كلمة ختامية

يا صاحب الجلالة

فِيمَ كل هذه العناية التي بَذَلْنا من صنوفها ما بذلنا؟ وفيمَ كل هذا العناء الذي احتملنا من ألوانه ما احتملنا؟ لتصوير حالة البلاد في ظلال الحكم الحاضر، وإزاحة الستار عن شتى سيئاته، وجناياته؟

ولماذا توجَّهْنا إلى مقامكم السامي بهذه العريضة المستفيضة، مدعمة بالوقائع والبيانات والمستندات؟

وماذا نرجو وترجو معنا البلاد إزاء هذه الحال التي قُلِبَتْ فيها كل الموازين، واضطربت المقاييس، وتدهورت سمعة الحكم ونزاهته إلى أعماق الحضيض؟

هذه يا مولاي، أسئلة تدور بالخاطر، بل تكاد تَفْرِض نفسها فرضًا في ختام هذه العريضة التي أتشرف عن نفسي وعن زملائي أعضاء الهيئة البرلمانية للكتلة الوفدية المستقلة، برفعها إلى مقامكم الكريم، وإني لأسارع بعد كريم إذنكم إلى الإجابة عنها في عبارات موجزة مركزة، أرجو أن تكون وافية شافية.

وأبدأ يا مولاي فأتحدث عن شخصي فيما عسى أن يكون الدافع والوازع لي في كتابة هذه العريضة، ووقوفي فيها الموقف الذي وقفته، وتسجيل ما سَجَّلْتُه.

(١) إلى الرجل في الملك!

وهنا يا مولاي أرجو من جلالتكم — وقد كان لي الشرف كل الشرف أن أتجه في هذه العريضة إلى مقام الملك — أن تأذنوا لي بالتوجه في ختامها إلى الرجل في الملك فأبعث بكلمة من قلبي إلى كبير قلبك، يتزاحم فيها مع الولاء الصميم صميم حبك.

فلقد تضمَّنَتْ هذه العريضة اتهامات خطيرة، حاوَلْتُ فيها — عَلِمَ الله — أن أُبْرِزَ الحقائق ظاهرة سافرة، ولكن أكثر الناس لا يُدْرِكُون كم تكون الحقائق في بعض المناسبات والملابسات قاسيةً جائرة، بل لعلها — رغم صحتها وضرورتها — أشد جورًا على الشاكي منها على المشكو، ولا سيما إذا كان المشكو قسيم العمر للشاكي، كلما أبعده عنه رآه يدنو، وكلما قسا العقل عليه أحس قلبه يحنو!

ولئن شكا الرجل السياسي لجلالة مليكه مساوئ الحكم الحاضر ومبلغ ما تعانيه البلاد من مظالم وشرور فادحة فاجعة، فهو لا يسعه كإنسان أن يثير من أعماق نفسه كوامنها وأشجانها دون عبرة دامعة، ولعل الله في رحمته قد أودع الدمع ما أودعه من حرارة، لكي يغسل ما تُخَلِّفه الكوارث في النفس من مرارة!

(٢) صراع النفس

ولكم كنت خلال هذه العريضة أصارع نفسي وأجاهد، حتى لكأنني شخصان في واحد، هذا يمنعني وذاك يدفعني، هذا ينادي: ألا رحمة بالصديق وإن غدر! وذاك يصيح: ألا غوثًا للوطن وقد سَرَتْ فيه النار من طائش الشرر.

هذا يُذَكِّرُني وذاك يحذرني، هذا يذكرني بماضي الألفة والوداد، وذاك يحذرني أن لا أُهْدِرَ في سبيل الصديق ما بَذَلْتُه في سبيل الوطن من تضحية وجهاد!

ولقد انتهيت يا مولاي بعد صراع عنيف مع نفسي إلى النتيجة المحتومة التي لم يكن لي مناصٌ منها، أو محيصٌ عنها، فآثرْتُ مصلحةَ الوطن على كل مصلحة، ومحبةَ الوطن الباقية على كل محبة ماضية — حتى ولو تخلَّفَتْ عنها آثار باقية — مؤمنًا بأن السكوت — مجرد السكوت عن مصلحة الوطن — إنما هو الخيانة كل الخيانة، لا تُقَارَن بها ولن تبلغ إليها أية تضحية بمصلحة صديق ولو كان أمينًا للود، فكيف به وقد أَهْدَرَ حتى تلك الأمانة!

