الواجب المرير

يا صاحب الجلالة

يدفعنا الواجب المرير، وهل من واجبٍ أَمَرَّ وأقسى من ذلك الذي يَضْطَرُّ الإنسانَ إلى أن يقتطع لِصالح المجموع قطعةً من نفسه، ولِصالح اليوم والغد بضعة من أمسه، يدفعنا ذلك الواجب العامُّ إلى أن نَعْرِض على جلالتكم مساوئ الحكم الحاضر والقائمين به من رجاله، وما كنَّا — عَلِمَ اللهُ — لِنَجِدَ من أنفسنا دافعًا ضد قوم كانوا منَّا وكنَّا منهم؛ لولا أن أداة الحكم في البلاد قد فسدتْ على أيديهم إلى مدًى بعيد يكاد يبعث على اليأس من إنتاجها ومن علاجها.

ومن ثَمَّ لم نَجِدْ أمامنا سبيلًا تُوحي به أحكام الدستور، بل وطبائع الأمور إلا أن نفزع إلى ساحة مُلْكِك إنقاذًا للوطن المعذَّب بدائه، وما أَوْجَعَ داؤه إلا من أبنائه!

ولقد رأينا أن نتقدم في هذه العريضة بالوقائع مفصَّلة، ومع كل واقعة دليلها؛ تبيانًا لأسباب الخلاف الوزاري الأخير وما تَرَتَّب عليه من آثار خطيرة مخزية، لا تزال قائمةً ومستمرة.

وحسبك يا مولاي أنْ تُلْقِيَ بنظرك الكريم على الوقائع الخطيرة المبيَّنة في هذه العريضة، فهي ناطقة بذاتها من غير ما ناطق، ولكنَّا نُدْرِك أن الكلام مهما تكن قيمته الموضوعية فقد يتلوَّن بعضَ الشيء بلونِ واضعه، فهل نحن فيما نَعْرِضُ مدفوعون بدافعِ الغيظ أو الحنق، فترانا نقول في غَضْبَةٍ قولةَ الصدق؟

كلا يا مولاي، فما كنا لنقبل حتى هذا التلوين لِصِدْقنا، والتهوين من حقِّنا.

(١) الخلاف الوزاري وملابساته

(١-١) إشفاق ونُصْح

ففيم وعلام نحنق، وقد كُنَّا في كل أدوار الخلاف نُشْفِق، ونأبى إلا أن نشفق.

نشفق من أن ينهار ذلك البناء الشامخ الذي ساهَمْنا في تشييده حجرًا فوق حجر، وفي تخليده أثرًا بعد أثَر، معتصِرين في ذلك زهرة العمر طوال نيف وعشرين من السنين.

نشفق من أن تَلْصَقَ بالحكم المصري في عهد الاستقلال لوثةٌ تُدَنِّسه، بعد أن طَهَّرَه الشهداء بدمائهم، وصَهره المجاهدون بدم القلب وعَرَق الجبين.

نشفق من أن تُمَسَّ بسوء تلك الصداقةُ الحلوة، التي بزَّت الأُخُوَّةَ، بين شخصين تعذَّبَا، فتقاربَا، فتحابَّا، وكانت محبتهما — في نظرِي أنا على الأقل — نموذجًا حيًّا رائعًا لعاطفة المحبة أو الرحمة، التي شاء الرحمن الرحيم أن ينفثها مع الحياة بين حنايا الصدر، ليستعين بها الإنسان على وحشة العمر، ووحشة القبر!

لا، بل نشفق من أن نَتَنَكَّر لماضينا، فنجعل من ماضينا قاضينا!

ثم نشفق من عملية البر في ذاتها، فهي تجرح مهما تنجح.

وأخيرًا، فقد كنا نشفق ولو على كرامتنا نحن أنفسنا، من أن نُطْلِق عليها الذئاب الجارحة، والشهوات الجائعة الجامحة.

•••

لذلك كلِّه كنتُ يا مولاي — وما كان لي إلا أن أكون — ناصحًا لا فاضحًا في كل مرحلة من مراحل الخلاف بين رئيس الوزراء وبيني.

فلمَّا كنت في الوزارة واستفحل بيننا ذلك «الخلاف الجوهري الذي تَعَدَّدَتْ مَظَاهِره» — على حد تعبيره في كتاب استقالة الوزارة — لم أدَّخر جهدًا في نُصْحه وتحذيره مما كنت أراه — ويراه الوزراء أنفسهم ويتهامسون به في مجالسهم دون أن يجرءوا على الجهر به أمامه — من تصرفات ماسَّة بمسئولية الحكم، بل ونزاهته في الصميم، ولقد كنت بحكم مركزي في المالية والتموين الهدفَ المباشر لهذه التصرفات التعسة التي أُرِيدَ بها أن تُفْتَح خزائن المال والتموين للأهل والأنسباء، حتى لا تُفْلِت الفرصة السانحة، فتُفْلِت الصفقات الرابحة من أيدي طلاب الربح والثراء، ولو على حساب الفقراء والجائعين.

(١-٢) منافع ومطامع

ولم تكن تلك المطامع إلا شعبية لترضى — أو لتقدر — أن نصبر، فتبقى طي الكتمان والأوراق، بل راح أصحابها يرسلون الصيحة بعد الصيحة على مسمع من الكبار والصغار من الموظفين، متوسِّلين، متململين، متودِّدين، متوعدين، في غير ما اعتدادٍ حتى بكرامتهم الشخصية، وليس مثل الطمع يا مولاي شهوة هي أقوى ما تكون ضد صاحبها منها ضد غيره … فلفرط ما يطمع الطامع في مال الغير دون وزْنٍ أو تقدير، تراه وقد اختلَّت موازين تقديره، ولفرط ما يصبو إلى مطمعٍ عزَّ أن يوجد، أو إذا وُجِدَ عزَّ عليه أن يَنْفَد، تراه يجزع بقدر ما يطمع فيستنفد الجزعُ ما بَقِيَ من صَبْره، ويفضح الطمع ما خَفِيَ من أَمْره!

ومن ثَمَّ، فلا عجب إذا لم يُطِقْ هؤلاء السادة من الأنسباء المتحكمين — أو الحكام غير المسئولين — صبرًا على مطمعهم في الثراء السهل — والجزل — فكان البعض منهم يأتون إلى وزارتَي المالية والتموين ويَصيحون أمام كبار الموظفين١ أني إذا ما أصررْتُ على خطتي في مَنْع رُخَص التصدير عنهم — مع أن هذا المنع كان عامًّا يسري عليهم كما يسري على غيرهم — فإنهم سيُخْرجونني من وزارة التموين، بل من الوزارة أصلًا وفصلًا!

وما كنت يا مولاي لأشير إلى هذه الصغائر وغيرها من مَثيلاتها مما سيأتي تفصيله، لولا أنها صغائر تدل على كبائر، وأُولَى هذه الكبائر أن الحُكْم قد أَشْرَف على الفوضى في أيدي أشخاص غير مسئولين، وأن الحاكم المسئول كان هو نفسه محكومًا بجماعة من النفعيين، لا يَمْلك من أَمْره نفعًا ولا ضرًّا.

•••

ولكني لم أكن لأعبأ بهؤلاء، ولا بما وَعَدوا أو توعَّدوا، لولا أن جرثومة الداء كانت قد سَرَتْ منهم — مع الأسف — إلى رئيس الوزراء نفسه، فكان هو شخصيًّا يتصل مِنْ وراء ظهري بالمرءوسين لي أو بجهات أخرى غير مختصَّة، ملحًّا في إعطاء أنسبائه السكر والأرز … إلخ، من غير علمي (وسيأتي تفصيل ذلك مؤيَّدًا بالمستندات فيما بعد) كما حاوَلَ رِفْعَتُهُ جهدَهُ أن يمنعني من تحقيق جنحة تهريب غزلٍ ضد أنسبائه وتقديمهم إلى المحاكمة العسكرية (وهي فضيحة سأُفْرِد لها بابًا خاصًّا فيما يلي)، إلى غير ذلك من محاوَلات، فشفاعات، فمحسوبيات، فتعهدات، فتصرفات ترمي كلها إلى استغلال الحكم لمصلحة الحاكمين، وتجعل من أسلوب الحكم ألعوبة ومَفْسَدة معًا.

(١-٣) استقالتي ثلاث مرات

حيال ذلك، لم يكن أمامي إلا أن أتخيَّر بين سبيلَيْن أسهلهما وعر: إما أن أشترك في الوِزر، أو أن لا أشترك في الوزارة — إما حياة الوزير، أو حياة الضمير — ولقد آثرت يا مولاي هذه الحياةَ الأخيرةَ؛ لأنها حياة الشرف ولو في عينَيْ نفسي، ولكن الله في عدْلِهِ ورحمته أبى إلا أن يشرِّف موقفي في عيون الناس أيضًا، فالحمد لله الذي قضى ولَطَفَ، وأولاني شرفًا ليس بعده مِنْ شَرَفٍ!

لم أجد بدًّا إذن، وقد أَعْيَتْني وسائل النصح والتحذير، من أن أبرئ ذمتي بتقديم استقالتي، وأعربت له عن رغبتي في الاستقالة في فترات متفاوتة بدلَ المرة ثلاث مرات قبل خروجي من الوزارة، وكنت في كل مرة أؤكد له ما يعرفه من محبتي له وغيرتي على سمعته، وأني وقد عجزت عن إقناعه بإصلاح الحال فما من وسيلة بَقِيَتْ لي إلا أن أستقيل من منصبي، على أن يتخير هو صيغةَ الاستقالة ومناسبتها ووسيلتها، حتى لا يفتضح أمام أعين الناس ما أَمَرَ الوفاء به أن يستر بين صديقين كانا مَضْرِب المثل في الوفاء والإخاء.

وهل أنا في حاجة يا مولاي إلى التدليل على أني لم أقصد من وراء استقالاتي إحراجًا بل علاجًا؟ فما من دليل أَبْلَغَ في ذلك وأَقْطَعَ من أني ما كنت أختلي به في أيَّة مرة من هذه المرار وأُصِرُّ على فكرة الاستقالة منه والانفصال عنه، حتى كانت تأخذني ذكرياتي، فتخنقني عبراتي، فأبكي ويبكي، ثم يَعِدُني بإصلاح الحال فأعدل عن فكرة الاستقالة … ثم نفترق متوادين، متعاهدين، ولكن إلى حين!

أجل، إلى حين يتسنى للعوامل التي كانت تكتنفه، وتستهدفه، أن تفعل فِعْلها فيه، فإذا بالرجل يتبدَّل، وإذا بالعزيمة تتخاذل فتتضاءل، وإذا باللاحق التالي شرٌّ من السابق الأول.

أجل، إلى حين يجدون المستحَل للمستغَل، فالثراء الليِّن الهيِّن في متناوَل اليد ولا يحتاج إلا لرخصة من وزير المال، ليدخل في الرزق الحلال! والوظائف الضخمة الدسمة ليس بينها وبين ذوي الحظوة إلا خطوة، فإذا ما مُهِّدَ لها الطريق أيضًا مع وزير المال، أصبح الاستثناء هو القاعدة، وفتح باب الرحمة لذوي الأرحام والهمم القاعدة؛ وبهذا يكون الاستثناء في منطق الوزارة هو الحلال عين الحلال؛ وإن يكن في منطق القانون هو أبغض الحلال!

لذلك لم يدخروا وسيلةً أو حيلة في سبيل استرضاء وزير المالية بكل وسائل الاسترضاء، وبالفعل فقد بُذِلَتْ معي كل وسائل الإكرام والإغراء من الناحيتين الخاصة والعامة على السواء، وما كان لي أن أشير إلى شيء منها لولا أنها تلقي ضوءًا على حقيقة الخلاف وتطوراته، ولولا أن بعض الخادعين أو المخدوعين قد تعمَّدوا أن يصوِّروا من الخلاف صورةً شوهاء لا تشِفُّ عن حقيقة، ولا ينفذ النظر منها إلى خبيئة.

(١-٤) تصويرهم للخلاف

ولعلَّهم وقد أعيَتْهم الحيلة في تصوير الخلاف للناس على النحو الذي تَرْتَضيه لهم المصلحة أو الذلة، أو في القليل يشفي الغلة، راحوا يتلمَّسون له علة خلا ما يَعْرفون عن العلة!

