قصة فتح القسطنطينية

كان فتح القسطنطينية أمنية من أكبر أماني المسلمين منذ نشأة دولتهم. فلقد حاولوا الاستيلاء عليها مِرَارًا قبل عهد السلطان الفاتح. ففي دمشق كان معاوية بن أبي سفيان يُمَنِّي النفس بالاستيلاء على مدينة القياصرة، ويرى في ذلك تثبيتًا للخلافة الأموية ومجدًا لا يماثله مجد، فأرسل قوة عظيمة إلى البوسفور لم تُبالِ بما قاسته من المرض وقلة الزاد، وأمدَّها بابنه يزيد.

كان القتال حول هذه المدينة دائمًا عنيفًا، وكانت خسارة المسلمين فيه دائمًا كبيرة، وظل معاوية يرسل بحملات سنوية استولت فعلًا على إحدى الجزر القريبة من القسطنطينية لمدة سبع سنوات ثم تركتها حين تولى يزيد الخلافة. أنقذ المدينةَ تفوق البيزنطيين البحري ثم النار الإغريقية التي عُرِفَتْ في ذلك الوقت، وفي هذا الحصار وتحت أسوار المدينة العظيمة استُشهِد أبو أيوب الأنصاري الصحابي المشهور، فأصبح لمدينة قسطنطين مركز خاص في نفوس المسلمين.

ولكن حُلم الأمويين بالاستيلاء على هذه المدينة لم ينتهِ بموت معاوية، فما إن استقر لهم الملك حتى عادوا يُعِدُّونَ العدة لتحقيقه، فكانت المحاولة الثانية في عهد الخليفة سليمان بن عبد الملك، وكان الوليد قبل مماته قد أعد تجهيزات عظيمة برية وبحرية لتحقيق هذا الغرض المنشود. هاجم مَسلَمة بن عبد الملك المدينة برًّا وبحرًا في عهد الإمبراطور ليو الثالث. وكان ذلك الرجل ممتازًا في الحرب والسياسة فاستطاع أن يضم البلغار إلى جانبه، كما استطاع أن يهزم المسلمين برًّا وبحرًا، ولعِبت النار الإغريقية دورها بنجاح في هذه المرة أيضًا.

كانت محاولة مَسلمة آخر محاولة جِدِّية قام بها العرب لفتح هذه المدينة، فلقد اضطرب أمر بني أمية، وجاءت الدولة العباسية فشغلت عن مدينة القياصرة بسُّكنى ديار الأكاسرة، ولم تعُد تهتم بأمر الأسطول وظلت مدينة القياصرة الشرقيين منيعةً باقية إلى أن جاء الأتراك العثمانيون.

فكان أول من حاصرها منهم السلطان بايزيد الأول ولكنه اضطُرَّ لرفع الحصار عنها حينما بلغه غزو التتار لبلاده، ثم حاصرها السلطان مراد الثاني، ولكن ضعف الأسطول العثماني وعدم وجود المدفعية القوية كانا عاملَيْن على تركها، ويكفي أن ننظر إلى الاستعدادات العظيمة التي قام بها السلطان محمد الثاني وإلى المشقة التي وجدها في الفتح حتى نعرف إلى أي حَدٍّ كانت القسطنطينية منيعة قوية.

ولم يكُن العرب والترك وحدهم هم الذين تاقت نفوسهم لفتح هذه المدينة؛ فلقد حاصرها الأفار والبلغار وفشِلوا في الاستيلاء عليها، ثم في أوائل القرن الثالث عشر غزاها اللاتين والصليبيون وفتحوها عنوة، ثم عادت الدولة البيزنطية للظهور في القسطنطينية مرة ثانية بعد أن ضعف اللاتين وذهبت ريحهم.

الممهدات للحصار

ثم قضى الله أن يستولي الأتراك العثمانيون على هذه المدينة الخالدة في منتصف القرن الخامس عشر.

ففي ٣ فبراير سنة ١٤٥٢ مات السلطان مراد الثاني عدُو المسيحية الأكبر الذي كان اسمه يبعث الرعب في الدولة البيزنطية وفي أوروبا، مات في أدرنة عاصمة دولته الأوروبية بعد حياة حافلة بالانتصارات الرائعة على المجريين ومن حالَفهم من سكان شبه جزيرة البلقان.

وكان ابنه محمد لا يزال مقيمًا في مدينة مغنسيا في آسيا الصغرى، قد أُبعِد عن أمور الحكم والسلطنة بعدما تولاها مرتين، وكان لا يزال حديث السن لم يمضِ بعد الحادية والعشرين من عمره، وكان لا يزال قريب عهد بالزواج من بنت الأمير التركي نورجاتير، وصلته أخبار وفاة والده فلم يُعلِنْها خوفًا من ثورة الإنكشارية، وأسرع بمغادرة هذه المدينة إلى جاليبولي فوصلها بسرعة كبيرة، وفي غاليبولي أعلن نبأ وفاة أبيه، ثم دخل مدينة أدرنة حيث أُعلن سلطانًا للأتراك العثمانيين باسم محمد الثاني، وفي أدرنة استبقى وزراء أبيه خليلًا وإسحق بالرغم من حقده الشخصي عليهما، فكثيرًا ما كان هذان الرجلان يخشيان بأسه ويحذرانه ويُثنيان أباه عن عزمه في التخلي عن السلطنة له، ولكن محمدًا الثاني أراد الاستعانة بهما في أمور الحكم لتجاربهما الواسعة ولدرايتهما بشئون الدولة ولتعلق الجنود بهما.

وأما مُعاصِره قسطنطين فقد وُلِدَ قبل محمد الثاني بنحو ربع قرن من الزمان ليرث أضخم المسئوليات وأخطرها، ليرث إمبراطورية قد بَقِيَ منها الاسم والرمز، وغادرها العز والمنعة، إمبراطورية لم يبقَ منها إلا مدينة، ولكنها مدينة تملك سحرًا وبهاء وجمالًا وجاذبية لم تكُن لأي مدينة أخرى في أوروبا في أواخر العصور الوسطى.

كانت السنة الأولى التي تولَّى فيها السلطان محمد الثاني لحظة رهيبة في حياة الإمبراطورية البيزنطية، هذه الدولة التي انحلت قواها أمام هجمات الأتراك المتوالية العنيفة، لقد فقدت هذه الدولة كل ممتلكاتها تقريبًا، واستطاع الأتراك — رغم أنفها ورغم أنف الأمم البلقانية — نقل عاصمتهم إلى أدرنة — التي اتخذوها مقرًّا لحكمهم، ومعسكرًا عامًّا لجنودهم — لشن حروبهم وغزواتهم في كل جهات البلقان، وتمكَّنوا من الإشراف على المضايق، على الدردنيل وعلى البوسفور، وفرضوا الجزية على الدولة البيزنطية البائسة.

لقد كان مجيء السلطان محمد الثاني مثيرًا للرعب والفزع في القسطنطينية؛ فلقد كان أهلها يعلمون حق العلم أنه أقسم ليستولين على هذه المدينة، وأن ذلك سيكون أول مهمة يكرس حياته في سبيل القيام بها. لقد كان الاستيلاء على هذه المدينة الخالدة حلم أحلامه منذ صِغَرِه. وكانت عنده القوة العظيمة وأمامه الظروف المواتية للنجاح في تنفيذ مشروعه الخطر.

ما كانت العلاقات العثمانية البيزنطية حينما تولى محمد الثاني علاقات إخلاص وصداقة، فكان الأتراك العثمانيون موقنين بأن البيزنطيين سينقُضون مواثيقهم إذا أتت أول فرصة، فكثيرًا ما اتفقت بيزنطة مع أعداء العثمانيين إن لم يكن علانية فسرًّا، وأباطرة بيزنطة ينتهزون كل الظروف للإيقاع بين العثمانيين وإثارة الانقسام بينهم، فهم دائمًا يعضدون الأمراء الثائرين المطالِبين بالعرش العثماني. ومحمد الثاني يذكر جيدًا موقف بيزنطة حين أغار التتار. وقسطنطين لم يُحسِن التصرف حين تولى السلطان الجديد، فلم يعمل على كسب ثقته، بل لقد ظَنَّ فيه الضعف، واعتقد فيه التردُّد والخوف، فتقدم إليه بمطالب أثارت غضبه وحفيظته، فلقد أيقن أن قسطنطين يريد الانتقاص من كرامته وأنه يهدد ملكه، لقد طلب قسطنطين زيادة المرتب الذي يدفعه السلطان للدولة البيزنطية نظير تكفُّلها بأحد أبناء سليمان بن بايزيد الأول واسمه أُرخان، ولمَّح الإمبراطور البيزنطي بأنه إذا لم يجب طلبه سيطلق سراح ذلك الأمير ليطالب بالعرش العثماني ويثير المشاكل للسلطان الجديد.

إذن فالمسألة مسألة حياة أو موت في نظر السلطان محمد الثاني، فكيف ينسى لقسطنطين ذلك الموقف، وخاصة وأنه كان في ذلك الوقت مشغولًا بإخماد ثورة في آسيا الصغرى، ولكنه رد بأدب، وحذَّر البيزنطيين الضعاف عواقب سياستهم وسوء تصرفاتهم، وبَيَّن لهم أن الفرق شاسع بين خُلق السلطان الجديد وخُلق أبيه مراد، فمراد يمتاز بالهدوء، ولكن السلطان الجديد لا يحتمل الإهانة ولا يصبر على ضيم.

وكان السلطان محمد الثاني قد وطَّد العزم على فتح العاصمة الإغريقية؛ ولذا رأى توطيد دعائم ملكه قبل القيام بذلك المشروع الخطير.

رأى محمد أن البيزنطيين ليس لهم عهد ولا يمين، فلقد كان يذكر لهم المواقف السيئة في عهد أبيه؛ ألم تؤيد القسطنطينية فعلًا مُطالِبًا بالعرش العثماني؟ ألم تمده بالسفن وتسهل له العبور؟ ألم تعمل بيزنطة على إثارة القلاقل ضده في آسيا الصغرى؟ إذن ففَتْحُ القسطنطينية والقضاء على هذه الدولة أمر لا بُدَّ منه إذا أراد العثمانيون ثبات ملكهم وحرصوا على مستقبلهم.

وكانت حال المدينة العامة سيئة للغاية؛ فهي وضواحيها كل ما اشتملت عليه الإمبراطورية الإغريقية، وليس لديها من الجنود المدربين إلا العدد القليل، وأما من السفن فبضع لا تغني فتيلًا في وقت المحن ولا ترد جليلًا من الخطوب.

وكثرت البعثات السياسية التي أرسلتها القسطنطينية إلى أوروبا طالبة الغوث والنجدة — كما يقول مؤلف تاريخ الصليبيين في العصور الوسطى المتأخرة١ — لكن كانت هناك مصاعب عظيمة في سبيل نجاح هذه البعثات، وأهم هذه المصاعب اختلاف الكنيستين الشرقية والغربية، الأرثوذكسية والكاثوليكية، والنزاع بين بيزنطة ورومة.

ولقد بذلت مساعٍ دبلوماسية هائلة في سبيل التوفيق بين الشرق البيزنطي الأرثوذكسي والغرب الروماني الكاثوليكي. ولكن البابوات لم يستطيعوا قَبول ذلك التوفيق إلا إذا اعترفت رسميًّا الإمبراطورية البيزنطية ورجال الدين البيزنطيون بتوحيد الكنيستين على حساب بيزنطة طبعًا. وعلى أساس ذلك الشرط وحده تستطيع البابوية أن تعمل على إثارة العالم المسيحي الغربي لمساعدة بيزنطة في حربها ضد المسلمين.

وربما لم يكُن لدى الإمبراطور البيزنطي قسطنطين مانع من قبول هذا الشرط المهين، ولكنه كان يعلم حق العلم أن الأكثرية من سكان مدينة القسطنطينية ومعظم قساوستها معارضون لهذه الفكرة، عاقِدُوا العزم على رفضها ومحاربتها.

ولم تكُن هذه المحاولة أول محاولة من نوعها؛ ففي المدة الواقعة بين سنتي ١٠٥٤ و١٤٥٣ كانت هناك ثلاثون محاولة لاتحاد الكنيستين، وكان هذا الاتحاد غاية ما يصبو إليه أباطرة الغرب والبابوات؛ فلقد كان هذا التوحيد في نظرهم أنجع علاج للأمراض العضال التي تعاني منها المسيحية ولضعفها المتزايد. فإذا تم ذلك التوحيد بتنازُل الشرق عن كنيسته وقبول سيطرة رومة؛ إذن تعود للمسيحية قوتها الأولى ووَحدتها، وإذن تستطيع الوقوف أمام قوات الإسلام التي يزداد خطرها يومًا بعد يوم.

قامت محاولات، ولكن قامت في سبيلها صعوبات، فهناك مواضع للخلاف كبير على الكنيسة الشرقية قبولها، واختلطت المصالح السياسية بالمصالح الدينية إلى حَدٍّ كبير، بحيث لم يكن من السهل الفصل بين المصلحتين أو تغليب إحداهما على الأخرى.

ولم يستطِع أحد من الفريقين التخفيف من تعصُّبه، فعامَلَ كل واحد الآخر كملحد وخارج على الدين المسيحي، ووصل الأمر إلى درجة أن الغرب الكاثوليكي لم يكُن يُهدِّد بحروبه الصليبية الإسلام وحده، بل كان يهدِّد الأرثوذكسية ذاتها والقسطنطينية بحرب صليبية لا تُبقي ولا تذر. ولم يكتفِ الغرب بحملته الصليبية الرابعة على هذه المدينة، بل كان يفكر متأثرًا بالبابوية في إعداد حملة صليبية أخرى تقضي هذه المرة القضاء المبرم على الأرثوذكسية.

ولكن تهديد الأتراك المستمر للقسطنطينية جعل الأباطرة البيزنطيين ينزلون مرغمين عن كبريائهم، ويطلبون النجدة والعون أيًّا كان الثمن، فأعلنوا رغبتهم في توحيد الكنيستين وقبول سيطرة رومة، وحاولوا تبرير تحالُفهم في بعض الأوقات مع الأتراك بأنهم مستعدون للقيام عليهم ومحاربتهم متى نفَّذ الغرب وعده وفي الوقت المناسب الموعود.

وإزاء ذلك جاهد البابوات في سبيل إثارة العالم المسيحي على المسلمين والإسراع بنجدة بيزنطة، ولكن هذه المجهودات كانت فاشلة في كثير من الأحيان حتى مع الجمهوريات الإيطالية: البندقية وجنوة، وحتى مع فرسان رودس. ذهبت معظم هذه المجهودات هباءً منثورًا.

