الفصل السابع

العلاقات: المصوِّر والأشخاص موضوع الصور

اسمي روب فينش، وأعمل مصورًا في صحيفة ذي بيكون نيوز في مدينة أورورا في ولاية إلينوي. كنتُ محظوظًا هذا العام أن ربحتُ جائزة أفضل مصور في العام لعام ١٩٩٩ برعاية جامعة ميزوري … أريد فقط أن أقول: «شكرًا لكم؛ شكرًا لكل الأشخاص موضوع صوري؛ لأنه لولا مشاركتهم لحظات حياتهم معي لَمَا كان أيٌّ من هذا ممكنًا.» (فينش، ٢٠٠٠)

يستخدم الصحفيون المصورون عادةً كلمة shooting (قنص) عند الحديث عن تصوير البشر.١ يستدعي هذا أفكارًا عن مطاردة الفرائس أو اصطيادها؛ وبالفعل، يكون كثيرٌ من مهام التصوير الفوتوغرافي مُقابَلاتٍ «كالضربات السريعة»، يبحث فيها المصوِّر عن وجهٍ مثيرٍ للاهتمام (أو مشهور)، ويقرِّر إنْ كان سيلتقط لهذا الوجه صورةً بسيطةً أم معقَّدة،٢ وينتظر حتى تحين لحظة «ذروة» التعبير أو النشاط. في معظم الأحيان يكون الشخص مدركًا أن أحدًا ما يلتقط صورةً له، لكن في أحيان أخرى قد يشعر المصور أن معرفة الشخص بوجوده قد تشتِّته أو تمنعه من التصرُّف بطريقة طبيعية. أو قد يوضِّح الشخص أنه لن يسمح بالتقاط صورٍ له؛ في هذه الحالات، قد يستخدم المصور عدسةً أطول، أو قد يسترق «لقطاتٍ» بكاميرا خفية.

بعد انتهائي مباشَرةً من دراستي العليا، دُعِيت إلى المشاركة في مشروع «المشردون في أمريكا» بصفة متدرِّب. قضيتُ شهرًا وأنا أعيش وألتقط صورًا في ملجأ للمشرَّدين، وفي شوارع مدينة آشفيل في ولاية كارولاينا الشمالية. كان العديد من المشردين يتجمعون كلَّ يوم على المقاعد في متنزه في وسط المدينة، وفي موقف الحافلات. كانت المنطقة جزيرةً محاطةً بشوارع ذات اتجاه واحد وإشارات مرور. في أحد الأيام شاهدتُ سيارة صغيرة تسير حول المتنزه مرارًا وتكرارًا، وكلما توقَّفَت السيارةُ في إشارة المرور كانت عدسة طويلة تظهر من نافذة السائق، وعندما تتحوَّل الإشارة إلى اللون الأخضر كانت العدسة تختفي، وتتكرر الأحداث. أزعجني الأمر؛ شعرتُ كما لو أن هذا الشخص يسرق، وتساءلتُ عمَّا إذا كان يمكن لهذه الصور أن تُظهِر أيَّ ارتباط عاطفي مع الشخص.

فكرتُ أيضًا في دوافعي الشخصية للمشاركة في مشروع المشردين، ووجدتُ أنه يصعب عليَّ التواجُد بالقرب من أحد الأشخاص موضوع الصور، وهو كليفلاند أونيل، بسبب طبيعته الشَّرِسة، وكذلك معتقداته المؤيدة للتمييز العنصري والجنسي. ومع ذلك، كنتُ أقضي وقتًا معه كلَّ يوم، حتى أتعرَّف عليه على نحوٍ أفضل، وألتقط له صورًا كنتُ آمل أن تكون ناجحة. حظيتُ بفرصةِ المشاركة في مشروعٍ مع بعضٍ من أكبر المصورين في العالم، ورغبتُ في أن تُدرَج أعمالي في الكتاب.٣ كنتُ أعلم أن أونيل كان موضوعًا مثيرًا للاهتمام، وكنتُ آمل تحقيقَ أقصى استفادةٍ من إمكانية التواصُل معه. ومن جانبه، أعتقد أن أونيل (انظر شكل ٧-١) كان رجلًا وحيدًا ووجد بعضَ السعادة في صحبتي.٤ كنتُ مُدرِكًا إلى حدٍّ ما هذه الوحدةَ، واستخدمتُها لصالحي. وفي الوقت نفسه، أعتقد أن المشروع كان مجهودًا صادقًا لزيادة الوعي العام بالمشردين، وكنتُ مقتنعًا بشدة بهذه القضية.
يسعى جميع المصورين إلى التواصل بقدرٍ ما مع الأشخاص موضوع الصور. كما يقول روب فينش: «لولا مشاركتهم لحظات حياتهم معي لما كان أيٌّ من هذا ممكنًا.» لكن، كما هي الحال في جميع المهن، المصوِّرون هم أفرادٌ ذوو شخصيات وخلفيات تعليمية وخبرات حياتية مختلفة؛ فكلُّ مصوِّر له طريقتُه في تكوين العلاقات، ومعاييرُه للسلوك الأخلاقي. في أثناء دراستي العليا حضرتُ عرضًا تقديميًّا لمصوِّر مشهور زائر، قال عندما سُئِل عن عمله مع الأشخاص موضوع الصور: «عليك أن تجعل هؤلاء الأوغاد يفعلون ما تريد أن يفعلوه.» وتقول جانيت مالكوم في كتابها «الصحفي والقاتل»:

يعلم كلُّ صحفي لا يتَّسِم بالغباء الشديد ولا بالغرور الشديد على نحوٍ يمنعه من ملاحَظةِ ما يحدث من حوله؛ أن ما يفعله يصعب الدفاع عنه أخلاقيًّا؛ فهو نوعٌ من المحتالين الذين يستغلُّون غرورَ الناس أو جهلهم أو وحدتهم، ويكسبون ثقتَهم ويخدعونهم دون شعورٍ بالندم، تمامًا مثل الأرملة الساذجة التي تستيقظ في أحد الأيام لتجد أن الشاب الجذَّاب قد اختفى وكذلك كل مدخراتها؛ ومن ثَمَّ يتعلَّم الشخص القانع بعمل مكتوب غير أدبي — عند ظهور المقال أو الكتاب — درسَه القاسي. يبرِّر الصحفيون خيانتَهم بطرق عدة وفقًا لحالتهم المزاجية؛ بالكلام الأفخم حول حرية التعبير و«حق الجمهور في المعرفة»، والكلام الأقل موهبةً عن الفن، والكلام المناسب عن كسب الرزق.

fig16
شكل ٧-١: كليفلاند أونيل يقترب من أحد رجال الشرطة في مدينة آشفيل، في ولاية كارولاينا الشمالية، ليطلب منه إيصاله إلى منزله في مدينة نيوبورت في ولاية تينيسي. طلب الضابط سيارةَ شرطةٍ أعادَتْ أونيل إلى ملجأ آشفيل للمشردين. الصورة للوب لانجتون. حقوق الطبع: لوب لانجتون، كل الحقوق محفوظة.