فهل يصوِّرون الخلاف على أن مصدره عداء شخصي بين النحَّاس ومكرم؟ كلا، فمن يُصَدِّق مثل هذا العداء المفاجئ من غير ما سببٍ جِدِّي يدعو إلى مجرد الجفاء، فما بالك بالعداء بين شخصين صمدت صداقتهما لمختلف التجاريب وقاوَمَتْ كلَّ أسباب العداء طوال بضع وعشرين من السنين، حتى بلغَتْ مبلغ الإخاء.

أم هل يصوِّرونه خروجًا على مبدأ من مبادئ الوفد أو خلافًا على نظام الحكم نفسه؟ كلَّا، فأين هو المبدأ المختلَف عليه؟ وكيف يخرج على الوفد مَنْ أَدْخَلَ الناس فيه وكانت له اليد الطولى في اختيار وتأييد الزعامة عليه؟

إذن فليُصَوِّرُوه تنازعًا شخصيًّا على السلطة في الحكم، وما دام الخلاف قد وَقَعَ بين الاثنين وهما في الحكم فلعلَّ في مَظْهَر الأمر ما يُغْني عن نبْش الحقائق، والتحري الدقيق للدقائق!

هذا ما صوَّروه للناس للتضليل، وقليلٌ من الناس من لا يصل إليه، أو يسهل عليه التضليل!

(١-٥) ثقة وسلطة

ولكن هل أنا حقًّا قد جُرِّدْتُ من كل سلطان — أو بعض السطان — في الوزارة الأخيرة فلهذا غضبْتُ وحنقْتُ؟

لعلَّ الردَّ البسيط على هذه السخافة أني إذا كنت قد غضِبت لنفسي أو لسلطتي لخرجتُ من الوزارة أو أصررت على خروجي منها في كل مرة أتيحت لي فيها الاستقالة وقدمتُها فعلًا … أو لخرجت من الوزارة بعد تعيين وزير آخر للتموين احتجاجًا على انتقاص سلطتي! وعلى البواعث المخزية التي دَعَتْ إلى هذا التعيين، وسيأتي تفصيلها، ولكن الأمر كان على النقيض من ذلك، فقد ثَبَتَ للناس من الوثائق الرسمية أن النحَّاس باشا هو الذي أخرجني من الوزارة بعد أن ارتضيت العدول عن الاستقالة عقب أزمة الاستثناءات، وقَبِلْتُ البقاء في الوزارة طوعًا للرغبة السامية التي بدت من جلالتكم للتوفيق بينه وبيني، ولكنَّه رَفَضَ وأصرَّ على رَفْضه، فهو إذن الذي غضِب لنفسه لا أنا، وهو الذي أراد أن يتخلَّص مني ليخلو له الجو فيستغلَّ الحُكْم كما يشاء أو يُرَخِّص كما يشاء، ويستثني كما يشاء، إلا أن يشاء الله غير ما يشاء!

هذا هو المنطق الحق، وللمنطق دلالته وحكمه.

ولكني لا أقنع به وحده، وللوقائع منطق قد يكون أسمع قيلًا، وأقطع دليلًا، من كل منطق نظري.

وحسبي للتدليل على أن النحاس باشا أولاني عند تشكيل وزارته الأخيرة سُلْطة أوسع من أية سلطة لي في أية وزارة سابقة أن أَذْكُر الوقائع الآتية:
  • (١)

    عَهِدَ إليَّ بوزارتَي المالية والتموين، وهما محور الوزارة ونقطة ارتكازها في أي وقت، ومن باب أولى في الوقت الحاضر والحربُ ناشبةٌ على الأبواب.

  • (٢)
    كنت مستشارَه في اختيار أشخاص الوزراء، حتى إني اعترضت — لأسباب لا تمس شخصه — على إدخال نسيب له في الوزارة — هو حضرة صاحب المعالي الدكتور عبد الواحد الوكيل بك — فقبل مني اعتراضي وسَلَّمَ بوجاهته.٢
  • (٣)
    كنت أنا الذي أَشَرْتُ وألححتُ بوجوب الحصول على خطاب من سعادة السفير البريطاني كشرط أساسي لقبول تشكيل الوزارة احتفاظًا بكرامة العرش المصري والاستقلال المصري، وأراد النحاس باشا تأخير هذا المسعى إلى ما بعد تمام التشكيل، فرفَضْتُ دخول الوزارة إذا لم يَصْدُر التصريح البريطاني أولًا وقبل كل شيء، وقد تم ذلك فعلًا واشتركت مع موظفَيْنِ كبيرَيْنِ من السفارة في تحرير الخطابَيْن الرسميَّيْن المتبادَلَيْن بين الحكومتين، وحضر اجتماعَنا رفعة النحاس باشا وأحد حضرات الوزراء.٣
  • (٤)

    ألححتُ في وجوبِ حَظْر المحسوبية والاستثناءات حظرًا تامًّا؛ حتى لا يعود الناس فيأخذوا علينا ما كان محلَّ نقد ومؤاخذة في سنة ١٩٣٧، وأصررت على أن نُضَمِّن خطابَ تشكيل الوزارة عهدًا صريحًا منَّا بِمَنْع الاستثناءات، وفعلًا قَطَعْنَا على أنفسنا هذا العهد الرسمي في وثيقةِ تشكيل الوزارة التي رُفِعَتْ إلى مقامكم السامي، فنصَّت على أن الوزارة — تيسيرًا لعوامل الطمأنينة والعدل والمساواة — ستعمل من غير ما ميلٍ أو محاباة أو محسوبية أو مراعاة للوجوه إلا وجه ربك ذي الجلال.

  • (٥)

    عَهِدَ إلى لجنةٍ من الوزراء وَضْع خطاب تشكيل الوزارة الذي تضمَّن برنامجها، فكان من نصيبي وَضْع هذا الخطاب وتحريره.

  • (٦)

    عَهِدَ إليَّ النحاس باشا الإشراف على قسم الصحافة في وزارة الداخلية وإرشاد الرقيب إلى سياسة الوزارة العامة وانتداب بعض المساعدين له.

  • (٧)

    وَضَعْتُ سياسة التموين على اختلاف فروعه وموادِّه، واقترحْتُها على مجلس الوزراء فأقرَّني عليها، ثم أنشأت مجلس التموين الاستشاري وأَعَدْتُ تكوين اللجنة المشتركة، فضَمَمْتُ إليها ممثلي أمريكا وجنوب أفريقيا وحكومة السودان، وكنت أتصل بالسفير البريطاني مباشرة في هذه الشئون، وكان من عملي أيضًا وَضْع السياسة المالية للدولة كما جاءت في خطاب الميزانية وعرْض المشروعات الهامة التي تضمَّنها على مجلس الوزراء، وتتَوَّجَت جهوداتي المتواضعة في هذا الصدد بأنْ أتيحَ لي الشرف الأسمى بأن أعرض شئون وزارتَي المالية والتموين على جلالتكم، فلقيت من حدب جلالتكم وتشجيعكم الكريم ما شدَّ من أزري، وأعانني على أمري، وأَطْلَقَ لساني بالشكر والدعاء.

وكان النحاس باشا على علم واطِّلاع بكل خطواتي في هذا السبيل.

فأين أين يا مولاي ما زعمه النحاس باشا أو زعموه له من الحد من سلطتي، وقد كِدْتُ أنوء بما حَمَّلَني إياه من أعباء ومسئولياتٍ لا يَدْخل بعضها في حدود مهمتي؟!

(١-٦) شيطان المال، وبوادر الخلاف

كلا، بل كان جوُّنَا صفاءً لا يشوبه كَدَر، وثقة لا يعروها حَذَر، إلى أن نَزَغَ شيطان المال بيننا فشاءَ وقدر!

ذلك أننا لم نكد نستهل عهدنا في الحكم متصافَّيْن متضامنين، حتى بدا لأهل النحاس باشا وأنسبائه أن يغتنموها فرصة لطلب الثراء، على يَدَيْ صديق النحاس في الضراء فكيف بالسراء!

فجاءني — كما سأتشرف بتبيان ذلك تفصيلًا فيما بعد — بعضُ هؤلاء الأنسباء يطلبون لأنفسهم بالاشتراك مع ألصق الناس بالنحاس باشا، الإذنَ بتصدير كمية هائلة من الزيت والجلود يكسبون من وراء تصديرها أكثرَ من نصف مليون من الجنيهات، وأيَّد النحاسُ باشا نفسُه هذا الطلبَ وألحَّ فيه، ولكنني انتهيت بَعْد بَحْثٍ إلى رَفْض الترخيص لهم بالتصدير، بل وإلغاء الرخص القائمة التي مُنِحَتْ في عَهْد سابق لمَعَامل الزيت وتُجَّاره، ثم تَلَتْ هذه المحاوَلةَ محاولاتٌ أخرى كان النحاس باشا نفسه يشترك فيها محاولًا إعطاءهم السكر والأرز … إلخ، من وراء ظهري، ولمَّا كان الخير يبدأ بأهله فلم يشأ النحاس باشا أن ينسى شخصه منفردًا، كما لم يَنْسَهُ مزدوجًا، فذهب يسعى مسعًى موفور الثمر — وإن يك غير مشكور الأثر — لاستدرار الخير الوفير من وَقْفَي عبد العال والبدراوي بسمنود منتفِعًا من التنظُّر عليهما، رَغْم لَفْت نظره إلى ما يصح وما لا يصح صدوره من رئيس حكومةٍ في مثل هذه الشئون، واقترنت هذه المساعي جميعُها بمسعًى خطير آخر هو محاوَلة مَنْعِي من السير في تحقيق جنحةِ تهريب الغَزْل ضد بعض أنسبائه، وكان قد بدأ التحقيق فيها قبل وزارتنا، كلُّ هذه الأسباب متلاصقة متلاحقة، وغيرها مما أُرِيدَ به أن يسعف المال — وقد أسعف الحال — أثارت الخلافَ بيننا ونفخت فيه.

(١-٧) ظهر المجن

حينئذٍ، وحينئذٍ فقط، بدأ النحاس باشا وأهلُه يَقْلِبُون ظهر المِجَنِّ للصديق القديم، الذي أراد للحُكْم ولهم خيرًا، ولو أننا — فيما يظهر — قد اختلفنا حتى على معنى الخير، فقد فَهِمُوه شخصيًّا ماديًّا، وفَهِمْتُه وطنيًّا معنويًّا.

حينئذٍ بدأ الشيطان يوسوس في صدره أن انظر إلى مكرم يَمْنَع عن أهلك الخير، ويَمْنَع عنك حتى سمعةَ الخير … فلم يَكْتَفِ بمنع خيرات التموين عن الأهل والأقربين، بل راحت الجرائد تلهج باسمه في حماسة — ولو في غير كياسة — أنه هو الذي أنقذ البلد من المجاعة، وضَمِنَ لها المئونة والتموين.

حينئذٍ، وحينئذٍ فقط، نَبَتَتْ فكرة الدَّسِّ في الصحافة ضدي، ثم تَلَتْها فكرة التخلص مني كوزير للتموين، وأخيرًا لمَّا لم يُفْلح ضدي الدَّسُّ، أو يُثْمِر معي الدرس، استقر الرأي على إخراجي من الوزارة أصلًا، ولكن الناس لم يقيموا وزنًا لما قال أو فعل النحاس — إذ لم يَعُدْ هو النحاس — فراح الوفديون شُبَّانًا وشِيبًا يهتفون لمكرم النزيه!

يا للشعب، ما أصفى نَفْسَه، وأدق حِسَّه، فقد أَلْهَمَتْه غريزته إلى أسباب الخلاف فجمعها في كلمة واحدة «مكرم النزيه»، ولما كانت النزاهة في وقتٍ ما وقفًا على رئيس الوفد، فليُفصَل إذن مكرم من الوفد سكرتيرًا، ثم عضوًا، وليُمْحَ اسمه ورسمه من الصحافة، والبرلمان، ومن أذهان العباد، بل ومن تاريخ الجهاد!

ولِمَ لا؟ أليس النحاس باشا حاكمًا عسكريًّا عامًّا، يَأْمُر فيَفْزَع منه البشر، أو فيفزع إليه القدر!

