المقدمة

قبل عشرين سنة — أي في سنة ١٩٣٤ — ألَّفت كتابًا عن «الأدب الإنجليزي الحديث» أخرجته المطبعة العصرية بالقاهرة، هدفت منه إلى شرح النزعات الأدبية الإنجليزية، واستقطبت الأضواء فيه على عبارة «الأدب في خدمة المجتمع».

ولذلك استغربت كثيرًا عندما كتبت مقالًا قصيرًا في «أخبار اليوم» في سنة ١٩٥٢ بعنوان «الأدب للشعب» أن ثارت حولي زوبعة كأني قد دعوت إلى بدعة خبيثة، مع أن القارئ لكتابي الذي أشرت إليه لا يجد جديدًا فيما دعوت إليه في هذا المقال، إلا إذا كان من أولئك الذين نشَئُوا على الأدب العربي القديم وحده ولم يعرفوا غيره.

وقد أوضحت في هذا الكتاب أن الأدباء الأوروبيين لا يكتبون في الخواء، وإنما يعالجون المشكلات الاجتماعية الإنسانية، وهم يكتبون للشعب بلغة الشعب، وقلت بالحرف في مقدمة هذا الكتاب:

هذا الكتاب هو عرض ونقد للأدب الإنجليزي في السنين الأربعين الماضية، ففي هذه المدة ظهر أدباء ثائرون على التقاليد ومجددون للأدب، وقد حاولت أن أبيِّن للقارئ العربي المغزى في هذا التجديد، وعندي أن التجديد في الأدب هذه الأيام لا يعني شيئًا آخر سوى التجديد في الحياة، وهذا هو ما نفهمه من المجددين الإنجليز الذين نعرضهم في الفصول التالية، فإن الأديب الإنجليزي يتصل بالحياة، ويتأثر بها، ويؤثر فيها، وهو ينتقد أسلوب العيش أكثر مما ينتقد أسلوب الكتابة، وهذا خلاف ما نجد في طبقة الأدباء التقليديين في مصر؛ حيث الاهتمام كبير بالأسلوب الكتابي في حين ليس هناك اهتمام أصلًا بأسلوب العيش، فإن الأديب التقليدي يُعنَى مثلًا بأسلوب الجاحظ الكتابي فيحتذيه، ولا يُعنَى بأسلوب الفلاح المصري في العيش فينقده ويطلب إصلاحه، وهو يكتب عن العرب وتاريخهم ومجدهم، ولا يكتب عن مصر ونكباتها الحاضرة، وما تعانيه من مظالمَ اقتصاديةٍ أو سياسيةٍ أو اجتماعيةٍ؛ ولذلك فإن أدبه سلفي، وهو أدب الكتب الذي يجعله يعيش وهو في عزلة عن الوسط الذي يحيط به كأنه في برج عاجي، وهو هنا يشبه أدباء القرون الوسطى في أوروبا.

ولكن الأدب الأوروبي الحديث — وخاصة الأدب الإنجليزي — هو أدب الحياة، ينتقد المعايش والغايات ويجعلها موضوعه سواء في القصة أم المقالة، وهو لذلك يتصل بأنواع النشاط البشري كله، فللأديب رأيه في العلم والصناعة، والاقتصاد، والصحافة، بل في الأدباء الإنجليز — مثل برنارد شو — من ينتقد النظريات الطبية، ومنهم من يدعو إلى الإيمان بدين جديد.

والحق أن التجديد في الأدب يشبه التجديد في الفلسفة؛ فقد كانت الفلسفة القديمة تترفع عن درس الحياة الدنيا، وترصد نفسها لدرس كُنْهِ الأشياء، والفرق بين ما نعرفه عن الشيء وماهية هذا الشيء، وكانت تبحث الغيبيات؛ أي ما قبل الوجود وبعده، وهي في ذلك كله تبتعد عن الناس ومعايشهم، ولكن الفلسفة الجديدة تدعو إلى الكف عن البحث عن كنه الأشياء، وتقنع باستخدامها لمصلحة الإنسان.

وكذلك الحال في الأديب، فإنه كان يعتكف بين الكتب ويترفع عن نقد المعايش وغاية الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية، وكان يدأب في الاجترار، ويعيش في برجه العاجي، لا يغتذي مما حوله، ولكنه يغتذي بالمؤلفات القديمة. أما الآن فإن الأديب الجديد يكاد ينظر إلى الأدب القديم نظرة «بيكون» إلى العلوم القديمة، فهو يطلب التجربة والاختبار بنفس الروح الذي طلبهما به علماء النهضة؛ وذلك لأنه يشك في قيمة المقاييس القديمة، ثم هو يستخدم أدبه، كما يستخدم الفيلسوف الجديد فلسفته، لمصلحة الإنسان، فيبحث أساليب العيش والاجتماع، ولا يكاد يبالي أساليب الكتابة.