إن الكارثة التي يواجِهُها الشخص موضوع الصورة لا تتعلَّق ببساطةٍ بأن وجهات نظره جاءت مطابقة تمامًا، أو أنْ قد أُسِيء تمثيلها، وإنما ما يؤلمه حقًّا ويزعجه ويدفعه أحيانًا إلى أقصى درجات الحقد، هو الخداع الذي مُورِس عليه. فعند قراءة المقال أو الكتاب المعنيِّ [أو مشاهدة الصورة]، يكون عليه مواجَهة حقيقة أن الصحفي — الذي بدا ودودًا للغاية ومتعاطِفًا، وحريصًا على فهمه بالكامل، ومتوافِقًا على نحوٍ مذهلٍ مع رؤيته للأشياء — لم تكن لديه أدنى نية قطُّ للتعاوُن معه في إعداد قصته، وإنما كان يعتزم طوالَ الوقت كتابةَ قصةٍ [أو صنع صورة] من عنده. (مالكوم، ١٩٩٠، ص٣)

على الرغم من وجود قدرٍ من الحقيقة فيما تقوله مالكوم، فإنها أفرطَتْ في تبسيطِ مسألة العلاقات بين الصحفيين والأشخاص موضوع الصور. في أثناء الفصل الدراسي نفسه الذي حثَّ فيه الصحفيُّ الزائرُ الطلابَ على «جعل الأوغاد يفعلون ما تريد أن يفعلوه»، حضرتُ درسًا لميليسا فارلو.٥ كانت لديها فكرة مختلفة تمامًا عن الطريقة التي يجب أن يتفاعل بها المصورون مع الأشخاص موضوع الصور؛ فكانت تقول: «قبلَ كل شيء، كُنْ أمينًا مع الذين تصوِّرهم وعامِلْهم باحترامٍ.»٦
يحاول الصحفيون التواصُلَ عن قُرْبٍ مع الأشخاص موضوع الصور؛ حتى تُظهِر صورهم مستوياتٍ متعددةً من المعلومات، ويكون لها تأثيرٌ عاطفي قوي. يسمح موضوع الصور للأشخاص بوصول الناس إلى حياتهم الشخصية لعدد كبير من الأسباب؛ منها الحاجة إلى الرفقة، والرغبة في أن يفهمهم الآخَرون، والبحث عن الشهرة أو الاعتراف بقضيةٍ ما.٧ ثمة رقصةٌ تحدث، يسعى فيها المصوِّر إلى تصوير كل شيء، جيدًا أو سيئًا، ويحاول فيها الشخص موضوع الصور ممارسةَ سيطرته على الطريقة التي يُصوَّر بها بصريًّا. في أحيانٍ كثيرة، يظل المصوِّر أو الموضوع (وأحيانًا الاثنان معًا) غير راضٍ.
تبدأ معظم العلاقات بين المصور والشخص موضوع الصورة فقط من أجل إعداد القصة، وتنتهي بمجرد الانتهاء من القصة. ويركِّز المصورون دومًا على الحصول على صورهم، بينما يبقون من الناحية العاطفية خارجَ هذه العلاقة، ومع ذلك، يصبح بعض المصورين أكثر ارتباطًا بالأشخاص موضوع الصور؛ على سبيل المثال: «يتحدث [جيمس ناشتوي]٨ عن الأوقات التي توقَّفَ فيها عن التصوير؛ عندما يكون فعل شيء للمساعدة أهم من التقاط الصور … فعلى عكس كثيرٍ من المصورين، هو يضع احتياجات أولئك الذين يصوِّرهم أو يلتقيهم أثناء التقاطه الصور فوق حاجته لالتقاط الصور» (مارشال، ٢٠٠١).

تقدِّم المؤسسات المهنية، مثل الجمعية الوطنية لمصوري الصحافة والصحف الفردية، إرشاداتٍ أخلاقيةً لتساعد في ضمان معاملة الأشخاص موضوع الصور بإنصاف؛ على سبيل المثال: تقول إرشادات صحيفة أوستن أمريكان-ستيتسمان: «على العاملين في صحفية ستيتسمان أو مَن يمثِّلونها ألَّا يضلِّلوا الأشخاص موضوع صورِهم من أجل الحصول على إذنٍ منهم بتصويرهم. ويجب ألا يخرقوا القانون من أجل الحصول على صور، أو يَعِدوا الأشخاص موضوع الصور بالوصول إلى صورهم دون إذنٍ مسبق أو اتفاقٍ مع رؤسائهم.»

ذُكِرت بوضوحٍ التحذيراتُ من تضليل الأشخاص موضوع الصور «من أجل الحصول على إذنٍ منهم بتصويرهم» والتحذيرات من انتهاك القانون، أما التحذير بأن العاملين بالصحيفة «يجب ألَّا … يَعِدوا الأشخاص موضوع الصور بالوصول إلى صورهم دون الحصول مسبقًا على إذنٍ أو اتفاقٍ من رؤسائهم»، فهو أكثر تعقيدًا بقليلٍ، بسبب اشتماله على ثلاثة مفاهيم منفصلة: الأول، أن المصوِّرين يجب ألَّا يضلِّلوا الأشخاص موضوع الصور ليفكروا بأنهم سيستطيعون رؤية الصور قبل نشرها؛ فالسماح لجميع الموضوعات بإلقاء نظرةٍ مسبقةٍ على صورهم هو أمر غير عملي من حيث الوقت والجهد. ثانيًا، أن الصحيفة تحتفظ بتحكُّمها في الصور؛ ومن ثَمَّ تحكُّمها في النحو الذي تظهر بها الأشخاص أو يُصورون به. والتخلِّي عن هذا التحكم، وجعله بأيدي الأشخاص موضوع الصور قد ينتج عنه تحويل الصحيفة إلى مجرد وسيط للعلاقات العامة. أخيرًا، يُسمَح للأشخاص موضوع الصور ضمنيًّا بالوصول إلى صورهم في ظل وجود «إذن أو اتفاق مسبق مع الرؤساء»؛ يعطي هذا قدرًا من المرونة للمصورين ولمحرريهم وللصحيفة في المواقف الحساسة.

قضيتُ صيف عام ١٩٩٧ في العمل محررَ صورٍ زائرًا في قسم «الحياة والفنون» في صحيفة أوستن أمريكان-ستيتسمان. سمح لي مدير قسم التصوير، زاك رايال، باتخاذ جميع القرارات المتعلقة بالعمل الفوتوغرافي في القسم. كانت هناك قصةٌ واحدةٌ حسَّاسة على وجه الخصوص؛ كانت عن فتاة مراهقة كانت تعاني من مشكلة في ظهرها، اضطرتها إلى ارتداء دعامة يوميًّا. وافَقَ والداها على نشر القصة وصور ابنتهما، لكن المصوِّرة التي كُلِّفت بالمهمة كانت تخشى على مشاعر الفتاة؛ فكانت تشعر بأن هذه المراهقة ستنزعج من فكرة نشر صورتها (بدعامة الظهر) في الصحيفة. سألتني المصوِّرة إنْ كان بإمكانها عرض الصور على الفتاة قبل نشرها، فوافقتُ على إمكانية عرض الصور على الأسرة قبل نشرها، وأن تقرِّر عندها إذا كانت تريد نشر الصور أم لا. في النهاية وافقَت المراهِقةُ ووالداها على الصور، واختارَت المصوِّرة إحدى الصور لتُنشَر مع القصة.

تضع الصحف أيضًا إرشادات تمنع المصورين من «تلفيق» الصور أو «إعدادها».٩ يقول المحرر المسئول عن التكليف بمهام التصوير في صحيفة شيكاجو تريبيون؛ تود باناجوبولوس:

إن سياستنا التي يتبعها المصورون لدينا هي أنهم إذا وجدوا أنفسهم في موقفٍ لا تكون فيه المهمة حقيقية [أن يختلق الشخص موضوع الصورة الموقفَ للمصور]، فإننا نريد من مصورينا أن يطرحوا أسئلة بطريقة دبلوماسية، ويعرفوا متى ستحدث مواقف حقيقة، ويلتقطوا بعض الصور الشخصية … نطلب أن يتصلوا [المصورون] بمسئول التكليف بالمهام، ليقولوا لنا: «هذا ليس حقيقيًّا. الأشخاص المعنيون يفتعلون هذا الموقف من أجل الكاميرا. وقد التقطتُ بعض الصور الشخصية.» حينئذٍ، سيذهب مسئول التكليف بالمهام إلى الكاتب أو المحرر، ويقول: «هذا لم ينفع، إذا كنت تريد نشر القصة غدًا، فسيلزم أن تكون صورة شخصية.» أو أنه قد لا توجد صورة أحيانًا. وفي بعض الأحيان، يكون المصور قد عاد ويدرك لاحقًا: «يا إلهي، إن هذا [أيًّا ما كان النشاط الذي صُوِّر] مُصطنعًا من أجلي [الكاميرا].» وفي هذه الحالة نُزيل الصور، وقد فعلنا هذا بالفعل. (باناجوبولوس، ٢٠٠٤)