وفيما يلي يا مولاي بيانٌ موجَز لتلك المراحل التي مرَّت بها عقلية النحاس ومَنْ إلى النحاس، حينما بدءوا يتنمرون لي، ويأتمرون ضدي، لاستمساكي بنزاهة الحكم:

الدس في الصحافة

بدأت مرحلة الانقلاب الأولى في الصحافة، وعلى الصحافة؛ فإن الصحافة كانت تُعْنَى إذ ذاك — كما تُعْنَى الآن — بشئون التموين، فتنشر الشيء الكثير عن الإجراءات التي اتخذها أو سيتخذها وزير التموين إزاء المهرِّبين أو المختزنين، أو لتوفير مئونة الشعب ولباسه، ولكن هذا النشر الطبيعي عن وزارةٍ هي أولًا وقبل كل شيء وزارة للجمهور لم يَرُقْ في أعين الأهل والأنْسِبَاءِ الذين مَنَعَ عنهم وزيرُ التموين خيرات التموين، وصفقات التموين، ولم يكتفِ بذلك، بل راح يحقِّق معهم في مخالفاتهم ضد التموين.

وكانت اليد التي غللتها عن اقتناص المال هي هي التي امتدت أولًا بالدَّسِّ ضدي كوزير للتموين والمال، فاستُدْعِي بعض الصحافيين الوفديين إلى الباخرة محاسن واتُّصِل بالبعض الآخر وصدرت إليهم جميعًا الأوامر مشدَّدةً بأن لا يكتبوا مقالات أو أخبارًا تنطوي على الإشادة بوزير التموين أو الثناء على جهوده، وأن لا تُبْرَز أحاديثه، وأن لا يشار إليه كمجاهدٍ كبير أو صغير!٤

انزعج أصحاب الصحف الوفدية ومحرروها لهذا التطور الخطير والمفاجئ — ولم يكن أحد منهم حتى ذلك الحين يَعْلَم بما هنالك من علل ومعللات — فأَفْضَوْا إليَّ بمخاوفهم على وحدة الوفد وروابط الصداقة التي لم يَفْصِم الزمنُ عُرَاها بين رئيس الوفد وسكرتيره العامِّ، وكان المساكين يحاولون التوفيق ما استطاعوا بين الأوامر الجديدة والتقاليد القديمة … ومن طريف ما يُذْكَرُ في هذا الصدد أن وزارة المالية كانت قد أَرْسَلَتْ إلى الصحف بيانًا عنوانه: «بيان رسمي من وزارة المالية» يشير إلى رَفْع سعر قصب السكر لمصلحة المزارعين، فنَشَرَتْ جريدة المصري البيان في مكانٍ متواضع من الجريدة تحت عنوان: «بيان من المجلس الاستشاري للسكر». ثم نشرت البيان بحروفه كما ورد لها، وفي مستهله: «جاءنا من وزارة المالية ما يلي …» وهكذا وَفَّقَت المسكينةُ ما أمكنَ التوفيقُ بين العنوان والبيان، وبين الوقيعة والواقع!

وكان من بين الكُتَّابِ الوفْدِيِّين الذين أبت وفْديتهم ورجولتهم أن يطيعوا الوامر الصادرة ضد سكرتير الوفد حَضْرَتَا الأستاذين محمد جلال الحمامصي في «المصري» وأحمد قاسم جودة في «الوفد المصري»، وقد لقي كلٌّ منهما الجزاء وِفاقًا بإخراجه من البرلمان! وكان إخراجًا له مظهره الفاضح وثَمَنُه الفادح، ودَفَعَ الثمنَ كُلَّه أو جله رئيس الحكومة شخصيًّا وبالذات؛ إذ بَذَلَ المسكينُ نَفْسَه في ذلك اليوم وأيما بَذْل، في سبيل الظفر بجُعْل وأيما جُعْل! هو أن يَحْمِل إلى بيته رأسَيْ قاسم وجلال على طبق، حتى ولو ظَلَّ قابعًا في البرلمان إلى ما بعد منتصف الليل، فأطبق الظلام وانطبق!

وفي ذات يوم جاءني حضرة الأستاذ محمود أبو الفتح «صاحب المصري» وقال لي إنه بات طوال ليله قَلِقًا مما حَدَثَ له، وقصَّ عليَّ ما دار بينه وبين أهل النحاس باشا من حديث لا أرى من اللياقة ذِكْره، ثم استطرد إلى ما جرى له مع النحاس باشا نفسه بعد ذلك، فقال: إن رِفْعَتَه أرسل يَطْلُبه إلى مينا هوس، وأَمَرَه بأن لا ينشر أيَّ خبر عن أي وزير من الوزراء في العامود الذي تُنْشَر فيه استقبالات الرئيس الجليل، ولا في العامود المجاور له، بحيث لا يُنْشَر تحت «الرئيس الجليل» ولا جواره أيةُ إشارة إلى وزير من الوزراء!

وكانت الحكمة من هذا الأمر الجديد غيرُ خافية عليه ولا عليَّ؛ فإن الجرائد الوفدية كانت تنشر بين حين وآخر أخبارًا عَنِّي تحت عنوان «المجاهد الكبير» في عامود مجاور، فأراد النحاس باشا أو أُرِيدَ له أن يَمْنَع هذا التقليد الشكلي الذي جَرَتْ عليه الجرائد سنوات عديدات، فأَطْلَقَ المنع وعمَّمه على الوزراء جميعًا حتى لا ينفضح ما كان مفضوحًا من غرض، ومِنْ مَرَض!

وفعلًا نُفِّذَت الأوامر بدِقَّةٍ متناهية، فمنذ ذلك الوقت حتى خروجي من الوزراة لم يُكتب خبرٌ ما عن وزير ما في هذين العامودين المقدَّسَيْن، لا بجوار «الرئيس الجليل» ولا تحته، رغم أن التشريفات الملكية نفسها بما لها من مَقَامٍ سامٍ كانت — ولا تزال — تُنْشَرُ على رأس عامود ثم يليها أو يجاورها أي خبر عن عباد الله الوزراء أو المستوزرين، أو غيرهم من أفراد الشعب الأمين.

(ومرفق بهذا بعض أعداد من المصري صَدَرَتْ قبل المنع وبعده).

(١-٨) الارتفاع والانتفاع

وما كان المجال لِيَتَّسِعَ يا مولاي للاسترسال في تحليل هذه العقلية الجديدة التافهة وما ترتَّبَ عليها من أمثلة تافهة كالتي ذَكَرْتها، لولا أن هذا التحليل النفساني يفسِّرُ الكثير مما خَفِي عن الناس وما يعانيه الشعب من آثار حُكْمه، فقد اقتنع الرجل — أو أقنعه المحيطون به — أنه قد أصبح الحاكم بأمره، وأن حلفاءنا الإنجليز يؤيدونه في هذه المرة لشخصه كمصطفى النحاس — لا كرئيس لهيئة سياسية أو حكومية — وقد صرَّح هو بذلك كما رأينا في إحدى الولائم التي أقامها له بعض الشيوخ والنواب الوفديين، فلم يكن بُدٌّ إذن من أن يَنْتَفِعَ هو وأهله من هذه الفرصة الذهبية التي قد لا تسنح فيما بقي من العمر — والدوام لله — ولم يكن من بَيْن أنصاره رَجُل يخشى الخاشون مُقَاوَمَته ونفوذه الشخصي والسياسي عليه إلا مَكْرمًا، فحاوَلوا استرضائي المرة بعد المرة فرَفَضْتُ.

ماذا؟ هل يأبى مكرم ويتكبَّر، ويَمْنَع عنا وعنك جنة الدنيا وقد أُعْطِيتَ الكوثر، وأنت أنت الزعيم الأكبر! من هنا، ومن هنا فقط تولَّدت في صاحبِ الرفعة عقليةٌ مزدوِجة، عقليةُ الارتفاع وعقلية الانتفاع!

أما الانتفاع فقد أَشَرْتُ إليه إشارةً موجزة في هذا التمهيد، وسيأتي التفصيل — ومعه الدليل — في القسم الثاني من هذه العريضة.

أما الارتفاع — ولو في غير رفعة — فهو الذي ذَكَرْتُ بعض الأمثلة عليه فيما تَقَدَّم، وهو الذي يَلْمَحُه الناس ممَّا تنشره الصحف لوزرائه من أحاديث في هذه الأيام، فما من واحد منهم يجرؤ أن يتكلَّم عن شأن من شئون وزارته، مهما تكن تفاهته، إلَّا ويُقَدِّم له بمقدمة فحواها أنَّه لم يفكر أيَّ تفكير، ولم يدبِّر أيَّ تدبير إلا بناء على تعليمات الرئيس الجليل، أو إرشاده، ويذهب البعض في الملق الصغير إلى حد القول بأنها أوامر صدرت من رئيس الوزارة إلى معالي الوزير.

وكان السمُّ قد سرى إلى نفس النحاس باشا قبل خروجي من الوزارة، وحسبي أن أضرب على ذلك مثلًا من أمثلة كثيرة لا يَتَّسِع لها المقام، فقد حدث أنني قابلت سعادة السفير البريطاني وتحدَّثت معه بحضور مستشاره الاقتصادي في شئون التموين وما نرجوه من معاوَنة الحليفة في نقل المواد الضرورية — الغذائية والزراعية — إلى مصر عن طريق البحار، فوعدني جنابه خيرًا، واتَّفَقَ أن أقيمت في مساء ذلك اليوم وليمة في وزارة الخارجية حَضَرَها سعادة السفير، فلما لَمَحْتُه واقفًا مع النحاس باشا ذهبْتُ إليهما، وقلت للنحاس باشا: أرجوك يا باشا أن تشكر السير مايلز، فقد وَعَدَ أن يبذل كل جهده معنا في شئون التموين، وبدأ السفير يرد علي التحية بما تقتضيه المجامَلة، فإذا بالنحاس باشا يسحبني من يدي إلى ركن من أركان الغرفة قبل أن ينتهي السفير من كلامه، وقال لي — وعلائم الخجل مرتسمة على وجهه: أرجوك يا مكرم أن لا تنسى ذِكْر اسمي فيما تنشره الصحف عن هذه المقابلة. فأجبته وأنا أَشَدُّ منه خجلًا — وكان خجلي له (عَلِمَ اللهُ) لا لنفسي — وقلت له: كن مطمئنًّا يا باشا، فما أنا بحاجة إلى تذكيري بالإشادة بذكرك، وأنت تَعْلَم والناس يعلمون أني لا أترك فرصة تَمُرُّ من غير أن أشيد بفضلك. وهذا فعلًا ما كان!

هذا وغيره من قبيله يفسر بعض التفسير ذلك الموقف المضحك المبكي الذي وقفه في البرلمان — من غير ما مناسبة — صارخًا بأعلى صوته: «أنا وحدي — دون أي وزير آخر — كنت المسئول عن شئون التموين!»

وسيأتي الكلام تفصيلًا عن مسائل التموين — ومخازيها — في مكان آخر من هذه العريضة.

(١-٩) تعيين وزير تموين جديد

ولعل أبلغ وأقطع دليل على حقيقة الخلاف بيني وبينه هو تعيين وزير تموين جديد — وتعديل الوزارة تبعًا لذلك — وما أحاط هذا التعيين من ملابسات، ومساومات، وإقدام وإحجام، وتوسل وزجر، وكَرٍّ وفَرٍّ.

وذلك أن الدَّسَّ في الصحافة لم يشفِ لهم غليلًا، ولم يُغْنِ عن رخص التصدير فتيلًا، ووزير التموين ما زال العقبةَ الكئود في تموين الأهل والأنسباء، فما من سبيل لاتقاء شرِّه إلا بالإقصاء، بعد أن عَجَزَ عن جَلْب خيره كلُّ تهديد وكل إغراء.

وإن مولاي ليذكر أن الوزارة أَعْلَنَت في خطابِ تشكيلها — كجزء من برنامجها — أنها ترى لأسباب تَمُتُّ إلى المصلحة العامة إلغاءَ الوزارات الثلاثة — التموين والشئون الاجتماعية والوقاية — وإسناد أعمال هذه الوزارات إلى الوزراء القائمين: التموين لوزير المالية، والوقاية لوزير الأشغال، والشئون الاجتماعية لوزير الصحة.