هذا هو ما كتبته في سنة ١٩٣٤، وهذا المجلد الحاضر هو توسع واستيفاء للموضوع، وهنا أقف لحظة كي أرد على سؤال أحس أنه يتردد على ذهن القارئ، وهو: إذا كان الأديب يشتغل بالمجتمع والعيش والمظالم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فهل معنى هذا أن من يكتب في هذه الشئون يسمى أديبًا؟

والجواب أن الأدب فن، وشرط الفنون جميعها، بل الشرط الأول فيها، هو الطرب، فيجب حين نقرأ الأدب أن نطرب، كما نطرب من الشعر أو الموسيقا، أو كما نطرب عند رؤية رسم عظيم أو تمثال رائع، نفهم ونطرب.

لقد ألف مثلًا «أميل زولا» قصة عن الحب نجد فيها طربًا، فهي أدب، هي فن.

وكان يمكنه أن يؤلف كتابًا عن الحب يتناول فيه حقائقه بالشرح والإحصاء والرسم، وعندئذ كنا نجد كتابًا علميًّا وليس أدبًا؛ أي ليس فنًّا، كنا نجد فيه فهمًا فقط وليس طربًا.

ولكن ما دام الأدب في خدمة المجتمع، فإنه يجب أن يندعم في مشكلات المجتمع، ويجب أن يرفع إحساسنا إلى طرب الحزن أو الفرح، أو الغضب أو المرح، أو القلق أو الاستطلاع، حتى يحملنا على التفكير، وحتى يحيل حياتنا الفردية إلى حياة اجتماعية تترفع على الهموم الشخصية الصغيرة وتضطلع بالهموم الإنسانية الكبرى.

وعندئذ لا نجد في الأدب طرب الكلمة فقط بل طرب الفكرة أيضًا.

•••

عندنا في مصر طبقة من الأدباء قد انغمست في دراسة الأدب العربي القديم وأخذت بقيمه ومقاييسه، وهي تعلِّم هذا الأدب في مدارسنا وجامعاتنا كما لو كان أسمى الآداب، بل كما لو كان الأدب الإعجازي المفرد الذي لا نستطيع أن نرتفع إليه.

ويجب أن نسلم قبل كل شيء بأن الأدب العربي القديم فن قد احتوى الشرط الأول للفنون وهو الطرب، ولكن فكرتنا العصرية عن الأدب تعلو على الطرب وإن لم تستغنِ عنه؛ إذ نحن نطلب من الأديب:
  • أن يكتب للشعب بلغة الشعب المستطاعة، وأن تكون شئون الشعب موضوعات دراسته واهتمامه.

  • وأن يكون له مقام المعلم المربي، وليس مقام المسلي المهرج.

  • وأن تكون له رسالة، كما لو كان نبيًّا يرشد ويعين الأهداف، ولا يكذب، فينافق ويخدع.

  • وأن تكون نظرته إنسانية شاملة.

  • وأن يزيد حياة القارئ حيوية، بالتوسع والتعمق والفهم للكون والدنيا والإنسان.

  • وأن يوجِدَ حوله مناخًا تستطيع الحريات أن تحيا فيه وتنمو وتنتصر.

وكل هذه معانٍ لم يكن أدباء العرب يعرفونها، ولهم العذر الواضح هنا؛ لأنهم لم يكتبوا للشعب الذي يحتاج إلى أن يتعلم بلغته التي يفهمها، وإلى أن يجد الكاتب الملهم الذي يرسم له المستقبل، وإلى الحرية والإنسانية والفهم العميق للإنسان والكون.

•••

ما هو الأدب العربي القديم؟

هو أدب كان يؤلفه الكتَّاب والشعراء لأجل الخلفاء والأمراء والفقهاء؛ لأن جميع هؤلاء كانوا «الدولة»، ولم يكن للشعب وجود في أذهان الكُتَّاب، ولم يكن هناك قراء يمكن أن يعتمد عليهم في مكافأة المؤلفين.

وكان أدبُ الخلفاء والأمراء نوادرَ وقصصًا وأشعارًا تسلي وتذهب بالسأم، أي سأم البطالة … بطالة المترفين.

وكان أدب الخلفاء أحيانًا تواريخ تؤيد دولتهم وتثبت حقوقهم في تبوُّء الحكم.

وكان أدب الفقهاء شروحًا وتعقيبات على الدين والمذاهب.

ولما ظهرت الدولة الفاطمية في مصر، وظهرت الدول المستقلة في المغرب والأندلس، وكثرت السياحات، ظهر أدب يكاد يكون شعبيًّا في قصص الرحلات، بل صار شعبيًّا خالصًا في كتاب ألف ليلة وليلة مثلًا.

