في غرفتها المطلة نافذتها الطويلة على الحديقة الداخلية المشتركة بين بنايته وبين فيلا مدام كوستا.

انتقل أبوه وأمه إلى هذا الحي بعد أن توظف الأب مدرسًا للغة العربية في المدرسة الإعدادية القريبة، وقد تصادف أن كانت إيجارات الشقق فيه مغريةً في تلك السنوات؛ نتيجة هجرة غالبية الأسر الأجنبية التي سكنت ذلك الحي لعقود. كانا قد تزوجا قبل ذلك بعامين في شقة صغيرة بحي محرم بك، حيث وُلدت وكبِرت أمه، وحيث عاشت عائلتها منذ أجيال. بينما قدم الأب نازحًا من قريته البعيدة في أقاصي الصعيد، قدم إلى الإسكندرية في منتصف الخمسينيات طالبًا في الجامعة، ثم جذبه السحر العجيب لتلك المدينة فاستقر بها وتوظف وتزوج، ثم انتقل أخيرًا إلى منطقة بولكلي الراقية. قضى سنوات عمله الرتيبة الطويلة مدرسًا ملتزمًا وقورًا يُكِن له الجميع كل الاحترام، تخرجت على يديه أجيال من الطلبة الذين صار منهم بعد سنوات محامون ومهندسون ودبلوماسيون وأطباء.

لم تكن لوالده علاقات وطيدة بالجيران؛ فقد كان يقضي أغلب وقته بعد ساعات العمل في قراءة الكتب والصحف وتلاوة القرآن، أو في ممارسة هوايته الأثيرة في التمشية من البيت صباح كل يوم جمعة صعودًا وهبوطًا مع الشارع حتى كورنيش ستانلي، ثم الانعطاف يمينًا حتى الشارع الذي يصل إلى الكنيسة الإنجيلية وقصر الضيافة التابع لرئاسة الجمهورية، حيث ينعطف عند نهايته يمينًا هابطًا مرةً أخرى حتى يصل إلى المسجد الكبير ذي الطابقين، حيث يستمع إلى خطبة الجمعة من شيخه المفضل، ويعود بعد الانتهاء من الصلاة سيرًا بمحاذاة شريط الترام حتى البيت. ظل الرجل مواظبًا على هذه العادة كل جمعة في الصيف وفي الشتاء، لا يُقعده عنها حر بئونة وأبيب أو نوَّات شهر طوبة، كما كان معتادًا على تسمية الشهور طبقًا للتقويم القبطي الذي تعلمه في قريته لتحديد مواقيت مواسم الزراعة والحصاد، وكما كان يُعرف منه في الإسكندرية توقيتات النوات الممطرة على وجه الدقة. لم يتوقف عن هذه العادة إلا بعدما تمكن منه مرض الروماتيزم بعد إحالته إلى التقاعد؛ فصار إما يستقل الترام لمحطتين حتى مسجده المفضل، أو يصلي مضطرًا إذا لم تسعفه حالة مفاصل ساقيه في المسجد القريب، الذي أقامه أحد أولئك المتدينين الجدد من العائدين من البلاد العربية بجلابيب بيضاء ولحًى طويلة، أسفل بناية جديدة ذات طوابق عالية، كانت بمثابة أول نغمة نشاز ضربت جمال الشارع المتناغم. أما الضربة القاضية التي أسقطته مستسلمًا للمرض ومنتظرًا للموت في فراشه بهدوء فكانت رحيل زوجته، ربما مرض في البداية بسبب قلة العمل، لكنه ظل يقاوم، لكن المرض انتصر عليه بمساندة الوحدة والفقد.