كان هذا في ٦ فبراير، في خطاب تشكيل الوزارة المرفوع إلى سُدَّتِكُمُ العلية.

ولكن ما كاد يمضي شهر وبعض الشهر حتى أَعْلَنَ النحاس باشا في خطاب العرش بتاريخ ٣٠ مارس أن الوزارة ترى لازدياد التبعات إعادة الوزارات الثلاثة الملغاة!

كانت دهشة، وكانت همهمة، بين النواب والشيوخ الذين فوجئوا بهذا الانقلاب من النقيض إلى النقيض، تُرَى ما الذي جعل الأسود أبيض والأبيض أسود في نظر الوزارة نفسها وفي الظروف نفسها، فجعلها تُعِيد اليوم ما فاخَرَتْ بإلغائه بالأمس!

هل زادت التبعات فعجز الوزراء الثلاثة عن مواجهتها، كلٌّ في وزارته؟!

من سوء حظ النحاس باشا، كان الأمر على عكس هذه الدعوى، وباعترافه هو نفسه.

ففي التموين، كان التوفيق فيه قد بَلَغَ أَوْجَهُ في ذلك الوقت، ووَقَفَ النحاس باشا في خطاب العرش يشيد بأعمال الوزارة في التموين، وكيف أنها أنْقَذَت البلاد من المجاعة، وكان الوزير القائم بشئون التموين عند إلقاء خطاب العرش لا يزال هو مكرم عبيد، وكان الثناء عامًّا بين الناس وفي الصحافة على جهوده، بل كان له الشرف الأعظم أن حَظِيَ بعطف المليك وتقديره السامي لجهوده المتواضعة في التموين بالذات، فما الذي دعا إذن إلى تغيير وزيرٍ كَسَبَ كُلَّ هذه الخبرة وحظي بكل هذا التوفيق؟! لا شك أن الذي دعا إلى التغيير هو شيء غير مصلحة التموين، فلنفتش عن السبب!

والوقاية؟ لم تحدث قبل خطاب العرش غارات تستحق الذكر، بل كادت تكون منقطعة لسوء حظ النحاس باشا، نعم لسوء حظه هو ولحسن حظ البلد؛ لأنه لو تَصَادَفَ حصول غارات شديدة في ذلك الوقت لغَطَّتْ مَوْقِفَه وبرَّرَتْ دعواه أن التبعات قد ازدادت، في حين أنها نَقَصَتْ بفضل الظروف نفسها.

وكذلك الحال فيما يختص بوزارة الشئون الاجتماعية، فلا تبعات ولا يحزنون!

إذن، إذن، لم يكن الغرض من هذا الانقلاب المفاجئ إلا شيئًا واحدًا، هو التخلص من مكرم عبيد وزيرًا للتموين؛ لأنه كان مستمرًّا في التحقيق ضد الأنسباء الكرام في تهمة تهريب الغَزْل رغم الرجاء والاستعطاف حينًا والتهديد حينًا آخر، ولأنه وَقَفَ في وجه صفقات التموين التي أُرِيدَ عَقْدُها لإشباع الشبعانين من قوت الشعب المسكين.

ولو أني في حاجة إلى دليل آخر غير ما قدمت، ففيما يلي الدليل القاطع، الجامع المانع.

عاد النحاس باشا بعد خطاب العرش بأيام فأَعْلَنَنَا في مجلس الوزراء أنه يرى انتداب الوزراء الأصليين للوزارات الثلاثة، عثمان محرم للوقاية، وعبد الفتاح الطويل للشئون، ومكرم عبيد للتموين، فقرر ذلك مجلس الوزراء وأعلن في الصحف.

ماذا جرى إذن لدعوى ازدياد التبعات؟ ولماذا الإعادة بعد إلغاء، ثم الاكتفاء بالانتدابات؟ لماذا كل هذا الكر والفر، ولماذا الإلغاء، فالإبقاء، فالعود إلى إجراء هو في حكم الإلغاء؟

ثم لو أن الأمر كان متعلقًا بمصلحة البلد وبمصلحة التموين والوقاية والشئون، فلماذا ظللنا منتدَبِين للوزارات الثلاثة منذ أواخر مارس إلى النصف الأخير من مايو — أي قرابة الشهرين — وشئون التموين لا يصح الانتظار عليها يومين، فما بالك بشهرين!

كلا، لم يكن للمصلحة العامة أي شأن بعيد أو قريب في مسألة تغيير وزير التموين، بل كانت المصلحة الخاصة هي الهدف الأول والأخير، وكانت المساومات معي هي العلة الوحيدة في الإقدام والإحجام، والتقديم والتأخير.

كيف نبتت الفكرة؟

ولهذه المساوَمات قصة طويلة تتعلق برُخَص التصدير وبجنحة الغَزْل، وسأذكر هذه التفصيلات في حينها منعًا للتكرار، وحسبي الآن أن أقول: إن النحاس باشا — نَظَرًا لموقفي من أهله في هذه المسائل — جاءنا في أواخر مارس قبل اجتماع مجلس الوزراء، وأعلننا أنه عَرَضَ على جلالتكم أَمْر إعادة الوزارات الثلاثة فتَفَضَّلْتم بالموافقة، فكانت قنبلةً ألقاها علي غير انتظار ومن غير مقدمات، واعترض وزير العدل متسائلًا: لماذا لم يُؤخذ رأي مجلس الوزراء في مسألة أقرَّها مجلس الوزراء من قبلُ؟ وانضم إليه الوزراء الحاضرون، وكان الخلاف بيني وبين النحاس باشا معروفًا لبعضهم فأَدْرَكوا الغرض من هذه الحركة المفاجئة، أما أنا فاكتفيت بتسجيل احتجاجي على هذا التصرُّف في شكله وفي موضوعه؛ لأن فيه اعتداءً على اختصاص مجلس الوزراء، واعتداءً مقصودًا على وزير التموين بالذات للتخلص منه للأغراض المعروفة، فأجاب النحاس باشا: «أنت مش موافق ونحن موافقون» وأَمَرَ السكرتيرَ العام بالبدء في جدول أعمال المجلس.

«نحن موافقون» ألقى النحاس باشا هذه العبارة في وجه وزرائه، في الوقت الذي كانوا فيه يعترضون!

لم يَسَعْني إزاء ذلك إلا أن أقدِّم استقالتي، وتضامَنَ معي في الاستقالة وزيرُ المعارف؛ إذا لم يعدل النحاس باشا عن هذا القرار، وقال معاليه لي: إن النحاس باشا لم يكتفِ بذلك؛ بل عندما تَوَسَّطَ الوزراء لديه منعًا للأزمة — وكان هو منهم — صاحَ في وجههم: «اللي مش عايز منكم يتفضل يطلع من الوزراة»! وإنه لا يرتضي لنفسه هذه الإهانة.

لم يَسَع النحاس باشا إزاء هذه الاستقالة إلا الخضوع، خشية الفضيحة، فجاءني بعض الوزراء كما جاءني أمين عثمان باشا وأخبروني أنه قرَّر انتداب الوزراء الثلاثة لوزاراتهم، وانتهى الأمر في الظاهر.

أما في الخفاء فكان شيئًا آخر؛ فقد اجْتَمَعْتُ بالنحاس باشا وأهله في وليمة غداء أقامها لنا صديق للطرفين، وبعد الغذاء خَلَوْنا للتفاهم، وقيل لي بصراحة أثناء التعاتب: إن السبب في محاولة تغيير وزير التموين هو إصراري على تقديم حضرات الأنسباء للمحاكمة، فقلت: إني إنما أُحَقِّق القضية بواسطة الرجال الفنيين، وإني سأنظر إلى المسألة كقاضٍ، لا كممثل للاتِّهام؛ فإذا تبينت البراءة حفظتها، أو الإدانة قدمتها، وسَمَحْتُ للمحامين عن الأنسباء — وكان أحدهم زميلي وصديقي الأستاذ فريد زعلوك — بتقديم المذكرات والحضور في التحقيق.

سَكَنَتْ مخاوف الخائفين قليلًا بناء على هذا التوكيد مني، وقيل لي في اجتماع التعاتب هذا إني «عبيط»، وإن وزير المعارف الذي تضامَنَ معي قد ذَهَبَ واعتذر، وإنه قد انضم إليهم هو والوزراء جميعًا الذين يدَّعون أنهم أصدقائي.

فكان ردي بسيطًا: إني إذا فَقَدْتُ صداقة النحاس في سبيل إرضاء ضميري، فلا يهمني بعد ذلك أيَّة صداقة أخرى.

تلطَّف الجو بعد ذلك بين النحاس باشا وبيني في انتظار تَصَرُّفي النهائي في جنحة الغَزْل.

وفي هذه الفترة عاد النحاس باشا وأهله يسترضونني بكل وسائل الاسترضاء والمجاملات الخاصة والعامة، فحمدت الله على عودة الصفاء، بل وعملت على توثيقه، راجيًا أن لا تتكرر المحنة ولا تتكرر أسبابها، ولعل الناس يذكرون ما نَشَرَتْه الصحف في حينه كيف وقف النحاس باشا في البرلمان يحييني بكلتا يديه، ويُهَنِّيني على خطاب الميزانية تهنئة حارة.

وكذلك في هذه الفترة عاد يستشيرني حتى في شئون وزارته الخاصة، فكنت أنا الذي أشرت بتعيين المحافظ الحالي للإسكندرية عندما استشارني في الأمر بيني وبينه، وكذلك كلَّفني بشئون أخرى خاصة بوزارة الداخلية، وكنت كذلك مُطْلَق اليد في عملي في وزارتَي المالية والتموين، فما مِنْ أَمْر يُعْرَض على مجلس الوزراء أو على رِفْعته كحاكم عسكري إلا ويُقَرُّ في حينه.

أين إذن، وعلى أي أساس بُنِيَتْ تلك الخرافة التي أذاعها النحاس باشا بعد خروجي من الوزارة لكي يُبَرِّر ما لا سبيل إلى تبريره، وهي أني غَضِبْتُ للانتقاص من سلطتي، في حين أني منذ تكوين الوزراة — وحتى بعد ظهور الخلاف بيننا في العمل، بل وبسبب هذا الخلاف نفسه — كنت على الدوام محلَّ استرضاءٍ وثقة وثناء؛ لأني كنت محل الرجاء!

ولكن الرجاء عاد فانقطع؛ لأن الداء عاد فرجع!

ذلك أن التحقيق أثبت إدانةَ الأنسباء، وفُتِّشَتْ مخازنهم في القاهرة وفي الإسكندرية فلم يُوجَد بها الغَزْل الذي ادَّعَوْا أنهم خزنوه ولم يُهَرِّبوه!

عندئذٍ عاد النحاس باشا المسكين يُفَكِّر في إخراجي من وزارة التموين قبل ضياع الوقت، وكان أول خبر وَصَلَنِي عن هذه النية نقلًا عن أحد الأنسباء المقربين جدًّا، الذي صاح في وجْه موظفي التموين أن النحاس باشا سيخرجني من وزارة التموين؛ ولذلك فإنه عندما ذَهَبَ المفتش المنتدب ليفتش مخزن الإسكندرية قيل له: إن المفتاح مع الأستاذ أحمد الوكيل في مصر، وإنهم يطلبون مهلة لاستحضار المفتاح منه! ولعلها أول حادثة من نوعها في تاريخ التجارة حديثًا وقديمًا، أن يكون لمعمل فَرْع في بلد أخرى كالإسكندرية ومخزن للبضاعة ولا يكون المفتاح مع رئيس الفرع ولا مع المخزنجي، بل مع مدير المعمل في القاهرة.

أحسَّ المحقق هذا التلاعب وأَثْبَتَه في تقريره (ونصُّ التقرير مرفَق مع هذا لاطِّلاع جلالتكم عليه) فأَصْدَرْتُ أمري بكسر المخزن عنوة، فلما كَسَرُوه لم يجدوا فيه البضاعة التي اَّدَعَوْا تخزينها فيه، بل وجدوه قاعًا صفصفًا، كما وجدوا مخزن القاهرة أيضًا أفرغ من فؤاد أم موسى.