ولكن الشعوب كانت لا تزال في التراب، فلم يرتفع هذا الأدب عن التراب.

وأولئك الذين يطلبون منا أن نكبر من شأن المتنبي أو أبي نواس ينسون أننا لا نخاطب الملوك والأثرياء ولا ننشد تسليتهم، وإنما نخاطب الشعب. وصحيح أنه نشأ بيننا شعراء، مثل علي الجارم وأحمد شوقي، قصروا حياتهم وأشعارهم — أو كادوا — على الملوك أو الأمراء، ولكننا لا نكبر من شأنهم لهذا السبب، بل نعيب عليهم مواقفهم، وأنهم لم يتكلموا بلسان الشعب ولم يدعوا إلى جمهورية أو ديمقراطية أو اشتراكية، ولم يوجدوا حولهم مناخ الحرية؛ حيث يستطيع الناس أن يتحدثوا ويكتبوا عن حقوق الإنسان.

ولست في هذا القول أعارض بأن يكون بيننا سلفيون وعصريون، بحيث يلتزم الأولون أحسن ما عند القدماء ويأخذ الآخرون بروح العصر الذي نعيش فيه، ولكن هذا الأحسن الذي عند القدماء لا يمكن أن يحتوي الأشعار اللوطية التي ألَّفها أبو نواس، ولا الأشعار البرازية التي ألَّفها ابن الرومي!

ثم هذا الالتزام للقدماء لا يعني بالطبع مدح فاروق أو عباس، وكذلك لا يعني تملق العامة وترويج الخرافات بينهم، ولا يعني كراهة التطور، ولا يعني أن يكون الأدب حلويات يتمززها القارئ؛ إذ هو في عصرنا قوت يغذو القارئ ويرفعه إلى الكفاح من أجل الخير.

ويجب أن نذكر أنه ما من ابتكار في الأدب إلا ويعود إلى خلاف للقدماء، وأولئك الذين يكبرون من شأن القدماء ينسون أنه كان لهؤلاء القدماء قدماء آخرون أيضًا، أنكروهم وخالفوهم وشقوا أساليب جديدة في التعبير والتفكير.

•••

عندما تخمد الحياة أو تهمد في الشعب، تهفو إلى الماضي، وتثير ذكرياته في اشتياق كما لو كان يشتاق إلى الموت؛ لأن في الماضي كثيرًا من سمات الموت، بل هو موت، وهذا الماضي يشيع في نفوس أبنائه عقائدَ، في حين أن المستقبل يطالب بالمنطق والعقل والتزام الحقائق.

إن الانغماس في دراسة الماضي — إذا كان الدارس أديبًا — ينقل إلينا أساليب التفكير والتعبير الماضيين، وهذا هو ما نرى مثلًا في كثير من أدبائنا؛ فإنهم كانوا لا يرون عيبًا في تسلط فاروق التركي على بلادنا، ألم يفعل ذلك الخلفاء والسلاطين؟ ولا يجدون من الدراسات سوى الدراسة القديمة لثقافة لا تمتُّ إلى عصرنا، وهم لا يكادون يحسون أو يعقلون أن مصر الناهضة تعمل للانتقال من ثقافة الشرق القديمة إلى ثقافة الغرب العصرية، ثقافة الصناعة والعلم والديمقراطية والاشتراكية.

ما هو الأدب الرفيع الذي يجب أن نكتبه للشعب حتى يرتفع القارئ من اهتماماته الشخصية الصغيرة إلى هموم إنسانية عليا تزيد قلبه ذكاءً وعقله إحساسًا، فيعرف معاني الشرف والمروءة والخير والارتقاء والتطور، ويقف عندئذ على مستوى التاريخ؟

الأدب الرفيع هو التنقيب عن معنى الحياة ودلالتها، وهو البحث عن طبيعة الكون، وهو إقناع الإنسان بأن يكون إنسانيًّا، وهو ابتكار القيم الجديدة تأخذ مكان القيم القديمة وتزيد الدنيا والبشر جمالًا وسعادة، أجل، وطعامًا للجائعين.

وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، يجب ألا ننسى أن الأدب الرفيع، حتى الموسيقا، حتى الرقص، يهدف إلى الأخلاق العليا، أي يجب أن نُحِسَّ ارتفاعًا في النفس حين نسمع أغنية أو لحنًا أو نرى رقصًا، أما إذا أحسسنا الخسة والانحطاط، فإن الأغنية أو اللحن أو الرقص لن يعد أحدها من الفنون، وكذلك الشأن في أبي نواس، فإننا لا نستطيع أن نسمي أشعاره فنًّا جميلًا؛ إذ كيف يكون اللواط جميلًا؟!

