تراثنا الإقطاعي في المجتمع والأدب

أود لو أرى كتابًا يؤلف في اللغة العربية عن المجتمع الروماني القديم بلغته، وعاداته، وقوانينه، ونظمه، كما نراها اليوم، أو نرى رواسبها في المجتمع المصري الحاضر.

ذلك لأني كثيرًا ما أعثر على مخلفات رومانية قد تحجرت في نظمنا الاجتماعية، بل أحيانًا في خرافاتنا وأساطيرنا.

إن مثل هذا الكتاب ينفعنا كثيرًا في تبريد عواطفنا التاريخية، وأيضًا في تنوير عقولنا وتحريرها من سجن التقاليد وقيود الماضي، وعندئذ يزول عنا ذلك العائق السيكلوجي الذي يفصل بيننا وبين المستقبل.

اعتبر هذه الكلمات: فدان، عقار، ميراث.

فإن هذه الكلمات الثلاث التي ينهض عليها نظامنا الاجتماعي هي كلمات رومانية، بل إن كلمة فدان تعود إلى الجذر الذي اشتقت منه أوروبا كلمة «فيوداليتيه» أي النظام الإقطاعي.

وأستطيع أن أذكر نحو عشرين كلمة أخرى يعتقد بعضنا أنها عربية أصيلة، مع أنها رومانية، إقطاعية، لها دلالاتها المحورية في مجتمعنا.

وحسبي أن أقول هنا إن خلاصة ما أرجو أن أستنتجه هو أن مجتمعنا، الذي نجحت الثورة في تغيير الكثير منه، كان إلى حد بعيد مجتمعًا رومانيًّا متحجرًا، وأننا يجب أن نسير مع منطق الثورة في تغييره حتى يصير مجتمعًا ديمقراطيًّا.

والإقطاعية في أوروبا هي النظام الروماني القديم كما هي تراث التقاليد الكنسية، ومجتمعنا هو مجتمع إقطاعي في نظام العائلة وعلاقة الآباء والأبناء والزوجات، كما هو مجتمع إقطاعي في الأخلاق العامة.

بل هو مجتمع إقطاعي في كثير من آثاره الأدبية.

•••

ونحن في الوقت الحاضر نواجه أعظم أزماتنا الاجتماعية، وهي أزمة الانتقال من الحياة الإقطاعية إلى الحياة الديمقراطية، وما نعاني من فوضى في العائلة والأخلاق هو ثمرة هذا الانتقال.

وتعدد مشكلاتنا يوهم اختلافها في الأصل، أو أنها لا يتصل بعضها ببعض، ولكن المتأمل المفكر يستطيع أن يجد النقطة البؤرية لجميع هذه المشكلات، والنقطة البؤرية الوحيدة هنا هي أن نظامنا الإقطاعي القديم في نظرته للعائلة، ومركز المرأة، والأخلاق الأبوية، والنظرة الاجتماعية، كل هذا يعود إلى مشكلة واحدة، هي أن آراءنا الإقطاعية القديمة، التي ورثنا معظمها عن الدولة الرومانية الملعونة، لم تعد تصلح للحياة العصرية، وأن متاعبنا وأرزاءنا واصطداماتنا تنبع من هذا الكفاح الذي نكافحه نحو حياة ديمقراطية جديدة نتخلص بها من الحياة الإقطاعية القديمة.

النظرة الإقطاعية للعائلة هي النظرة الأبوية، أو ما يسميه الأوروبيون البطريركية؛ أي أن الأب هو كل شيء، هو المسيطر، هو المتسلط، هو صورة مزيفة لذلك الأب الروماني القديم الذي كان له الحق في الحكم على ابنه بالإعدام.

العائلة الأبوية التي تُلغَى فيها شخصية الزوجة، والتي يقبِّل فيها الأبناء أيدي الآباء، والتي يستطيع الأب فيها أن يقف كل أو بعض ما يملك على أحدهم دون الآخرين منها. هذه العائلة التي لا يزال يمثلها أكمل التمثيل ذلك الأب الريفي الذي يأكل وحده، والذي يوضع أمامه كل ما طهي من طعام لجميع أفراد العائلة، يأكل منه ويدع منه ما يشاء … هذا الأب هو أب إقطاعي، نرى صورته مشعثة، أو ناقصة، أو مصغرة في كثير من الآباء الذين يعيشون حتى في المدن.