على الرغم من أن المصداقية تتطلَّب أن يمتنع المصورون الإخباريون عن تلفيق الصور، فإن الكثير من الصحف يتسبَّب في مشكلةٍ كبيرةٍ للمصورين؛ إذ لا تسمح الصحف لهم بوقتٍ كافٍ لتكوين علاقة مع الشخص موضوع الصورة أو ترك الأشياء تتكشف طبيعيًّا. تقول ورشة عمل التصوير في ميزوري — وهي إحدى أقدم ورش عمل الصحافة المصورة وأكثرها احترامًا في الولايات المتحدة — في تصريحٍ لها على الإنترنت: «يعتمد نجاح المصورين على تكوين علاقاتٍ تتَّسِم بالثقة والراحة مع الأشخاص موضوع الصور. ربما يستغرق الأمر بضعة أيام وساعات عديدة في اليوم حتى ينسى الشخص وجود المصور ويمارس حياته» (جامعة ميزوري، ٢٠٠٦). لا تتطلَّب كل القصص «بضعة أيام»، ولكن يعلم كل مصور أنه يحتاج إلى وقت حتى يستطيع تكوين علاقة جيدة والتقاط صورة «واقعية» لها خصائص سردية وجمالية قوية.

مُنِح المصور بي إف بنتلي رفاهيةَ العمل لفترة طويلة خلف كواليس حملة بيل كلينتون الانتخابية التمهيدية عام ١٩٩٢. كانت صوره «واقعية»، والتقَطَها باحترافٍ، وفاز كثير منها بجوائز.١٠ ومع ذلك، يشكِّك البعض في طبيعة العلاقة بين المصور والشخص موضوع الصورة؛ لأن بنتلي، خلال مهمته لصالح مجلة تايم، أصبح عضوًا في فريق حملة كلينتون.

صوَّرَ بنتلي العديدَ من حملات نيو هامشير التمهيدية السابقة لصالح مجلة تايم؛ لذلك فهو معتاد على نظامها؛ ومع ذلك، حثَّ محرِّرُ الصور في مجلة تايم، ريتشارد بوث، بنتلي على العثور على أسلوب جديد لتغطية حملة نيو هامشير هذه في عام ١٩٩٢. تمثَّلَ أسلوبُ بنتلي الجديد في الاسترشاد بما كان يحدث في الماضي، عندما كان المصورون أحيانًا يحصلون على إذنٍ بالوصول إلى الرئيس عن قُرْبٍ. وتساءَلَ عما إذا كان بإمكانه الوصول هكذا إلى أيٍّ من المرشَّحين في عام ١٩٩٢، وعلى الرغم من أنه لم يكن هناك حينئذٍ مرشحون مفضَّلون بوضوحٍ، فإن بنتلي شعر بأن كلينتون «يبدو عليه» أنه أحد المرشحين للفوز.

كان على بنتلي «بيع» فكرته للمحررين، والمسئولين عن حملة كلينتون، وفي النهاية كلينتون وأسرته. سافَرَ بالطائرة من نيو هامشير إلى نيويورك من أجل عرض فكرته على المحررين وجهًا لوجه؛ حيث تحدَّثَ أولًا مع محرر صوره (بويث)، وكبيرة محرري الصور، ميشيل ستيفنسون. اقتنعا بالفكرة، وأعدَّا استراتيجية لجعل مدير التحرير، هنري مولر، يشاركهما الرأي. تحمس مولر للفكرة، وعقب مناقشات حول ما إذا كانت الصور ستكون بالأبيض والأسود أم بالألوان،١١ وافَقَ على المشروع.
بعد وقت قصير من تلقِّي إذن مولر بتنفيذ المهمة، تحدَّثَ بنتلي مع دي دي مايرز، السكرتيرة الصحفية لكلينتون. لم تكن المحادثة صعبةً كما يبدو؛ نظرًا لتحدُّثهما، هما الاثنين، بلغةٍ واحدة؛ كان بنتلي مسئولًا عن الحصول على إذن الوصول إلى المسئولين الحكوميين، ومايرز مسئولة عن التحكم في وصول وسائل الإعلام الإخبارية إلى المسئول الحكومي الذي تعمل معه. يصف بنتلي المناقشات على النحو التالي:

كنا [بنتلي ومايرز] على متن الطائرة المتجهة من نيو هامشير إلى نيو جيرسي، وكنا نجلس في مؤخرة الطائرة، وأخبرتها بالفكرة بالكامل. في وقتٍ لاحق من هذا اليوم، عدنا معًا بالطائرة إلى نيو هامشير، وواصلنا المناقشة. قالت: «سأرتِّب لك عشاءً مع كلينتون.»

مرَّتْ بضعة أيام ثم ذهبتُ مع كلينتون، وجورج ستيفانوبولوس وبول بيجالا وبروس ليندسي [مساعدي حملته]، لتناول الطعام في مطعم ذي كروك بوت، أو ذي ستوك بوت، وكان أمامي نحو نصف ساعة لأتحدث مع كلينتون عن الفكرة. أعجبَتْه الفكرة، وكان ذاهبًا إلى مسقط رأسه في أركانساس لمدة يومين، وقال إن عليه أن يناقشها مع هيلاري. أخبرتُه أن أصعب جزء هو أنَّ علينا أنْ نصبح على الفور أقدم صديقين وأعزَّهما، على الرغم من أننا لم نتعارف في الواقع، ويجب أن يثق أحدنا بالآخر. ثم توجَّهَ إلى منزله، وفي نهاية العشاء، جذبني جورج [ستيفانوبولوس]، وقال لي: «سيكون كل شيء على ما يرام.»

بعد يومين عاد كلينتون؛ تقدَّمت للحصول على تصريحِ دخولٍ للمشاركة في التغطية [الصحفية] المشتركة، وحصلتُ على تصريحِ دخولٍ بصفتي أحد العاملين [في حملة كلينتون]. كنتُ أعلم أني ما زلتُ جزءًا من التغطية الصحفية، ولكنه كان من الجيد أن أسمع أنهم يشعرون بالاطمئنان إليَّ، وهذا كان كل ما أهتم به في الواقع … بحلول اليوم الثالث أصبحت جزءًا من الحملة. أتذكَّر أن جورج وبول قالا لي عقب لقائي معهم في نيو هامشير على متن الطائرة: «بي إف، لا تستطيع أبدًا العودة؛ أنت الآن واحدٌ منا.» (بنتلي، ١٩٩٣)

يجعلنا وصف بنتلي لهذه «الصفقة» نطرح سؤالين على الأقل: كيف أمكنه الانتقال من كونه عضوًا في التغطية الصحفية إلى أن يصبح أحد العاملين مع كلينتون، ولماذا يسمح كلينتون لمصوِّر بالعمل ضمن حملته؟ ربما نجد ترابطًا بين الإجابات عن هذين السؤالين.

وعَدَ بنتلي في إطار حجته التي طرحها على حملة كلينتون بأن صحيفة التايم لن تستخدم أيَّ معلومات يحصل عليها في أثناء عمله في هذا المشروع. وبعد رؤية المجموعة الأولى من الصور، اقتنع بويث بأن مشروع بنتلي للعمل مع كلينتون كان انتصارًا فوتوغرافيًّا لصحيفة التايم (نشرت التايم نسخًا محررة من صور بنتلي في ثلاثة أعداد منفصلة أثناء السباق الرئاسي في عام ١٩٩٢). يقول بنتلي أيضًا إن بويث كان «منزعجًا لأنه لم يتمكَّن من استخدامها [الصور] في ذلك الأسبوع بصفتها مادة إخبارية؛ نظرًا بالطبع إلى حصولي على كل الصور الحصرية؛ كنتُ أعمل على موضوع [جنيفر] فلاورز، في مسودة العدد، وصُدِم [بويث] بما يحدث في الواقع» (بنتلي، ١٩٩٣).