ولكن يجب ألا ننسى أيضًا أن الأخلاق العليا ليست هي الأخلاق العرفية التي يدعو إليها المجتمع؛ إذ قد يكون هذا المجتمع فاسدًا، وإنما الأخلاق العليا هي التي يستنبطها الأديب أو الفنان بذكائه ومعارفه واختباراته، وديانته البشرية، ويدعو المجتمع إلى اعتناقها والتخلق بها.

ونهضة الأدب لا تعني شيئًا آخر سوى نهضة الحياة، أي نهضة الإنسان والمجتمع، ينهض بالثورة، وينهض بالعلم، وينهض بالصناعة، وينهض بالثقافة، وينهض بالحرية، وينهض بالإنسانية.

والأدب الرفيع هو عندئذ أدب الأفكار.

وكتب الأدب العظيمة هي كتب مقدسة، (هل يمكن أن نسمي أشعار أبي نواس مقدسة؟)

بل إن الأديب الحق، الأمين، قد أصبح في نظر قرائه كاهنًا أو إمامًا يربي الضمائر ويوجه الأخلاق كما يطرب النفوس ويمتع العقل والإحساس.

إننا نطالب الأديب في أيامنا بما كنا نطالب به الكاهن أو الإمام في القرون الماضية، نطالبه بأن يكون هو نفسه الصورة الأولى لأدبه وفنه، فنسأل عن اهتماماته وهمومه، ونتجسس — بعد أن يموت — على حياته، وهل كان صادقًا، يكتب ما يحياه، ويحيي ما يكتبه؟ أم كاذبًا، يجري على المثل السخيف القديم: أحسن الشعر أكذبه؟

بل إننا، بما ثقفنا من المعارف السيكولوجية، نعرف أنه حين يصدر الأديب كتابًا للشعب فإنما يصدر نفسه، وأنه إذا كانت حياة الأديب رفيعة فإن أسلوب أفكاره وأسلوب عباراته يكون أيضًا رفيعًا، وأنه إذا كان يحب الشعب، فإنه يكتب له في بلاغه شعبية يتعب ويعرق في صقلها وتجميلها، وأنه لذلك يكتب في حب وحنان لا يعرف السباب أو البذاء.

والأديب الحق هو الذي يجمع بين العمق واليسر، فيكتب للشعب، مثل تولستوي، دون أن يبتذل الأدب فيحيله إلى أدب غوغاء ورعاع، (ومع ذلك يجب أن أصرح بأن الأدب العامي إذا كُتِبَ بإخلاص فإنه يرتفع على الأدب الفصيح البليغ إذا كُتِبَ للملوك والأمراء، وأنا أوثر لهذا السبب بيرم التونسي لأزجاله العامية، على أحمد شوقي وعلي الجارم لأشعارهما الملوكية).

وعلى هذا الأساس ألفت كتابي سنة ١٩٣٤ عن «الأدب الإنجليزي الحديث»، وكنت أهدف، إضمارًا، من تأليفه إلى المقارنة بين أدب المذاهب والمبادئ في إنجلترا، وأدب الأحزاب بل العصابات الملوكية والباشاوية في مصر.

وليس الأدب مع ذلك شيئًا خالدًا؛ إذ هو يتغير بتغير الظروف وحاجات الشعوب وسيكولوجية الأفراد، ولكن يخلد فيه مع كل ذلك شيء واحد هو نزعته الإنسانية.

وفي وقتنا الحاضر، في مصر والأقطار العربية، يجب أن يكون الأدب كفاحًا نحارب به رواسب القرون المظلمة، وندعو فيه إلى حرية المرأة ومساواتها التامة في الحقوق والواجبات بالرجل، كما ندعو إلى الحضارة العصرية، أي حضارة أوروبا؛ إذ نحن على يقين بأنه إذا كانت الشمس تشرق من الشرق فإن النور يأتي إلينا من الغرب، وأن ندعو إلى العلم والصناعة لزيادة الثراء، وأن نحارب الغيبيات والخرافات التي أسن بها الشرق وتعفن حتى كاد يموت. وأخيرًا يجب أن نتجه نحو الديمقراطية الاشتراكية، ثم، وعلى الدوام، نطلب الحرية، الحرية الروحية بالانطلاق من التقاليد والخرافات، والحرية السياسية بإيجاد حكومات شعبية عادلة.

النزعة الإنسانية هي الشيء الخالد في الأدب، إذا كان ثمَّ خلود في هذا العالم.

ذلك أنه قد توجد ظروف تدعو الأديب إلى أن يحارب ملكًا سافلًا أو عقيدة فاسدة أو طبقة طاغية أو استعمارًا أو استبدادًا، فهو يستقطب الضوء على موضوع معين كي يبرزه ويحرك العقول والقلوب بشأنه، وقد يزول السبب الذي كتب وألف من أجله، فتزول قيمة ما كتب وألف؛ لأن الغاية قد تحققت، ولكن تبقى بعد كل هذا النزعة الإنسانية في الأديب؛ لأن حرفة الأديب وعنوانه وهدفه وموضوعه أنه إنساني.