وكان أباطرة القسطنطينية يسعون جادِّين إلى الاتحاد مع الغرب كلما هددهم الخطر التركي، فإذا خَفَّ ذلك الخطر أهملوا الغرب كلية، فلقد كانوا يرون في ذلك الاتحاد سلاحًا ضد الأتراك، فكانوا معنيين قبل كل شيء بالمساعدة المالية والحربية التي يستطيع الغرب أن يقدمها لهم. ولكن أهل المدينة أنفسهم وقساوستها رفضوا اتحاد الكنيستين، وكانوا مستعدين للتضحية باستقلالهم السياسي في سبيل استقلالهم الديني. فلقد كانت ذكرياتهم عن سيطرة اللاتين ذكريات ساخطة مُمعِنة في الإيلام، ففرض الوحدة بالقوة في سنة ١٢٠٤ أثار حقد الإغريق الهائل، ورغبتهم في الانتقام.

وعلى أي حال لم تنجح دعاية البابوية إلا في تكوين حملة صليبية واحدة كانت نهايتها المُحزِنة في نيكوبوليس، ولم يعُد من السهل بعد ذلك تكوين حملات صليبية أخرى لنجدة القسطنطينية.

ولكن في هذه المرة كان الخطر عظيمًا على القسطنطينية إلى درجة تهدد حياتها، وكان لزامًا على البابوية أن تقدم بعض المساعدة، لا سيما وأن قسطنطين كان مستعدًّا للاعتراف رسميًّا بتوحيد الكنيستين الشرقية والغربية توحيدًا نهائيًّا. فوعد البابا بإرسال أسطول وأرسل فعلًا الكاردينال إيزيدور مندوبًا عنه ليقبل خضوع الكنيسة الشرقية الرسمي.

•••

بدأ الكاردينال إيزيدور رحلته إلى القسطنطينية الخائفة في أواخر سنة ١٤٥٢، ووصلها في ديسمبر من هذه السنة، وأُقِيم حفل عظيم في كنيسة سانت صوفيا حضَره الإمبراطور البيزنطي والبطريرك جريجوري يساعده ثلاثمائة قسيس للاحتفال بتوحيد الكنيستين ووحدة المسيحية.

وبجانب ذلك الفريق الراضي عن التوحيد أو المتظاهر بالرضا، وُجِدَتْ معارضة قوية غاضبة ثائرة على رأسها جناديوس، هي في رَيب ممَّا يدعو إليه الفريق الأول، وهي تُنذِر بالويل والثبور إذا تم ذلك الاتحاد. وكثرت النبوءات عن العذاب الذي سيلحق بيزنطة إذا تَمَّ اتباع المِلَّة الغربية، وهي تقول بسقوط الإمبراطورية وبغضب الله إذا سيطرت رومة على مدينة قسطنطين، ونادى أتباع جناديوس بالموت والدمار لمن يعتنق الكاثوليكية، وسحقًا لمن يقبل الاتحاد معها، ودَعَوُا العذراء مبتهلين أن تُنجي المدينة العظيمة من الخطر التركي الداهم، كما أنجتها من قبلُ من الأكاسرة الفرس، والخلفاء العرب.

ما كان جَمٌّ غفير من أهل القسطنطينية يعتقد مخلصًا في الملة الجديدة، وهي الكثلكة الغربية، بل هم منها في شك مريب، وحتى الإمبراطور قسطنطين نفسه الذي تربَّى تربية إنسانية بمعنى الكلمة، وتثقَّف ثقافة حقيقية كان عنده نفس الشعور، إلا أنه قبِل ذلك الاتحاد لأسباب سياسية قبل كل شيء على أمل مساعدة الغرب الكاثوليكي في محنته الوشيكة الوقوع.

وأما السلطان محمد الثاني خصمه العنيد فلقد استعدَّ للحرب بكل ما لديه من قوة ومن عتاد الخيل وأدوات الحصار، ولكن الكثيرين من أهل القسطنطينية رأوا أن إمبراطورهم قسطنطين قد ارتكب شيئًا إدًّا تخِر له الجبال هدًّا بقبوله اتحاد الكنيستين، ورأوا في ذلك محنة المِحَن ومهزلة الدهر، وخطوة غير عملية، وخطة خاسرة. بل لقد قال أحدهم والخطر مُحدِق بمدينتهم إنه يفضل أن يرى في مدينة قسطنطين الأكبر عمامة السلطان على أن يرى قبعة البابا. وكان يشارك هذا الرأي الكثيرون من أهل المدينة الذين كانوا يمقتون اللاتين مقتًا شديدًا.

وفي ذلك الوقت العصيب كان الشغل الشاغل للسلطان محمد الثاني هو الاستعداد لفتح أم المدن وملكتها، فهو يفكر ليل نهار في فتح هذه المدينة العظيمة، كما يروي هامر٢ عن أحد خصوم السلطان المعاصرين. فهو يقضي النهار وزُلَفًا من الليل قلِقًا مضطربًا مفكرًا في كيفية الاستيلاء عليها، وهو لا تكاد تفارقه خرائط المدينة التي جعل دراستها عمله اليومي، وهو يدرس مواضع أسوارها ومواطن الضعف فيها، وهو يضع الخطط تلو الخطط للتغلُّب على قوة دفاعها، وهو يدرس التفاصيل الدقيقة بصبر واهتمام لا مزيد عليهما.

لقد عرض عليه الإمبراطور البيزنطي السلام، ولكن محمدًا ما كان يعتقد في سلام البيزنطيين، ولا يعطي أهمية كبيرة لكلمة زعماء المسيحية؛ فهم في نظره لا يربطهم مع المسلمين عهد ولا ذِمَام، ألم يصرح أحد الكرادلة في عهد أبيه السلطان مراد الثاني بأن المسيحيين في حِلٍّ من نقض معاهداتهم مع المسلمين، وقال: إن نقض المعاهدات مع المسلمين ليس مخالفًا للدين المسيحي؟! فكيف يستطيع السلطان أن يصدق إذن كلمتهم أو أن يرتبط بوعد من وعودهم؟

ثم مسألة ثانية، لقد وفقت الدولة البيزنطية موقفًا غير ودي في محنة الدولة العثمانية حين غزا التتار بقياد تيمورلنك آسيا الصغرى، أليس وجود الدولة البيزنطية حجر عثرة في سبيل إشراف العثمانيين التام على البلقان وقاعدة ضد العثمانيين في وسط بلادهم؟ وجودها وحده عامل على تشجيع الغرب على محاولة طرد العثمانيين من أوروبا.

لقد عرف محمد الثاني أن مهمته حقيقة خطيرة وخطرة، ولكنها واجبة النفاذ، فعمل على تمهيد الطريق لتنفيذ مهمة حياته وأكبر آماله.

فعمل أولًا على استقرار الأمور في أراضي الدولة العثمانية. فأقَرَّ من عاونوا أباه في الحكم كما ذكرنا، وتخلص ممَّن ظن أنهم سيوجدون له مشاكل عاجلة أو آجلة أو سيكونون مصدر ثورات عليه في المستقبل، فهو يؤمن بضرورة استقرار الملك قبل كل شيء مهما بذل في سبيل ذلك من تضحيات ومهما أراق في سبيل ذلك من دماء. فماذا يهم في نظره دماء جملة أشخاص في سبيل القيام بمهمته العظيمة، وهي مهمة ترفع من شأنه، وتخلد ذكره، وترقى بمركز الإسلام.

ولم يُغفِل السلطان محمد الثاني الوسائل السياسية، فالأمور الدولية تحل بوسائل السلم كما تحل بوسائل الحرب، وكل منهما له وقته المناسب وظروفه الخاصة، ولا بد من تأمين حدوده وإسكات أعدائه. ولذا أخضع الثورات في ولاية قرمان، وعمِل على استصلاح النفوس في آسيا الصغرى، هذا في ممتلكاته الآسيوية. أما في أوروبا فلقد عقد صلحًا مع أكبر عدو وأخطر منافس للعثمانيين في البلقان، وهو هونيادي المجري، صلحًا يضمن به السلام على حدوده لمدة ثلاث سنوات. وهو وإن لم يكُن يثِق كثيرًا في مثل هذه المعاهدات إلا أنه يعرف أن موقعة ورنه ثم موقعة قوصوه في عهد أبيه الغازي قد أعطتا لهونيادي المجري درسًا قاسيًا لن ينساه، فلقد أضعفتا قوة المجر إلى درجة لا تجعلها تفكر جِدِّيًّا في الحنث بالعهد أو النكث بالاتفاق أو الانتقام.

وبيَّن السلطان محمد الثاني في نفس الوقت أنه لا ينوي الغدر بالإمبراطور البيزنطي، وهدأ من روع صقالبة البلقان الذين كانوا قد ذاقوا من قبل سيوف العثمانيين.

وإذا كان السلطان محمد يستخدم الوسائل الدبلوماسية لخدمة أغراضه، فما كان الإمبراطور البيزنطي بمُغفِلها، فقسطنطين شخصية عظيمة، جم النشاط، عظيم الصبر، بطل من أبطال العصر، ولكن مولده لم يكن سعيدًا وطالعه لم يكن ميمونًا، وصفقته بإرث بيزنطة ومصائبها وآلامها كانت صفة خاسرة. ضحى قسطنطين أولًا بالأرثوذكسية حتى يُقنع الغرب بمساعدته في أزمته، وحلول التزوج إلى الغرب حتى يوثق أواصره به، ولم يكن هذا الزواج أول زواج أو ثانيه لذلك الإمبراطور الشجاع التعيس الحظ.

وفي أثناء ذلك كان السلطان محمد الثاني قد ثبت قواعد ملكه في آسيا وفي أوروبا، وكان عليه أن ينفِّذ وصية والده، وأن يحقق رسالته بفتح المدينة الخالدة. فحوَّل مدينة أدرنة عاصمة العثمانيين في أوروبا إلى مصنع هائل للأسلحة، وجعلها مركزًا لجيوشه المتجمعة من كل أنحاء دولته، وبنى دار السعادة الجديدة لسبك المدافع الكبار وصنع الأسلحة، واهتم بجعل عاصمته مركزًا لتموين جنوده. ثم كان عليه أن ينشئ مركزًا جديدًا من مراكز قوته في أوروبا، حتى يستطيع الإشراف التام على البوسفور من ناحية الشاطئ الأوروبي.

وكان السلطان بايزيد الأول الغازي قد شيَّد على ساحل البوسفور الآسيوي حصنًا منيعًا هو أناضولي حصار لكي يشرف على مدخل البحر الأسود، فالحصن الذي شيده السلطان محمد الثاني — وهو روميليا حصار — بُنِيَ لكي يواجه ذلك المعقل بحيث يستطيع الأتراك من هذين المعقلين أن يشرفوا إشرافًا تامًّا على البوسفور، وعلى مدخل البحر الأسود. وبذا يسيطرون سيطرة تامة على الطرق الشمالية إلى القسطنطينية.

وهذا المعقل الجديد سيكون مركزًا مهمًّا من مراكز العمليات الحربية في أوروبا، ومحطة كبيرة للمُعَدات والذخائر، وشحنه السلطان محمد بالآلات النارية والمدافع والمرامي الرعدية والمكاحل، وهي مدافع يقول عنها صاحب صبح الأعشى إنه يُرمى عنها بالنفط … وبعضها يُرمى عنه بأسهم عظام تكاد تخرق الحجر. وبعضها يُرمى عنه ببندق من حديد من زنة عشرة أرطال بالمصري إلى ما يزيد على مائة رطل. وبهذا المعقل يستطيع السلطان بسلام تام وأمان نقل رجاله ونقل المؤن الحربية والعتاد الحربي بسهولة في ذلك الحَيِّز من الماء الذي يقع بين شاطئ البوسفور والذي يبلغ نصف الميل.

وكانت الدولة البيزنطية عاجزة إلى حَدِّ أنها كانت ترى تنفيذ مثل ذلك المشروع الضخم، ولكنها ما كانت مستطيعة منع السلطان من إنجازه.

لم يصبح السلطان محمد الثاني بذلك الحصن الحصين مسيطرًا على البوسفور فحسب، بل يصبح مسيطرًا على بحر مرمرة أيضًا؛ ولذا كان يؤمِّل أن يكون في مقدوره غلق البوسفور، والإشراف على الطرق البحرية المؤدية إلى المدينة من ناحية الجنوب ومن ناحية الشمال، وعزلها نهائيًّا بجيوشه البرية، فلا تستطيع استقبال أي مَدد أو أية معونة من أي ناحية. ومن الغريب أن ضعف الدولة من الناحية البرية والبحرية وصل إلى حَدِّ أن حاول الإمبراطور البيزنطي التقرُّب إلى السلطان زلفى بإمداد عماله بالمواد الغذائية حتى يسهل إتمام المشروع بسرعة!

واستغرق إتمام ذلك المشروع الكبير بضع شهور. فذعر أهل القسطنطينية وأحسوا بالخطر الداهم يهدد حياتهم ومصيرهم، وشعروا بأن نهاية الدولة آزِفة لا محالة. وتكرر احتجاج الإمبراطور على ذلك العمل وأشار إلى أن ذلك العمل ليس وديًّا بأي حال إزاء دولة تربطها بالدولة العثمانية رابطة الجيرة، ولكن ذلك الاحتجاج لم يكن بذي جدوى إذ لم يستمع إليه السلطان، بل قابله بالتهديد والوعيد، فهو يعلم أن الجيش الإمبراطوري البيزنطي لا يستطيع رد العثمانيين؛ فليست له قوة خارج أسوار المدينة العظيمة، ولقد ذكر السلطان قسطنطين — كما يروي هامر — بأن كل الأراضي الواقعة خارج أسوار القسطنطينية ملك له يتصرف فيها كيفما يشاء، فهو له الحق في كِلَا جانبي البوسفور الشرقي لأنه يقطنه العثمانيون والجانب الأوروبي لأن البيزنطيين لا يُحسنون الدفاع عنه، وأنه مضطر اضطرارًا إلى بناء ذلك الحصن، وبيَّن له كيف حاولت الدولة البيزنطية أن تمنع العثمانيين من العبور حين قامت الحرب بينهم وبين المجر في عهد أبيه السلطان مراد الثاني.

ولم يستطع قسطنطين دفعًا للخطر المجاور له، ولم يستطع منع العمال من السير في عملهم بهِمَّة ونشاط، ولم يستطع منع الجنود العثمانيين من اكتساح كل القرى والضياع المجاورة للقسطنطينية ومن هدم المباني والمساكن لإتمام بناء حصنهم على ضفة البوسفور.

ولقد أخذ السلطان محمد الثاني على عاتقه الإشراف على إنجاز ذلك الحصن، وأعلن لرعايا سلطنته في آسيا وأوروبا أن يمدوه بالصناع والعمال للإسراع في إتمام مشروعه الكبير. فسار العمل بدقة وسرعة غريبتين، ولم يترك السلطان مجالًا لأي شيء شأنه في كل مشاريعه الحربية.