ضمنت حملة كلينتون، بضم بنتلي إلى فريقها، أن المعلومات السرية التي يُحتمَل أن تكون مُحرِجة لن تُنشَر.١٢ وفي الوقت نفسه، حظي كلينتون باهتمام وسائل الإعلام؛ حيث ساعدت طبيعةُ التقاط الصور من «وراء الكواليس» في تكوين صورة عنه بأنه «شخص عادي»، وليس مجرد مرشح سياسي.١٣ تكون لهذا النوع من التصوير قيمةٌ من الناحية الرمزية؛ فكما لاحظ بارت (١٩٧٢)، تُظهِر صور المرشحين للناخبين أوجهَ التشابُه مع شخصياتهم، لكن التشابهات «تُوضَّح، وتُفخَّم، وتُعلَّى كثيرًا». يوضِّح هذا بقدرٍ أكبر الناقدُ الفني والتصويري، تشارلز هاجن، قائلًا:

في وسط خليط الأحداث والأفكار والمهرجانات التي تُشكِّل السباق الرئاسي، تتنافس حملتان متوازيتان على جذب انتباه الناخبين؛ الأولى هي الحملة الصريحة التي تتعامل مع القضايا، بينما تتعامل الأخرى، المساوية لها في الأهمية، مع الصور والرموز … وباستخدام مزيج معقد من وسائل الإعلام … قدَّمَ المرشحون [في حملة عام ١٩٩٢] أنفسَهم وعائلاتهم سعيًا منهم لإقناع الناخبين بشخصياتهم، وبكونهم أشخاصًا عاديين. (هاجن، ١٩٩٢)

ساعدت صور بنتلي في تقديم كلينتون وأسرته إلى الجمهور الأمريكي بطريقة تجعله يقول: «إنهم يشبهوننا كثيرًا.» وفي المقابل سمح كلينتون لبنتلي بالتصوير الحصري وراء الكواليس. في هذه الحالة، استفاد الشخص موضوع الصورة والمصور كلاهما من العلاقة.

مع هذا، تكون العلاقات بين المصورين والأشخاص موضوع الصور في المعتاد أقل لطفًا وأكثر توترًا. وتقدِّم حالةُ المصور الجنوب أفريقي، كيفين كارتر، مثالًا متطرفًا لكيفية تصادم الطموح الشخصي أحيانًا مع المزيد من الغرائز الإنسانية لصنع نهاية تراجيدية.

في عام ١٩٩٣ توجَّهَ كارتر إلى الشمال … من أجل تصوير حركة التمرد في السودان الذي ضربته المجاعة … تجوَّل في الأحراش المفتوحة، ثم سمع صوتًا رقيقًا وحادًّا يَئِنُّ، ورأى بنتًا نحيفة تحاول الوصول إلى مركز التغذية. وبينما كان يجثم من أجل تصويرها، هبط نسر إلى المشهد (انظر شكل ٧-٢). وحرصًا منه على ألَّا يخيف الطائر، اتخذ أفضلَ وضعٍ يمكِّنه من التقاط الصورة. قال فيما بعدُ إنه انتظَرَ نحو ٢٠ دقيقة، آمِلًا أن يفرد النسر جناحَيْه، ولكنه لم يفعل. وبعد التقاطه الصورة أخاف الطائر حتى ابتعَدَ، وراقَبَ البنتَ الصغيرة وهي تستكمل كفاحَها. (ماكلود، ١٩٩٤، ص٧٢)
fig17
شكل ٧-٢: الأول من مارس، ١٩٩٣، السودان، نسر يراقب طفلةً جائعةً. صورة لكيفين كارتر/كوربس سيجما. «ميجان باتريشيا كارتر تراست»، حقوق الطبع: كوربس. جميع الحقوق محفوظة.
في العام التالي، فازت صورة كارتر للطفلة والنسر بجائزة بوليتزر لتصوير التحقيقات. أصبح نجمًا بين أقرانه، و«كتب لوالديه في جوهانسبرج يقول لهما: «أقسم أنني حصلتُ على أكبر استحسانٍ قد يناله المرء، ولا يسعني الانتظار حتى أُريكما الجائزة. إنها أثمن شيء على الإطلاق، وأعلى تقديرٍ لعملي يمكنني الحصول عليه»» (ماكلود، ١٩٩٤، ص٧١). ومع ذلك لم يمضِ وقت طويل على حصوله على الجائزة حتى انتحَرَ. وعلى الرغم من أن ثمة عوامل كثيرة ربما تكون أسهمت في قرار كارتر بإنهاء حياته،١٤ من الواضح أن حادثة الفتاة في السودان ظلت تطارده. يقول صديقه وزميله جواو سيلفا: «أُصِيب بالاكتئاب بعد هذا الحادث … وظل يقول إنه يريد ضمَّ ابنته» (ماكلود، ١٩٩٤، ص٧٢). يبتعد الصحفيون المصورون جسمانيًّا عن المواقع بعد انتهائهم من تأدية مهامهم، لكن ابتعادهم عاطفيًّا يكون أحيانًا أكثر صعوبةً.

يتعرَّض الصحفيون دومًا للنقد بسبب طريقة عملهم مع الناس الذين يعانون أو ينتابهم الحزن بسبب مأساة شخصية. يبدو هذا النقد حادًّا على وجه الخصوص في أوقات الحروب؛ حيث تواجه العائلات موت أحبائها، ويتهافت الصحفيون على سرد قصصهم. ومع ذلك، توجد أمثلة عديدة لصحفيين يقدمون المواساة للثكالى. يقول جاي برايس، المراسل العسكري لصحيفة ذي نيوز آند أوبزرفر، في مدينة رالي في كارولينا الشمالية: «تريد العائلات في أغلب الأحيان التحدث، وينبغي أن ترى هذا شيئًا إيجابيًّا، لا أن تكون انتهازيًّا. كان ابنهم (أو بنتهم) بطلًا (أو بطلة)، وهم لا يريدون أن يكونوا مجرد رقم، تمامًا مثلما لا نريد نحن هذا» (سكانلان، ٢٠٠٦).

يقدم تقرير «تحية الوداع» الذي نشرته صحيفة روكي ماونتن نيوز مثالًا بارزًا لقصة مأساوية تُسرَد بتعاطف وإخلاص، كما تقدِّم نموذجًا للعلاقة بين الصحفي والشخص موضوع الصورة؛ فقد كوَّنَ الصحفيان جيم شيلر (الكاتب) وتود هيسلر (المصور)،١٥ علاقة وطيدة مع الرائد في المارينز، ستيف بيك، وحافَظَا على هذه العلاقة.
كان هيسلر قد أُرسِل إلى العراق من أجل تغطية الحرب، بينما كُلِّف شيلر بالكتابة عن الحرب من منظور الجبهة المحلية. وضمن هذا العمل، كتب شيلر تقريرًا عن عدد من جنازات المارينز، وبدأ يرى كثيرًا من الوجوه نفسها بين الحضور. في البداية فكَّرَ في إعداد قصة عن المارينز الذين كانوا أعضاءً في حرس الشرف الذين يوجدون دومًا في الجنازات. وكان يأمل أن يكتب قصة تُظهِر شخصياتهم الفردية، بدلًا من الحديث عن شخصية جماعية. وحتى يصل إلى الأشخاص الذين يريدهم، تعرَّف شيلر على بيك الذي كان مسئولًا عن جميع الإخطارات التي تُرسَل إلى الأُسَر، والإشراف على ترتيبات الجنائز. كان بيك متحفظًا، وسأل شيلر عما كتبه من قبلُ عن المارينز. وكما يحدث مرارًا، كانت هناك بالفعل خلفية ما مشتركة بين الصحفي والشخص موضوع الصورة.١٦ يشرح هيسلر هذا فيقول:

كان جيم [شيلر] قد أعَدَّ قصة عن ضريحين. كانا ضريحي اثنين من المارينز؛ هما: سام هولدر وكايل بيرنز اللذين قُتلا في الاشتباك نفسه في الفلوجة، وكان الشخص الذي صنع الضريحين في مقبرة فورت من المارينز أيضًا، وكتب جيم القصة من وجهة نظره [صانع الضريحين]؛ كيف عرف هذين الجنديين اللذين يصنع لهما ضريحيهما. واتضح أن الرائد بيك أعَدَّ إخطارًا لإحدى عائلتَي الجنديين؛ لذلك كان يرى الأشياء نفسها المذكورة في قصة جيم، وهنا بدأ [الرائد بيك] يفتح قلبه ويتحدث. (هيسلر، ٢٠٠٦)

قرَّر بيك مساعدة شيلر في فكرته الجديدة بتعقُّب جندي مارينز قُتل في العراق، من لحظة وصول جثمانه إلى أرض الوطن وحتى لحظة دفنه. وبعد فترة قصيرة من الحوار الذي دار بين بيك وشيلر، انضم هيسلر إليهما.

يقول هيسلر إنه عقب هذا مباشَرةً قُتِل جندي آخر في الفلوجة، لكن أسرته لم تكن مهتمة بالحديث إلى شيلر، أو بالسماح لهيسلر بالتصوير إلا من بعيد. إلا أن ما حدث بالفعل أن شيلر وهيسلر بدآ في توطيد علاقتهما ببيك، وفهما القصة على نحوٍ أفضل. وفي الوقت نفسه، توصَّلَ شيلر وهيسلر إلى اتفاقٍ فيما بينهما على أن القصة لن تنتهي حتى يشعر كلٌّ منهما بالرضا عن الكلمات المكتوبة والصور.

بينما لم يتمكن الصحفيان من الانتهاء من قصتهما المتعمقة على الفور، كانت صحيفة روكي ماونتن نيوز ما زالت تتوقع منهما إرسال قصص يومية عن أعضاء الخدمة المحلية الذين يُقتَلون في العراق، وسمح لهم هذا بالمزيد من الوقت لمواصلة مناقشاتهم مع بيك.

ظهرَتْ ثلاث نقاط مهمة نتيجة للوقت الذي قضاه شيلر وهيسلر مع الرائد بيك. أولًا: أن بيك يلحظ التزامهما بالمشروع. ثانيًا: يتعرَّف شيلر وهيسلر على طريقة أداء المارينز للأشياء، ويكتسبان بعضَ الفهم عن الأشخاص موضوع الصور. ثالثًا: تبدأ صحيفتهما امتلاكَ ثقةٍ أكبر بالنجاح النهائي للقصة. يقول هيسلر:
اتصل بنا الرائد بيك، وقال لنا إنه سيذهب لزيارة عائلة بيرنز في وايومنج ليوصل إليهم متعلقات ابنهم الشخصية، وقال: «أعتقد أنكما يجب أن تلتقيا بهذه الأسرة، وأعتقد أنهم سيرحبون بهذا اللقاء. لماذا لا تذهبان معنا بالسيارة؟» عندها، ذهبتُ إلى المحررين الذين أعمل معهم، وقلت لهم: «نحن ذاهبان مع الرائد بيك، هل يمكنكم إخراجي من الجدول؟» وفعلوا ذلك. أعتقد أن القصة تتكون عندما تبدأ العمل عليها، ويكون من الصعب إقناع المحررين بإعفائك [من جدول العمل اليومي]؛ لأنهم لا يعرفون ما الذي لديك أو تعمل عليه. ومع زيادة تعمقك في القصة وحصولك على المزيد من الصور حتى يمكنك أن تريهم إلى أين تذهب، فإنهم يصبحون أكثر تقبُّلًا لتركك تخرج وتفعل ما تريد فعله. ومع حلول شهر أغسطس وظهور حاجتي إلى الذهاب إلى مدينة رينو من أجل متابعة كاثرين [موضوع آخر]، قلتُ [لمديرة قسم التصوير] جانيت [ريفز]:١٧ «لا بد أن أذهب إلى رينو.» فقالت لي: «اذهب.» لم تطرح عليَّ أي سؤال حتى عن الجدول أو أي شيء آخر.

في هذا الوقت، كان الرائد بيك في صفنا إلى حدٍّ ما؛ أعني أن الحصول على فرصة التواصل شيء، واستمرارية هذه الفرصة شيء آخر. من الواضح أن هذه القصة كانت مهمة للرائد بيك، لكن معرفة إنْ كان سيسمح لنا بسرد القصة كاملة أم لا، فهذه قضية أخرى؛ ففي كل مرة نعمل على شيء معه يحدث نقاش حول إمكانية الوصول، وعما نريد أن نفعله، وعما «ستكون عليه القصة». كانت تصعب الإجابة عن هذا السؤال؛ فقد كانت القصة لا تزال في بداياتها في هذه المرحلة، وكان الأمر حقًّا هو أن نأخذ في التعرُّف عليه، ويأخذ في التعرُّف علينا.

أعتقد أنك تفعل هذا مع أي مشروع طويل المدى؛ يجب أن يحدث تعارف متبادل. أخبرَنا فيما بعدُ أنه كان يريد فقط أن يتمكن من أداء وظيفته، ولم يكن يريد أن يقلق بشأننا، وما إذا كنا بصدد الوقوف في المكان الخطأ، خاصةً أنا، بسبب الكاميرات، أو الوقوف بالقرب جدًّا من أحد الأشخاص. كما كان يبالغ في حماية العائلات؛ إذ كان يريد الاطمئنان على أننا نعلم أسلوب التعامل في الداخل والخارج؛ حتى إذا حدث شيء ما نعرف كيف نتعامل معه. (هيسلر، ٢٠٠٦)

مع تطور القصة، أظهَرَ بيك ثقةً كبيرة بكلٍّ من شيلر وهيسلر؛ فعلى سبيل المثال: سمح لهما بالدخول إلى ممر إقلاع الطائرات أثناء إخراج النعوش من الطائرات التجارية (انظر شكل ٧-٣). فعلى الرغم من وجود قرار عام بمنع تصوير النعوش في القواعد العسكرية، لا يوجد قانون يتعلق بشركات الطيران التجاري. ومع ذلك، كانت مخاطرةً شخصيةً أنْ يسمح بيك للصحفيَّيْن بالوصول إلى مثل هذا المكان. في المقابل، يقول هيسلر إنه شعر بأنه يتحتم عليه سرد القصة كاملةً، وبأقصى طاقة لديه؛ حتى يردَّ المعروفَ للرائد على ثقته بهما.
fig18
شكل ٧-٣: الركاب على متن الطائرة التجارية التي أحضرت إلى الوطن جثمانَ جيم كاثي، ضابط برتبة ملازم ثانٍ، يشاهدون ما يحدث بينما يُخرِج النعشَ حرسُ الشرف التابعون لمشاة البحرية الأمريكية في مطار رينو-تاهو الدولي. الصورة لتود هيسلر. حقوق الطبع: ٢٠٠٥، روكي ماونتن نيوز. أُعِيد طبعها بإذن.

كانت الصورة التي التقطها على ممر الطائرات واحدة من ٨٠ صورة عرضها هيسلر على مجموعة من المحررين أثناء أحد اجتماعات متابعة تقدُّم العمل. طوال عرض الصور، كان شيلر يقرأ قائمة بأقوال مقتبسة من الموضوعات. يقول هيسلر عن هذا الاجتماع: «قال رئيسُ تحريرِ صحيفتنا وناشرُها، جون تِمبل، إن هذا كان الاجتماعَ الإخباري الوحيد على الإطلاق الذي حضره وبكى فيه جميع الحاضرين» (هيسلر، ٢٠٠٦).