لقد قال «هويتمان» الأديب الأمريكي هذه الكلمة الإنسانية العظمى: من أهان إنسانًا فقد أهانني.

هي كلمة تصح أن تكون عنوانًا وشعارًا لكل أديب.

بل إننا حين نستقطب الضوء على موضوع معين، مثل مكافحة الرق، أو الاستبداد بالمرأة، أو الاستبداد بالفلاح، إنما ننبعث إلى كل ذلك بالنزعة الإنسانية.

وعلى هذا يجب أن يكون لكل أديب رسالة يؤديها للشعب، بل للعالم، عن وجوده وجهوده، بحيث تنسق جميعها وتسير نحو الهدف الإنساني.

وإني هنا أود أن أسأل أدباء مصر: ما هي رسالتكم التي خدمتم بها الإنسانية في الموضوع الذي عالجتموه في مؤلفاتكم؟

أحب أن أسأل توفيق الحكيم: ما هي رسالتك الأدبية في مصر، وهل نستطيع أن نفهم هذه الرسالة مثلًا من «أهل الكهف»؟

وأحب أن أسأل عباس محمود العقاد: لقد ألفت نحو خمسين أو ستين كتابًا، فما هي رسالتك الإنسانية فيها؟

وأحب أن أسأل طه حسين مثل هذا السؤال …

إني أستطيع أن أؤلف كتابًا عن رسالتي التي تنتظمها مؤلفاتي، وأن أوضح أنها رسالة الإنسانية والحرية والمساواة والحضارة والعلم، فهل هذا في مستطاع كتابنا الذين ذكرتهم؟

لقد عشنا في مجتمع مصري لابسته ظروف سياسية استعمارية واستبدادية، والكاتب الذي وقف بعيدًا لا يكتب عن هذه الظروف لمصلحة الشعب، أو الذي كتب في مدح المستبدين والمستعمرين، لا يمكن أن يوصف بأنه كان أمينًا للإنسانية وللمجتمع.

إن نهضة الأدب هي نهضة الحياة، ولن ينهض الأدب إلا إذا كان الأدباء أنفسهم ناهضين.

ووزن القيم الفنية لا يختلف عن وزن القيم الأخلاقية.

والشرط الأول في الأديب أن يكون إنسانيًّا، يعمل لنهضة الشعب، ولتغيير قيمه الأخلاقية بما يفضلها.

فما هو مكان أدبائنا من كل ذلك؟ ما رسالة كلٍّ منهم؟

لما تفاقمت حركة الإخوان المسلمين، وشرعت الحكومة تتعقبهم بالمحاكمات، كتبت هذه الكلمة التالية في الأخبار (سنة ١٩٥٤) بعنوان «الأدب المرتبط»:

يستطيع الأدباء الذين كتبوا ودعوا إلى أن يكون الأدب في خدمة المجتمع والحياة والإنسانية أن يقولوا الآن: «ألم نقل لكم …؟»

نعم يستطيعون ذلك ويجدون في الظروف القائمة وفي الثورة السوداء التي تعالجها الحكومة في هذه الأيام ما يبرر هذا السؤال.

إذ لو أن الأدب كان في خدمة المجتمع، يعالج مشكلاته، ويدعو إلى الإصلاح الاجتماعي، ويدافع عن حرية الضمير، ويطلب المساواة بين الرجل والمرأة، وينادي بالإنسانية بين أبناء البشر على اختلاف أديانهم ومذاهبهم، ولو أن الأدباء كانوا على وجدان بمعنى الحضارة العصرية التي تعتمد على حقائق العلم وليس على التقاليد والعادات، ولو أنهم كانوا يعرفون عبارة «الأدب المرتبط» أي الذي يرتبط بالمجتمع فيحس الأديب أنه مسئول عن مجتمعه وأنه إمامه الذي يقوده ويرشده وينشد صلاحه وخيره، أقول لو أن أدباء مصر كانوا يربطون أدبهم بالمجتمع المصري لما وقعنا في هذه الكارثة التي نتخبط فيها هذه الأيام.

فهذه الثورة السوداء إنما يقوم بها شبان يقرءُون الصحف والكتب، ولو أن الأدباء كانوا قد صوروا لهم الدنيا الجديدة، دنيا الخير والبر والصلاح، كما كان يجب أن يصوروها، ولو أنهم كانوا قد وجهوهم إلى النظر في بؤس بلادهم وفقر فقرائهم، ورسموا لهم خطط الإصلاح، واشتغلوا بهمومهم، وبعثوا اهتماماتهم إلى المستويات الإنسانية العالية، لكانوا — أي هؤلاء الشبان — قد وجدوا في آمال الخير التي ترسم لهم ما يغذو نفوسهم ويحملهم على الاتجاه السديد لخدمة مجتمعهم.