اختار السلطان المكان بنفسه، وأظهر باشاواته وكبار موظفيه ولاءهم وإخلاصهم بالاشتراك مع العمال في نقل الأحجار والملاط والأدوات اللازمة للبناء.

وتقول بعض الروايات إن خمسة عشر ألف عامل قاموا بإنجاز ذلك المشروع، وتروي الأخرى بأنهم كانوا ستة آلاف فقط. وربما كان الرأي الثاني هو الأصح. ولقد كلف السلطان محمد قُوَّادَه بأن يشرف كل منهم على جزء خصصه له، وأشرف بنفسه هو على الجميع.

وبذا لم تعُد تصل إلى القسطنطينية الغلال التي كانت تأتيها عن طريق البحر الأسود. ولقد تمَّ إنجاز المشروع في أغسطس سنة ١٤٥٢ ولم يستطع الإمبراطور البيزنطي غير إمداد العمال الأتراك بالأغذية حتى يسترضي قلب السلطان الغاضب الثائر. ثم حاول بعد ذلك أن يلجأ إلى مهاجمة هؤلاء العمال وطردهم وتدمير ما أنشَئوه، ولكن قوات السلطان كانت تقضي على هذه المحاولات بالقوة. ولا تزال آثار التحصينات العثمانية باقية إلى الوقت الحاضر كمظهر من مظاهر النشاط الهائل الذي عرفه التاريخ عن ذلك السلطان القاهر.

وكانت النتيجة الحتمية لبناء ذلك الحصن ولمقاومة البيزنطيين أن أعلن السلطان الحرب رسميًّا على الإمبراطور البيزنطي على أساس اعتداء البيزنطي على جنوده وعماله.

لقد عمل إنشاء ذلك الحصن على إدخال الذعر والخوف في قلوب البيزنطيين سكان المدينة وبقية رعايا الدولة. فلقد ترك السلطان في ذلك الحصن حامية قوية من جنود مختارين بقيادة فيروز آغا، وأمره بإيقاف جميع السفن التي تمر ببوغاز البوسفور، وأن يفرض عليها إتاوة، هي ضريبة المرور، وجهز الحصن بالمدافع القوية التي تجعل إرادته وأوامره محترَمة.

وأخذت حامية ذلك الحصن تعتدي بانتظام على الجهات المجاورة، وفهِم الإمبراطور البيزنطي أخيرًا أن محاولته المحافظة على السلام بأي ثمن لن تفيده شيئًا، فلا شيء يُرضي العثمانيين غير القضاء على ملكه وغير الاستيلاء على مدينته؛ ولذا عقد العزم على الموت في عاصمته هو ورعاياه فأغلق أبواب القسطنطينية وبعث إلى السلطان محمد الثاني بما عزم عليه؛ ففي ٦ أبريل كتب قسطنطين رسالة للسلطان العثماني يقول فيها:

لما كان من الجَلِيِّ أنك تريد الحرب أكثر من السلام، ولما كنتُ غير مستطيع أن أقنعك بإخلاصي واستعدادي لأنْ أكون تابعًا لك؛ لذا فالأمر لله، وسأحول وجهي إلى الله، فإذا كانت إرادته تقضي بأن تصبح هذه المدينة مدينتك، فلا مردَّ لقضاء الله وقدره، وأما إذا ألهمك الرغبة في السلام، فسأكون سعيدًا ما بقيتُ، ومع ذلك فإني أعفيك من كل تعهداتك واتفاقاتك معي، وسأُغلق أبواب هذه المدينة وأدافع عن شعبي إلى آخر قطرة من دمي …

هذه كانت روح مدينة القسطنطينية أو الفريق الأكبر فيها حين قررت عدم الخضوع، وصممت على الدفاع إلى النهاية. أقفل الإمبراطور أبواب المدينة وقبض على كل الأتراك الموجودين في داخلها، فأرسل إليه السلطان محمد الثاني بإعلان الحرب، ويروي خصوم السلطان المسيحيون المعاصرون له أن السلطان أمر بقطع رءوس مبعوثي الإمبراطور البيزنطي، وهذه الرواية تحتاج إلى دليل، وظهر السلطان بعد ذلك بجيش يبلغ خمسين ألفًا بجوار الأسوار، ثم رجع إلى أدرنة فلم يقُم الإغريق بأية حركة معادية. كان غرض السلطان من هذه الزيارة القصيرة التي دامت ثلاثة أيام الاستطلاع، وبحث موقع القسطنطينية، ودراسة قوة الأسوار والأبراج.

رجع السلطان إلى أدرنة حيث أَتَمَّ استعداداته، وعمل على منع أخوي الإمبراطور في شبه الجزيرة الإغريقية من مَدِّهِ بالمساعدة. وذلك بأن أرسل جيشًا قويًّا إلى المورة بقيادة طورخان فاكتسح بلاد المورة من أقصاها إلى أقصاها، وتمكَّن من وقف أي إمدادات مقصدها المدينة المحاصرة.

وكان لبناء ذلك الحصن على ضفة البسفور أثر كبير في حركة المرور بالبوسفور، فلما حاولت بعض السفن الآتية من البحر الأسود ومقصدها القسطنطينية، لما حاولت هذه السفن المحملة بمواد التموين المرور ولم تأبَه لأوامر الحصون العثمانية دُمِّرَ بعضها وقُتِلَ الكثير من رجالها. وبذلك ثبط العثمانيون من عزم أصحاب السفن التجارية، وشلوا حركة النقل.

ولقد جمع السلطان محمد الثاني في قصره في أدرنة قُواد جيشه، ورسم لهم خطته، وذكَّرهم بمجد أسلافه وبانتصاراتهم الباهرة، وبيَّن لهم أن قوة الإمبراطورية البيزنطية قد ضعُفت واضمحلَّت، وأنه لم يبقَ أمامهم سوى عقبة واحدة في سبيل فَناء هذه الإمبراطورية، فيجب الاستيلاء على مدينة القسطنطينية بأي ثمن، وأن الظروف السياسية والحربية مواتية، ولدى الأتراك القوة الكافية لتحطيم أي مقاومة، وأنه يجب الإسراع بإنجاز هذه المهمة قبل أن تستعد أوروبا للقيام بنجدة هذه المدينة، وقبل أن تصِلها الإمدادات والمؤن التي قد تُطيل أمد الحصار؛ ولذا لا بد من بدء هذه الحرب والسير فيها إلى أن يُنزل الله نصره.

ونفذ السلطان محمد الثاني مشروعه بقوة وعزم منقطعي النظير، كان قادرًا بطلًا ذا جراءة، وشكيمًا منظَّمًا حديدي الإرادة، وتم استيلاؤه على كل الحصون التي لا زالت باقية في تراقيا حتى يحمي مؤخرة جيشه، وكذلك احتل كل المدن الواقعة على البحر الأسود وبحر مرمرة، واكتسحت جنوده ضواحي العاصمة، فبلغ الذُّعر فيها منتهاه، وعمَّ القلق، وتناقل الناس الأقاصيص والخرافات والأساطير، وكثرت التنبؤات عن مصير المدينة المنكودة الحظ، وتزايدت النُّذُر باندثار أعظم مدينة مسيحية، وأحس المسيحيون بهزات أرضية عنيفة، وفي السماء كثُر الرعد والبرق، وهطلت الأمطار المتدفقة، وخُيِّلَ للقوم أن نجومًا جديدة في السماء قد ظهرت، لقد عمت الهستريا في الواقع عقول سكان المدينة المحاصَرة، فكثرت أقاويلهم، وتبلبلت ألسنتهم وهلعت نفوسهم، وبلغت القلوب الحناجر وظَنُّوا بالله الظنون.

ولكنه في نفس ذلك الوقت العصيب كان الإمبراطور الشجاع قسطنطين وزمرة من الشجعان من أهل المدينة قد أخذوا في تحصين المدينة، وإعداد وسائل الدفاع بكل ما استطاعوا من قوة حسَبَما سمحت لهم الظروف، وكان أول واجب هو إصلاح الأسوار المتهدِّمة التي أبلاها الدهر، وعفَت أمام إغارات الغازين المتكررة. واستُعمِلت لذلك أحجار القبور وكثير من الآثار القديمة والمنازل، وجُمِعت الذخائر والأسلحة بكل سرعة، وكذا الغلال والزيت، وجُمِعت الأموال التي يمكن الحصول عليها، وبُعِثت البعثات الصارخة إلى أوروبا، تطلُب القوت والنجدة وتبكي حَظَّ المسيحية في كل مكان فيه للمسيحية سلطان وقوة، واستمر ذلك طَوال ذلك الشتاء الكئيب المكفهر، وكان معظم سكان المدينة قد فَقَد الأمل من وصول أي نجدة، وإن كان المسيحيون في أوروبا قد ظلت لديهم بعض الآمال في حدوث معجزة تُنقِذ حصن المسيحية الشرقي.

وثابر السلطان على تجهيز استعداداته للهجوم وتنظيم وسائله، فجمع جيشًا عظيمًا ربما بلغ ربع المليون أو أكثر كما يرى هامر، وأنشأ أسطولًا ضخمًا، وشحن حصونه بالأسلحة والذخيرة للقضاء على هذه المدينة البائسة. ومن شهر فبراير سنة ١٤٥٣ بدأ بإرسال مدافعه وأخذ في الإسراع بإنشاء السفن. وقامت بعض السفن الإغريقية بالهجوم على الشواطئ التركية الإسلامية، فأخذت مَن قدرت عليه، وقتلت من قتلت، وخربت ما خربت، وباعت في الأسواق مَن باعت، فلما علِم السلطان بذلك استشاط غضبًا، وأقسم لينتقمنَّ من سكان المدينة شر انتقام.

وكان الإمبراطور قد علِم بهذه الاستعدادات العظيمة — كما يقال — عن طريق خليل باشا وزير السلطان، الذي يرى بعض المعاصرين أنه لم يكن مُخلِصًا للسلطان بدليل اتصاله بقسطنطين وإخباره بما يعتزم عليه السلطان محمد الثاني من إيقاد نار الحرب والاستيلاء على المدينة. ولكنا لا ندري إذا كان خليل باشا قد كشَف للإمبراطور البيزنطي عن أسرار مولاه أو عن خططه الحربية حتى تستطيع اتِّهامه بالخيانة. وعلى أي حال لقد ظل السلطان يثِق به ثقة كبيرة طوال وقت الحصار وإن لم يأخذ برأيه في فك الحصار عن المدينة. ولكن حين تجمعت له الأدِلَّة عن اتصاله بالأعداء وذلك بعد سقوط القسطنطينية أَمَرَ بضرب عنقه.

ولقد استمرت استعدادات كل من الأتراك والبيزنطيين طول وقت الشتاء، وجاءت إلى القسطنطينية بعض الإمدادات الضعيفة مثل سفينتين بندقيتين استطاعتا بصعوبة أن تنفذا من البوسفور وتُلقيا مراسيهما في القرن الذهبي.

وجاء الكاردينال إيزيدور مبعوث البابا بمائتي مقاتل لنجدة المدينة ولإتمام توحيد الكنيستين الشرقية والغربية، وتبعته ثماني سفن من كريت تحمل النبيذ للمحاصَرين، وكثرت اجتماعات المجالس واللجان في القسطنطينية وزاد طلب النجدات، وبُعِثَت البعثات إلى المجر تطلب العون من بطلها هونيادي بألَّا يترك إخوانه البيزنطيين يسقطون صرعى في أيدي الأتراك العثمانيين. ولكن هذه الاستغاثات لم تَجِدِ استجابة ولم تلقَ غير التأييد اللفظي.

ثم جاء جون جوستينياني الجنوي على سفينة محملة بالمؤن والذخائر، ومعها أخرى وخمسمائة من رجاله فكانت جملة من معه سبعمائة. ولقد استقبله الإمبراطور استقبالًا عظيمًا، وعيَّنه قائدًا لقوات البرية.

وسيظهر ذلك المغامر الكونديتيري الحقيقي مهارة وشجاعة ممتازَيْن، كما سيُبدي نشاطًا بالغًا الحَدَّ، ولقد أُعجِب السلطان بشجاعته — كما يقول هامر — وحاول الاتصال به. لقد قدِم متطوعًا للدفاع عن حصن المسيحية الشرقي، وكان هو ورجاله نخبة المدافعين عن المدينة الخالدة وخيرتهم. وأخذ جون جوستينياني على عاتقه من وقت تعيينه أمرَ تنظيم الدفاع عن القسطنطينية. فنظم وضع مدافعه الصغيرة على الأسوار في نقط معينة، وقسم المدافعين عن القسطنطينية حسب شعوبهم وأجناسهم، وخصَّص لكلٍّ واجباته، وقام بمهمة ليست بالبسيطة وهي تدريب هؤلاء الرهبان والمدنيين الذين يجهلون فنَّ الحرب كلية، وليس لديهم من وسائلها إلا الحماس لها والرغبة في النضال ضد المسلمين لإنقاذ مدينتهم الجميلة، والتضحية بأرواحهم فداءً لها.

وعمقت الخنادق الموجودة في الناحية الشرقية، وكان الإمبراطور يشجع هؤلاء المجندين ويُقَوِّي من ثقتهم بأنفسهم ويُبَيِّنُ لهم أن العذراء لن تترك مدينة المسيحية الخالدة لتسقط في أيدي المسلمين الطامعين.

وخصص الإمبراطور لجون جوستينياني الجنوي وأتباعه مهمة الدفاع عن النقط الخطرة والأبواب المهمة. وأجمعت كلمة الجميع إغريق وبنادقة وجنويين وكتلان كاثوليك وأرثوذكس على ضرورة الدفاع عن مدينتهم إلى آخر رَمَقٍ من حياتهم، وإنقاذ أكبر حصن في أوروبا من أن يقع في أيدي الآسيويين الغازين.

وقرر الإمبراطور وضع سلسلة لإغلاق القرن الذهبي أمام السفن الفاتحة، تبدأ من طرف المدينة الشمالي الشرقي، وتنتهي عند ضاحية غلطة، وهي مدينة جنوية مستقلة، وترك لهؤلاء الجنويين أمر حمايتها عند طرفها الشمالي. وهذه السلسلة هي التي وقفت أمام الأسطول أو الأرماد التركي وعملت على حماية السفن التي تجمعت وراءها، لقد لعِبت هذه السلسلة دورًا هامًّا في الدفاع عن المدينة المحصورة.

وفي نهاية شهر مارس كانت استعدادات السلطان محمد الثاني لفتح القسطنطينية قد تمت، وكان قد دمر كل القرى المجاورة لها، فلم تعُد المدينة الكبيرة تستطيع الاتصال بالبلاد المجاورة لها، أو تستفيد منها وكان عليها أن تعتمد الاعتماد كله على المؤن والذخائر الموجودة بداخلها، وأن تنتظر ما قد يستطيع أن يصل إليها من إمدادات من الخارج، وكان وصول الإمدادات صعبًا، إن لم يكن مستحيلًا كما سنرى.