وهذا الأب هو الذي لا يطيق الحديث عن حقوق المرأة في الانتخاب أو الترشيح للنيابة، وهو لا يطيق أن يسمع عن تلك الفتاة التي تستحم في البحر، أو التي تحترف الهندسة وتسافر وحدها إلى أوروبا، أو التي تصر على أن تكون لها العصمة في الزواج، أو التي تقعد في الشرفة بوجهها المكشوف تتأمل المارة، بل هو أحيانًا لا ينكر أن المرأة الأمية خير من المرأة المتعلمة!

وهذا الأب هو الذي يقيد أبناءه بقيود أخلاقية، يطاوعونه على الأخذ بها أمامه، فإذا خلوا إلى أنفسهم ضحكوا وسخروا وخالفوا …

إننا نحزن ونسخر في وقت معًا حين نقرأ عن أب في الصعيد قد قتل ابنته لأنها تحدثت إلى أحد الشبان، أو لأنها رفضت أن تتزوج من شاب قد عينه لها أبوها وأحبت شابًّا آخر! ولكن هذا الأب الذي كان يحيا في مديريات الوجه البحري، وفي مدننا، والذي يصر على استبقاء سلطته الرومانية القديمة، لا يختلف من ذلك الصعيدي إلا في الدرجة فقط، كلاهما يعتقد أنه سيد العائلة، وقبطانها، وسلطانها.

وما يحدث من مآسٍ تظلم العقل إنما ينشأ من هذه الحال، أي استبقاء الأخلاق الريفية الزراعية لمجتمع جديد نشأ على الأفكار المدنية الصناعية الزراعية.

إن الأخلاق السائدة هي أخلاق السادة، كما سبق أن قال نيتشه.

والأخلاق السائدة في مصر، أو معظم مصر، هي أخلاق العمدة، هي أخلاق أنأى ما تكون عن الديمقراطية.

لقد أدخلنا في مصر الرأسمالية التجارية والصناعية والمدنية، ولكن أخلاقنا لا تزال إقطاعية، أو هي كذلك في الأغلب.

ولست أستهين بما سوف نعاني في الانتقال، فإن كثيرًا مما يرتكبه شبابنا من الجرائم يعود إلى أن الأخلاق القديمة، أو بأحرى الفضائل الإقطاعية الريفية القديمة، قد تزعزعت في نفوسهم وفقدت مكانتها، أو كادت، في حين أن الأخلاق الجديدة — أخلاق المدينة والمصنع والمتجر — لم تثبت ولم تمد جذورها ولم ترسخ، ولذلك هم في فوضى أخلاقية بشعة تهوي بهم أحيانًا إلى مهاوي الجريمة.

ويجب أن نعترف بأنه كان في الأخلاق الإقطاعية مقدار كبير من الفضائل، وبأن تركها دون الاعتصام بميزان أخلاقي جديد للفضائل هو فوضى مخيفة.

ولكن أملنا أن يأخذ الجديد مكان القديم بأسرع ما يستطاع.

والآن أحب أن أجلو التباسًا بشأن الأدب؛ ذلك لأن هذا الالتباس يتصل بموضوعنا هذا، وهو أننا قد ورثنا في الأدب تراثًا إقطاعيًّا لا يختلف عن تراثنا الإقطاعي في مجتمعنا.

ولماذا يختلف؟

أليس الأدب هو صورة المجتمع، وهو الذي تتبلور فيه نزعات المجتمع؟ اعتبر هاتين الظاهرتين المتناقضتين:
  • (١)

    الظاهرة الأولى أنه قد طبع ونشر لأبي نواس، وعنه، نحو ستة أو سبعة كتب أستطيع أن أسميها، كلها مؤلفات إقطاعية غايتها اللذة العابرة بالنكتة الإيقاعية والمعنى الانبساطي والخيال المخمور والشهوة الشاذة؛ فقد كان أبو نواس يعيش في مجتمع إقطاعي يأكل من موائده ويأخذ بميزانه الأخلاقي وينشد قيمه، ومؤلفونا، الذين أحيوا ذكراه بمؤلفاتهم العصرية، لا يختلفون عنه في الروح الإقطاعي والوسط الإقطاعي اللذين انبعثوا بهما إلى هذا التأليف. يؤلفون بلغة أبي نواس ويهدفون إلى استقطار معاني الأدب بإملائه، ليست لهم رسالة، كما لم يكن له رسالة اجتماعية أو إنسانية، وهم يفهمون الأدب على أنه لذة ومتعة لا أكثر.