كانت المهمة الوحيدة التي يؤديها بيك ولم يسمح للصحفيين بالوصول إليها هي الإخطارات. ومع ذلك، عقِبَ توصيل الإخطار، كان بيك يخبر الأسرة عن شيلر وهيسلر، وعن القصة التي يعملان عليها. وكان شيلر أو هيسلر، أو كلاهما، يتصل بالأسرة، ويتفق معهم على الترتيبات التي يرتاحون إليها أيًّا ما كانت. كانت إحدى القصص المؤثرة للغاية قصة كاثرين كاثي التي تلقَّتْ وهي حامل إخطارًا بأن زوجها جيم قُتل في العراق.

يقول هيسلر إنه عندما ذهب مع شيلر إلى رينو من أجل لقاء كاثي، توجَّهَا إلى منزلها، وتحدَّثَا إليها حتى منتصف الليل تقريبًا. وفي أثناء الحوار، أخرجت جميع الصور الموجودة لديها عن زوجها معها، وقالت لهما فيما بعد: «قد يبدو هذا غريبًا، ولكنكما أسعدتما ليلتي.» يواصل هيسلر حديثه: «لا يعتبر جيم [شيلر] مراسلًا رائعًا فقط، ولكنه إنسان رائع ومستمع رائع أيضًا؛ فهو يعلم مدى أهمية الحصول على كل هذه المعلومات على نحو صحيح؛ فهذه القصص تكون لها أهمية بالغة للأُسَر؛ فهي نعي ذويهم، ولكنها تذكارية أيضًا» (هيسلر، ٢٠٠٦).

في الليلة نفسها، شرح هيسلر وشيلر لكاثي أنهما يريدان متابعتها طوال العملية حتى يُدفَن زوجها. وافقت على عرضهما، وسمحت لهما بسماحة صدر في اليوم التالي بالركوب معها في سيارة الليموزين التي ستأخذها إلى المطار من أجل استلام جثمان زوجها. في النهاية، سمحت لهما بالوجود في كل جزء من العملية. يقول هيسلر: «أعتقد أننا كوَّنَّا علاقةً طيبة معها، وكانت تريد منا أن نكون إلى جوارها. هذا شيء اكتشفتُه في أثناء العملية، وهو أمر اتفق معي فيه الرائد بيك؛ وهو أننا لكي نُعِدَّ هذه القصةَ بالطريقة الصحيحة، ونُعِدَّها بطريقة غير سطحية، علينا أن نكون قريبين» (هيسلر، ٢٠٠٦).

فاز هيسلر (وشيلر)، مثل كيفن كارتر، بجائزة بوليتزر على عمله، وزارت كاثي غرفة الأخبار في صحيفة روكي ماونتن نيوز بعد الفوز بجائزة بوليتزر. ويقول هيسلر عن مجيء كاثي:

قالت إننا أخذنا الوقت الكافي لإعداد القصة على نحو صحيح. «لقد تركاني أتحدَّث عن زوجي. لا أستطيع التفكير في شخصين آخرين يستحقان هذه الجائزة أكثر منهما.» كان لهذا معنًى كبير عندي. يُسْعِدك أن تعلم أن الأشخاص موضوع الصور أحَبُّوها وشعروا بالسعادة منها، لكنك تسعد أكثر عندما تراهم سعداء بفوزها بالكثير من الجوائز، وبحصولك على الشهرة بسببها. وكنت أجد صعوبةً في هذا، ولم أكن أعلم حتى كيف أتعامل مع الأمر معهم. توجد بينك وبينهم علاقة طيبة، لكن هذه العلاقة مختلفة تمامًا؛ فسماعي لشعورها تجاه الجائزة قد أزال عبئًا كبيرًا عن ظهري. (هيسلر، ٢٠٠٦)

يقول هيسلر إن العلاقة مع الرائد بيك أصبحت علاقة وثيقة للغاية بعد عملهم معًا لمدة ثمانية أشهر. وفي أثناء حديثه معي عن هذه العلاقة في مقابلةٍ أجريتُها معه عبر الهاتف، صمت هيسلر عند نقطة ما، ثم قال:

سأقرؤه عليك، لكني لا أعتقد أنني سأستطيع إكماله. إذا دخلتَ على صفحتنا على الإنترنت، يوجد خطاب ألقاه [بيك] في غرفة أخبارنا [وقفة قصيرة] في الواقع سأقرؤه عليك. شرح بيك سبب أهمية قصص مثل «تحية الوداع»، فقال: «إنها تحتوي على عنصر الكمال؛ فهي تشبه، إلى حدٍّ ما، النغمةَ الرائعة أو الصوت الرائع الذي تسمعه على بُعْد ثلاث أقدام، ويجعلك تقشعر. يمسُّ هذا روحَك المضطربة، ويذكِّرك بإنسانيتك، ومَنْ أنت فردًا، ومَنْ أنت شعبًا، ومَنْ أنت أُمَّة.»

كان ثمة شيء آخَر فعله من أجلنا؛ فقد كنا نعقد اجتماعات طارئة، شأننا شأن الكثير من الصحف؛ فيعمل شخصٌ ما على أحد المشروعات أو يذهب في رحلةِ عملٍ، ثم يعود ويقدِّم عرضًا للمراسلين والمحررين الآخرين؛ حتى يستطيعوا معرفة المزيد عن هذا المشروع. ولذلك كنت أتحدَّث أنا وجيم [شيلر] عن هذا المشروع مع نحو ٥٠ شخصًا من غرفة الأخبار، ودخل علينا الرائد بيك، تقريبًا في منتصف العرض التقديمي. وقلنا في أنفسنا: «ما الذي يفعله هنا؟» كان يرتدي زيه الرسمي، وقال: «لا أريد أن آخذ كثيرًا من وقتكم، ولكني أريد تقديم عرض تقديمي.» كان لديه عَلَم محفوظ داخل إطار، كان إطارَ والده في الواقع. كان والده من المارينز، وعندما تُوفِّي كان [بيك] هو الذي أشرف على حرس الشرف في جنازته؛ لذا فإن هذا العلم الذي أعطاه لنا كان لوالده في الأصل. كان قد حُفِر على الزجاج الموجود على الإطار عبارة «تحية الوداع، ١١ نوفمبر ٢٠٠٥». يوضِّح هذا ما كان يعنيه هذا الموضوع له. (هيسلر، ٢٠٠٦)

واضح أن الرائد بيك لم يكن يشعر كما لو أن شيلر وهيسلر «خدعاه بأية طريقة». وثمة نقاط عديدة تجدر الإشارة إليها في تكوين العلاقات وتنميتها في مشروع «تحية الوداع». أولًا: كان الصحفيان أمينين مع الأشخاص موضوع الصور من البداية. ثانيًا: استغرق الصحفيان الوقت الكافي للتعرف على الناس الذين يغطيان قصتهم، واحترما رغباتهم. وثالثًا: وفَّرت الصحيفة للمصوِّرَيْن هذا الوقت والدعم. يتذكر هيسلر قول رئيس التحرير والناشر، جون تِمبل، للآخرين في غرفة الأخبار:

«يوجد هذا المشهد في القصة للرائد بيك وهو يُعلِّم المارينز طريقة طي العلم من أجل صديقهم في اليوم السابق للدفن، ويقول لهم: «إن هذه آخر مرة سيُطوَى فيها هذا العلم؛ لذا يجب أن نطويه على نحوٍ مثالي؛ فهذا من أجل جيم [كاثي].» قال تِمبل بعد هذا: «يجب علينا التعامل مع هذا المشروع بالقدر نفسه من التقدير؛ فيجب أن نقدِّر ما مرَّ به كلٌّ من تود [هيسلر] وجيم [شيلر] في هذه التجربة، وهذا هو أسلوب التعامل الأمثل مع هذا المشروع».» (هيسلر، ٢٠٠٦)

أخيرًا، لم تنتهِ علاقات شيلر وهيسلر مع الأشخاص موضوع الصور عندما علما بأنهما حصلا على قصتهما؛ فقد استمرا في الاهتمام ببيك وبكاثي وغيرهما، وبما سيشعرون به عندما سيعلمون بفوز شيلر وهيسلر بجوائز بوليتزر.