لم أجد بدًّا إذن حيالَ هذه الأدلة المادية القاطعة — وبعد الاطلاع على تقرير موظفي التموين المثبتة للإدانة — من أن أثبت رأيي بالموافقة على إحالة القضية على النيابة العسكرية، ولكي لا أُتَّهَم بالتعسف أو التعنت أَمَرْتُ في الوقت نَفْسه بإحالة الأوراق على حضرة المستشار الملكي لأخذ رأيه.٥

وفي اليوم التالي صدر القرار بتعيين الوزراء الجدد ومنهم وزيرٌ للتموين.

(١-١٠) مُعَلِّم وزير

ولو أني — كما يَدَّعُون — أَرَدْتُ الاستئثار بالسلطة وغَضِبْتُ لانتزاعها مني لَقَدَّمْتُ استقالتي من الوزارة بناء على هذا التعيين الجديد الذي لم يُقْصَد به إلا التخلص من سلطتي، ولكني لم أَفْعَل واكتفتيت بتحذير النحاس باشا من عواقب تعيين وزير جديد للتموين، لا خبرة له — بطبيعة الحال — بشئون التموين، في وقتٍ من أشد الأوقات خطرًا على التموين، وفيه تحتاج البلاد إلى كل ذي خبرة ومران.

ولكن النحاس باشا والوزراء معه كانوا يقولون إنهم يعتمدون على إرشادي للوزير الجديد، وقال لي عثمان باشا محرم متحمِّسًا — وكنا مجتمعين في منزله عند البحث في تعيين الوزراء الجدد — «مكرم باشا يبقى يعلِّم الوزير الجديد»!

وهكذا ابْتُدِع في الفقه الدستوري الجديد منصب «مُعَلِّم وزير»، ولا خطر، بل هناك كل الفائدة في التفريق بين العلم والعمل، عسى أن يتحقق الأمل؛ ويا له من أمل!

ومن طريف ما يُذْكَرُ في هذا الصدد، أن معالي علي باشا حسين وزير الأوقاف إذ ذاك — ولم يكن واقفًا على سِرِّ الآلهة؛ لأن النحاس باشا كان مبيِّتًا النية على إخراجه٦ — تدخَّل في أثناء المناقشة، واعترض في صراحةِ القاضي النزيه على تعيين وزير جديد لا خبرة له بشئون التموين، وقال بكل بساطة: لماذا نبحث عن وزير جديد للتموين ولدينا مكرم، وقد وفَّقه الله كل التوفيق في عمله، وأصبحتْ له خبرة واسعة في العمل في حين أن تعيين وزير جديد قد يَضُرُّ بمصلحة التموين، ولا مانعَ من الاكتفاء بتعيين وزيرين للوزارتين الأخريين، ولكن النحاس باشا أجاب قائلًا: لا بد من تعيين الثلاثة، لأنه وَعَدَ بالثلاثة!٧

(١-١١) أزمة الاستثناءات

لم يَمْضِ وقت طويل حتى تَلَتْ هذه الأزمة أزمة الاستثناءات، وسأُفْرِد لهذه المسألة الخطيرة بابًا خاصًّا في هذه العريضة تُفَصِّل فيه وقائع الاستثناءات وفضائحها، وحسبي في هذه النظرة العامة أن أشير إلى مُلَابَسَاتِها التي أدَّت بعد مسألة الرُّخَص إلى الأزمة الفاصلة بين النحاس باشا وبيني.

ومن المدهش حقًّا أن يقف النحاس باشا في البرلمان بعد ذلك ويقول: إن مَكْرمًا تخيَّر مسألة الاستثناءات خصِّيصًا للخروج من الوزراة، ونسي أو تناسى أنه هو الذي أخرجني ولم أخرج أنا من تلقاء نفسي! ولكنها ظاهرة غريبة في الرجل منذ أن تَفَاقَمَ الخلاف بينه وبيني، فقد أصبح جريئًا، وجريئًا جدًّا في تناسي الوقائع، وسأُبَيِّن في خلال هذه العريضة وقائعَ رسمية كهذه الواقعة لَقِيتُ منه هذا التناسيَ المحزن، ولعل له في ذلك بعض العذر، فالسلطة التي بيده تسمح له بالتناسي والنسيان، ولا تسمح لغيره بالتبيان.

ولقد سَمَحَ النحاس باشا لنفسه أن ينشر على الناس أثناء قيام أزمة الاستثناءات محاضر مجلس الوزراء، دون أن يستأذن المجلس في ذلك، بل دون أن تُعْرَض عليَّ أقوالي لمراجعتها وإقرارها، وهو حقٌّ أولى للوزير كما هو حق أولى للنائب أن يطلع على المضبطة التي تتضمن أقواله قبل إقرارها من المجلس.

ولكنه حسنًا فعل، فالمحضر كان صحيفةَ اتهام له، ودفاعٍ عني، رغم ما حُذِفَ منه وهُذِّب فيه، وفيما يلي واقعتان خطيرتان أغفلهما المحضر أو حُذِفَا منه حذفًا:
  • (١)

    كانت أول عبارة افْتَتَحَ بها النحاس باشا الجلسة قوله: «كلٌّ منكم حُرٌّ في إبداء رأيه». وأُثْبِتَتْ هذه العبارة في المحضر الذي نُشِرَ على الناس، أما الذي لم يُثْبَتْ، أو في القليل لم يُنْشَر، فهو ما أَرْدَفَ به هذه العبارة إذ قال: «ولكني أخبركم أنكم إذا أَخَذْتُم برأي وزارة المالية فإني سأتخلى عن الحكم.»

    هذه العبارة التي كان لها أَثَرٌ حاسم في موقف الوزراء الآخرين وفي إعطاء أصواتهم، والتي لا أشك أن سكرتير عام المجلس قد أثبتها في محضره لأنها استثارت ردًّا مني عليها؛ إذ قُلْتُ: إنه من الأَوْلى أن أتخلى أنا عن منصبي في الوزارة لأني أنا صاحب الاقتراح المقدَّم بمنع الاستثناءات. هذه العبارة وما تَبِعَها مِنْ رَدٍّ عليها لم يُشَرْ إليهما أصلًا في المحضر المنشور بالجرائد! ولا شك أن النحاس باشا — ذلك الرجل الأمين في النقل إلى حد التفصيل الممل في أحاديثه وخُطَبه — قد رأى أن الأمانة في النقل تقتضي حَذْف هذه العبارة الخطيرة من المحضر أو من الصحف، كما رأى أنها تَسْمَح له بنشر أقوال لي — وأنا الطرف الآخر في الحديث — دون اطِّلاعي عليها، فراجَعَها هو بالنيابة عني! هذا فضلًا عن أنه نَشَرَ المحضر كله بدون إذن مجلس الوزراء، وهو صاحب الحق في نَشْر مداولاته السرية بحكم القانون.

  • (٢)

    وهناك ما هو أَبْلَغ وأَقْطَع في معنى الخوف من صحة النقل حتى لا تفتضح حقيقة الأزمة للناس، وهو الخوف الذي ساوَرَ النحاس باشا، وما زال يساوره حتى الآن، وأملى عليه جميع تصرفاته المخيفة والخائفة معًا!

    فقد أشار النحاس باشا في المحضر حسبما نَشَرَتْه الصحف إلى ما أُذِيعَ عن أنسبائه ورخص التصدير، فرَدَدْتُ على ذلك طويلًا، وقلتُ: إن ما أُذِيعَ قد نتج عن تصرفاتهم هم وتصرفاته هو في مسائل الترخيص، وأَثْبَتُّ في المحضر ما حصل مِنْ رِفْعَته ومنهم في مسائل الزيت والسكر والأرز، كما أَثْبَتُّ حديث كامل باشا صدقي معي بشأن ما حاوَلَه النحاس باشا من استصدار رخصة منه لأنسبائه بتصدير أرز إلى الشام، إلى آخر المأساة المتعلقة برُخَص التصدير، وكان كلامي في مواجهته هو وفي مواجهة الوزراء، ولم يَرُدَّ أحد بكلمة واحدة على ما أَثْبَتُّه في المحضر، ولكن جميع أقوالي هذه التي تنصبُّ على صميم الأزمة قد اختفت بسحر ساحرٍ من المحضر المنشور، مع أنها تستغرق صفحتين منه على أقل تقدير، وقد تَحَايَلَ النحاس باشا على عَدَم نَشْرها في المحضر تحايلًا لا يليق به، فَمَهَّدَ لنشر المحضر بعبارة يؤخذ منها أن النشر قاصر على مسألة الاستثناءات، ثم أَثْبَتَ كلامه هو فيما يختص برُخَص التصدير ولم يُثْبِتْ ردِّي عليه!

ولقد نُشِرَ هذا المحضر على إثر نَشْر مذكرة اللجنة المالية بمنع الاستثناءات في إحدى الصحف بناءً على طلبي، وما بي من حاجة إلى ذِكْر السبب الذي دعا إلى هذا النشر، فقد أُشِيرَ إليه في كلمة تمهيدية نُشِرَتْ مع المذكرة؛ ذلك أن الصحف كانت قد نَشَرَتْ في اليوم السابق بيانًا موعَزًا به من رياسة مجلس الوزراء، (وقد نَشَرَتْهُ الصحف جميعًا بنصه، واعترف النحاس باشا بأنه هو الذي أَمَرَ بنشره)، وجاء في هذا البيان أن مجلس الوزراء رَفَضَ مذكرة اللجنة المالية بإجماع آراء الوزراء عدا وزير المالية، وأن أسباب هذا الرفض تتلخص في كيت وكيت!

ولعلها أول مرة في تاريخ مصر السياسي أَوْعَزَ فيها رئيس وزراء إلى الصحف بنشر عدد الأصوات التي أَعْطَتْ تأييدًا لقرار مجلس الوزراء وتفنيدًا لرأي أحد أعضائه، فضلًا عن نشر أسباب القرار التي أُبْدِيَتْ في مداوَلات المجلس.

لم يكن لهذا النشر الذي أَعْلَن على الناس خذلانَ الوزير المختص وإجماع آراء الوزراء ضد رأيه، لم يكن له إلا حكمة واحدة؛ هي إحراج مركز الوزير أمام الرأي العام وإلزامه بتقديم استقالته؛ إذ لا يَتَصَوَّر أحد أن رئيس وزارة في مصر أو في إنجلترا أو غيرهما يَطْلَع على الجمهور ببيان لا تمهيدَ ولا سابقةَ له ويقول فيه: إن المجلس قد رَفَضَ بإجماعِ الآراء رأيَ الوزير المختص، ثم يبقى هذا الوزيرُ لحظةً في مركزه! وإذا لم يَخْرُج الوزير من تلقاء نفسه، فإن صدور مثل هذا البيان للناس من مجلس الوزراء يعني — تصريحًا لا تلميحًا — «تَفَضَّلْ فاخرج!»

كانت هذه هي النتيجة المنطقية المترتبة على هذا الإعلان، ولكني — تفاديًا للأزمة ونتائجها الخطيرة — رأيت من واجبي كوزير للمالية أن أكتفي بالدفاع عن رأي اللجنة المالية، حتى لا يقال إن رأيها قد بَلَغَ من السخف أو من الضعف مبلغًا أدَّى إلى رَفْضه بإجماع آراء الوزراء عدا وزير المالية المختص، فأَمَرْتُ بنشر المذكرة من غير ما تعليقٍ عليها، ردًّا على البيان المسبَّب الذي نَشَرَتْه الصحف لمجلس الوزراء، وبذلك تخيرْتُ أهون السبيلين منعًا للأزمة، سيَّما وأن المذكرة لم تتضمن إلا بحثًا اقتصاديًّا بحتًا في وجوب مَنْع الاستثناءات المطلوبة وغيرها، من غير ما تعريضٍ بمحسوبية أو تعرُّضٍ لسياسة.

(١-١٢) إقالة

بيد أن الذي يدعو إلى التساؤل حقًّا — وهو تساؤل يذهب بنا إلى حد العجب — هو موقف النحاس باشا مني عقب ذلك، فلقد كان مفهومًا أن يَرُدَّ على نَشْر المذكرة المالية التي لم تُنْشَرْ إلا ردًّا على بيانه المختصر، كان مفهومًا أن يَرُدَّ عليها بنشر المحضر المفصَّل لمجلس الوزراء، وأن يكتفي بهذا الرد الذي حَسِبَه مُفْحِمًا وأَقْنَعَ نفسه بأنه لمصلحته، ولكن الأمر الذي لا نفهمه أو من العسير فهْمُه على غير العارفين هو أن النحاس باشا — وقد كانت له الكلمة الأخيرة في النقاش — لم يقنع بذلك، بل أبى إلا أن يخطو الخطوة الفاصلة بيني وبينه، فطَلَبَ استقالتي أو إقالتي!