ولكن للأسف لم يجد الشبان هذا التوجيه، وإنما وجدوا مؤلفات للأدباء عن ابن الرومي وأبي نواس والمتنبي والمأمون وغير هؤلاء ممن لا يرتبطون بمجتمعنا العصري بأي ارتباط، ولا نستطيع أن نستخرج من حياتهم وأعمالهم العبرة الاجتماعية أو الإنسانية لحياتنا العصرية.

بل أزيد على هذا وأقول إن أدباءنا قد غذوا هذه الثورة السوداء بكثير من مؤلفاتهم … وقد احتجت أنا والأستاذ التابعي إلى أن نهيب بهم في الأسبوع الماضي أن يقولوا كلمة في استهجان هذه الحركة المدمرة.

وقد كان سكوتهم مستغربًا، ولكني لا أراه الآن، في ضوء مذهبهم في الأدب، مما يستغرب؛ إذ هم يعتقدون ويصرحون باعتقادهم بأن الأدب لا شأن له بمشكلات المجتمع.

أفيقوا يا أدباء مصر، وافهموا، وتعلموا، أن الأدب للحياة والإنسانية والمجتمع، وأنه ليس نكته بديعة أو بيتًا رائعًا، وإنما هو ارتقاء وتطور وكفاح لتعميم الخير والشرف والإخاء والحب.

هذا هو ما كتبته قبل شهور، والعجب أن هناك من يردون عليَّ حين أنتقد شوقي أو غيره من الشعراء أو الأدباء بأنه لم يكن يبالي بالشعب، يردون عليَّ بأن لهذا الشاعر أو غيره قصيدة يدعو فيها الأثرياء إلى الإحسان …

لا، ليس هذا هو الأدب الشعبي.

ليس الأدب الشعبي، الإنساني، أن نؤلف القصائد أو القصص كي نبعث في الأثرياء العطف على الفقراء والتصدق عليهم، وإنما هو أن ننظر بالعين الفنية للمشكلات الإنسانية والاجتماعية، ولكن من موقف الشعب نفسه، أي من الموقف الإنساني، وليس من موقف الأثرياء، فلا نطلب التصدق، وإنما نكافح للعدل والمساواة.

اعتبر مثلًا إحدى المشكلات الحاضرة؛ وهي المشكلة الجنسية بالفصل بين الجنسين، فإن شبابنا تعساء لا يحيون حياة الحب، ومع ذلك أين هو الكاتب الذي يدعو إلى مكافحة هذه التعاسة وإلى الدعوة بأن من حق شبابنا وفتياتنا أن يحبوا، وأن يختلطوا، وألا يتزوجوا إلا عن حب سابق؟

إننا نحتاج إلى عقول اجتماعية تقدر قيم الحنان والجمال والرقة والحب والاختلاط بين الجنسين؛ لأن هذا هو التمدن، بل هذا هو الإنسانية، والأديب العظيم هو قوة إنسانية وتمدينية للمجتمع الذي يعيش فيه.

•••

ولكن هناك أيضًا عشرات من المشكلات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والعائلية، بل هناك مشكلات تتصل بموقف الإنسان في هذا الكون، لم يعالجها أديب مصري أو لم تتحيز المكانة العليا في أدبه، وذلك للتقاليد الأدبية السائدة؛ وهي أن الأدب للذة الذهنية، أو الترف الذهني، وأنه ليس للحياة، أو للإنسانية، أو للشعب، أو للمجتمع.

وهذه النظرة الاستهتارية للأدب هي التي حملت بعض أدبائنا على أن يؤيدوا أحمد زيور في تحطيم الدستور، وجمع أعضاء البرلمان في الصباح ثم طردهم في المساء، وهي التي حملت بعض الأدباء أيضًا على تأييد محمد محمود في تعطيل الدستور ثلاث سنوات تقبل التجديد، وهي التي حملت آخرين على تأليف المجلدات التي تحوي القصائد في مدح فاروق أو نعته بأنه «فيلسوف».

هذا في السياسة، أما في الاقتصاد فإن أديبًا واحدًا في مصر لم يرتفع صوته بالدعوة إلى إنصاف العمال، الزراعيين والصناعيين، لا في مقال ولا في قصة، غيري، واتُّهمتُ واعتُقلتُ بتهمة الشيوعية لهذا السبب، وإغفال الأدباء في مصر لموضوع العمال ينبني على أنهم إنما كانوا يتجهون نحو طبقة الباشوات والأثرياء والموظفين ويخاطبونها، ويلتفتون إلى اهتماماتها، دون طبقة العمال، كان الأدب لا يعنى بعشرين مليون مصري من ٢١ مليونًا.