(٣) مسألة بقاء أو فناء!

ماذا أقول؟ فما هي مجرد مصلحة الوطن تلك التي تأبى أن نخونها، بل هي حياة الوطن نسعى جاهدين لكي نصونها! ألا ليتها كانت مجرد أزمة سياسية خارجية تعانيها البلاد، فلقد عرفنا فيما مضى السبيل إليها، والسبيل عليها!

بل ليتها أزمة داخلية قائمة بين الأحزاب على نظام الحكم في البلاد، فما كان أهونها لو أنها كانت؛ فإن صاحب العرش لكفيل بها، أمينٌ عليها، يَقْلِب كل انقلاب إلى مصلحة شعبه.

كلا فلا هي هذه ولا تلك، بل هي أزمة وجود؛ لأنها انتهت إلى أبجدية الوجود القومي، أو على الأصح الأدبي، لهذه الأمة الكريمة القديمة التي عَلَّمَت الأمم آداب الوجود، ومَجْد الوجود … نعم يا مولاي فقد انحدرت الأزمة بنا في هذا العهد الأسود إلى تلمُّس المبادئ الأولى للآداب القومية والفردية، فأصبحنا كمجموع نبحث عن مجرد النزاهة، والاستقامة، والعدالة، والحرية، والمسئولية في الحكم، وأصبحنا كأفراد يُعْنَى كل واحد منا بقوت يومه؛ هل يجده فيشتريه، أو لا يجده فيستجديه، وبتعليم أولاده وتوظيفهم؛ هل له من حظوة أو رشوة تُيَسِّرُ له العسير، وبقضاء مصالحه؛ هل له وساطة إلى هذا أو ذاك الوزير أو الكبير، وبحرية شخصه وأهله ومسكنه؛ هل هو أو هم في مأمن من اعتقال أو تفتيش في جنح الليل لا يدري عنه أحد، وإن درى فليس له أن يسأل، وإن سأل فلا جواب!

أي مولاي الملك، أفي عهدك أنت الملك الديمقراطي الحر الذي لم يُتَحْ لمصر ملوك كثيرون من مثلك، يُسام أفراد الشعب كالسوائم، بل أين نحن من السوائم، فإن لها جمعيات ترفق بها! فلا سبيل للمجموع أن يحس وجوده فيتنفس … ولا سبيل للفرد أن يعيش إلا أن يتلمس العيش ويتحسس، أو يتدنس ويتجسس!

أي مولاي الفاروق — وهنا أعود فأجترئ على مخاطبة الرجل في الملك — لأني أعلم أن للملك تقديرات واعتبارات سامية تقتضيها جلالة المقام، ولكني أعلم أيضًا أن لمليكنا فوق الجلالة رجولة، وأن هذه الرجولة التي تطغى على سني عمره، وتكاد تُشِعُّ من حديثه بل ومن نظره، هي مصدر همه، وإن تكن مبعث همته، فهي لا تأكل إلا من صدره ومن صبره، بل هي تأبى إلا أن تتقاضى حسابها من شبابه، وأن تثير في نفسه أشجانًا تزيد في عذابه.

أي مولاي الفاروق، كلنا يرى فيك تلك الرجولة البادية العالية، وكلنا يحسها في شبابك فائرة ثائرة، ولئن كانت الرجولة للملك مبعث همومه، فهي للشعب نعمة خالصة تُعِينُه على تحمُّل شقوته في انتظار نعيمه!

لهذا يا مولاي الفاروق يلجأ الشعب إلى الرجل في الملك، كما يلجأ إلى الملك في الرجل، لكي يُنْقِذَ البلاد من هذا العهد الهادم لرجولتها، العابث بحريتها، الملوِّث لذمتها، فلئن استمر الحال على هذا المنوال، فلن تجد حول مُلكك رجلًا جديرًا بوصف الرجل، وجديرًا بالملك الرجل!

وقوائم العرش الرجال!

(٤) مفتاح السجن

يا صاحب الجلالة

لو كان الحكم اليوم للدستور والأوضاع الدستورية الصحيحة لما ترددنا في التماس المعارضة من طريق البرلمان، ومن طريق الصحافة، ومن طريق الخطابة على النحو الذي يجري الآن في البلاد الديمقراطية التي لا يطغى فيها رجل كما يطغى في مصر مصطفى النحاس!