تمت استعدادات السلطان محمد الثاني للحصار؛ ففي أدرنة عاصمته الأوروبية ومعسكر الأتراك العظيم تجمعت الجنود العثمانية الآسيوية والأوروبية الفرسان والمشاة، النظامية وغير النظامية، وبين هذه الجنود الغير النظامية والباشبوزق عدد كبير من المسيحيين الذين لا همَّ لهم غير القتال والقتل والغنيمة والسلب والنهب، وهم لا يخضعون في سلوكهم لقانون ولا نظام ولا عرف ولا دين ولا إنسانية، وإنما يتبعون غرائزهم البهيمية قبل كل شيء والأوامر التي يصدرها قائدهم إليهم.

كان حماس الجيش العثماني للقتال عظيمًا، وكان عدده كبيرًا، ويعتقد رجاله أنهم يؤدون مهمة سامية في الحياة، ويقومون بتنفيذ مشروع مقدَّس، ويعملون على رضا الرب، ويبتغون المثوبة من الله، وينتظرون النصر، وينتقمون للمسلمين. كان بين هذا الجيش عدد كبير من المُلات (القضاة) والمشايخ والعلماء والدراويش يُقوُّون روح الجهاد والحماس في الجنود، وكان السلطان قد استصحبهم على عمدٍ لا لاستغلالهم فقط في سبيل إنهاض القوى المعنوية للجنود، ولكن تبرُّكًا بهم، وتيمُّنًا بصحبتهم واحترامًا لهم وإكبارًا.

كانت الحركة دائمة والنشاط عظيمًا في كل من مدينتَيْ أدرنة والقسطنطينية، لم تكن تغمض لمحمد الثاني أو لقسطنطين عين.

لقد كانت استعدادات الأتراك الهائلة التي لم تخفَ على البيزنطيين عاملًا على نشر الذعر والخوف في المدينة المسيحية، وخاصة ما تناقلته الأخبار عن قوة مدفعية السلطان العثماني ومدى تدميرها العنيف. كان الأتراك أول من استعمل الأسلحة الحديثة وأحسن استخدامها، ولم يكن أحد من السلاطين يهتم بالمدفعية مثلما كان يهتم بها السلطان محمد الثاني. لقد علم سكان مدينة القسطنطينية أن الأتراك يحاولون صنع مدفع عظيم لم يسبق له مثيل، وأن السلطان يستخدم لذلك صانعًا مجريًّا اسمه أُربان، وكان ذلك الرجل قد عرض خدماته قبلًا على الإمبراطور البيزنطي، فلم يمنحه المكافأة التي كان ينتظرها، فأسرع إلى الأتراك يعرض عليهم اختراعه. ما كان البيزنطيون يستطيعون الاستفادة من اختراع ذلك الرجل، فحالة أسوار مدينتهم ما كانت تسمح بوضع مدفع كبير عليها. على أي حال استقبل محمد الثاني ذلك الرجل استقبالًا حسنًا، وأغدق عليه الأموال والخيرات وكل ما يصبو إليه من شرف، وعرف السلطان كيف يستغله أكبر استغلال، وسهَّل له كل الوسائل لإتمام مخترعه. واستخدم السلطان المدفعية في ذلك الوقت على نطاق لم تعرفه من قبل.

حصار القسطنطينية٣

وفي أوائل أبريل، في اليوم الخامس منه، ظهر الجيش العثماني أمام أسوار مدينة القسطنطينية، بين دعاء العلماء والأشراف من آل بيت الرسول . ظهر الجيش العثماني منظمًا تنظيمًا رائعًا على نسق منقطع النظير في ذلك الوقت. وبدت الفرق بجانب الفرق في أعلامها وطبولها وأبواقها وموسيقاها وخيلها ومدافعها المكوَّنة من أربع عشرة بطارية، واثنين وستين مدفعًا ودواب الحمل الكثيرة العدد.

ونصب السلطان سرادقه محاطًا بالخنادق على الشاطئ الأيسر لوادي ليكوس أمام الباب المشهور بباب القديس رومانوس. وسلطت على ذلك الباب المدافع القوية البعيدة المدى. ثم اتَّجَه السلطان نحو القبلة وصلَّى ركعتين، وصلى الجيش كله، وبدأ الحصار الفعلي.

وانطلق العلماء وأهل الدين إلى الفرق العسكرية المختلفة يحثونها على القتال، واحتل العثمانيون الخط المُمتَدَّ من بحر مرمرة إلى القرن الذهبي محيطين بأسوار المدينة، ولم يهتم السلطان بإعداد جنوده وتموينهم بالأسلحة والمدافع العظيمة والغذاء فحسب، بل اهتم اهتمامًا زائدًا بتنسيق عمل القوات، ووضع الخطط المنظِّمة التي يتعاون فيها الفرسان مع المشاة مع المدفعية في الحصار والهجوم.

ولقد وضع السلطان محمد الثاني الفرق الأناضولية، وهي أكثر الفرق عددًا بحيث تعسكر عن يمينه إلى بحر مرمرة. وإلى شمال هذه الفرق وعن يساره عسكرت الفرق الأوروبية إلى القرن الذهبي. والتف الحرس السلطاني المكوَّن من نخبة الجنود وهم الإنكشارية، خمسة عشر ألفًا حول السلطان في الوسط، وكان عليهم تعضيد الهجوم في جهة باب القديس رومانوس، وهي أضعف نقطة في الدفاع.

وشاهد سكان القسطنطينية ذلك المنظر المخيف من أعلى أسوار مدينتهم. وفي الوقت نفسه جمع السلطان أسطولًا عظيمًا هو أول أسطول تركي بالمعنى الصحيح في مدينة جاليبولي وهي قاعدة العثمانيين البحرية في ذلك الوقت، وأمر السلطان ذلك الأسطول فعبر بحر مرمرة إلى البوسفور حيث ألقى مراسيه هناك، حيث انضمت إليه بعض السفن العثمانية من البحر الأسود، فأضاف منظره إلى منظر الجيوش المحاصرة رَوعة على روعة، وقوة على قوة، وعمل على زيادة الذعر في المدينة المحاصرة.

واقترب العثمانيون من الأسوار، وعندئذٍ طلب السلطان من الإمبراطور أن يسلم المدينة للأتراك ويتعهد السلطان بأن يحترم حياة سكانها وممتلكاتها، وطلب محمد من قسطنطين ذلك الطلب حقنًا للدماء ورحمة بالسكان، ولكن الإمبراطور قسطنطين رفض ذلك الطلب رفضًا باتًّا، فلم يكُن للسلطان مفر من الحرب.

درس السلطان محمد الثاني حالة الأسوار وقُوَّتَها من القرن الذهبي إلى بحر مرمرة بنفسه لكي يكشف عن النقط الضعيفة، ثم استعرض جنوده وقوَّى من روحهم المعنوي ووعدهم بالنصر، ثم قسم القيادة فجعل زغنوس باشا — وأصله ألباني — على رأس الجيش غير النظامي الذي يعسكر على أعالي بيره، وعليه مراقبة سكان غلطة الجنويين، وعليه أن يمنعهم بالقوة إذا استلزم الأمر من مَدِّ يد المساعدة إلى المدينة المحاصرة.

وجعل صاريجه باشا على الميسرة وهو بايلرباي «حاكم» روملي وواجبه الهجوم على المدينة من أعالي القرن الذهبي، وجعل الإشراف على المدفعية العثمانية وجعل على جنوده الآسيويين أو الأناضولية إسحق باشا بايلرباي الأناضول هو ومحمود باشا، وكل منهما عَظِيم الامتياز كبير التجرِبة في أمور الحرب، وجعل السلطان لنفسه هو وخليل باشا قيادة الوسط. وكانت المدفعية العثمانية في ذلك الوقت أكبر مدفعية عرفها العالم.

وجعل السلطان مهمة الأسطول تنحصر في منع وصول التموين الغذائي والحربي عن طريق البحر إلى المدينة، ومهاجمة السفن المسيحية التي تحرس السلسلة التي تغلق القرن الذهبي، ومحاولة اقتحام القرن الذهبي والقضاء على السفن الراسية فيه، والتعاون مع الجيش البري في حصار مدينة القسطنطينية. كان ذلك الأسطول مكونًا من حوالي ثلاثمائة سفينة هي بطبيعة الحال أصغر بكثير وأقل قوة من سفن أعدائه وإن كانت أكثر منها عددًا.

لقد هوجمت القسطنطينية من كل ناحية ما عدا ناحية القرن الذهبي فلقد كانت محمية بالسلسلة وبالأسطول الراسي في الميناء.

كانت أسوار القسطنطينية بالرغم من الخراب الذي لَحِق بعض أجزائها منيعةً، استطاعت أن تدفع عنها الأعداء في كل العصور؛ فهذا السور العظيم الممتد من القرن الذهبي إلى بحر مرمرة من عجائب الدنيا حقيقة في ذلك الوقت، تعاهده الأباطرة في مختلف العصور بالإصلاح والترميم أمام مرور الزمن وجحافل الأعداء العديدين. وهو لا يزال إلى الآن مَظهرًا من مظاهر عظمة هذه المدينة الخالدة بأبراجه ومرتفعاته ومنخفضاته التي تنحني حسب الأودية والتلال مستندةً إلى سماء زرقاء صافية، وفي كل زاوية من ذلك السور العظيم يقوم حصن قوي، ولكن ذلك السور كان في حالة سيئة نوعًا، ويحتاج إلى إصلاح وترميم في الوقت الذي حوصرت فيه هذه المدينة. وكما تقول المصادر الإفرنجية المعاصرة لم يقُم المهندسان اللذان كُلِّفَا بالإصلاح والتعمير بمهمتهما كما تقضي النزاهة والواجب، وأما السور الداخلي فظل على حالته من الخراب لم يُرَمَّمِ الترميم الكافي. لقد اعتمد سكان المدينة كلهم على السور الخارجي بحصونه وأبراجه القوية.

وأمام الجيش العثماني العظيم ومدفعيته الهائلة، وأمام ذلك الأسطول الكثير العدد وقف عند باب القديس رومانوس — أخطر نقطة في السور — ثمانية آلاف من المدافعين كما تقول المصادر الإفرنجية، ولكن يجب ألَّا ننسى أن عددًا كبيرًا من سكان المدينة قد جُنِّدَ للدفاع عنها أو لمساعدة الدفاع ونقل أدواته، بل وترميم الأجزاء التي تخربها المدافع.

ولا يجب أن ننسى أيضًا أن هؤلاء المُدافِعِين كانوا يدافعون من وراء أسوار مدينة أقل ما يقال فيها أنها من أمنع مدن العالم في ذلك الوقت، ولا ريب في أن حامية صغيرة منظمة مجهزة بوسائل الدفاع الحديث تستطيع القيام بمهمة الدفاع خير قيام، وتستطيع رد الغازين على أعقابهم خاسرين.

كانت أهم فرقة في المدافعين عن المدينة العظيمة فرقة الأجانب، وهي مكوَّنة من ثلاثة آلاف مقاتل من الطراز الأول، وهي تتألف من جنويين وبنادقة وعناصر من كريد ورومة وإسبانيا وبعض المرتزِقة من الأتراك أنفسهم. وهنا نسأل: هل جاء المدينة مدد حقيقي من الدولتين اللتين يهمهما مصير القسطنطينية: جمهوريتي البندقية وجنوة؟ لم تقدم الدولتان مساعدة حقيقية للمدينة في محنتها العظيمة. وهذا لا يمنع أن أفرادًا من هاتين الجمهوريتين قد قبِلوا عن طِيب خاطر التطوع للدفاع عن هذه المدينة المسيحية الكبيرة، وبذل دمائهم في سبيلها. ربما كان دافع هؤلاء دينيًّا الحماس للكاثوليكية، وربما كان المصالح المادية والتجارية، وربما كان حب المغامرة ومقابلة المخاطر الجسيمة وركوب الصعب. وربما كان هذه الدوافع كلها مجتمعة.

بالرغم من ذلك وقفت مستعمرة غلطة الجنوبية، وجارة القسطنطينية من ناحية الشمال، وقفت موقف الحياد التام حرصًا على رضا السلطان القوي، وتمسَّكت به، فلم تساعد أحدًا من الفريقين، ولم تنصر أحدهما على الآخر.

ونندهش للمساعدة الضئيلة التي قدمها الغرب، فهل أصبح مصير قاعدة المسيحية في الشرق لا يهم الغرب؟ لم تكُن مسألة اتحاد الكنيستين الشرقية والغربية محبوبة حبًّا جمًّا. ولذا قاتل أفراد ذلك الفريق القليل المتطوع وحدهم بقوة وشجاعة وحماس إلى النهاية، إلى أن بذلوا دماءهم فداء للمدينة، ولكن ذكراهم لم تُنْسَ، ولم يندثر تاريخهم، فلقد أرَّخ لهم أحد زملائهم ومواطنيهم ممن قاتل وضحَّى معهم وهو باربرو، وبجانب هذا الفريق ألفان ممن عسكروا في السفن الراسية في القرن الذهبي والسفن التي كلفت بالدفاع عن الميناء.

لم تجد أوروبا العظيمة غير ثمانية آلاف من الجنود المدربين حقيقة لدفع أكبر خطر عرفه العالم على مدينتها العظمى بينهم عدد قليل لا يزيد عن الألف من الجنود المدرعين.

وعسكر الإمبراطور وحشد جنوده في ناحية وادي ليكوس، وهي المنطقة الضعيفة في الأسوار عند باب القديس رومانوس، وعقد المجالس الحربية لتنظيم أمور الدفاع عن المدينة، وعهد إلى جون جوستنياني الدفاع عن هذه الناحية، ولم يكن لدى المُدافعين مدفعية قوية، وحتى مدافعهم الصغيرة لم يستطيعوا نصبها على الأسوار التي أصبحت في حالة رثَّة، فهي لا تحتمل المدافع ولا طلقاتها.

كان تسليح المحاصرين بصفة عامة سيئًا، فلم يكن لديهم السلاح الكافي ولا السلاح الجيد، ولكن كانت عندهم النُّفُوس القوية والعزائم الحديدية قد جعلوا نذرًا قتال الأتراك حتى الممات.

وفي هذه الأثناء كان بلطه أوغلي قائد الأسطول العثماني قد نفَّذ أوامر سيده بدقة وراقب بأسطوله حركات الأعداء عند مدخل القرن الذهبي، وبعث جزءًا من أسطوله لمهاجمة الجزر القريبة في بحر مرمرة، فأحرق بعضها وباع سكانها الذين نَجَوْا من عذاب الحريق.

وتمكَّن العثمانيون من نصب مدافعهم الضخمة القوية أمام الأبراج وأخذوا في ضرب المدينة ودَقِّ أسوارها بقنابل زنتها مائتا رطل وساروا في عملهم بنشاط وحماس لا نظير لهما.