ثم اعتبر العائلة، إن في مصر كثيرين يكرهونني؛ لأنني أتناول موضوعات الزواج والطلاق والحب واليتم والفقر والتسكع بين الأطفال؛ اعتقادًا بأني إنما أفعل ذلك لكراهتي للتقاليد، كأن تقاليدنا، في الفقر وفوضى العائلة، وتسكع أبنائنا بسبب الطلاق وتعدد الأزواج، يجب أن تعيش.

وهذه موضوعات قاطعها دعاة الأدب «للترف الذهني» ولمدح الملوك.

ثم اعتبر مجتمعنا الذي وصفته بأنه «مجتمع غير اجتماعي» أي أنه مجتمع انفصالي، على تناقض التعبير في الكلمتين، هذا المجتمع لم يجد من أقلام هؤلاء الأدباء من يعنى به ويطالب بتغييره؛ لأنهم يخشون العامة التي ربما تتهمهم بالثورة على التقاليد المحترمة.

إن الأدب «المرتبط» أو الأدب «الملتزم» يحتم علينا أن نتناول المشكلات الاجتماعية؛ لأن الأديب مسئول، ومسئوليته أمام المجتمع والإنسانية، فيجب أن يقف على الدوام ضد الحرب، والاستعمار، وضد الاستغلال، وضد احتقار المرأة، وضد التفاوت بين الجنسين في الحقوق المدنية والدستورية والاقتصادية، كما عليه أن يدعو إلى إنصاف العمال وإلى دعوة الحب بين الجنسين.

هذا إذا كان مسئولًا، أما إذا لم يكن مسئولًا، فليؤلف القصائد عن فاروق ويصفه بأنه «فيلسوف»، وليقل إن أبا نواس أديب عظيم، وليؤيد المستبدين في إلغائهم للدستور كي يحكم فؤاد أو فاروق بلا برلمان، ولتذهب الأمة إلى التراب.

•••

أعظم ما يمتاز أو يتسم به الأديب العصري في أوروبا وأمريكا هو أن أدبه ينقل إلينا اعترافاته واختباراته، فهو يكتب في مؤلفاته ترجمة أو تراجم حياته من وجهاتها المختلفة، وهو ينقل إلى القارئ إحساسه ووجدانه، وعلى قدر إخلاصه في هذا النقل، وعلى قدر تفسيره الذكي لما يحس وما يجد، يلقى منا التقدير والحب والاحترام.

ذلك لأننا نجد في اعترافاته صورة لما نحس وما نكابد، ولكن صورته قد كتبت أو رسمت بذكاء وثقافة وفن لا يرتفع إليها القارئ الذي يجد فيها الطرب الذي هو أول شروط الفن.

وكثيرًا ما أحزن عندما أجد طالب الأدب في مصر يتحدث عن الأسلوب كأنه شيء يعلَّم، ولذلك يتعب نفسه في قراءة الجاحظ أو المتنبي كي يأخذ بأسلوبهما، مع أن أسلوب الكتابة هو صورة لأخلاق الكاتب، فإذا وجدت الكتابة السلسة فثق أنها برهان على أخلاق الكاتب السلسة، وكذلك يجب ألا ننسى أن الأفكار تعين المعاني، ولذلك فإن الأسلوب التافه برهان على الأفكار التافهة.

وكثيرًا ما أجد الأسلوب المطهم مع المعاني الجوفاء، فأفهم من ذلك أن الكاتب قد استعار الكلمات والعبارات، وكان هذا اهتمامه الأول، أما الموضوع فجاء في المكان الثاني من اهتمامه، فهو سترة مطهمة فوق شخص ليست له شخصية، وكثيرًا ما ينخدع الشباب القراء بهذه السترة لزهرة ألوانها، ولا يكادون يلتفتون إلى ركاكة نسيجها.

والحق أننا نحس الأسلوب العظيم في الكاتب إذا كان له هدف عظيم يستولي على أفكاره، وإذا كان له كفاح عظيم يحيله إلى جندي.

بل إني أعتقد أن الهدف والكفاح يحيلان الكاتب المتوسط إلى نابغة، والكاتب النابغة إلى عبقري.

إِذَن ما هو النابغة؟ وما هو العبقري؟

إننا لا شك نميز بينهما، فإن الفرق بينهما يكاد يكون بيولوجيًّا، ولكننا نستطيع أن نقول إن كلًّا منهما إنما يصل إلى مكانته العليا؛ لأنه قد درس شئون الإنسانية والحياة والمجتمع واختلط في مشكلاتها، فرأى — لوفرة ما اختلط ودرس — ما لا يراه غيره؛ ولذلك أصبحت لكلماته معنى النور ودلالة الإرشاد.

ولأن الشعب الذي يقرؤه يجد صدى عنده لجميع ما يعالجه من شئون فإنه يحبه، وعندئذ يروج اسمه في قلوب الناس الذين يجدون فيه الإحساس الإنساني والحب للخير والدعوة إلى الشرف.