ولكن النحاس باشا قد ألغى الدستور جوهرًا ومظهرًا بطريقِ مِقْصَلة الأغلبية البرلمانية من ناحية، وبطريق السلطة العسكرية من ناحية ثانية.

فالحياة البرلمانية الحرة معدومة الوجود، على النحو الذي تشرَّفَتْ ببيانه فيما سلف.

والصحافة مكمَّمة إلى حدٍّ لم يَسْبِقْ له مثيل في أي عهد من العهود السابقة، لا في مصر ولا في غيرها من بلاد العالم، بما فيها المستعمرات البريطانية!

ومنابر الخطابة والإذاعة لا تكون إلا للنحاس باشا وأتباعه وأشياعه!

وحرية الرأي للأفراد والجماعات، سبيلها المعتقلات!

فكيف السبيل إزاء هذا كله إلى صوت يرتفع من جانب الأمة بالشكوى مما يعانيه الشعب، والكشف عما يقترفه الحاكم العسكري وجماعته من آثام في حقوق البلاد؟

السبيل يا مولاي هو الذي تخيرتُه وإخواني معي، هو السبيل الميسور في ساحتكم الفسيحة الجناب، الرحيبة الأبواب، ففي يدكم يا مولاي مفتاح السجن المغلق الذي يعاني الشعب في غياباته ما لا قِبَلَ لشعبٍ أَبِيٍّ كريم شريف، أن يحمله أو يَقْبَلَه!

(٥) رجاء الشعب في ملاذه الأعلى

أخذ الاستثناء بالاستثناء

يا صاحب الجلالة

بقدر الداء يكون الدواء، وبقدر ما يكون الفساد متفاقمًا إلى حد الشذوذ والاستثناء، بهذا القدر عينه يجدر أن يكون العلاج حاسمًا، على أن يَبْلُغ في الحسم حد الاستثناء.

ولَعَلِّي لا أعدو تصوير مشاعر الشعب وآماله في مليكه الدستوري المحبوب إذا ما قُلْتُ: إنه لا يكفي في استرداد الكرامة المسلوبة والحقوق المنهوبة مجرد التخلص من الوزارة، بل أيضًا من آثار الوزارة، فمن الشرور ما لا يكفي فيه المنع، بل القطع؛ إذ لا سبيل إلى مَنْع استفحاله إلا باستئصاله.

ولعل بعض الوزر — ولا أقول بعض العذر — في تفاقُم الفساد الحالي يرجع إلى أوزار الحكم العسكري المطلَق من كل قيد، الذي أطاح بحكم الدستور وحكم الضمير … فالإنسان ما أَقْتَلَهُ إذا لم يقم من نفسه رقيبًا على ضميره، فإنه في القليل يخشى رقابة غيره، فإذا ما انعدمت هذه الرقابة أيضًا فالويل للإنسانية من شراهته أو من «الإباحية» في شره!

الإباحية والنفاق

والحق يا مولاي، أننا في عهد «الإباحية» بأكمل معانيها، وليس يعنينا هنا الحاكم بقدر المحكوم، فقد سَرَتْ جرثومة الفساد أو كادت تسري في جسم الأمة السياسي، وأصبح المجتمع سوقًا تُبَاعُ فيه الذمم وتُشْتَرَى، وغدت المحسوبية وسيلة هينة — وإن تكن مهينة — إلى الرزق يسعى إلى المحسوب دون أن يَسْعَى، بل لقد نَشَرَ هذا العهد المشئوم نظام الاحتساب والوسطاة بين الناس، فتنقلت المحسوبية من بين الموظفين إلى الأهلين، ومن الديوان إلى السوق، حتى أصبحَتْ لدى الكثيرين من الناس حالة نفسية أكثر منها نظامية، وهنا يا مولاي موضع الحذر، ونذير الخطر، فأخوف ما نخافه أن تَقْتُلَ روحُ الاستغلال فينا روحَ الاستقلال، وأن يستبدل الناس بصلابة الخلق، طراوةَ الملق، فيكون النفاق بضاعتهم المزجاة في الأسواق وفي المجتمع، يبذلونه وماء الوجه معه خشيةَ إملاق، أو في سبيل مجرد الاستزادة من ترفٍ أو توسُّع في إنفاق.