  • (٢)

    وثَمَّ ظاهرة ثانية نرى مثالًا لها في هذا الشاب الجديد الدكتور يوسف إدريس الذي يقول في مجموعة جديدة من قصصه إنه يرتفع — أجل يرتفع — في كتابة القصة من لغة المعاجم المجمدة إلى لغة العامة، لغة الشعب المتدفقة.

نقيضان لا شك في ذلك.

واعتقادي أن هذا التناقض برهان على تناقض اجتماعي عميق بين مجتمعنا الإقطاعي القديم ومجتمعنا الرأسمالي الجديد، وهو — أي هذا التناقض — يزداد وضوحًا في تناسق كلٍّ من الأسلوبين والاتجاهين.

فإن بعض أدبائنا، الذين يحبون أبا نواس ويؤلفون عنه، يسيرون في نزعتهم الإقطاعية متناسقين، فيكرهون مثلًا أن تنال المرأة حقوقها الإنسانية والاجتماعية، ويكرهون لغة الشعب، ويكرهون المبادئ العصرية الاجتماعية، ويكرهون هذه البدع الجديدة عند القائلين بأنه يجب أن يكون للأدب رسالة اجتماعية أو أن يكون في خدمة الشعب، أو أن يكون كفاحيًّا ينشد الحرية أو المساواة … إلخ.

لا، إنهم لا يريدون أن يكون الأدب في خدمة الشعب، وإنما يجب أن يكون في خدمة الخاصة.

إننا نعيش في عصر القلق والتردد بين حياتين وأسلوبين؛ ذلك لأننا ننتقل من القيم الإقطاعية الريفية في نظام العائلة، والأخلاق العامة، وفلسفة الحياة، وأسلوب العيش، إلى القيم المدنية الصناعية في كل هذه الأشياء، ومع أننا نهفو إلى ماضينا الإقطاعي، ونحب أن نستبقي عاداتنا العاطفية والذهنية القديمة، فإننا نرنو إلى مستقبلنا الصناعي وننشد أهدافه وننزل مضطرين على قوانين العلم وحقائقه، والعلم هو لغة الصناعة؛ وذلك لأننا مقتنعون بأننا لن نحقق الرخاء لبلادنا، والاستقلال والقوة لوطننا، والفهم للحياة، إلا بالعلم.

وآلامنا الحاضرة وتناقضاتنا الحاضرة، هي آلام المخاض للمجتمع الجديد الذي نرجو أن يولد قريبًا، وسيولد هذا المجتمع بالانتقال من الزراعة إلى الصناعة.

والعلم بطبيعته ارتقائي، شعاره الاكتشاف والاختراع إلى التغير، والتغير لا يعني شيئًا آخر سوى الارتقاء، وقد كانت أوروبا جامدة راكدة إلى القرن الخامس عشر، حين نهضت وأخذت بأصول العلم، فتزعزعت أخلاقها للانتقال من ركود الزراعة إلى حركة الصناعة، وبقي هذا التزعزع إلى أن استقرت على الرضا بالتطور، أي الرضا بالتغير، ولكنها لم تستقر كل الاستقرار؛ إذ هي في تطور.

وحين أقارن بين البيئة الزراعية في مصر وأخلاقها الإقطاعية الموروثة في نظام العائلة والمجتمع، وحين لا يكون هناك تصادم بين هذه البيئة وبين ما جد علينا من ظروف الصناعة والعلم والفكر العصري ونظام الجمهورية ونظام النقابة … إلخ؛ أقول إني أجد بيئتنا الزراعية هذه أكثر استقرارًا في أخلاقها من البيئات الأوروبية، ولكنه استقرار الركود والأسن، والبعد عن التطور والارتقاء، وخير لنا أن نقلق، ونناقش أحوالنا، ونسأل عن مستقبلنا، ونتعب ونحزن، من أن نستسلم لهذا الركود المريض.