العلاقات بين الصحفيين المصورين والأشخاص موضوع الصور تشبه غيرها من العلاقات في الحياة؛١٨ فبصرف النظر عن خبرة المصور، يكافح المصور دومًا من أجل أن يطلب من الشخص أن يصبح جزءًا من حياته عن طريق البقاء معه، والتقاط الصور لساعات أو أيام أو حتى أكثر من ذلك. وعلى الرغم من أن بعض المصورين لا يرغبون إلا في أخذ ما يمكنهم أخذه من الأشخاص دون اكتراثٍ بسلامتهم النفسية، يوجد مصورون آخَرون يهتمون بشدة بالأشخاص موضوع الصور؛ فبوجه عام تنمو العلاقات من خلال قضاء الوقت معًا، وعبر الإخلاص لهذه العلاقة. والثقة أمر يُكتسَب ويتعرَّض للخيانة؛ من أيٍّ من الطرفين.

تؤثِّر الصحف في العلاقات التي تتكوَّن بين الصحفيين المصورين وبين الأشخاص موضوع الصور من خلال السماح للمصورين بالحصول على الوقت لبناء هذه العلاقات أو حرمانهم منه؛ فعندما بدأ هيسلر وشيلر مشروعهما، لم تكن صحيفة روكي ماونتن نيوز تعلم ما الذي ستحصل عليه من قصة «تحية الوداع». ومع ذلك أظهرت ثقتها بهذين الصحفيين، وأعطتهما الوقت اللازم لتكوين علاقات جادة مع الأشخاص موضوع الصور، وكانت مكافأة الصحيفة على ذلك حصولها على عدد من الجوائز، منها جائزتا بوليتزر، ولكن الأهم من هذا هو نشرها قصة مهمة ولا تحظى بتغطية إعلامية كافية، بأسلوبٍ متعاطِفٍ وحسَّاس.

في النهاية، يعود للصحفيين في الميدان قرارُ العمل مع الأشخاص موضوع الصور بإنصاف وأمانة وتعاطف؛ فيجب أن تدور القصص دومًا حول الأشخاص، لا حول المصورين.