وكان على المحاصَرِين أن يراقبوا بحزن عميق وقلق ضرب مدينتهم الجميلة، وهذه القنابل الكبيرة تنهال على أسوارها فتُحدِث الخراب والدمار، وتُحدِث رَجَّة وهزات عنيفة، كما كان على سكان المدينة أن يراقبوا حركات الأسطول العثماني، وأخذوا يدأبون على إصلاح الأسوار وتعمير ما دُمِّرَ منها من جديد، وكان الجهد الذي يبذلونه قاتلًا، لا يُستطاع معه الصبر مدة طويلة، وعانوا من الذعر والفزع والتعب ما لم يعانِه سكان مدينة أوروبية في العصور الوسطى.

وكانت هناك بعض مناوشات في أول الأمر من ناحية الإنكشارية الذين كانوا يسخرون من الموت، كما يقول معاصروهم من الإفرنج؛ فلقد كانوا يغشون ساحة الوغى كالأسود الكاسرة التي لا تفكر في شيء، وإذا سقط وحدان منهم حملهم الآخرون على ظهورهم متعرضين للموت، متجشمين الخطر، مسارعين إلى الهجوم، فإذا قُتِلُوا حملهم آخرون من زملائهم بحيث لا يبقى منهم أحد ثاويًا بجانب الأسوار.

ولذا لم يستطع المحاصرون النوم لحظة من الوقت أمام الضرب المتواصل وأمام خطر الهجوم الذي يهدد من لحظة إلى أخرى، وأمام الهجوم البحري الذي قد يقتحم القرن الذهبي.

وفي أثناء الحصار جاءت مكاتبات من هونيادي المجري يعلن فيها إلى أهل القسطنطينية أنه قد أعاد أمور الدولة إلى الملك فلاديسلاف، وأنه أصبح من أجل ذلك في حِلٍّ من اتفاقه مع السلطان محمد الثاني، ربما ظهر ذلك الموقف الجديد في مصلحة البيزنطيين فقد يهدد هونيادي ومن معه من المجر حدود بلاد السلطان من الشمال الغربي ممَّا قد يدعو السلطان إلى رفع الحصار عن المدينة فترة من الوقت تستطيع معها التنفس. ولقد أطلع السلطان مبعوثي المجر على مدفعيته العظيمة وانصرف المبعوثون سالمين إلى بلادهم، وانتهى الأمر عند هذا الحد.

وبعد مرور أسبوع من الحصار كان التَّلَف بجدران الأسوار قد وصل إلى درجة ظُنَّ فيها أن الترك سيقومون بهجوم لاقتحام أسوار المدينة عنوة. ولذا في ١٨ أبريل بدأ هجوم عنيف على الأسوار هلك فيه جَمٌّ غفير من الأتراك، وإن كانوا بأصوات طبولهم وأبواقهم وتكبيراتهم يَظهَرون أكثر عددًا مما هم. وبلغ الأمر حدًّا أن الإمبراطور البيزنطي كاد يهلك من الجزع، ولم يجِد غير الدموع يطفئ بها لهيب جزعه على مدينته وعاصمته الكريمة. لم يكن المدافعون مستعدِّين تمامًا لهذا الهجوم غير المُنتَظَر، ولكن كما يقول باربرو مؤرخ فتح هذه المدينة: «لم يسمح الله بدخول الأعداء المدينة هذه المرة.» وانتهى الهجوم دون نتيجة بعد أربع ساعات في نضال مستمر عنيف ومحاولات لتسلُّق الأسوار ونقبها.

وكان هذا الفشل المؤقَّت الذي لحق محاولة الأتراك داعيًا إلى تقوية نفوس البيزنطيين وحلفائهم من الأجانب، وزيادة ثقتهم بأنفسهم وتضاعُف مجهوداتهم لإصلاح العطب الذي نال الأسوار، وشكر الإمبراطور قسطنطين وقساوسته اللهَ على ذلك النجاح.

وقامت مع هذه المحاولة محاولة من الأسطول العثماني لاقتحام القرن الذهبي، وكان الأسطول مجهزًا بكل وسائل الحرب المعروفة في ذلك الوقت، ويحمل عددًا كبيرًا من المحاربين ويسير معظم سفنه بالمجاديف، تقدمت السفن العثمانية بعددها ورجالها لمهاجمة السفن التي تحمي مدخل القرن الذهبي، ولكي تقطع السلسلة ومن القرن الذهبي تحاصر المدينة من ناصيتها الغير محمية.

ويظهر أن رجال البحرية العثمانية لم تكُن لهم الدراية الكافية ولا العدة اللازمة للحرب البحرية، وأصابهم كذلك بعض الزهو والغرور بكثرة عدد سفنهم، ولم يُقَدِّرُوا تمامًا ما لعدوهم من قوة وخبرة ومعرفة بأمور الحرب البحرية. هاجمت السفن العثمانية أعداءها، وألقت بأحجارها ورمت بأسهمها النارية وطرحت بقوارير النفط نيرانها ومشاعلها، اقتربت من سفن الخصوم تحاول إحراقها وتدميرها، حاولت قطع حبال سفن الأعداء ومراسيها، وأضاء الجو بالنور، بالمشاعل فكان منظرًا باهرًا.

وأما سفن المسيحيين فلقد أظهرت جَلدًا وصبرًا كبيرين، وكانت أكبر وأضخم وأعلى من السفن العثمانية، فكانت تستطيع إصابة سفن العثمانيين، ولا تستطيع سفن العثمانيين إصابتها بسهولة، وكانت مستعدة بعد ذلك للقتال تمام الاستعداد، ونظمت مواقفها بحيث تجعل الدفاع سهلًا، ودفعت أحجار التُّرك بأحجارها وأسهمهم بأسهمها ونيرانهم بالأواني المُعَدَّة لصب الماء. حاول الترك اقتحام السلسلة، وحاول المسيحيون منعهم ونجحوا في ذلك، واضْطُرَّ الأسطول التركي إلى الانسحاب يتبعه صياح الأعداء وتهليلهم بفوزهم ونصرهم.

ولكن عزيمة السلطان محمد الثاني لم تكُن تعرف الكلل أو اليأس فحاول اختراع وسيلة لضرب أسطول الأعداء من البر بمدافعه الكبيرة وإغراقه في مراسيه، ولكن هذه الخُطَّة لم تكُن ناجحة وإن كانت أحرزت بعض النجاح، فلجأ إلى غيرها.

ثم حدث في ٢٠ أبريل أن أقبلت ثلاثُ سفن جنوية كبيرة وأربعة أخرى تحمل جنودًا ومؤنًا وبضائع وسلاحًا، وهي آتية من الجنوب، ورأى الأتراك هذه السفن الثلاث تقترب من المدينة المحاصَرة. عند ذلك أمر السلطان قائده البحري بمهاجمة هذه السفن مباشرة ومنعها من الوصول إلى المدينة المحاصَرة والاستيلاء عليها أو تدميرها، وختم السلطان أمره إلى قائده: «إذا لم تنجح في ذلك فلا ترجع لي حيًّا.»

وكان عدد السفن العثمانية التي أمرت بمهاجمة السفن الأربع الجنوية مائة وخمسين من أحجام مختلفة، فكيف استطاعت سفن الأعداء القليلة العدد الهرب أمام ذلك الأسطول الضخم؟ تم ذلك بمعجزة من المعجزات ما كانت منتظَرة.

لقد أصاب العثمانيين الغرور هذه المرة بشكل أوضح من المرة السابقة، فعددهم يتفوق تفوُّقًا حاسمًا، وكانوا واثقين تمامًا من الانتصار وبلوغ مرادهم. ولقد دقت طبولهم ومزاميرهم، وعلت أصواتهم وتكبيراتهم وكان سكان المدينة يرون من على أسوارهم وبقلق متزايد السفن التي أتت لتقضي على سفن أصدقائهم، لقد ظَنَّ بلطه أوغلي أن قوته ستقضي على الأعداء بسهولة.

طلب الأسطول التركي من هذه السفن التسليم وإلا يصيبها الدمار، ولكن السفن المسيحية رفضت بإباء وشَمَم، وقامت معركة دامية زاد فيها الصَّخَب وعَمَّ الهدير وكثرت اللعنات من الطرفين، وسقط القتلى والجرحى من الأتراك، كانت الريح في أول الأمر تساعد السفن الجنوية، ثم وقفت الريح فجأة فتحول الموقف لصالح الأتراك وقام قتال عنيف بين السفن.

ولكن الإيطاليين كانوا مدرَّعين بالصُّلب وسفنهم متفوقة في الحجم والقوة؛ ولذا ظل الأتراك بالرغم من وفرة عدد سفنهم في مركز ضعيف. وكان سكان المدينة يشاهدون الموقعة، ولا يستطيعون لمن جاءوا لمساعدتهم نصرًا، ولكنهم كانوا يَدْعُون لهم بالفوز ويرجون لهم الملائكة والقديسين بالعون، وكان السلطان هو الآخر ينظر إلى الموقعة من الساحل، وينتظر من حين لآخرَ القضاء على السفن المسيحية.

ظلت الموقعة مدة ساعات غيرَ معروفة النتيجة، وهاجمت السفن التركية بقوات متجددة تحفزها أوامر السلطان وهتاف الجيوش العثمانية على الساحل، وكادت تقضي فعلًا على سفن الأعداء، لولا أن عادت الريح فتحركت في صالح الأسطول المسيحي فأبعدت سفن الخَصمين عن بعضهما، فسفن المسيحيين سفن شراعية، بينما معظم السفن التركية تعتمد في الغالب على التجديف؛ ولذا انتهت الموقعة رغم أنف الأتراك فلقد بعدت سفن جنوة عن الأسطول التركي، وتمكنت من دخول الميناء آمنةً مطمئنة، فكانت هذه معجزة في مصلحة أهل القسطنطينية الذين أذهلهم الفرح لنجاة إخوانهم من هلاك محقَّق محيط، ثم لوصول المدد إليهم، وظنَّت مدينة القسطنطينية لحظة من الزمن أنها قد أُنْقِذَتْ.

وجاءت بعد ذلك مقابلة بلطه أوغلي للسلطان الثائر الغاضب، وكان أمير البحر التركي قد فقد إحدى عينيه في الموقعة، وبذل قصارى جهده، ولكن الحظ خانه.

ولكن غضب السلطان في ذلك الوقت لم يكن يعرف حدًّا، فعاقبه أشد عقاب، فأمر بجَلْده وانتزاع أملاكه ونزعه من منصبه.

وليكن مجيء هذه السفن المحمَّلة بالمؤن جعل أهل القسطنطينية يظنون أن ذلك مقدمة لمَدَد آخر آتٍ في الطريق أو على وشك المجيء، ولكن هذه الآمال لم تُحَقَّقْ فلم يظهر أي أسطول آخر.

هذه الهزيمة التي لَحِقت بالأسطول العثماني زادت في تصميم السلطان محمد الثاني وعزمه على الانتقام، فزاد ضرب المدافع للمدينة إلى درجة أصبح دَوِيُّهَا يُصِمُّ الآذان، وإلى حد أن أحدث تلفًا كبيرًا بالأسوار وخاصة من ناحية باب القديس رومانوس. وفي هذه الأثناء كان السلطان يُجرِي تجرِبة على جانب عظيم من الأهمية، وكان أهل القسطنطينية قد ظنوا أن السلطان سيقوم بهجوم عامٍّ على مدينتهم، ولكن التجربة التي كان يقوم بها محمد الثاني سيكون لها أثر كبير في سقوط المدينة الحصينة.

وإذا كانت محاولة الأسطول العثماني اقتحام مدخل القرن الذهبي لم تنجح فلا بد في نظر السلطان من تجربة يستطيع بها تحاشي الاصطدام بالسفن الموجودة في فم الميناء. ففكر في نقل جانب كبير من أسطوله عن طريق البر من وراء غلطة وبيرا من البوسفور إلى داخل القرن الذهبي.

فقد جمع السلطان الأخشاب اللازمة، وعمل حسابًا للدفاع عن المشروع إذا حاول أهل القسطنطينية عرقلته؛ فمُهِّدَتِ الأرض أولًا، ووُضِعَ الخشب بطريقة يسهل عليها انزلاج السفن وجرها. وكان أصعب جزء في المشروع هو نقلُ السفن على انحدار التلال المرتفع. ولكنَّا يجب أن نلاحظ أن السفن العثمانية كانت بصفة عامة صغيرة الحجم خفيفة الثقل نسبيًّا.

تم المشروع بسرعة قبل أن يستطيع البيزنطيون التدخُّل والعمل على إتلاف السفن، فالسلطان قد أخذ حذره تمامًا ولم يترك شيئًا للظروف. ولذا في ٢٢ أبريل نجح السلطان في نقل حول سبعين سفينة من البوسفور إلى القرن الذهبي.

وكان هذا العمل عظيمًا بالنسبة للعصر، بل معجزة من معجزاته في سرعة التنفيذ. ولو أن فكرته ليست من خلق السلطان محمد الثاني؛ فهي فكرة قديمة استُخدِمت في الماضي، ولكن تطبيقها وتنفيذها بهذه السرعة وبهذه الدقة يدل بلا شك على عقلية ممتازة ونفس واعية تستطيع الإحاطة بتفاصيل الأشياء، وهمة عظيمة، وإرادة فولاذية وعزيمة صادقة، ونشاط متدفِّق لا يعرف الكلل والملل، ثم إلهام الناس بالطاعة التامة والتضحية بكل ما تمتلك النفس من عزيز. وكان المحاصَرُون في مدينة القسطنطينية أكثر الناس تقديرًا لذلك العمل الأَجَلِّ واهتمامًا، فما كان يستطيع التصديق به إلا من رآه، فلقد كان منظر هذه السفن تسير وسط الحقول كما لو كانت تمخر عباب البحر من أعجب المناظر وأكثرها إثارة للدهشة.

وأعجب من هذا سرعة نقل هذه السفن على منحدر الجبل؛ ممَّا يدل على كثرة الأيدي العاملة التي كانت تقوم بتنفيذ ذلك المشروع الضخم وحماسها ونشاطها. لقد تم كل ذلك في ليلة واحدة! وبهذا أصبح القرن الذهبي تحت رحمة مدافع زغنوس باشا. والفضل في ذلك للمهندسين الأتراك؛ فلقد شهد معاصروهم حتى من الأجانب بمواهبهم ومقدرتهم الممتازة.

وفي أثناء نقل الأسطول العثماني عَبر البر لم تقِف المدافع العثمانية لحظة عن الضرب حتى لا تحاول السفن الإغريقية الراسية في الميناء التحرُّك لمهاجمة السفن العثمانية الهابطة في القرن الذهبي.