وبرغم إقامة أبيه لعقود في الإسكندرية وتأقلمه مع الحياة فيها، لكنه لم يقطع صِلاته قط بمسقط رأسه، ولم يخلع أبدًا جذوره من عمق أرض الجنوب الثملى بالطمي وقشور أعواد القصب. لم يكن يمل من ترديد الحكايات عن صباه وشبابه في القرية، عن سنوات دراسته الأولى في كُتَّاب القرية، ثم في المدرسة الابتدائية التي تقع على مسيرة ساعة من قريته، ثم في المدرسة الثانوية التي تقع في المركز الذي كان أول مدينة يراها قبل أن يعرف كيف تكون المدن بحقٍّ حين جاء إلى الإسكندرية. في سنواته الأخيرة وخاصةً بعد التقاعد كان يحكي تلك الحكايات بشغف واضح، يسرد التفاصيل الدقيقة بحنين بالغ، يستطرد ويستطرد ويقفز من حكاية لأخرى. كان بإمكانه مواصلة الحكي إلى ما لا نهاية، وكان يجد ضالته وتعود إليه عافيته عندما يطرق بابه طارق قادم من قريته، أو حتى أي شخص يرجع أصله إليها ولو لم يعد يعيش فيها. كان يستعيد مع ذلك الوافد الذكريات والحكايات، وكان يبالغ في إكرامه ويلح عليه في البقاء، كانت تلك الجلسات المتباعدة تضيء وجهه وتنسيه أمراضه وشيخوخته، كانت أحاديث الذكريات تلك تعيد الشيخ إلى صباه حقيقةً لا مجازًا.

•••

كانت سنوات ياسين الأولى بعد استكماله لشهور الخدمة العسكرية حافلةً بالمتغيرات، لم تكد ساعات يومه تكفي لاستيعاب ما يتنقل بينه من أفكار وإبداعات وفنون، ظل يقضي ما يتبقى من ساعات يومه بعد العودة من العمل بين الكتب والموسيقى والسينما، خاصةً مع انشغال فريدة في دراستها التي تستغرق جل وقتها، كان قد فتح أبواب عقله أمام مختلِف الاتجاهات الفكرية، يستكشف العالم ويسبر أغوارًا سحيقةً من التاريخ والسياسة والفن. هام على وجهه بين سحر سينما الواقعية الجديدة بمخرجيها المغامرين، والتي كانت في أوج مجدها في ذلك الوقت رغم قلة جماهيريتها. سحره عالم محمد خان عاشق الشارع، وعالم داود عبد السيد عاشق الليل، وعالم عاطف الطيب عاشق الصعيد. انبهر بسينما الفانتازيا الموسيقية التي نبغ فيها خيري بشارة وشريف عرفة، فتح عينيه لأول مرة على عالم اليسار والشيوعيين عندما سحرته أغاني الشيخ إمام، التي اكتشفها بالصدفة بينما هو يستمع في طرب شديد يقارب الجذبة الصوفية إلى محمد منير — الذي لم يكن فقط مطربه المفضل، بل نموذجه الأمثل للفنان — وهو يشدو بأغنية شديدة القسوة من فرط ما تحمل من شجون لا يكاد يفهم مصدرها، كانت الأغنية من فيلم شديد التفرد كذلك، فيلم تليفزيوني جديد عن حرب أكتوبر، لكنه ليس كما اعتاده من أفلام مصرية، حتى تلك التي يصنعها مخرجوه المفضلون. كانت تلك أغنيةً فريدةً في فيلم فريد عن قصة قصيرة كتبها جمال الغيطاني أثناء عمله كمراسل حربي في السويس أيام حرب أكتوبر، يستمع إلى الأغنية للمرة الأولى ويكاد قلبه يتوقف عن الخفقان من فرط ما فيها من متعة غامضة لا يدرك أبعادها، وإن أدرك إلى حد اليقين أنها ستفتح له أبواب عالم فسيح ليست له حدود. كان المطرب الأسمر النوبي يشدو بأسلوبه المتفرد وصوته الدافئ الحزين بالفطرة:

البحر غضبان ما بيضحكش
أصل الحكاية ماتضحَّكش
البحر جرحه ما بيدبلش
وجرحِنا ولا عمره دِبِل
قُللنا فخارها قناوي
بتقول حكاوي وغناوي
يا قلة الذل انا ناوي
ما اشرب ولو في المية عسل

