قصة

بين الكتمان والبوح
كان الأستاذ «س» يؤلف كتابًا، وكان عنوان الفصل الذي كتبه في الصباح «الحب»، وصل إلى نقطة أحس فيها أن قلمه تجمد، وأن السلاسة التي كانت تجري فيها الكلمات قد تعقدت، وعاد يقرأ ما كتب:

يكاد الحب يكون غير طبيعي؛ لأن ما نجد في الطبيعة، في غير الإنسان، إنما هو الاشتهاء الجنسي فقط، أو حب الأم لأطفالها، ولكنها — أي الأم — تنسى هذا الحب عندما يكبر هؤلاء الأطفال.

أما حين نتحدث عن الحب بين البشر فإننا نتحدث عن سمة إنسانية، وصحيح أن هذه السمة قريبة من حب الأم لأطفالها بين الحيوان، ولكنها بالطبع أدوم؛ إذ هي تبقى طيلة الحياة، ولكنها، مثل حب الأم، بعيدة عن الاشتهاء الجنسي، بل يكاد يكون هناك تناقض بين الحب والاشتهاء، بحيث إذا زاد الأول نقص الثاني وإذا زاد الثاني نقص الأول، وما نجده من الجمع بينهما في الإنسان إنما هو فن وليس طبيعة.

ولذلك ليس من الخطأ أن نقول إن الحب هو فن من الفنون الجميلة لا يختلف عن الشعر والرسم والنحت، ففي جميع هذه الفنون نجد أن الفنان يستنبط المعاني ويفطن إلي اللمحات، ويحاول أن يجسِّم الومضات، وكذلك شأن المحب، فإنه يجد في حبيبه أو حبيبته من المعاني إلهامًا، ومن الإحساس جمالًا، وهو يرى الرؤى، ويحلم الأحلام عن هذه الشخصية التي يحبها، ولذلك كثيرًا ما يكون الحب موضوع الشعر أو الرسم، بل هو أسمى الموضوعات لهذه الفنون؛ إذ هو يجمعها كلها للتعبير عن حالاته.

والذي يجعل الناس يلتبس عليهم الحب فيحسبونه اشتهاءً جنسيًّا أنه يقع مدة الشباب، ولكن إذا تأملنا، وعرفنا أن الجمال — وهو موضوع الحب — إنما يبلغ ذروته في الشباب، فإننا نستطيع عندئذ أن نعلل هذا التطابق بين الشباب والحب؛ إذ هو في الأصل تطابق بين الجمال والحب.

وليس في الدنيا أجمل أو أطرب من الحب: شخصان يتحابان فيحس كلٌّ منهما أنه رفيق الروح ومختار القدر وشريك العيش، ومهما تراكمت المحن فإنها تهون عندما يعرف المحب أن هناك شخصًا آخر على هذه الدنيا يشاركه في إحساسه ويفكر فيه ويرصد قلبه له.

ولذلك يجب أن ندرِّس الحب لشبابنا كما ندرِّس الرسم أو الشعر أو النحت، ونعين فصول هذه الدراسة في بحوث مختلفة تلتف موضوعاتها حول شخصين محبين، كيف يعيشان في جمال وارتقاء وتعاون، بحيث تسير حياتهما في إيقاع كما لو كانت رقصًا أو لحنًا حتى لا يموت الحب …

وهنا وقف القلم، بل تجمد.

فإنه كان يريد أن يتناول الرقص وعلاقته بالحب، ولكنه تذكر جمهور القراء الذين يكتب لهم، إنهم شرقيون قد عرفوا الرقص الداعر، وهم ينفرون منه، ثم لم يعرفوا غيره، وتذكر الناقدين البذيئين؛ فقد نشر له كتاب حديث، ولكن الناشر أصر على نزع فصل منه عن الرقص.

وضع القلم وشرع يستعيد كظومه الأدبية والفنية، فإنه قد وقف كثيرًا في المآزق حين كان ينزع به أدبه إلى الفكرة الجليلة فيكظمها؛ لأنه كان يحس أنها تصطدم بعادات المجتمع الذي يعيش فيه أو بشبهات الناقدين.