ولا يمكن تقدير الذُّعر في مدينة القسطنطينية حين ظهر الأسطول التركي في القرن الذهبي؛ فكان من الضروري تحصين جبهة القرن الذهبي وترميم الأسوار الخربة، ووضع من يقومون بالدفاع عنها، وخاصة وأن هذه الجهة كانت موطن الضعف في المدينة؛ إذ من هذه الجهة استولى الصليبيون عليها في سنة ١٢٠٤.

ما هذه الظروف المؤلِمة لحامية قليلة العدد نال منها القتل والجراح والتعب! عليها الآن أن تُقَسِّمَ نفسها لتُدافِعَ عن أخطر نقطة في أسوار المدينة. لقد حوصر الأسطول الإغريقي فلم تعُد له حرية الحركة، ووقع في خطر عظيم.

لقد كان الموقف مُيئِسًا للغاية. فماذا تعمل بيزنطة أمام عَدُوِّهَا الهائج القوي؟ وكان على المحاصرين أن يراقبوا بدقةٍ حركاتِ الأسطول التركي في القرن الذهبي خوفًا من أن تدمر سُفُنُهم، وأخذوا يفكِّرون في كيفية تدمير الأسطول العثماني، ولكن هناك مغامرة في تنفيذ مثل ذلك المشروع، لقد قال فريق بجمع السفن المسيحية ومهاجمة السفن الإسلامية الراسية على الجانب الآخر للقرن الذهبي.

ولكن لتنفيذ مثل هذه الخطة كان من الواجب تعاوُن الجنويين في غلطة، ولكن الجنويين في غلطة ما كانوا يجرءون على إعلان الحرب على السلطان أو القيام بعمل يرى فيه السلطان أي اعتداء على حقوقه.

وقال فريق بإرسال قوة لمهاجمة السفن التركية وتدمير البطاريات الموجودة هناك. وقال فريق ثالث بأن تقوم السفن المسيحية بمهاجمة الأسطول العثماني دون استشارة جنويي غلطة أو موافقتهم، ويكون ذلك بسرعة قبل فوات الوقت. وأُقِرَّ ذلك المشروع وقُرِّرَ تنفيذه.

وفي ٢٤ أبريل قامت سفينتان تؤيدهما سفينتان أُخْرَيَانِ لتأدية هذه المهمة، ويقول المؤرخ المعاصر باربرو بأن الجنويين أصحاب بيرا وغلطة «أعداء المسيحية» قد أعلموا السلطان بالمشروع البيزنطي، فأخذ السلطان حذره واستعد استعدادًا كافيًا بتحصين المكان الذي تجمع فيه الأسطول العثماني وأَعَدَّهُ بالأسلحة اللازمة. لقد رأى الجنويون في هذه الحملة البيزنطية حملة للبنادقة يجب معارضتها والعمل على إخفاقها.

فإلى هذا الحد تدخلت الأحقاد والمنافسات بين الجمهوريتين الإيطاليتين جنوة والبندقية، وكان غرض الجنويين التقرُّب للسلطان على حساب بيزنطة والبنادقة.

كان على البيزنطيين الآن تقسيم قوات دفاعهم وتوجيه جانب لا بأس به من هذه القوات إلى الدفاع عن ناحية القرن الذهبي، ولما كانت قوات الدفاع قليلة العدد كان اقتطاع جزء منها معناه إضعاف الدفاع في النواحي الأخرى.

وأحس البيزنطيون بذلك الخطر الجديد، ولا بد من العمل على مقاومة الأسطول التركي الموجود في القرن الذهبي قبل أن يستفحل خَطْبُه؛ ولذا وُضِعَ مشروع لتدمير السفن العثمانية في مراسيها. ولم يُنَفَّذِ المشروع البيزنطي الجديد إلا في ٢٨ أبريل، فكلفت ثلاث سفن كبيرة وسفن أخرى صغيرة بمهمة الهجوم، واختلف قباطنة السفن فيما بينهم، فأراد البعض التقدم في الهجوم لينال شرف الفوز، فأصابهم جميعًا الفشل الذريع، وانطوت سفنهم في اليَمِّ غَرْقَى بمن فيها، وانهزمت الحملة وسقط المشروع، ورجعت السفن المسيحية التي نجت بصعوبة من مدافع الأتراك.

وكان لهذه الهزيمة أثر كبير على نفوس المحاصَرين، فلقد فشِلت آمالهم وتحطَّمت، وضاع جانب كبير من ثقتهم بأنفسهم، وأما من استطاع من البحَّارة الإغريق أو الأجانب الوصول إلى الشاطئ فلقد قبَض عليهم الأتراك وضربوا أعناقهم تحت أسوار المدينة المحاصَرة وتحت أنظار البيزنطيين، وأجاب الإمبراطور البيزنطي على ذلك بأن أتى بمائة وخمسين من الأتراك وشنقهم على الأسوار بمرأى من الجيش التركي. وقام النزاع الحادُّ بين البنادقة والجنويين في القسطنطينية، وتحزَّب لكلٍّ من الفريقين بعض الأهالي، واتهم كل واحد منهما الآخر بأنه سبب الفشل البحري السالف الذكر، وكادوا يتشاجرون لولا تدخُّل الإمبراطور البيزنطي في الوقت المناسب، ونُصْحِهِ للفريقين بأن يراعيا قبل كل شيء مصلحة المسيحية التي تعاني الآن من خطر كبير لا يرحم حياتها ولا ضعفها.

واستمر الأتراك في دَقِّ أسوار المدينة وفي محاولات نقبها، واستمر البيزنطيون في محاولة إصلاح العطب ليل نهار دون هوادة، ولكي يُسَهِّلُ السلطان محمد الثاني الاتصال بين جنوده على الضفة اليسرى للقرن الذهبي وجنوده حول الأسوار، أنشأ قنطرة عظيمة عائمة ينتهي طرفها عند نقطة ضعيفة في الأسوار البيزنطية؛ ممَّا دعا المحاصَرين إلى اتخاذ وسائل الحِيطة في هاته النقطة وتقسيم الدفاع الصغير العدد من جديد.

لقد زاد مركز المدافعين ضعفًا على ضعف، فعددهم قليل ويتناقص باستمرار وبسرعة، وعليهم الدفاع عن أسوار طويلة ضعيفة في بعض النقط، أمام مدفعية متفوقة، وعدو لا يرحم، فكان لا يهدأ للمحاصرين بال، ولا يسكن لهم روع، ولا تطمئن لهم نفس أمام ذلك الضرب المتواصل من كل جانب، بينما كان عددهم يقِل، ورعبهم يزداد في كل وقت خشية مباغتة الأتراك لهم، واستمرت الحال على هذا النحو إلى آخر اليومين الأَوَّلَيْنِ من مايو، فبدأ يظهر للعِيان جليًّا عجز المؤن داخل المدينة وخاصة الخبز والنبيذ وكل ما يلزم لتقوية الجنود المدافِعين المرهقين.

وكان على المدافِعين أن يتركوا مواضعهم في كثير من الظروف ويقطعوا المسافات الطويلة داخل المدينة لاكتساب رزقهم وتناوُل الطعام مع عائلاتهم، ورأى الإمبراطور البيزنطي خطر الموقف، فعمل على توزيع الطعام على الجنود في أماكنهم، وفي الوقت نفسه كان السلطان محمد الثاني حريصًا على تغيير المهاجمين ومن يقومون بالضرب بحيث يستطيعون الاستراحة والاستجمام واستعادة النشاط.

وفي أثناء هذه الظروف القاسية فكر الإمبراطور في بعث سفينة لحَثِّ أسطول البندقية في بحر الأرخبيل على الإسراع لمعونة القسطنطينية في أيامها الأخيرة، وبذل آخر مجهود لإنقاذ أعظم مدينة مسيحية في البلقان، ولكن هذه السفينة التي تحمل آخر أمل للعاصمة البيزنطية لم تجِد الأسطول البندقي ورجعت خائبة حزينة آسفة.

ثم أمر السلطان بالهجوم على الأسوار مرة أخرى هجومًا عنيفًا، حينئذٍ طلب البطريرك وعظماء القسطنطينية وجستنياني إلى الإمبراطور قسطنطين أن يترك العاصمة نهائيًّا وأن يذهب إلى مكان آخر يستطيع منه إثارة الأمور على العثمانيين، فقد يُضطَرُّون إلى رفع الحصار عن العاصمة، ووضع جستنياني إحدى سفنه تحت تصرُّف الإمبراطور، ووعد بمساعدته على الخروج من عاصمته المحبوبة. وكان الغرض من هرب قسطنطين أن يجمع حوله شتات رعاياه، فربما استطاع الاتفاق مع إسكندر بك الألباني أو البابا، ولكن الإمبراطور أنصت لهذا النصح ساكنًا، ثم أطرق مليًّا يفكر تفكيرًا عميقًا، ثم شكر أتباعه على النصيحة القيمة التي أسدوها وقال:

ربما يكون في خروجي من المدينة بعض الفائدة لي … ولكنه من المستحيل أن أخرج، وكيف أترك معابد لله يذكر فيها اسم الله؟ وكيف أترك موالي الرب ورجال الدين والعرش والشعب في هذه المحنة العظيمة؟ ماذا يقوله العالم عني؟ إنني أرجوكم ألا تذكروا في المستقبل هذه الكلمة «اخرج»، وإنما قولوا لا تتركنا، ولن أترككم ما دمت حيًّا، فلقد عزمت عزمًا لا رجوع فيه على الموت معكم.

ثم بكى الإمبراطور وبكى معه البطريرك وكل الحاضرين.

في هذا الوقت تبدَّت شخصية هذا الإمبراطور العظيم وبطولته أمام أهوال ومِحَنٍ تكل عن تحمُّلها الجبال الرواسخ.

وفي ١٢ مايو قام الأتراك بهجومهم العنيف، وكانت الأسوار قد نالها عطب كبير، ولكن ذلك الهجوم لم يُصِبْ نجاحًا كبيرًا، وامتلأت الكنائس داخل المدينة بالمُصَلِّين الذين يدعون الله قيامًا وقعودًا بإنقاذ المسيحية في بلائها العظيم.

ووجد السلطان محمد الثاني أن يركز الضرب في منطقة باب القديس رومانوس، وهاجم العثمانيُّون مِرَارًا الأسوار على فَمِ القرن الذهبي دون جدوى. وحاولوا حفر سراديب تحت الأسوار ونجحوا في ذلك إلى حَدٍّ ما، ولكن الإغريق نجحوا في القضاء على ذلك المشروع. ولكن محاولات الأتراك هذه أَقَضَّتْ مضاجع السكان، فكانوا يخشَوْن كل ليلة دخول الأتراك المدينة فجأة بهذه الوسيلة، وتصوروا سراديب خيالية نجح الأتراك في إنشائها.

ولقد لجأ السلطان إلى بناء حصن متحرِّك سريع أمام الأسوار ممَّا أدخل الرعب في قلوب المحاصَرِين، وأنشأه بطريقة بحيث لا يُمسِك به اللهب، ويصيب كل آلات الرمي والضرب في المدينة؛ ممَّا جعل الدفاع في خطر شديد، فلقد تحطَّمت أربعة أبراج وامتلأ الخندق، وقام الأتراك بهجوم عظيم في ناحية باب القديس رومانوس، ولكنهم اضْطُرُّوا إلى الانسحاب مرة أخرى أمام دفاع البيزنطيين اليائس؛ وبذا نَجَتِ المدينة، واحترق حصن الأتراك المتحرِّك بأكمله ممَّا زاد في فرح الإغريق، فعادوا يشكرون العذراء على إنقاذها لهم.

فتح القسطنطينية

ولكن السلطان محمد الثاني ما كان يعرِف اليأس أو يتسرَّب إلى نفسه القنوط، فعاد إلى اتِّخاذ خُطَطٍ جديدة. وفي أثناء ذلك الوقت رجعت البَعثة التي كانت أرسلتها القسطنطينية لتستحثَّ أسطول البندقية الذي كان يظن أنه موجود في البحر الأرخبيلي. لم تَجِدْ هذه البَعثة الأسطول، ورجعت متحطِّمة الآمال. ولما عرفت المدينة المحاصَرة ذلك النبأ العظيم سكنت قلوب أهلها لحظة وذرفت عينا الإمبراطور البيزنطي بالدموع، وكان ذلك آلَمَ خبر تلقته المدينة البائسة المفزوعة التي تُوشِك أن تقع في أيدي أعداء حلفوا جهد أيمانهم ليَسْتَبِيحُنَّها. كان ذلك الأسطول آخر أمل لهؤلاء المحاصَرِين المرهَقِين الذين لم يذوقوا طعم النوم ولا الراحة، كان آخر أمل لهم مجيء أسطول البندقية لنصرتهم وإمدادهم وإعطائهم فرصة للأمل في الحياة والراحة والهدوء بعضًا من الوقت، ولكن تُوُفِّيَ ذلك الأمل كما تُوُفِّيَتِ الآمال السابقة.

كان ذلك في مساء ٢٣ مايو، وعرف أهل القسطنطينية أن المسألة مسألة أيام للهجوم التركي العام والاستيلاء على المدينة. ولقد عقد الإمبراطور مجلسًا للنظر في الحالة، فنصح أعضاء ذلك المجلس له بالهرب، وإذا لم يمكن حماية المدينة، فيجب حماية الإمبراطور. عند ذلك أُغْمِيَ على ذلك الإمبراطور الذي ناءت به المخاوف وأنهكه بَذْلُ النشاط المتواصل، وكاد يقتله التعب المستمر فما عرف راحة ولا هدوءًا عقليًّا أو جسميًّا، ولكنه أبى إلا أن يشارك أهل المدينة مصيرهم، وقال «إن عددًا كبيرًا من الأباطرة قد مات وهو يحمِل السلاح ويقاتل في ميدان الحرب، ولن يكون هو الوحيد الذي يفر من ميدان القتال خوفًا من الموت أو حرصًا على الحياة.»

وأما في الجانب الإسلامي، فلقد عرف الأتراك العثمانيون أن المدفع وحده والصبر هما اللذان سيقضيان على هذه المدينة؛ ولذا فالضرب مستمر ليلًا ونهارًا، واشتغل أهل المدينة رجالًا وشبانًا وشيبًا ونساء وأطفالًا في تعمير العطب الفادح الذي لحِق الأسوار، وانتظروا جميعهم في هلع متزايِد من ساعة لأخرى هجومًا عامًّا للأتراك لا يُبقِي أمامه شيئًا ولا يذر.

وكثرت الأوهام والخيالات، وتصوَّر الناس ما شاء لهم التصوُّر، فبعضهم تَصَوَّرَ جيشًا مَجَرِيًّا عظيمًا بقيادة هونيادي قد زحف لتخليص القسطنطينية، وتوهَّم البعض أسطولًا عظيمًا قادمًا من البحر، وظَنَّ الآخرون أن الملائكة سيتدخلون في آخر لحظة ويدمرون الأعداء تدميرًا.