عجبًا! فلم تكن مَضَتْ ثلاثة أيام على جلسة مجلس الوزراء الخاصة بالاستثناءات حينما وَضَعْتُ استقالتي تحت تصرُّف رئيس الوزراء فأبى هو والوزراء قَبُولَها، فما الذي حَدَثَ فاستوجب هذه الطفرة من النقيض إلى النقيض؟

عَلَامَ وعلى مَن اعتمد لاتِّخاذ هذه الخطوة الجريئة؟ وأيُّ وَحْي استوحى فأوحى؟ لعل في الأمر سرًّا أو في السر أمرًا ستكشف الأيام عن خبيئته.

ومهما يكن مِنْ أَمْرٍ، فقد انتهزها النحاس باشا فرصةً يحاول فيها إقالتي، حتى لا يفتضح أَمْرُه باستقالتي؛ وذلك لأن الاستقالة تَحْمِل معنى الاحتجاج على تصرفاته — وفي هذا كَشْف له — في حين أن الإقالة تُبْرِزه للناس غاضبًا لا خائفًا، شاكيًا لا مشكوًّا.

الخوف من افتضاح أَمْره هو إذن السرُّ كل السر في محاوَلَته تعجُّل الأزمة بالإقالة؛ إذ لا يغطي سوءَ القالة إلا الإقالة، أو الإذعان لتكليفه إياي بالاستقالة!

وليس أَمْعَن في معنى الإقالة من الاستقالة الجبرية، وبخاصة إذا ما سَبَقَتْها استقالات اختيارية فرُفِضَتْ.

ولئن كان الواجب المقدس يمنعني يا مولاي من الإفاضة فيما دار حول المسعى لإقالة هذا الضعيف من محادَثات، ومقابلات، ومحاوَلات تسْودُّ لها وجوه وتبْيَضُّ وجوه، فما من شيء يمنعني، بل كل شيء يدفعني إلى أن أدعو الله وهو خير حافظًا أن يَحْفَظَكُم لمصر مَلِكًا يحوطه الشرف ويخدمه الشرفاء، ومصريًّا هو للوطن صخرة النجاة وقبلة الرجاء.

ولمَّا لم يَجِد النحاس باشا سبيلًا دستوريًّا إلى إقالة الشرفاء النزهاء، عمد إلى وسيلة دلَّت على حنقه وضعْفه معًا، فأقالني ببلاغ من سكرتارية مجلس الوزراء! وأَعْلَنَت الصحف بيانًا من هذه السكرتارية جاء فيه: إن رئيس الوزراء قد دعا جميع الوزراء عدا وزير المالية لحضور جلسة مجلس الوزراء الذي سيُعْقَد في ذلك اليوم! وهكذا كانت الإقالة بقدر المقيل!

(١-١٣) ما بعد الوزارة

وكانت الروح التي أَمْلَتْ عليه محاوَلة إقالتي من الوزراة هي هي التي دَفَعَتْه إلى إقالتي من الوفد، وهي كالأخرى لا تُكَلِّفه كثيرًا إلا بلاغًا من سكرتارية مِطْوَاعة.

وليس من حقي أن أعرض على مولاي أيةَ تصرفات حزبية إلا ما كان منها ماسًّا بمصلحة الدولة، ومتصلًا بالغرض الذي أرمي إليه من هذا القسم التمهيدي للعريضة، وهو إبراز الأزمة في لونها الحقيقي، وتعليل ما سَبَقَها وما لَحِقَها من إجراءات لم يُقْصَد بها إلا التستر على ما خفي، ما كان منه وما بقي!

وإذا كان النحاس باشا قد بيَّت النية على الغدر بي في الوزارة فرَفَضَ استقالتي وحاوَلَ إقالتي، فما من شك أن هذه كانت نيته المبيتة لي بعد خروجي من الوزارة كسكرتير للوفد وعضو فيه، وللأسباب وللأغراض عينها.

وكان النحاس باشا قد أعلن في إبان اشتداد الأزمة الوزارية أنه سيُخْرجني من الوزارة والوفد معًا، ظنًّا منه أنه سيلقى من الشعب تأييدًا لموقفه، اعتمادًا على ما لَهُ مِنْ سلطة الحكم وسلطة الوهم، ولكنه فوجئ أيةَ مفاجأة حينما دُعِيَت الهيئة الوفدية للاجتماع عقب استقالة الوزارة ورأى الشباب الوفدي، وأعضاءُ اللجان يَحْمِلُونني على الأعناق في النادي السعدي هاتِفِين «لمكرم النزيه»، ثم رأى، ويا للعجب مما رأى، أن هذه الحماسة البريئة الصادقة قد سَرَتْ من الشباب إلى الشيوخ والنواب، فحيَّوْني جميعًا تحيةً ما أكرمَها، واقفين هاتفين!

وإن أنسَ لا أنسى موقِفَ النحاس باشا في تلك الساعة الرهيبة، فقد كان قابعًا في إحدى غرف النادي مترقبًا ما سيكون، وسَمِعَ الهتاف بأذنيه، ولعله أدرك أن الحال غير ما كان يتوقع من حالٍ، وإن كان الأنصار هم بعينهم الأنصار، والوفد هو بعينه الوفد، ولكن ما أَبْعَد الشَّبَه بين الليلة والبارحة!

لو أنه فطن لأيقن أن هذه الهتافات المنفجرة في حضوره، ورَغْم حضوره، إن هي إلا صدًى للرأي العام، وإن هي إلا أصوات مُنْذِرَة، تَعْقُبُها زمجرة!

ولكنه هو ومَنْ مَعَهُ حسبوا أنهم قد يتغلبون على الطبيعة، بالاصطناع والصنيعة، فخدعوا أنفسهم وليسوا هم أوَّلَ الخادعين المخدوعين الذين خدعتهم الخديعة!

دخل النحاس باشا قاعة الاجتماع مهزومًا ومهمومًا، فوقَفْتُ محييًا ولكنه لم يَرُدَّ التحية، ثم اضطر نزولًا على طَلَب الهيئة إلى مصافَحَتِي، وانتهى الأمر بأن تَعَاهَدْنَا على الامتناع من طَرْح أسباب الخلاف عليها، كما أَنْكَرَ رِفْعَتُه أمام الهيئة أية نية أو رغبة له في المساس بمركزي في الوفد، وأَصْدَرَتْ سكرتارية الوفد بيانًا بهذا المعنى وبما تم في الاجتماع من تَفَاهُم على الاحتفاظ بوحدة الوفد رَغْم الاختلاف في الحكم.

ولكن ما أَسْرَع ما لَفِظَ الرجل وَعْده، فنَقَضَ عهده، ولمَّا تَمْضِ بعض ساعات على ما أَخَذَ به نفسه!

ففي مساء اليومِ نَفْسِه حاوَلَتْ إحدى الصحف أن تنشر أن الاتفاق تم بين رئيس الوفد وسكرتير الوفد، وأن النواب طلبوا إليَّ عندما دَخَلْتُ القاعة أن أجلس في محلي المعتاد كسكرتير عام للوفد، فحذف الرقيب عبارة «سكرتير الوفد» حيثما ورَدَتْ، كما حَذَفَ عبارة «المجاهد الكبير» في صحيفة أخرى! ولمَّا تَحَرَّيْتُ الأمر عَلِمْتُ أنه قد صَدَرَتْ تعليمات بهذا الحذف من معالي الأستاذ محمود غنام وزير التجارة بإيعاز من رفعة رئيس الوزراء، ولما خاطبت وزير التجارة في ذلك قال إنه سيعمل على تهدئة الحال!

ولكن ما الذي كَدَّرَ هذه الحال بعد الذي حدث من تَصَافُح وتَسَامُح، ولم يكن قد صَدَرَ مني أو من غيري شيء في المسافة بين النادي والدار، وفي السويعات بين الليل والنهار، كلا، بل هي نية الغدر بالزميل القديم، والسبق إلى الإخراج قبل الإحراج!

وحسبي أن أُلَخِّصَ بعض ما تلا خطوته الأولى من خطوات، لو أنها اتَّجَهَتْ ضدي وحدي لهان الأمر، ولكنها اتجهت ضد الحريات العامة والمصلحة العامة في شتى مناحيها.

بدأ النحاس باشا بمحاولة مَحْو اسمي من الصحافة، فأَمَرَهَا بأن لا تنشر شيئًا مني أو عني، مهما يكن بريئًا أو بعيدًا عن السياسة، وفي الوقت نفسه سَمَحَ لبعض جرائده أن تَتَهَجَّم على موقفي منه دون أن يسمح لي حتى بحق الرد أو التصحيح، الذي أعترف به لك خصم في كل عهد من العهود.

وذهبت به الجرأة إلى حَدِّ مَنْع الصحف من نَشْر خطاب كريم تَفَضَّل بإرساله إليَّ حضرةُ صاحب السمو الأمير الجليل عمر طوسون، ذاكرًا لي ما أَدَّيْتُه من خدمات متواضعة لبلادي، ومتمنيًا لي التوفيق في خدمتها خارج الحكم، وكذلك مَنَعَ نَشْر رسالة كريمة من رجل من كبار رجال الدين والتقوى هو فضيلة الشيخ أبو الوفا الشرقاوي.٨

ولم يَكْفِه ذلك بل أَصْدَرَ التعليمات مكتوبة إلى الرقيب بحظر كل إشارة إلى البرقيات التي تَرِدُ من الخارج وفيها بعض الثناء أو التقدير لمَكْرَم.

وما دام رِفْعَتُه قد سَمَحَ لنفسه بمنعي عن الرأي العام، فليس أهون من أن يمنع الرأي العامَّ عني؛ ولذلك صادَر عددًا كبيرًا جدًّا من البرقيات التي كانت تُرْسَل لي من مختلف نواحي البلاد، ومن كثير من الهيئات والجماعات، حاملة لي رسالة التقدير والتشجيع من أبناء هذا الشعب الكريم، الذي يتميز عن كثير من الشعوب بدقة حساسيته وسلامة غريزته.

وليس مثل الاستبداد سيدًا ينفر من كل شرك في السيادة، فيستبد بالمستبد نفسه حتى يصبح الاستبدادُ لديه ميلًا واستعدادًا، ومن ثَمَّ نراه يسير في طريقه المرسوم خطوة فخطوة، واطرادًا فاطرادًا.

وهكذا انْزَلَقَ النحاس باشا من استبدادٍ إلى استبداد، فتدرج من رِقَابة الصحف إلى رقابة منزلي، إلى رقابة رسائلي البرقية، إلى رقابة مواصلاتي التليفونية، وانتهى به الأمر إلى فَرْض الرقابة على البرلمان نفسه!

غير أنه رأى تمهيدًا لخطته في البرلمان وفي الوفد أن ينقض عهدًا آخر، وما أسهل التعوُّد على نقض العهود! فراح يَجْمَع الهيئة الوفدية البرلمانية مجزَّأة في مُمَثِّلي كل مديرية من المديريات ويَشْرَح لها أسباب الخلاف، ناسيًا ما قَطَعَهُ على نَفْسه من عَهْد صريح في اجتماع الهيئة الوفدية بالنادي السعدي، وناسيًا أن الحكم في القضايا الأدبية لا يُفَرَّق فيه بين الغياب والاغتياب.

كان النواب والشيوخ يخرجون من هذه الاجتماعات وهم حيارى، لا يَدْرُون هل كان النحاس باشا يُدَافِع عن نفسه أو ضدها، كما كان يَرْوُون عنه من الأقاصيص ما كُنْتُ أمتنع عامدًا من روايته، حرصًا على كرامته.