إننا نجد قلقًا في العائلة المصرية بشأن الحياة الزوجية والطلاق والزواج وطاعة الأبناء.

ونجد قلقًا في الشبان والفتيان الذين ننكر عليهم حقهم في الحياة مع أننا نحمده في الكتب، وأحيانًا نجد إنكارًا للأخلاق القديمة، وترددًا بشأن الأخلاق الجديدة، يؤديان إلى الجريمة في كثير من الشبان.

بل إن كثيرًا مما نصفه في المناقشات الأدبية بأنه «معركة» إنما يرجع إلى هذا التناقض الذي سرى إلى هذه المناقشات، للانتقال من القيم الإقطاعية في الأدب إلى القيم العصرية التي اصطبغت بالكثير من ألوان الوسط الصناعي العلمي الارتقائي، وقد لا يبرر وسطنا المصري الجديد كل هذا التصادم، ولكن وسطنا هذا قد أصبح في أيامنا، من حيث الفكر والرأي والفلسفة، أوروبيًّا بقوة ما نقرأ ونرى ونلابس من هذه الحضارة العلمية الغالية الغامرة، فنحن نأخذ بقيمها راضين أو كارهين، وننقل هذه القيم إلى الأدب.

والواقع الذي لا ينكر أننا نجد في الأدب العربي الحاضر طائفتين، إحداهما تلك التي تلتزم القيم القديمة، ولا تكاد تختلف من أدباء العرب القدامى، من أن الأدب لذة ومتعة وترف ذهني، وأنه للخاصة الممتازة، وأنه يجب أن يمتاز بلغة الخاصة وإحساسات أو تأنقات الخاصة، وليس شك أن هذه الطائفة تمثل العقلية الإقطاعية الريفية، أو تمثل على الأقل رواسبها المنحدرة إلينا من القرون الماضية، والذي ألاحظه أن هذه الطائفة صادقة الإيمان بمذهبها، كما نجد في تناسق عقيدتها الأدبية هذه مع عقائدها الأخرى الاجتماعية؛ لأن جميع الأدباء في هذه الطائفة يكرهون اللغة الشعبية في الأدب، كما يكرهون مساواة المرأة بالرجل في الحقوق الدستورية والمدنية، كما يكرهون ما يمكن أن نسميه «الأسلوب الديمقراطي»، وهم يهفون على الدوام إلى الماضي يكتبون عنه ويقرءون عنه.

ثم هناك الطائفة الثانية: طائفة القيم العصرية التي تنبع من الوسط الصناعي المدني والقيم العلمية، وهي تنضم إلى سواد الشعب في الأدب، وتقول إنه — أي الأدب — للشعب، فيجب أن يكتب بلغته، وأن يكون كفاحيًّا في مذهبه؛ لأن الشعب يكافح من أجل حقه في الحياة الكريمة، وأن مشكلة المرأة هي رمز لجميع المشكلات الاجتماعية، ولذلك يجب أن تكون مساواتها بالرجل بؤرة الكفاح، وهي تنتهي من هذا الموقف إلى أن الأدب يجب أن يكون إنسانيًّا في نزعته، اشتراكيًّا في برنامجه، وأن ديمقراطية الدولة يجب أن تنطوي على ديمقراطية المجتمع والمصنع والمزرعة والبيت والأدب.

وبالطبع ليس هناك فاصل يفصل فصلًا تامًّا بين الطائفتين، فإنهما تتداخلان هنا وهناك، كما أن آراءنا في فترة انتقالنا الحاضرة تتداخل، فإن الأب المسيطر القديم يسلم بشيء من الحقوق العصرية للأبناء، كما أن الزوج الذي لا يزال يقول بالحجاب الاجتماعي للمرأة قد سلم بإلغاء الحجاب المادي.

نحن في فترة انتقال، في تطور، في قلق وتردد، يشمل أو يصيب المجتمع والعائلة والأخلاق والأدب، وهذا حسن؛ لأنه برهان الحياة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