وسمع نفسه وهو يقول: شرق وغرب، إنه شرقي مثل سائر مواطنيه، ولكنه ثار على الشرق عندما أيقن أن عاداته تعوق ارتقاءه، ودعا إلى أن يأخذ الشرقيون بعادات الغربيين كي يقووا مثلهم، ولكنه لم يجنِ من هذه الدعوة غير الكراهية والنفور، وأحس التناقض العميق بينه وبين المجتمع، وهو تناقض كاد يفصل ما بينه وبين مواطنيه؛ فإن أسلوب حياته، وأهدافه الثقافية والسياسية والروحية، تنأى عن عادات مجتمعه، إنه ليخالف سائر الكتاب؛ إذ هو وإن كان يكتب باللغة العربية، فإنه يفكر تفكيرًا أوروبيًّا.

وكان أعظم ما يقطع كالسكين في كيانه النفسي أنه كان يضطر إلى التلفيق، أو — كما يقول غيره — «التوفيق»، فإنه هنا وقف لا يعرف كيف يكتب، كأن هاتفًا اجتماعيًّا قد هتف به: «لا تكتب عن الرقص، دع هذا الموضوع، لا تقربه، أو قل بضع كلمات لا تغني ولا تتورط فيها»، ولكنه عجز أن يصالح نفسه على هذا التلفيق.

وكانت دراساته السيكلوجية قد غرست فيه الاقتناع بأن الكظم هو أساس التعب النفسي عامة، ثم الجنون والشذوذ، فقال: ولكن هذا الكظم الأدبي سيقتلني وسيقضي علي، لا أستطيع أن أكتب ما أريد، هذا هو السبب في أن كثيرين من المؤلفين يجنون، يريدون أن يقولوا ويبوحوا فلا يقدرون.

والواقع أنه كان منذ بداية الصيف، بحرِّه وغباره وعرقه، يحس ضيقًا لا يطيقه، وكانت الصعوبات الصغيرة تستحيل عنده في هذه الظروف إلى مشكلات كبيرة، حتى ضوضاء الشارع التي كان يحبها، ويجد في نداءات البياعين الجوالين ترانيمَ حلوةً، قد أصبح لا يطيقها.

ومضت عليه مدة تقارب الشهر وهو عاجز عن التأليف، يكره رؤية مكتبته، أو تناول القلم، أو التفكير في كتابه.

لقد وقف عندما شرع يكتب عن علاقة الحب بالرقص، وكان الناشر ينتظر، ويسأل، ويُلحِفُ كلَّ يوم لإتمام الكتاب.

ولكن بينه وبين إتمام الكتاب مدة كأنها غصة تخنقه.

وكان له صديق طبيب سيكلوجي يدعى الدكتور «ص» فاستعان به، ولم يمضِ ربع ساعة على طلبه بالتليفون حتى كان عنده.

وكان الأستاذ «س» في انهيار على سريره، وكانت توتراته واضحة، حتى إنه لم يحسن استقبال صديقه الدكتور «ص»، بل إنه أحس بعداء نحوه لم يفهم معناه، وقال له في خشونة: اسمع، لا تقل لي «مركب أوديب»، ولا تذكر «شهوة الموت»، ولا تذكر «الكظم الجنسي»، ولا تسألني عن أحلامي؛ فإني لا أحلم، كل ما أشكوه أني عاجز عن الكتابة لا أعرف كيف أكتب.

وضحك الدكتور «ص»، وجعل يتجسس على طريقة فرويد، ويمازح، ويضاحك، وكانا صديقين قديمين، فلم يتمالك المؤلف المريض أن ضحك معه … وقال الدكتور «ص» وهو يمزح: لعلك تحتاج إلى حب جديد …

وبعد أن توالت زيارات الدكتور «ص» نصح له بأن يترك البيت إلى فندق بالإسكندرية، يقضي هناك نحو شهر لتأليف الكتاب.