وقد أعلن رِفْعته في هذه الاجتماعات أنه هو — من بادئ رأيه — قد فَصَلَني من سكرتارية الوفد، وأنه سيقاوِمُ بكل وسيلة ترشيحي لنقابة المحامين، فأَرْسَلْتُ إليه خطابًا مذَكِّرًا إياه أنني انْتُخِبْتُ سكرتيرًا عامًّا للوفد بإجماع آراء الهيئة في نفس الجلسة التي انْتُخِبَ هو فيها رئيسًا للوفد، وأنه فيما يختص بنقابة المحامين فليس لأية حكومة عسكرية كانت أو غير عسكرية أن تتدخل في انتخابات طائفة كريمة مثقفة كطائفة المحامين، فتَعْبَث بحريتهم وكرامتهم، ولكنه لم يَتَفَضَّلْ بالرد عليَّ، وجاءني رَدُّه في البرلمان على غير توقُّع وانتظار!

وكان البرلمان قد أَجْرَمَ في حق النحاس جريمةً لا تُغْتَفَر، فقرر مجلس الشيوخ — في حضور وزير العدل — شكري على ما أَبْدَيْتُ من خدمات للبلاد كوزير للمالية والتموين، فصفق الجميع لهذا القرار بالإجماع وصَفَّقَ معهم وزير العدل، غيرَ مُدْرِك إلا بعد أن استدْرَكَ أن في الأمر وزرًا، وكان استدراكه في مجلس النواب حينما هَدَّدَ النحاس باشا نوابه بالتخلي عن الحكم إذا ما اشتركوا مع الشيوخ في التقدير والشكر، فاستبعد رئيس المجلس الاقتراح بشكري دون أخذ الأصوات عليه من المجلس، ولكني رأيت أن أكون كريمًا في عَيْنَيْ نفسي، فوقَفْتُ مؤكدًا أنَّ شُكْر مجلس الشيوخ إنما وُجِّهَ لي كوزير في وزارة يتقاسم أصحابها الفضل، فسَكَتَ النحاس باشا واجمًا؛ لأن المسكين خاف أن يكون كريمًا، وللكرم ثَمَنُه، ثم ما لبث وما لبثنا حتى رأيناه في آخر الجلسة ينقلب في غير مناسَبة من الوجوم إلى الهجوم، ويُعْلِن بصدد طلب تأجيل استجواب التموين أنه هو وحده دون أي وزير آخر كان ولا يزال المسئولَ عن شئون التموين! وهكذا رضي وأرضى!

(١-١٤) متهم

ثم تلت ذلك جلسةُ الاستجواب المقدَّم من حضرة النائب المحترم الأستاذ فكري أباظة بصدد الاستثناءات، فأَصَرَّ على نَظَر الاستجواب في نفس الجلسة، رَغْم طَلَب المستجوِب بيانات، ورَغْم اكفهرار جو الحرب واقتراب الخطر من الإسكندرية، ولكنه صاحَ في وجْهِ كُلِّ معترِضٍ صيحةً كَشَفَتْ عن حقيقة أَمْرِه وخبيئة سِرِّه قائلًا: إنه متَّهَم، وإن الحكومة متهَمة، وإنه لا بد له من الرد على هذا الاتهام!

متهم! نعم هذا هو مفتاح السر وأصل الشر، وهذه هي العقلية التي تسلَّطت عليه فجَعَلَتْه يُحَاوِل التسلط على كل شيء في البلد لكي يُخْفي وقائع التهمة وأدلة التهمة، ولكي يَقْطَع ألسنة الاتهام في الصحافة، أو في البرلمان، أو في المجتمعات، وأخيرًا فهناك ممثِّل الاتهام والمطَّلع على الأسرار والأسانيد، هذا قَبْل غيره يجب أن يُحاط بسياج من حديد.

عقلية المتهم هذه تجلَّت أيضًا في القرار الذي أَصْدَرَه أو استصدره من هيئة الوفد، فمكرم وإخوانه من شيوخٍ ونواب فُصلوا جميعًا من الهيئة التي كانت تنتمي إليهم أكثر من انتمائهم إليها، لا لسبب إلا لأنهم «اتَّهموا» رئيس الوزراء بالتفريط في حقوق البلاد!

هنا أيضًا المتهم يَتَكَلَّم، والمتهم يَتَظَلَّم، ويا ويل العدالة إذا كان المتهم هو الذي يَحْكُم ويَتَحَكَّم!

فهل من عجب — وتلك عقلية المتهم — أن يُحَاوِل عند أول فرصة تتاح له أن يتخلص من ممثِّل الاتهام بفصله من وظيفته كسكرتير للوفد، ومن هيئته كعضو فيها؟ وقد سنحت له هذه الفرصة في استجواب الاستثناءات، فما كِدْتُ كممثل للاتهام أَلْفِت نظرَه إلى واقعة بريئة أشار إليها في دفاعه مبيِّنًا له أن هذه هي نقطة البحث، حتى هاج وماج وصاح في ألفاظ ضَاقَت المضبطة عن بعضها وببعضها، فقال: إني فَصَلْتُك عن سكرتارية الوفد، وإني كذا وكذا وأنت كذا وكذا، إلى آخر ما قال ممَّا يدعو إلى الرثاء لحاله أكثر من التأذي بأقواله.

استمرت الحال على هذا المنوال، وتفاقم الاعتداء على الحريات جميعًا في سبيل الاعتداء على حرية مكرم في الكلام، كما ساءت حالة الحكم وتفشَّت المحسوبية والمحاباة في أسوأ مَظَاهِرها بين الموظفين والأهلين، وامتد الفساد والعبث إلى التموين وغيره من المرافق الحيوية، ثم تَعَرَّضَت البلاد لويلات الحرب ولم تَجِدْ من الحكومة الوقايةَ أو العنايةَ الكفيلةَ بحماية الأرواح والحقوق، وفي هذا الحين وفي وسط هذا الضيق قامت الحكومة بفَرْض الضرائب غير الرسمية على الأهلين باسم مشروع البر، ثم راحت تُنْفِق النفقات الجسيمة في شراء السيارات للوزراء وأتباعهم، وفي مظاهر الترف التي سيأتي الكلام عنها في خلال هذه العريضة، حيال هذا كله رأيْتُ وبعض إخواني من النواب أن نتقدم إلى المجلس بعريضة نطلب فيها مناقشة هذه التصرفات، دون أن نلجأ إلى طريق الاستجواب، وقلنا في صريح اللفظ إننا لا نبغي إحراجًا بل علاجًا.

وقد أردنا أن نكون أمناء للنظام الحزبي، فاتَّصَلْت بحضرة سكرتير عام مجلس الوزراء، وطَلَبْتُ إليه أن يرجو مِنْ رِفْعة النحاس باشا عَقْد الهيئة الوفدية لمناقشة العريضة فيها قبل تقديمها إلى البرلمان، عسى أن نُقْنِع الحكومة بأخطائها فتعالجها، أو نَقْتَنِع نحن بخطأ مآخذنا عليها فنَعْدِل عنها، من غير ما حاجة إلى مناقَشَة في البرلمان، ولكنه رَفَضَ عَقْد الهيئة قائلًا: أمامَكُم طريق الاستجواب في البرلمان.

لم يكن بُدٌّ إذن من تقديم العريضة إلى البرلمان لمناقشتها، ولكن حدث قُبَيْل الجلسة المحدَّدة لتقديم العريضة أن اجتمع رئيس مجلس النواب في غُرْفَته ببعض الوزراء، ثم افْتُتِحَت الجلسة، فإذا برئيس الوزراء يَقِفُ ويطلب جلسة سرية لإلقاء بيانٍ عن الحالة الحربية، وانعقد المجلس في جلسة سرية، وألقى رئيس الوزراء بيانه، وإذا برئيس مجلس النواب يفاجئنا بالإعلان من منبر المجلس أن عريضة موقَّعًا عليها من ستة وثلاثين نائبًا قد قُدِّمَتْ إليه بطلب المناقشة في بعض المسائل، وأنه بهذه المناسبة يَعْرِضها على المجلس ويتلوها عليه، وبعد تلاوتها لَفَتَ سعادته نَظَرَ المجلس إلى ما له مِنْ حَقٍّ في مناقشة العريضة أو استبعادها، وسَأَلَ عما إذا كان المجلس يوافق على استبعاد العريضة فوافق الأنصار المتحمسين صائحين، رَغْم احتجاجنا بمخالفة هذا التصرف الغريب لأحكام الدستور واللائحة، فكان احتجاج، وكان لجاج، ولكن لم تكن هناك مناقشة، بل استبعدت كل مناقشة، وفقًا للتقاليد النيابية الحديثة التي ابتدعها مصطفى النحاس ومن إلى مصطفى النحاس، لحماية مصطفى النحاس!٩

خرجنا من هذه الجلسة السرية وقد كَسَبَ النحاس باشا المعركة، فالعريضة قُدِّمَتْ في السر، وتُلِيَتْ في السر، واسْتُبْعِدَتْ في السر، وكان الله بالسر عليمًا.

بقي إجراء آخر، هو أن يُفْصَل مكرم من الوفد من غير ما مناقشة أيضًا، ورَغْمَ أني وزميلي المحترم راغب بك حنا طَلَبْنَا تأجيل الجلسة إلى الغد لوفاة قريبة لي ولمرض زميلي؛ فإن الوفد اجتمع في تلك الليلة نفسها في غيبتنا، ومن غير إخطارنا بالتصميم على الاجتماع، واتخذ الأعضاء المساكين قرارهم دون أن يَسْمَعُونا، فشَرَّفُونا ولم يُشَرِّفوا هيئتهم، بل ولا مداولاتهم بمظهر المناقشة أو الموازنة بين الطرفين، ولكن النحاس باشا كَسَبَ ولا شك المعركة، فقد فاز بمَنْع ممثل الاتهام من الإدلاء بأسباب التهمة وأسانيدها، ولو بين أربع جدران، إذ إن «للحيطان آذانًا»!

وكانت مساومة مفضوحة، ولعبة مكشوفة تلك التي جَعَلَتْهُم يعلنون في قرارهم أنهم سَيَنْظُرون في أَمْر النواب الذين وقَّعوا على العريضة في جلسة أخرى، فما بين الجلسة والجلسة تبذل الهمة لإنهاء هذه المهمة! وقد انتهت — ويا للأسف — إلى خاتمة مُحْزِنة توسَّلوا إليها بوسائل من مثلها، تدل الدلائل على أصلها!

ومن أروع ما يُذكر في هذا الصدد أن حضرات الشيوخ والنواب الذين ثَبَتُوا معي في الدفاع عن النزاهة والشرف أرسلوا إلى النحاس باشا استقالة مسبَّبة وقَّعوها بإمضاءاتهم احتجاجًا على قرار الوفد الذي صَدَرَ ضد زميلي وضدي، وفيما يلي نَصُّ هذه الاستقالة:

حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا

يتشرف الشيوخ والنواب الوفديون الموقِّعون على هذا بأن يُقَدِّموا إلى رفعتكم استقالتهم من الهيئة الوفدية التي تَرْأَسُونها؛ وذلك احتفاظًا منهم بوفديتهم الأصيلة واستمساكًا بالمبادئ الوفدية الخالدة التي ساهموا فيها وجاهدوا لها منذ أن شُكِّلَ الوفد برئاسة زعيمه الخالد سعد زغلول.

ولقد رأينا من مصلحة الوطن والوفد معًا أن نبادر باتخاذ هذه الخطوة، بعد أن اقتنعنا بأنكم خالفتم مبادئ الوفد السامية في الحكم وفي الوفد معًا، بحيث أصبحت حقوق بلادنا وكرامات رجالنا في خَطَرٍ داهِمٍ لن ينقذها منه إلا رحمة الله ودماء المخلصين من أبناء هذا البلد الأمين.

ولقد عاهَدْنَا الله أن نُجَاهِد جهاد البررة الأوفياء لمبدأ الوفد الأمين لكي نُبْقِي على البقية الباقية من فكرة الوفد السامية التي أذكاها سعد ويحييها اليومَ أبناءُ سعد.

وتفضلوا رفعتكم بقبول فائق الاحترام.