قضى تلك الليلة في غرفة المعيشة أمام التليفزيون، يعيد الأغنية ذاتها مرارًا وتكرارًا بعد أن سجل الفيلم الذي كان يُعرض للمرة الأولى على شريط فيديو جديد اشتراه خصيصًا لذلك الفيلم الذي كان ينتظره منذ أن بدأ التنويه عن عرضه قبل شهر، والذي لم يخيب ظنه. تكفيه تلك الأغنية الساحرة التي ظل يبحث وراءها لأسابيع، ويسأل كل من يعرفهم عن كاتبها وملحنها، حتى اهتدى إلى عالم ذلك الرجل الضرير ضعيف الجسم أجش الصوت، ورفيقه النحيل الأشعث، وتسجيلاتهما التي كان اقتناؤها في ذلك الزمن جريمةً قد تذهب بمرتكبها إلى ما وراء الشمس. استطاع الحصول على بعضها بعد جهد ليس بالقليل، وبدأ يكوِّن مكتبته الخاصة من تسجيلات الشيخ إمام ورفيقه أحمد فؤاد نجم، وبدأ يقرأ عن تلك المرحلة وعن تلك الأفكار، خاصةً عندما وقع بصره بالصدفة — بعد ذلك اليوم بعامين — على نعي الشيخ إمام نفسه في صفحة الوَفَيات بجريدة الأهرام، وفاجأه ذلك العدد الهائل من المثقفين والفنانين — بما فيهم محمد منير نفسه — الذين ينعون ذلك الرجل الغامض الذي لا يكاد يعرفه العامة، ولا يرد ذكره قط في التليفزيون أو الإذاعة أو الصحف، وكأنه لم يكن ولم يوجد يومًا. أيقن أن الرجل مشهور ومؤثر بالفعل، ولكن جهة ما — لسبب لم يكن يدركه بعد — لا تريد له أن يبقى كذلك.

صحراء

في الصباح التالي لاكتمال اقتلاع كل الأشجار المجاورة، جاءت قافلة جديدة من تلك الكائنات القبيحة إلى الأرض التي صارت الآن منبسطةً بلا كثبان ترمي الظل على بعض الأرض؛ فتسمح ببعض الحياة، وتجعل من الممكن تمييز الوقت بحسب طول الظل واتجاهه. صارت الأرض الآن كلها سواء، صارت أكثر فقدًا للتمايز مما كانت، فقدت ورقة التوت الأخيرة التي كانت تحفظ لها النزر اليسير من الهُوية، وباتت أخيرًا عارية، مستباحة. ما بين غمضة عين وانتباهتها اختفت كل تلك التعرجات والمنحنيات التي أبدعتها الطبيعة على مدار دهور ودهور، مُحيت تلك الرسوم البديعة التي شكَّلت هُوية الصحراء من قبل أن يوجد الحجر والشجر، وكأنها لم توجد يومًا، وكأن لم يكن لهذه الصحراء تاريخ، وكأن لم تمر بها ريح ولم يرطب جفاف جوفها قطرات مطر.

كانت الكائنات الجديدة أشد قبحًا من سابقاتها، كانت مفترسةً متوحشة، كان لها مخالب وأنياب هائلة كالحيوانات المنقرضة التي عاشت هنا في غابر الدهر، ثم ماتت حين لم تحتمل قسوة الصحراء وندرة الغذاء. لكن تلك الوحوش الجديدة تلتهم كل شيء ولا تبالي، إنها تلتهم الرمال الصفراء نفسها، تغرس مخالبها في قلب الأرض ثم تخرجها وقد امتلأت بالرمال، وبما بقي من جذور الشجر ورفات الدواب وجحور الزواحف. أي وحوش غاشمة تلك التي تلتهم الرمال وتأكل الأرض!

لم تزل تلك الوحوش تحفر أخاديد في قلب الأرض وتُخرج باطنها لتُلقي به في جوف وحوش أخرى تجري به بعيدًا، وكأنها تهرب بما سرقته من رمال قبل أن تبتلعها الأرض الغضبانة، ثم تعود ثانيةً كأنما قد تقيأت ما التهمته من رمال الصحراء بعيدًا، فعادت لتملأ منها جوفها تارةً جديدة. لا تشبع تلك الوحوش قط من التهام الأرض!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