فقال الأستاذ «س»: أي كتاب؟ أنا لا أستطيع أن أعود إلى التأليف، أنا مجمد! فقال الدكتور «ص»: أعتقد أنك تضع عنوانًا لكتابك هذا «عقدتي» تشرح فيه موقفك من الثقافة العصرية في مصر؛ فأنت تعرف أنك لا تنساق فيها، وأنك تناقضها كما تناقض مجتمعك وتحاول أن تغيره، ومن حقك أن توضح الفروق التي تفصل بينك وبين المجتمع والثقافة السائدة فيه، فهنا بوح لك يفرج عنك كظومك، واعترافات ترتاح إليها نفسك، وشكاية تبثها، وأيضًا هنا دفاع عن موقفك، وتنوير للقراء، فإن كل ما تعانيه أنك تكظم ولا تبوح، أنت في صراع بين أن تنطق وبين أن تصمت، وهو صراع قد شل قلمك وأوجد حبسة في ذهنك.

فأجاب: هذا والله هو ما يجب، ولكني غير قادر على أن أبوح، ومن هنا كظمي وعجزي.

فقال الدكتور «ص»: أنت تبالغ حين تعتقد أن الجمهور يكره آراءك، وظني أن جمهور قرائك الذين يعرفون إخلاصك سيقبلون كلماتك بنفس الإخلاص الذي تجد إلهامه أنت حين تكتب.

فقال الأستاذ «س»: تنقصني الشجاعة.

فقال الدكتور «ص»: هذا واجبك لنفسك كي تشفى من عقدتك، وإضرابك من مواجهة المشكلة لن يزيلها، وهذا واجبك للشعب الذي تخدمه كي يعرف الحقائق، وهو حر بعد ذلك في قبولها أو رفضها، وهو حين يرفض ينقلك من الشك إلى اليقين، وهنا راحة؛ لأن اليأس خير من الشك.

ونهض في فراشه، وكان مستلقيًا، وأحس دبيب الانفراج يسري في قلبه، وقال: نعم، سأؤجل كتابي عن الحب، وسأشرع في نفض توتراتي جميعها، سأنفضها بغبارها، وسأقول: لماذا لا يمكنني، بل لا يمكن أي كاتب في مصر أن يؤلف كتابًا حسنًا؛ ذلك لأنه ليس حرًّا فيما يريد تأليفه، وليست الحكومة بقوانينها هي وحدها علة هذه الحال، بل المجتمع هو العلة الأصلية؛ لأنه بعاداته يعوق التفكير الحر والرأي الجديد، وسيكون كتابي هذا اعترافاتي التي يفيض بها قلبي.

ثم صمت، وقال: ليس المجتمع هو العائق، وإنما هم النقاد الجهلة؛ لأن الجمهور يعرف ويقدر الإخلاص في كتابه.

وجمع الأستاذ «س» حاجاته وسافر إلى الإسكندرية، وهناك في فندق ناءٍ على الرمل شرع يستجم، ويستلقي على ظهره في السرير في حضانة ذهنية لمؤلَّفه الجديد.

وجعل يهب من وقت لآخر إلى المنضدة الصغيرة فيدون كلمات على ورقة، ثم يهب فيمزقها ويكتب غيرها، وكان بعض العناوين التي كتبها: «لماذا تفشل العائلة؟» و«نحن صغار فكيف نكبر وننضج؟» و«نحن أقدم من القدماء»، و«مصر بعد مائة سنة»، و«لا تخنقوا المفكرين المقلقين»، و«كلمة عن ابن حزم والحب».

وكتب نحو عشرين عنوانًا، وشرع يؤلف كتابه في حماسة وسرعة لم يعهد مثلهما من قبل.

وظهر الكتاب، وكان مليئًا بالاعترافات، وقرأه الجمهور في لهفة، وتقبله الناقدون في سباب وبذاء، وعرف المؤلف أن توتراته كانت من اعتقاده المخطئ عن الجمود الذي كان يصف به الجمهور.

وعاد في حماسة وانبساط إلى إتمام كتابه عن الحب، واستطاع أن يكمل الفصل الذي كان قد أحدث له العقدة والغصة.

وظهر كتاب «الحب» فأقبل عليه الجمهور الذي يقدر الصراحة والأمانة فيمن يخدمونه، وحمل عليه النقاد بالسباب والبذاء؛ لأنهم مثقلون بمركبات لغوية وأدبية وفنية تحول بينهم وبين التفكير العصري الناضج.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