القاهرة في ١٢ يوليو سنة ١٩٤٢

السيد سليم نائب البوها، محمد فريد زعلوك نائب صندلا، إسماعيل محمد فواز عضو مجلس الشيوخ، زكي ميخائيل بشارة عضو مجلس الشيوخ، عبد الله محمد فواز نائب أولاد حمزة، ميشيل رزق عضو مجلس الشيوخ، جلال الدين الحمامصي نائب الصحراء الغربية، الدكتور فهمي سليمان نائب محلة روح، أبو المجد الناظر نائب أرمنت، نجيب ميخائيل بشارة نائب قوص، حسين الهرميل نائب محلة مرحوم، لبيب جريس نائب صنبو، محمد عثمان عبد القادر نائب أبو حماد شرقية، ألفريد قسيس نائب مركز المنصورة، أبو الغيث الأعور نائب أبو جرج، مهنَّى القمص نائب ديروط المحطة، جورج مكرم عبيد نائب أولاد عمرو.

ولكن الحكومة الخائفة الواجفة خَافَتْ حتى مِنْ نَشْر هذه الاستقالة، وذَهَبَ بها الخوف إلى ما هو شر منه، وهو تشويه الحقيقة وتزييفها في قرارٍ أَصْدَرَتْه هيئة الوفد التي يرأسها رئيس الوزراء، ومن أعضائها أكثر الوزراء، فقد جاء فيه أن الوفد قد قَرَّرَ فَصْل الأعضاء السبعة عشر الذين ذُكِرَتْ أسماؤهم دون أن يشير القرار إلى هذه الاستقالة بكلمة واحدة، ودون أن يسمح للصحف بالتنويه عنها.

وممن كان لهم شرف الفصل حضرة الشيخ المحترم شارل بك حنا، وحضرات النواب المحترمين الأستاذ أحمد لطفي عطية، وألبرت خياط بك، والدكتور إسكندر الجرجاوي، والأستاذ مرقس بطرس.

وأشد من ذلك وأدهى أن القرار أشار إلى فَصْلهم بناءً على أنهم اتَّهَمُوا رئيس الوزراء وزملاءه بالتفريط في حقوق البلاد، مع أنَّ مِنْ بين هؤلاء الأعضاء بعض حضرات الشيوخ الذين لم يشتركوا في التوقيع على العريضة التي اشْتَمَلَتْ على الاتهام بالتفريط في حقوق البلاد؛ إذ إن هذه العريضة قُدِّمَتْ لمجلس النواب لا لمجلس الشيوخ.

وزيادة في التمويه، والسبك والحبك، ذَكَرَ القرار أسماء حضرات الأعضاء من غير ألقابٍ، دون أن يشير إلى أنهم شيوخ أو نواب!

وهكذا ارتضى النحاس باشا لنفسه ولزملائه أن يُوهِمَ الناس في غير حق أن هؤلاء السادة لم يستقيلوا؛ بل فُصِلُوا فصلًا، وكان في مقدوره لو توخَّى الأمانة في ذِكْر الوقائع أن يقول: إن الوفد قد قَبِلَ استقالتهم، أما أن يقول هو والهيئة التي يرأسها إنهم فصلوا — وهم يستقيلون قبل الفصل — وإنهم جميعًا اتهموه بالتفريط مع أن بعضهم أعضاء في مجلس الشيوخ، ولم يتهموه ولم يُوَقِّعوا العريضة بهذا الاتهام، فهذا هو الزيف بعينه، وإني لأتشرف بعرضه كمثل واحد من الأمثلة العديدة التي ستأتي الإشارة إليها، ليكون محل تقديركم السامي.

(١-١٥) تعجُّل أم تمهُّل؟

هذه يا مولاي نظرة عامة إلى أسباب الخلاف الوزاري، ونتائجه حتى خروجي من الوزراة ومن الهيئة السياسية التي يرأسها رئيس الوزارة، أما ما تلا ذلك من مساوئ الحكم والعبث بالحريات على اختلاف أنواعها، فسيأتي الكلام عنه ضمن القسم الثاني من هذه العريضة، وهو القسم الذي سيتناول تفصيل الوقائع والأدلة عليها منذ أن دَخَلْت الوزارة حتى الآن.

وقد عُنِيتُ بِذِكْر أسباب الخلاف وملابساته وتطوراته في هذا القسم الأول من العريضة حتى تكون الحقيقة بأكملها ماثلة أمام جلالتكم السامي، فتتبينوا العوامل الظاهرة والخفية التي أدَّت بالحكم إلى سوء المصير، وإني فيما يتعلق بي لم أكن إلا الفريسة الأولى لهذا الانقلاب الخطير، فلم أكن متجنيًا ولا معتديًا، بل ناصحًا ومشيرًا، وكانت الفريسة التالية هي الحكم نفسه وقد ساء مصيرًا.

لم أتعجل إذن المعارضة، كما قال البعض، وقد شُوِّهَتْ لديهم الحقائق، بل على العكس، فقد كنت متمهلًا فوق تَمَهُّل، متحملًا فوق تَحَمُّل، وحسبي أن أُعَدِّد هذه الحقائق في إيجاز:
  • فأولًا: ظَلَلْتُ في الوزارة شهورًا أَنْصَح وأُحَذِّر، وأرجو وأُنْذر، دون أية جدوى، فتمهلتُ ثم تمهلتُ.
  • وثانيًا: قَدَّمْت استقالتي بدل المرة ثلاث مرات، وكُنْتُ أُقْدِمُ ثم أُحْجِمُ عسى أن يُصْلِحَ الله الحال، وتَحَمَّلْتُ في هذا السبيل كلَّ دَسٍّ وكلَّ صَغار، ولكني تمهلتُ ثم تمهلتُ!
  • ثالثًا: حاوَلَ رئيس الوزارة إقالتي فحماني الله منها، فاستقال وأَخْرَجَنِي من الوزارة.
  • رابعًا: كان من حقي أن أغضب لكرامتي، ولكني تمهلتُ وارتضيتُ أن لا أُدْلِي ببيان عن أسباب الخلاف أمام الهيئة الوفدية، وارتضى هو ذلك، مع الفارق بين المعتدي والمعتدى عليه.
  • خامسًا: نَقَضَ هو هذا العهد فأدلى بأسباب الخلاف أمام الشيوخ والنواب الوفديين مديريةً فمديريةً، ورغم ذلك تمهلتُ ثم تمهلتُ.
  • سادسًا: فرض الرقابة الخانقة على الصحف في كل ما يتعلق بي، فلا نَشْر مني أو عني في الوقت الذي سَمَحَ لجرائده فيه بأن تحبِّذ موقفه وتشوِّه موقفي، فتمهلتُ ثم تمهلتُ.
  • سابعًا: صودِرَت البرقيات الواردة لي وأحيط منزلي بالجواسيس، ورُوقِبَتْ حركاتي ومواصلاتي التليفونية، فتمهلتُ ثم تمهلتُ.
  • ثامنًا: فصلني من سكرتارية الوفد، بقرارٍ صادِرٍ منه في غير اختصاصه، وطَلَبْتُ إليه عَرْضَ الأمر على الوفد — وهو الهيئة المختصة — فرَفَضَ، ورَغْم ذلك تمهلتُ.
  • تاسعًا: تدخَّل في أَمْر ترشيحي لنقابة المحامين ليحاربني حتى في شئون مهنتي، فتمهلتُ ثم تمهلتُ.
  • عاشرًا: مَنَعَ مجلس النواب من شكري على خدماتي، واعتدى على كرامتي بألفاظٍ جارحة غير لائقة، فتمهلتُ ثم تمهلتُ.
  • حادي عشر: وأَكْثَرُ من هذا وأشَدُّ فإنه رَغْم خطر الحرب واقترابه من داخلية البلاد، أَصَرَّ على الكلام في استجواب الاستثناءات، رَغْم إلحاحنا عليه في التأجيل، ولما أن جاء دوري في الرد عليه في اليوم التالي وقيل: إن الخطر قد تفاقم، وإنه لذلك لم يحضر إلى المجلس؛ أَبَتْ علينا وطنيتنا أن نستغل الظرف الدقيق لمصلحة الاستجواب فارتضينا التأجيل، وقَلَبُوا التأجيل إلى تنويم، ومع ذلك تمهلْنا ثم تمهلنا.
  • ثاني عشر: منعني وإخواني النواب من مناقَشة تصرفاته في الهيئة الوفدية، وعَمِل على استبعاد عريضة المناقَشة بعد تلاوتها في جلسة سرية، مخالِفًا في ذلك كل قانون وكل عدل، فتمهلتُ ثم تمهلتُ.
  • ثالث عشر: فصلني وإخواني من الهيئة السياسية التي شرفناها فشرفتنا، وتم هذا الفصل المُزْرِي في غَيْبَتِنا، دون أن تُسمع لنا أقوال، فتمهلْنا ثم تمهلْنا.
  • رابع عشر: وأخيرًا حارَبَنَا حتى في تكويننا وفي مباشَرة حقوقنا النيابية، بل وفي الاستمتاع بحُرِّيتنا الشخصية، فهل يقول قائل بعد ذلك إننا تعجَّلْنا المعارَضة، أم إننا تمهلنا إلى أبعد حدود التمهل، وتحمَّلْنا الأذى والاضطهاد فوق طاقة التحمل!

على العكس يا مولاي، فإنني لأتهم نفسي بأنني تمهلتُ عليه أكثر مما وجب التمهل، ولي في ذلك عذري، أستمده من حنايا صدري، فقد غَلَبَنِي شعوري على أمري.

أليست هي صداقة العمر؟ وأليست هي ذكريات غاليات صَحِبَتْنا في النفي وفي الأسر، وفي الهزيمة وفي النصر، فهل مِنْ عَجَبٍ إذا ما أَشْفَقْتُ وامتدَّ بالإشفاق حبل الصبر؟

١  إني إذا شاء مولاي على استعداد للتصريح بأسماء هؤلاء الموظفين.
٢  عند تشكيل الوزارة كانت أسرة النحاس باشا في الصعيد ولم تَلْحَق به إلا بعد أن تم التشكيل.
٣  صَرَّحَ النحاس باشا في اجتماعِ نُوَّاب الغربية وشيوخها الوفديِّين أن الإنجليز وثقوا به هذه المرة شخصيًّا كمصطفى النحاس لا كرئيس للوفد وأن مكرمًا لم يكن مُطَّلِعًا على أسرار تأليف الوزارة.
٤  قال النحاس باشا المسكين في اجتماع نواب الغربية تبريرًا لهذه الأوامر من غير ذوي الأمر: إن السيدات لهن حساسية أكثر من الرجال، وإن بعضهن زرن منزله واعترضن على الإشادة بذكر مكرم في الصحف الوفدية، وتساءلن أين إذن الرئيس الجليل وأين جلائل أعماله … ولهذا صَدَرَت الأوامر للصحف ممن لا يُعصى له أَمْر بأنْ بُعْدًا للمجاهد الكبير وأحاديثه ومشروعاته.
٥  وسنرى فيما بعد كيف اجترأ النحاس باشا في بيانه في البرلمان على تزييف رأي المستشار الملكي رغم تقريره الصريح بوجوب إحالة القضية على النيابة العسكرية (وسأُفْرِد لهذه القضية بابًا خاصًّا في هذه العريضة ومعها المستندات التي لا تَكْذِب).
٦  طَلَبَ النحاس باشا إلى علي باشا حسين أن يستقيل ولم يستقِلْ هو من تلقاء نفسه، وقد بُنِيَت الاستقالة على أسباب صحية، وحقيقتها أسباب مشرِّفة للوزير؛ لأنه لم يكن مَرِنًا مع النحاس باشا في أغراضه ومحسوبياته في وزارة الأوقاف.
٧  كان النحاس باشا يقول إنه وَعَدَ بتعيين الوزراء الثلاثة في ظرف ١٥ يومًا من خطاب العرش، ولكنه لم يَقُل لماذا انتظر بدل نِصْف الشهر شهرًا ونِصْفَ شهر، ولماذا صدر قرار مجلس الوزراء بالانتداب من غير توقيت معيَّن ولا تحديد، ولماذا قال لأمين باشا عثمان الذي أبلغني ذلك أنه عَدَلَ نهائيًّا عن فكرة تعيين وزراء جدد، ولكن ماذا يُجْدي التفسير، فيما لا يحتاج إلى تفسير!
٨  نص هاتين الرسالتين مُرْفَق بهذه العريضة.
٩  نص العريضة مُرْفَق.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن ، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.