هوامش

(١) أثناء عملي في مكاتب وورلد برس فوتو في أمستردام عام ٢٠٠٦، حضرتُ عرضًا قدَّمَه رئيس فريق الصحافة المصورة في معهد بوينتر، كيني إربي. وقال في أحد تعليقاته الافتتاحية: «أرفض أن أسمِّي المصورين «مقتنصين» shooters؛ فيجب ألَّا نفكر في أنفسنا على أننا نتصيَّد الناس.»
(٢) تركِّز الصور البسيطة على عنصر واحد داخل إطار الصورة. يتحقق هذا عادةً من خلال استخدام عدسة أطول، وتوسيع حدقة العدسة بما يؤدي إلى تضييق عمق المجال. يحدُّ عمقُ المجال الضيق من عدد عوامل التشتيت، وكَمِّ المعلومات الموجود في الصورة كذلك. وبوجهٍ عام تُكوَّن الصور البسيطة بطريقة أكثر ضيقًا.
أما الصورة المعقَّدة فتحتوي على معلومات أكثر (وربما المزيد من عوامل التشتيت)، من خلال زيادة عمق المجال واتساع نطاق تكوين الصورة. ويمكن أن تقدِّم الصورة المعقدة طبقات من المعلومات، وسياقًا أكبر، لكن من الأصعب صنعها بنجاح.
(٣) المشردون في أمريكا (١٩٨٨)، واشنطن العاصمة: أكروبوليس.
(٤) في عام ١٩٨٧، بمساعدة وزارة شئون المحاربين القدامى، تمكَّنْتُ من العثور على ابن أخ كليفلاند أونيل الذي كان يعيش في بالتيمور. أعطاني معلوماتٍ أساسيةً عن أونيل، لكنه لم يكن يريد أن يعرف أونيل كيف يتواصل معه. من الواضح أن أونيل لم يكن له أي أفراد أسرة أو أصدقاء آخَرين، وتُوفِّي وحيدًا في غرفة نُزُل في آشفيل بعد عامٍ من التقاطي صورته.
(٥) تعمل ميليسا فارلو مصورة مساهمة في مجلة ناشونال جيوجرافيك. في أثناء عملها في مدينة لويفيل في ولاية كنتاكي، كانت عضوًا في فريق غرفة الأخبار الذي فاز بجائزة بوليتنزر. كما فازت فارلو بعدد من الجوائز الرفيعة الأخرى على عملها في الصحيفة والمجلة.
(٦) تعليقًا على قصةٍ نُشِرت في صحيفة هارتفود كورانت عن مدمني الهيروين؛ يعطي المصور الذي يعمل بالصحيفة، براد كليفت، مثالًا للتعامل مع الأشخاص موضوع الصور باحترام. يقول إنه كان «قَلِقًا من أن يتعرض الذين ائتمنونا على قصص حياتهم للخطر (بنشر صورهم)؛ فحتى في العوالم القاسية، تكون للناس كرامة (ماكبرايد، ٢٠٠٢).
(٧) يقدِّم فيلم «كابوتي» مثالًا رائعًا للآمال والتوقعات والتلاعب والإحباط وغيرها، ممَّا يكون جزءًا من العلاقة بين الفنان والشخص موضوع الصورة؛ ففي حوار هاتفي مع صديقه هاربر لي، يقول كابوتي عن الشخص موضوع الصورة المتهم بارتكاب جريمة قتل: «إنه يثق بي. قدَّمَ لي تقريبًا كلَّ شيء. يريد بشدة أن يتعامل معه الناس بجدية، وأن يحصل على بعض التقدير.» وعندما سأل لي كابوتي إنْ كان يقدِّر هذا الإنسان، ردَّ كابوتي قائلًا: «حسنًا! (ثم صمت) إنه منجم ذهب.»
(٨) فاز جيمس ناشتوي بميدالية روبرت كابا الذهبية (٥ مرات)، وجائزة أفضل مصور مجلات في العام في مسابقة «صور العام الدولية» (٨ مرات)، وجائزة إنفينيتي التي يمنحها المركز الدولي للتصوير الفوتوغرافي (٣ مرات).»
يقول ناشتوي، الذي يصور الحرب وآثارها، عن علاقاته بالأشخاص موضوع الصور: «في الحرب، تُعلَّق القواعد الطبيعية للسلوك المتحضر؛ فمن غير الوارد فيما يُسمَّى بالحياة الطبيعية أن يدخل أحدٌ إلى منزلٍ فيه أسرة حزينة على وفاة أحد أحبائها ويمضي وقتًا طويلًا في تصويرهم؛ فهذا ببساطة لن يحدث. لم يكن بالإمكان صنع هذه الصور لو لم يَقْبَلني الناس الذين أُصوِّرهم. فببساطة، يستحيل تصوير لحظات مثل هذه دون موافقة الذين أصورهم، أو دون واقع ترحيبهم بي، أو تقبُّلهم لوجودي، أو رغبتهم في وجودي؛ فهم يدركون أن هذا الغريب الذي جاء إليهم ومعه كاميرا ليُظهِر للعالم ما يحدث لهم، يمنحهم صوتًا في العالم الخارجي لم يكونوا ليحصلوا عليه لولاه» (ناشتوي، ٢٠٠١).
(٩) في عام ١٩٩٤ فُصِل المصور في صحيفة لوس أنجلوس تايمز، مايك ميدوز، بسبب صورة لرجل إطفاء في مقاطعة لوس أنجلوس وهو يرش الماء على رأسه من مسبح في الباحة الخلفية لمنزل يحترق في الخلفية. كانت هذه الصورة بصدد الدخول ضمن الصور المرشحة للحصول على جائزة بوليتزر، لكن أدَّت الشائعاتُ بأنها صورة ملفَّقة إلى إجراء حوارٍ مع رجل الإطفاء الذي قال إن المصور اقترَحَ عليه صبَّ الماءِ على رأسه. قال ميدوز: «أنا أنكر قطعًا أنني طلبت من أي رجل إطفاء تمثيل مشهد معين أمام مسبح حتى أصوِّره. ربما كان خطئي أنْ قلتُ إنَّ هذه ستكون لقطةً جيدة، لكن، على حدِّ تذكُّري، لم أطلب منه مباشَرةً أنْ يفعل هذا …» (كورتز، ١٩٩٤، ص د١).
(١٠) فاز بنتلي بجائزتي المركز الأول والثاني، بالإضافة إلى ست جوائز تميُّز لصوره عن حملة كلينتون في مسابقة «صور العام» في عامها الخامس عشر. ونشر، كذلك، كتابًا بعنوان «كلينتون: صورة الانتصار» قائمًا على صوره التي التقَطَها أثناء حملة كلينتون الانتخابية.
(١١) أصَرَّ بنتلي على السماح له باستخدام فيلم أبيض وأسود؛ نظرًا لأنه كان يحاول «الحضور دون أن يشعر به أحد»، ويلتقط صورًا دون استخدام إضاءة صناعية؛ لذا كان الفيلم الأبيض وأسود أكثر ملاءمةً لهذا النوع من التصوير. كذلك، ربما جعلَتْ صورُ الأبيض وأسود كلينتون يبدو، على نحوٍ غير مقصود، جزءًا من التاريخ بقدرٍ أكبر؛ نظرًا لأنه كان من المعتاد أن تشمل الأفلام الوثائقية عن الشخصيات التاريخية في الولايات المتحدة صورًا بالأبيض والأسود. أعطى مولر موافقتَه على استخدام الفيلم الأبيض وأسود، مع بعض التحفُّظ.
(١٢) يمكن القول إن هذا شكل آخَر «للدمج»؛ يرافق الصحفي الشخص موضوع الصورة ويحصل على وجهةِ نظرٍ داخلية للحدث، بينما يصبح في الوقت نفسه جزءًا من فريق العمل.
(١٣) يبدو محتوى الصورة «من وراء الكواليس» غير مرتبط، إلى حد ما، بالنص المكتوب الذي هو «ليس وراء الكواليس»؛ على سبيل المثال: نُشِرت قصة بعنوان «احتفال بيل الكبير» في مجلة التايم في ٢٧ يوليو عام ١٩٩٢. اشتملت القصة على ست صفحات (صفحتين مزدوجتين متقابلتين وصفحتين فرديتين) خُصِّصت للنص الكلامي للقصة الذي كتبَتْه مارجريت كارلسون، وست صور لبنتلي. على الرغم من أن الصور كانت شخصيةً — كلينتون في غرفة البخار في الفندق، وعازِفًا على الساكسفون في شرفة غرفته في فندق سانتا مونيكا، ومشاهِدًا تدريب آل جور على مؤتمر صحفي مشترك في مدينة ليتل روك — اقتصَرَ النصُّ على الحديث عن مؤتمر الحزب الديمقراطي الذي عُقِد في حديقة ماديسون سكوير. حاول المحررون في المجلة ربط الصور مع الكلمات عبر التعليقات على الصور من خلال الإشارة إلى أن كلينتون يحاول «تهدئة أحباله الصوتية المرهَقة وترطيبها» في اليوم السابق على انعقاد المؤتمر في صورة غرفة البخار، وأن «أداء جور السلس في المؤتمر أظهَرَ مدى فائدته في مسار الحملة الانتخابية» في التعليق على الصورة التي يظهر فيها كلينتون مع جور في قصر الحاكم في مدينة ليتل روك.
(١٤) في قصته التي نُشِرت في ١٢ سبتمبر ١٩٩٤، في مجلة تايم بعنوان «حياة كيفين كارتر ووفاته»، يقول سكوت ماكلود إن كارتر وغيره من الصحفيين المصورين الذين عملوا في ضواحي جنوب أفريقيا تعاطوا المخدرات من أجل «تقليل التوتر، وإلى حدٍّ ما، من أجل التواصُل مع محاربي الشوارع المسلحين». أدَّتْ مسألةُ المخدرات هذه في النهاية إلى انفصاله عن صديقته، كما أخبر كارتر أصدقاءه أيضًا عن طفولته غير السعيدة. وربما كان العاملَ الأكثر إيذاءً الأخطارُ المستمرة التي واجَهَها هو وزملاؤه، بالإضافة إلى المشاهد المروعة التي شاهدوها.
(١٥) فاز شيلر (في كتابة التقارير الخاصة) وهيسلر (في تصوير التقارير الخاصة) بجوائز بوليتزر عن عملهما في «تحية الوداع» الذي نُشِر في هيئةِ قسمٍ خاصٍّ على ٢٤ صفحة في صحيفة روكي ماونتن نيوز، وظهر على موقع الصحيفة الإلكتروني. فاز هيسلر، أيضًا، بالعديد من الجوائز في مسابقة «صور العام الدولية»، ومسابقة الجمعية الوطنية لمصوري الصحافة «أفضل أعمال الصحافة المصورة»، ومسابقة «وورلد برس فوتو» في أمستردام.
(١٦) أثناء إقامتي في مدينة أوستن في ولاية تكساس، كنت أعمل على قصة مصورة عن الأطفال في المجتمع اللاتيني. اقترَحَ عليَّ مدير المدرسة المحلية ولدًا بعينه. عندما فاتحتُ والدته في الأمر، كانت متحفِّظةً بطبيعة الحال. تحدَّثْنا لبعض الوقت، وأخبرَتْني أنها تحضر فصولًا مسائية، منها فصل عن التصوير. أخبرَتْني كذلك عن كتابٍ ممتعٍ عثرَتْ عليه في المكتبة بعنوان «المشردون في أمريكا». سألتُها إنْ كان هذا الكتاب يوجد لديها في المنزل، وعندما أخرجَتْه، أريتها اسمي وصورتي على الكتاب. دَعَتْني إلى تصوير ابنها جيمي، وباقي أفراد أسرتها في أي وقتٍ أريد.
(١٧) منحت مسابقة «صور العام الدولية» جانيت ريفز لقبَ «أفضل محرِّر صور صحفية في العام» لعام ٢٠٠٦. وفي المسابقة نفسها، فازَتْ ريفز بالمركز الأول في «تحرير قسم خاص» على عملها في «تحية الوداع».
(١٨) للعلاقات بين الكُتَّاب والمصورين أهميةٌ بالغة أيضًا. يقول جون تمبل: «ذهب [شيلر وهيسلر] في رحلة معًا، وكانت رحلة مثيرة للمشاعر. كان بإمكانهما معًا أخذ القراء في الرحلة ذاتها، ولم يكن يمكنهما فعل هذا وكلُّ طرفٍ وحده. امتدَّتِ الشراكةُ بينهما حتى النهاية؛ فعندما كان جيم يكتب كان يحيط نفسه بصور تود، وعندما حان الوقت لكتابة تعليقات على الصور، كان يحذف الأقوال والأفكار التي لا تتناسب مع سرده؛ فقد استطاعا معًا كتابة تعليقات مؤثرة، أضافَتْ بُعْدًا آخَرَ للقصة، فلم تكن تكرر ما ورد بالقصة، وأضافت فهمًا للصور» (تِمبل، ٢٠٠٦، ص٢، ٣).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