ولكن هذه الخيالات كانت سُرعان ما تنقشع وهذه الأوهام سرعان ما تَتَبَدَّدُ وأصبحت هباءً لا قيمة له ولا غناء أمام الوقائع والحقائق التي تراها أعينهم ويحسونها. لقد مضى زمن المعجزات وخارت قوة الدفاع، ولم يَبْقَ في قوس الصبر منزَع، وكيف يحيا أمل أمام قوة الأتراك الساحقة وتصميمهم على أخذ المدينة، وأمام مدافعهم الضخمة التي تُحدِث من الدَّوِيِّ ما تهلع له القلوب، وتُحْدِثُ من التخريب والتحطيم في أسوار المدينة ما شاءت أن تصنع؟

وركز ضرب المدافع الشديدة في ثلاث نقط من ناحية باب أدرنة، وباب القديس رومانوس، والثالثة ناحية الباب الثالث الحربي، ووضع سكان المدينة أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت، وكان أكثر النواحي عطبًا الناحيتين الأُوليين.

ثم أرسل السلطان محمد الثاني قائد هذه القوة العظيمة وزعيم ذلك الشعب القاهر المنصور، أرسل رسوله إسماعيل حمزة اسفنديار أوغلي لكي يحمل إلى الإمبراطور البيزنطي نصيحة سيِّده فيقرر له أنه لم يعد هناك فائدة من الاستمرار في الحرب، وأن المدينة ستسقط عنوة، وتُنهَب، وتُنتَهك حُرُمَاتُهَا، يُقتَل رجالها وتُصطَفَى نساؤها وأطفالها، أو تُبَاع في الأسواق، وأن السلطان محمدًا يقترح أن يخرج الإمبراطور من المدينة هو وأهله وحاشيته وبلاطه إلى البلوبونيز، ويحكم هناك، ومن شاء من أهل المدينة فليخرج في أمان، ويتعهد السلطان بحماية الباقين والمحافظة على حياتهم وممتلكاتهم، وذلك إذا قبل الإمبراطور تسليم المدينة.

وكان يربط اسفنديار بقسطنطين صلات معرفة قديمة، فنصحه بالتسليم، ويظن بعض المؤرخين أن السلطان لم يكن مخلصًا في دعوته هذه، وما كان يريد فعلًا تسليم قسطنطين، وإنما كان يريد أن يدرس الحالة النفسية في القسطنطينية، ولا يوجد شيء يدعو إلى الشك في إخلاص السلطان في دعوته قسطنطين؛ فهو يعرف أن المدينة قد تستطيع الدفاع مدة أخرى، وهو بلا شك يرغب في حقن دماء الفريقين ما دام يستطيع الوصول إلى غايته، وهي أخذ المدينة، ولكن كان السلطان يفهم أنه لن يخسر شيئًا من وراء إيفاد هذه البَعثة؛ فهي إذا لم تصِل إلى غرضها تستطيع التقرير عن حالة المدينة.

على أي حال كان الإمبراطور قسطنطين يفهم ما يقضي به عليه واجبه، ويعمل على المحافظة على مركزه؛ فهو لن يقيم على ضيم يُراد به مهما كانت النتائج، لقد كان يستطيع الفرار إذا كانت الحياة الدنيا قد ملكت عليه نفسه، ولكن قسطنطين بيَّن لمبعوث السلطان أنه لن يستطيع قبول هذه الشروط المُهينة، وأنه لم يطلب ولن يطلب بديلًا بمدينته، وعاصمة ملكه، وحاضرة من سبقوه من الأباطرة ألف عام، ثم بعد ذلك ليس لديه أي سلطة تُبيح له تسليم المدينة، وأنه قد وطد النفس على الموت.

وبذا يئِس السلطان محمد الثاني نهائيًّا من تسليم المدينة صلحًا، فلا بد إذن من بذل كل جهوده لدخولها عنوة.

ولذا في ٢٧ مايو سنة ١٥٤٣ عقد مجلسًا حربيًّا في معسكره أمام الأسوار وتناقش هو وقُوَّاده فيما ينبغي عمله، ويقال إنه عُرِضَ رأيان في ذلك المجلس العسكري، فكان الرأي الأول رأي خليل باشا، وهو رجل مُسِنٌّ قد ازداد حذره بقدر ما ازدادت تجاربه، ولكن السلطان لم يكُن بكبير التعلق به بالرغم من أنه أبقاه في منصبه، وكان البعض يتهمه بممالأة المسيحيين.

بيَّن خليل باشا أنه لا داعي لبذل هذا المجهود العنيف في أخذ هذه المدينة، ولا داعي لكل هذه العمليات الحربية، ولا مبرِّر لإراقة الدماء بهذا الشكل للاستيلاء على المدينة، فهي ستسقط من تلقاء نفسها إن عاجلًا وإن آجلًا، ثم بعد ذلك هل ستقبل أوروبا سقوط القسطنطينية؟ ففي نظر خليل باشا لن تسمح أوروبا بسقوط هذه المدينة بسقوط حصن المسيحية في يد المسلمين، فالبندقية ستتدخل بأسطولها، وكذا هونيادي المَجَري، ثم المدينة بعد ذلك حصينة، واللاتين متَّفقون فيها مع الإغريق، ولقد مضى وقت طويل، وبُذِلَ مجهود كبير، ولم تسقط المدينة بعدُ، ولقد بذل الأتراك تضحيات كبيرة بدون فائدة، وأن من الخير ترك المدينة مؤقتًا، حتى يزداد مركز العثمانيين قوة وتسقط المدينة فريسة سهلة فيما بعدُ.

وكان الرأي الآخر رأي زوغنوس باشا الألباني، قائد الجنود غير النِّظامية، وهذا الرجل من أصل ألباني، اعتنق الإسلام وحَسُنَ إسلامه وجاهد في سبيله جهادًا مشكورًا، وسما مركزه، فأصبح ثالث اسم في الدولة العثمانية بعد السلطان، هذا الرجل لا يزال قريب عهد بالشباب؛ فهو ممتلئٌ قوة ونشاط وأطماعًا، وكان بينه وبين خليل باشا حِقد دفين ومنافسة حادة، لقد نصح هذا القائد الهُمام بالصبر والمثابرة وتقوية الهجوم، وتمثَّل بالإسكندر الأكبر المقدوني الذي استطاع فتح آسيا بجيش صغير، واستهزأ زوغنوس بالخطر الذي سيأتي من ناحية الغرب، فبين أن الدول الأوروبية المسيحية — وخاصة الجمهوريات الإيطالية — منقسِمة على نفسها، وهي تُضيع الوقت الثمين في مشاجرات على مسائل تافهة، ووضح أنه حتى لو استطاعت أوروبا أن تتَّفق فيما بينها فهي لن تقدر على إرسال قوة كبيرة لتخليص القسطنطينية في الوقت المناسب؛ ولذا لا يجب التفكير في ترك المدينة قبل أن يتم فتحها للإسلام وللأتراك ولآل عثمان.

وأيَّد ذلك الرأي قادة الجيش الآخرين وضباطه، كما عضَّده العلماء بكل قوة وعلى رأسهم الشيخ آق شمس الدين والشيخ أحمد الكوراني خوجة السلطان.

ولقد كان السلطان محمد الثاني من نفس ذلك الرأي، حتى قبل انعقاد المجلس العسكري، ولكنه أراد أن يجمع ذلك المجلس ليَختبر قوة رجاله ويمتحن عزيمتهم وليعمل على تقوية ثقتهم بأنفسهم.

وكانت النتيجة ما يريد السلطان، فلقد زاد جنوده عزمًا على عزم للقضاء نهائيًّا على البيزنطيين وحلفائهم من اللاتين؛ ولذا فكَّر في هجومه الأخير الذي سيضع المدينة تحت أقدامه.

وفي ٢٧ مايو أعد السلطان الهجوم العام على المدينة فصام الجيش كله، وعلَت الدعوات بإنجاز الفتح، وأمَر مدفعيته بالإمعان في تحطيم الأسوار عند وادي ايكوس، ونظم الفرق التي ستقوم بالهجوم العام، فعلى كل فريق القيام بالهجوم من جهة معينة، ثم إخلاء الطريق للفريق الآخر الذي سيقوم بالهجوم بعده؛ وبذا تستطيع الجنود المهاجِمة أن تأخذ بقسطها من الراحة، وزار السلطان كل أقسام جيشه المحاصِر للمدينة وشجَّع الجنود وأثار فيهم رُوح التضحية، وقوَّى فيهم الثقة بالنفس وبالنصر، وطلب من الجنويين المقيمين في غلطة أن يمتنعوا تمامًا عن تقديم أي مساعدة للمدينة المحاصَرة.

وأرسل مَن نادى بين الجنود بأن المدينة ستُترك لهم ثلاثة أيام يستبيحونها كيفما شاءوا، رجالها ونساءها وأطفالها وكنوزها ستكون جميعها تحت تصرفهم لمدة ثلاثة أيام كاملة، وأقسم بالله جهد أيمانه ليَبَرَّنَّ بوعده، وكان لذلك القَسَم أثر كبير في نفوس الجنود الذين سيقومون بالهجوم.

ولقد أمر السلطان كل جندي بالمحافظة على الموقف المخصَّص له وعاقب بالقتل كل من حدثته نفسه بمخالفة الأوامر أو الإخلال بالنظام.

واستمرت المدافع العثمانية في ضرب المدينة البائسة دون هوادة أو توقُّف، وبشدة وعنف لا مثيل لهما في ذلك الوقت، فجُرِحَ جون جوستينياني الجنوي زعيم المدافعين وبطلهم الغير مدافع، واضْطُرَّ سكان العاصمة المسيحية إلى نقله إلى داخل المدينة، ولكنه رجع ثاني يوم ليُعاوِدَ القتال. وفي أثناء ذلك أضاء المعسكر العثماني كما كان يُضاء كل ليلة بآلاف المشاعل التي تُحَوِّلُ الظلام نورًا باهرًا يأخذ بالأبصار، وكانت الجنود العثمانية قد جمعوا كل المواد اللازمة للصراع المُقبِل وللهجوم ولتسلُّق الجدران. وتعالت الأصوات للحي القيوم تنادي «الله أكبر الله أكبر»، وتنطق بالشهادتين وتلعن المسيحيين وتنذر بالويل والثبور. وضُرِبَتِ الطبول ونُفِخَتِ الأبواق والمزامير، وحدَّث الجنود أنفسهم بالغنائم الهائلة العديمة النظير التي سيستحوذون عليها.

وبجانب هذا الحشد الهائل والأنوار الباهرة والطبل والزمر والتكبير بدت المدينة الحزينة المتألِّمة تترقب نهاية مُفزِعة، تنتظر الفناء وتدعو الله أن ينقذها من العذاب الأليم، ومن ذلك الخطر لعظيم الذي لم تعرف مثله.

ثم أُطفِئَت أنوار المعسكر الإسلامي فجأة وعَمَّ الظلام، ولم يَبْقَ أمام المحاصَرِين سوى البكاء والتوسل إلى الله وطلب رحمته، وجُمِعَتِ الأيقونات، وطُلِبَ تَوَسُّطُهَا هي والقديسين لدى مريم العذراء أن تُنقذ المدينة من العذاب الذي أحاط بها سرادقه، ولكن ضرب المدينة كان مستمرًّا بدرجة ظن معها المحاصرون مجيء يوم القيامة.

وأمر السلطان أن يتعاون الأسطول مع الجيوش البرية فيَقرُب من البر ويهاجم الأسوار على ضفة القرن الذهبي؛ وبذا يشغل عددًا كبيرًا من المحاصَرِين في هذا الجانب.

وقام السلطان بتفتيش الجيش واستعداداته بدقة وعناية كبيرتين فهو من الشخصيات القيمة التي تظهر قوتها في المواقف الجليلة الحاسمة، وهي التي تستطيع خلق الثقة في النفوس وحفز العزائم، والعبقرية هي التي تستطيع الاستفادة من التجارب السابقة وتحيط بالمواقف دراسة وتعرف مواضع النقص فتعالجها.

في هذا اليوم نظم محمد الثاني جيوشه على نسق نادر المثال، ثم جمع ضباطه وقُواده في اليوم السابع والعشرين من مايو، وخطب فيهم كما تقول قصة أخذ القسطنطينية لشلومبرجر فقال:

إنني لم أجمعكم في هذا المكان لأبعث روح الحماس فيكم، فما ينقصكم هذا الروح، ولقد أظهرتم هذا الروح في أكثر من موضع، ولقد سَرَتْ عدوَى هذه القوة إلى نفوس جنودكم، ولكني جمعتكم لأعرض أمامكم المكافأة والثواب الذي سينالكم بعد الهجوم القريب المنتظر، فأمامكم مدينة الكنوز والثروة والجمال والغنى والنفائس التي تزدحم بها الكنائس العديدة والقصور الكثيرة. ستأسرون سادة القوم وتستعبدونهم، وهناك النساء الجميلات والحور العِين اللاتي لم تقع عين إنسان على مثلهن، ستتزوجون بمن تشاءون منهن وتستخدمون من تشاءون.

وصور السلطان جمال قصور القسطنطينية وقال إنه:

يعدهم بمدينة عظيمة هي عاصمة الرومانيين القدماء، مدينة المجد والترف والعز، مركز العالم — هذه المدينة ستستبيحونها بما فيها من كنوز ورجال ونساء، وذلك بعد أن وقفت أعوامًا طوالًا أمام الأتراك وأمام الإسلام وعملت على إضعافه واتحدت مع أعدائه.

«إن سقوط القسطنطينية سيعطي للعثمانيين الطمأنينة النهائية، ويفتح لهم كل بلاد الإغريق» وبين السلطان لجنوده «أن فتح هذه المدينة ليس بالأمر العسير، فهي لن تقف أمام هجومهم» لقد سُدَّتْ خنادقها وتهدمت أسوارها، وانفتحت فيها ثغرات كبيرة، وأن الطريق أمامهم واسعة لنيل المجد والعز واللذة، فالمدافعون قليلو العدد قد أُرهِقوا إلى الموت، وليس لديهم من السلاح أو عُدد الحرب ما يستطيعون أن يناضلوا به مدة طويلة «ولذا فالنصر مكفول لنا».

وأشار إلى أنه بالإرادة القوية والعزيمة الصادقة والطاعة العمياء في تنفيذ الأوامر واتباع النظام، فالنصر مضمون لا مراء فيه.

ثم أمرهم عند ذلك بالرجوع إلى أماكنهم وتناوُل طعامهم والاستراحة والإخلاد إلى السكينة التامة حتى مطلع الفجر فتأتيهم الأوامر بالقتال وعندئذٍ عليهم بالهجوم العام.