لقد قلت إن الشرط الأول لكل فن هو الطرب، ولكني هنا أحب أن أصحح وأقول إن الشرط الأول لكل فنان هو الرجولة، يجب أن نجد في كتاب الأدب الذي نقرأه رجلًا كما نجد أديبًا.

ومن هنا قيمة الترجمة الذاتية للأديب، نطالبه فيها بأن يذكر لنا حياته عارية بل مسلوخة، حتى نعرف ما هي قيمة اعترافاته، أي أدبه.

وصحيح أن الأديب المخلص يجعل أدبه كله اعترافات، ولكنه هنا لا يتمالك أن يمزج الخيال بالعقل، وأن يتسامى، وأن يتجنب بعض ما لا يحب من الأحداث والحوادث، ولكنه حين يكتب تاريخ حياته ويخلص ولا يبالي اللوم أو النقد، ينقل إلينا صورة فذة من حياة بشرية هي نفسها من أكبر الأحداث العالمية.

يجب أن نطالب كل أديب بأن يكتب تاريخ حياته، وأن يبرر لنا مواقفه في السياسة، والاجتماع، والمشكلات الإنسانية، أو يعتذر عما ارتكب بشأنها من جرائمَ ويوضح لنا وجوه اعتذاره، وعليه أن يبين لنا رسالته في الفن أو الأدب.

وأعود فأقول إن لكل أدب رسالة، حتى الموسيقا لها رسالة. والأديب الذي يقول إنه ليست له رسالة، ليس له الحق في أن يكتب.

وقد قلت إن الأديب يجب أن يطربنا، ولكنه يجب أيضًا أن يغيرنا، أجل، يغيرنا برسالته.

•••

ما هي الحضارة المصرية القادمة التي يجب علينا — نحن الكتَّاب — أن ندعو إليها ونهيئ لها؟

إننا نحيا مترددين بين القيم القديمة وبين القيم الجديدة، فأيتهما القيم الفضلى التي تربي الشخصية السامية والمجتمع الفاضل، والتي تدعو إلى ثراء المال والذهن والسعادة والحب؟

هل هي الأخلاق القديمة أم الأخلاق الجديدة؟

إن عندنا كُتَّابًا يكتبون كما لو كان مجتمعنا هو المجتمع النهائي الذي وصل إلى قمة الارتقاء، فلا يجوز لنا أن نفتش عن معايبه، ولا أن نناقش عاداته وتقاليده، وكأن ما نحيا فيه من عادات وتقاليد يجب أن يبقى بلا تغيير إلى مائة سنة، بل إلى ألف سنة قادمة، يتزوج سلائلنا في سنة ٢٩٥٥ كما نتزوج الآن، ويطلقون كما نطلق الآن، ويفهمون من معاني الأخلاق كما نفهم الآن، بلا تطور.

ما هي البذور التي نزرعها الآن كي تنمو في المستقبل؟

أين بذور الحرية التي نزرعها؟

كيف نتحرر من الطغاة المستبدين، وكيف نتحرر من التقاليد التي تخنق التطور؟

لما جاء نابليون مصر ألَّف مجلسًا استشاريًّا من شيوخ الأزهر، وحدث أن طلب إليهم تعيين بعض الكبار من الموظفين، مثل «حكمدار» القاهرة، ورئيس الحسبة الذي كان يشرف على الأسواق والأسعار، ورئيس القضاة، فرفض هؤلاء الشيوخ تعيين هؤلاء من المصريين وأصروا على أن يُعَيَّنوا من الأتراك!

إننا نفهم من الاستبداد أنه استعباد الأمير أو الملك للشعب فقط، ولكن الرق كان في قلوب هؤلاء الشيوخ الذين رفضوا أن يكونوا أصحاب بلادهم، وآثروا الأتراك على أنفسهم في هذه المناصب.

هذا الرق لا يزال في قلوبنا نحن أيضًا، هو رق التقاليد التي تخنق تطورنا، ورسالة الأديب أن يكافح هذا الرق في النفس المصرية.

•••

لقد كتبت هذا الكتاب وجمعت فصوله في مناخ اجتماعي أدبي يرى القارئ بعضَ تفاصيلِه في الفصل الأخير، وإني أعمل وأكافح كي يتغير هذا المناخ، وسيتغير، لا بمجهودي أنا وحدي، بل بمجهود هؤلاء الشبان الجدد الذين رأوا النور وتحرروا من استبداد التقاليد وعملوا لتطور الفكر في مصر.

وقد أجزت لنفسي نشر قصة بعنوان «بين الكتمان والبوح»، وهي تمثل موقفًا من مواقفي في الأدب يتسق وأبحاث هذا الكتاب.

سلامة موسى

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