وأعطى تعليماته لقواده العظام؛ فالأسطول يقترب من الأسوار ويهاجمها من ناحية القرن الذهبي، وزوغنوس باشا يهاجم الأسوار التي تقع في ناحيته. وعلى صاريجه باشا أن يقوم بهجوم عام في المنطقة التي تكثر بها الثغرات، وأما إسحق باشا ومحمود باشا اللذان يقودان الجيوش الآسيوية أو جيوش الأناضول فيقومان بالهجوم من ناحيتها. ويقوم فريق بتسلُّق الأسوار يعضدهم فريق آخر بجانبهم، وأن يشتد الهجوم في منطقة باب القديس رومانوس حيث يوجد جون جوستينياني وتابعوه من الإيطاليين والأجانب.

وفي نفس المدينة الحزينة قامت الاستعدادات اليائسة، فلقد علِم سكانها بالهجوم العام الذي سيباغتهم، ووقف كل منهم في موضعه المخصَّص. وتخيل فريق آخر من أهالي القسطنطينية أن سكون المعسكر التركي معناه استعداده لترك الحصار ومغادرة المدينة، ولكن الفريق الأكبر كان على يقين بأن الهجوم التركي العام قادم لا ريب فيه.

وعم الحزن المدينة، وأيقنت بالهلاك، وبكى رجال الدين عاقبة الفساد في هذه الدنيا، وسوء تصرف المسيحيين حتى حاق بهم هذا الوبال، وأحاط بهم العذاب وتضاعفت عليهم الهموم من كل جانب. وظن الكاثوليك أن سبب ذلك الوبال رَفْضُ الأرثوذكس قبول المذهب الكاثوليكي، وظن الأرثوذكس أن ذلك العذاب نتيجة لقبول الدولة اتِّباع مذهب رومة، وظن ثالث أن ذلك العذاب نتيجة لإهمال الدين وعدم تقديم فروض الاحترام الكافي للقديسين. وعنت كل الوجوه للحي القيوم الباقي، وأما الإمبراطور فلقد أوضع في الحرب، وشمَّر فيها مستميتًا، ورضي بما قسم الإله وقدر، وسار في موكب عظيم من الكاثوليك والأرثوذكس من القسس والرهبان، من الرجال والنساء يبكون بالدمع الغزير ويمزقون شعورهم معلنين خطاياهم، داعين الله أن يخفف عنهم ويغفر لهم، وألا يُوقِعَهم في أيدي الأتراك، وسار الموكب على هذا الحال منشدًا الأدعية الدينية، وردَّد ذلك من تبعهم من العامة والناس، وحملت الأيقونات على الأسوار ذاتها.

وحث الناس في المدينة الخالدة بعضهم بعضًا على الموت وعلى بذل النفس في سبيل الدفاع عن مدينتهم، وخطب الإمبراطور البيزنطي في عظماء من الإغريق واللاتين، وكانوا كلهم قد وطنوا النفس على الموت. حاول الإمبراطور تقوية نفوسهم وتعزيتهم وبث روح التضحية في سبيل مدينتهم المسيحية المُعَذَّبة، فطلب منهم أن يستعدوا من الآن للموت، وقال لهم: «إن الساعة قد أزفت وإن الأعداء الأتراك القساة مصمِّمون على ابتلاعها.» وطلب منهم التيقُّظ ومدافعة الأعداء بكل ما أوتوا من قوة وصبر، وبيَّن لهم أنهم سيبذلون أرواحهم في سبيل الدفاع عن مدينتهم المحبوبة، ملكة المدن «للدنيا وللدين وللإمبراطور ولأولادهم ونسائهم، وإذا منحنا الله الرحمة والقوة سيولي عدونا الأدبار أمام سيوفنا، وإذا كان الله سيعاقبنا بخطايانا بنصر هؤلاء الأعداء، فسيفقد المسيحيون حريتهم وكل عزيز لديهم.»

«إن المسيحيين — كما خطب الإمبراطور — لهم الله، بينما للمسلمين قوتهم ومدفعيتهم وفرسانهم ومشاتهم» وخاطب البنادقة الموجودين ومدح شجاعتهم وعدَّد صفاتهم النبيلة، وطلب بذل كل شيء حتى النفس في سبيل الدفاع عن القسطنطينية مدينة المسيحية. وواجه رجال جنوة بنفس الكلام.

وقال لمواطنيه: «لا تفقدوا شجاعتكم. إن للأتراك البرابرة عددهم وسيحاولون بهجومهم العام القضاء عليكم، ولكنكم أنتم القليلو العدد عندكم قوة أسواركم، ومعاونة حلفائكم الشجعان، وعون الله القادر على كل شيء، لقد تدربتم على النضال والصراع … وأظهرتم عظيم إخلاصكم لوطنكم.» عند ذلك لم يفكر هؤلاء الجنود الأسود لا في أطفالهم ولا نسائهم ولا مصالحهم في ذلك العالم، وإنما جعلوا هدفهم الوحيد الموت في سبيل القسطنطينية.

واجتمع العدد الكثير من سكان المدينة ومعهم الإمبراطور والقساوسة والقُوَّاد تحت قباب كنيسة سانت صوفيا يدعون ويبتهلون، وكان هذا آخر حفل مسيحي في هذه الكنيسة العظيمة، نسي هؤلاء كلهم أحزانهم أمام الموت المحقق القريب، ومزجوا صلاتهم بالحماس العظيم، ثم عاد الكل إلى مواضعهم على الأسوار وإلى حماية الأبواب.

وفي أثناء الظلام الدامس اقترب الجنود الأتراك من الأسوار، وقرُب بزوغ آخر فجر رآه الإمبراطور، وتقدَّم الأسطول العثماني، واحتل بالقوة المواضع التي خصصت له. وهجمت الجيوش هجومًا عنيفًا من كل جانب في نقط عديدة، ولكن الهجوم الرئيسي كان في ناحية وادي ليكوس. كبَّر العثمانيون أثناء هجومهم، وصدحت موسيقاهم فملأت الجو، وعمَّت الضوضاءَ بين الهجوم والدفاع، ودقت نواقيس الكنائس.

بدأ الباشبوزق بالهجوم أولًا، وكان بينهم عدد كبير من المسيحيين الكاثوليك من الألمان والهنغاريين والإغريق واللاتين. وكانت غاية الأتراك من بعث هذه الفرق في الطليعة استنزاف دماء الأعداء وإنهاكهم واستهلاك ذخائرهم الحربية.

هاجم الباشبوزق في الظلام، وحاولوا تسلُّق الأسوار في جبهة طويلة، وكانت أسلحتهم مختلفة كاختلاف أجناسهم ولغاتهم وأشكالهم. وحاولوا نشر الفوضى بين صفوف المدافِعين، واستمر هجومهم ساعة أو ساعتين وهلك منهم عدد كثير بالرغم من قوتهم وجرأتهم، ولكنهم أنهكوا المُدافِعين الذين لم يذوقوا طعم الراحة لمدة طويلة.

ثم هاجمت جنود الأناضول عند باب القديس رومانوس، وكان هذا بدء الهجوم الحقيقي، وكان هذا عند بزوغ الفجر، فأحدثوا بالدفاع عطبًا جسيمًا، واخترقوا الخنادق وهاجموا السور الخارجي واشتبكوا برجال الدفاع، هاجم الأتراك في كتل بشرية عظيمة منظَّمة من جنود وهبوا حياتهم للحرب ودربوا للحرب، ولكن الأتراك لم يستطيعوا دخولها من النواحي الأخرى ولكنهم أحدثوا في الدفاع ثغرات، كما أحدثت مدفعيتهم في القتال ثغرات.

ولاحظ السلطان أن ما يبتغيه من إحداث الفوضى بين صفوف المُدافِعين قد حدث، عند ذلك دفع بجنوده الإنكشارية، وكانوا لم يشتركوا في القتال بعدُ، فتقدموا في وادي ليكوس كالأسود الضارية لا كرجال، ليقابلوا رجالًا قد أنهكهم التعب والجوع وأثخنتهم الجراح، تقدموا بصياحهم الداوي، وتكبيراتهم القوية، وقربوا من الأسوار الداخلية وقتلوا من وجدوهم من المدافعين وداس بعضهم بعضًا ووصل بعض الإنكشارية إلى داخل المدينة وارتقى الأسوار وأزال عَلَم الإمبراطور وعلم البندقية، ورفع علم الأتراك.

وفي هذه الأثناء جُرِحَ جوستنياني جرحًا مميتًا فحُمِلَ وهو في النزع، وتدفق الأتراك إلى داخل المدينة. وأما الإمبراطور البيزنطي فإنه حمى أنفه ومات كريمًا لم تُذَمَّ خلائقه. ولو شاء لعاش ملومًا ذليلًا مَهِينًا. وقُتِلَ الإمبراطور البيزنطي وسِنُّهُ تسعة وأربعون عامًا، فكان آخر الأباطرة البيزنطيين، وأما سراة المدينة فمنهم من غودروا صرعى تعاورهم الرياح، ومنهم من هرب، ومنهم من مات كمدًا، ومنهم من عاش ذليلًا بحسرة نفس لا تنام همومها. وأما المدينة فاستُبِيحت حرماتها وكل شيء فيها للفاتحين. لقد قُتِلَ أربعون ألف مسيحي في الحصار والهجوم، وأُخِذَ خمسون ألفًا، وسلم عشرة آلاف، وقُتِلَ عدد كبير من الأرستقراطية الإغريقية، وأُخِذَ أبناؤهم ليتعلموا اللغة التركية والدين الإسلامي وضُمَّ النساء إلى حريم السلطان وحريم تابعيه.

figure

ولقد عم الفزع المدينة حين دخلها الأتراك، فحاول عدد كبير من سكانها بمختلِف أعمارهم الهرب إلى الميناء، والتجأ جَمٌّ غفير إلى سانت صوفيا وغيرها من الكنائس معتقِدين أنهم وجدوا الأمان، وأن الآلهة ستحميهم من عدوان الترك، وأن الملائكة ستنزل من السماء وتجعل العدو ترابًا، وأغلقوا الأبواب وتوسلوا إلى الله، ولكن الأتراك حطموا الأبواب واستولوا على كل شيء، واستمر القتل اليوم الأول، واستبيحت المدينة ثلاثة أيام.

تمكن السلطان من الانتصار لقوته وعزيمته وحماس جنوده وتفوُّق مدفعيته، فوقعت المدينة تحت أقدامه.

وفي الظهر دخل السلطان محمد الثاني الفاتح المدينة من باب القديس رومانوس يمتطي صهوة جواده في موكب حافل يتبعه وزراؤه وقُوَّاده وجنوده، وسار في الشارع المؤدي إلى كنيسة سانت صوفيا، وترجَّل أمام الباب وانحنى ووضع حفنة من التراب على رأسه خضوعًا لله وشكرًا، ودخل الكنيسة فبهره جمالها وبهاؤها، ودخل إلى المذبح حيث قابله رجال الكنيسة وكانوا مختبئين فأحسن استقبالهم وأكَّد حمايته لهم، وطلب من المسيحيين الفزعين الموجودين في الكنيسة الذهاب إلى مساكنهم آمنين.

ثم طلب من أحد المؤذِّنين أن يؤذن للصلاة، فصعد المنبر وأذن للصلاة لأول مرة في هذه الكنيسة العظيمة، فأصبحت أياصوفيا مسجدًا جامعًا من أعظم مساجد الإسلام.

ثم طاف السلطان بالمدينة وشاهد آيات جمالها وعظمتها، ومر بالقصر الإمبراطوري فهاله مغادرة أصحابه له وزوال العز عنه، فتمثل بأبيات للفردوسي في هذا المعنى. وفي القسطنطينية أعلن السلطان محمد الثاني الفاتح زوال الدنيا القديمة ومجيء العالم الحديث.

وبعث إلى أمراء المسلمين وسلاطينهم ينبئهم بذلك الفتح العظيم، فيقول ابن إياس صاحب بدائع الزهور إنه أرسل إلى مصر بهذا الفتح «فلما بلغ ذلك دقت البشائر بالقلعة، ونودي في القاهرة بالزينة، ثم إن السلطان عيَّن برسباي أمير خور ثاني رسولًا إلى ابن عثمان يهنئه بهذا الفتح.»

ويحاول كثير من المؤرخين الإفرنج المبالغة في وصف أعمال السلب والنهب والقتل التي قام بها الأتراك العثمانيون في المدينة الخالدة، ونسبوا ذلك إلى قسوة في المسلمين ووحشية في الأتراك، ونسُوا أن هذا روح العصر كله، وأن هذا العصر عصر الحروب الصليبية، وعلى أي حال لم يرتكب الأتراك العثمانيون في هذه المدينة ما ارتكبه اللاتين الصليبيون حين استولوا عليه في سنة ١٢٠٤، وقد كانت دائمًا مَحَطَّ أطماعهم، وهذا هو وصف البابا أنسنت الثالث للبلوى التي حلت بالمدينة في هذه السنة فيقول: «إن أتباع المسيح وناصري دينه الذين كان يجب أن يستلُّوا سيوفهم ضد عدو المسيحية الأكبر، قد سفكوا الدم المسيحي الحرام وغرِقُوا في بحاره، هؤلاء لم يحترموا الدين ولا السن ولا الجنس، فارتكبوا الزنا في وضح النهار … لقد سلمت الراهبات والعذارى والأمهات الطاهرات لوحشية الجنود … ولم يكتفِ هؤلاء بسلب ذخائر الإمبراطور ولا نهب متاع الأفراد، بل لقد وضعوا أيديهم على أرض الكنائس وثروتها … وانتهكوا حرمات الكنائس وسلبوا أيقوناتها وصلبانها وآثارها ومخلفات القديسين.» وأضاف الأستاذ شارل ديل: «لقد دخل الجنود السكارى كنيسة سانت صوفيا، وأتلفوا الكتب المقدسة، وداسوا بأقدامهم صور الشهداء … وجلست عاهرة على كرسي البطريرك وارتفع صوتها بالغناء … لقد قُضِيَ على آيات الفن في المدينة، وأذيبت التماثيل لتسك نقودًا … ولقد اعترف أحد الرهبان الذين شاهدوا هذا الحادث الأليم فقال: إن أتباع محمد ما كانوا يعاملون المدينة مثلما عاملها جنود المسيح، ثم نظمت الحكومة الجديدة اللاتينية أعمال السلب والنهب وقسَّمت الإمبراطورية بين اللاتين وفرضت الكثلكة بالقوة على اتباع المذهب الأرثوذكسي …»

١  الدكتور عزيز سوريال.
٢  في مؤلَّفه «تاريخ الدولة العثمانية».
٣  يخالف المؤلف شلومبرجر، صاحب كتاب «فتح القسطنطينية» في فكرته عن قسوة السلطان وعدم ارتباطه بالوعود. ولقد أخطأ شلومبرجر في أسماء القواد العثمانيين الذين اشتركوا في الحرب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