وليس أقتل لوجود الشعب الأدبي والقومي، من روح النفاق التي تتولد من روح المحسوبية، فالمحسوب على الدوام ذليل مغلوب، فكيف به إذا كان محكومًا حكمًا استبداديًّا عسكريًّا كالحكم الحاضر، إننا إذن بفضل هذا الحكم أمة من المحسوبين المغلوبين، وحاشا لله أن تكون … فإن بيدك وحدك يا مولاي أن تنقذ روح الرجولة في رجالنا، وروح الاستقلال في استقلالنا.

المضحك والمبكي

إني أكتب هذه الكلمات الختامية في قنا، وكنْتُ قد زُرْتُ في خلال الأسبوع الزقازيق والمنيا، والمصريون جميعًا حيثما نلقاهم في العاصمة أو في الأرياف، هم أمة واحدة، وكلمة واحدة، ورغبة واحدة، لا يتبرمون من شيء إلا من مساوئ الحكم الحاضر، ولا يرجون من الله شيئًا إلا الخلاص من الحكم الحاضر، ولقد أخبرني بعض مواطني القنائيين أن أمرًا عسكريًّا صَدَرَ أخيرًا بإغلاق ناديهم الاجتماعي الذي ظَلَّ مفتوحًا طوال العشرات من السنين حتى جاء النحاس باشا فأغلقه بأمْر عسكري، متعللًا بلونه السياسي.

التندر والتذمر

ولا حديث لأهل الصعيد إلا انتخابات جرجا بدباباتها، وطياراتها، ومدافعها الرشاشة، وما صَحِبَ هذا الانتخابات من وسائل الإكراه والتزييف التي لم يعهدوا لها من قبل مثيلًا، وكلما زاد الوزراء والوزاريون مسعاهم في تكذيبها، زاد الناس اقتناعًا بكذبهم، فالناس هنا لا يرون المخزيات التي وَقَعَتْ كمجرد رواية، بل عن رؤية، وليت الحكومة وأبواقها في البرلمان يسمعون ما به الناس يتندرون، فليس أظرف من المصريين مرحًا وأخفهم روحًا، فهُمْ كالفرنسيين يتندرون بما هم منه متذمرون! فهذا يروي أن جرجاويًّا بلباس العمال راح ينتخب وبيده تذكرة انتخاب لقسيس قبطي، فلما خاطبه رئيس اللجنة في ذلك أجابه العامل الظريف: «يا سيدي أنا لابس مدني»! ويروي آخر أن سقاء من حملة المياه دخل غرفة الانتخاب يحمل «قربته» ويحمل معها تذكرة انتخاب لمحامٍ معروف، فلما قيل له: كيف يكون محاميًا وهو يلبس لباس السقائين أجاب: «كيفي كده وانت مالك!» وثالث كان يحمل تذكرة انتخاب لطبيب يعرفه رئيس اللجنة، فلما ناقشه هذا الأخير في ذلك أصر الناخب على الانتخاب فلم يجد رئيس اللجنة بدًّا من السماح له بإعطاء صوته تنفيذًا «للتعليمات المشددة»، وبعد أن انتهى الرجل من إعطاء صوته همس رئيس اللجنة في أذنه: «من فضلك سلم على الدكتور»! ولقد أخبرني أنجال المغفور له فخري بك عبد النور أنهم هم الثلاثة قد انتخبوا مرشح الحكومة ولم ينتخبوا أخاهم (وهو أحد المرشحين الآخرين) فلما أَبْدَيْتُ دهشتي قالوا: إن تذاكرهم الانتخابية وُزِّعَتْ على آخرين فأعطوا أصواتهم لمرشح الحكومة، وإن بعضهم تضاعفَتْ شخصيته بدل المرة ثمانين، فانتخب بدل المرة ثمانين! وأن القليلين الذين لم تُمْنَع عنهم التذاكر الانتخابية كانوا إذا انتخبوهم ينتخبهم البوليس للضرب والتنكيل، فيخرجون من غرفة الانتخاب إلى المستشفى ذاكرين للحكومة الشعبية هذا العطف الشعبي النبيل.

حقًّا إن شر البلية ما يُضْحِك!

الإخوان المسلمون والأزهر الشريف

وجمعية الإخوان المسلمين؟ قد أَغْلَقَت الحكومة فَرْعها في قنا بأمر عسكري، فقلْتُ: لعل النحاس باشا قصر أَمْرَه على قنا لأنها قنا! ولكني علمت أن الحاكم العسكري قد أصدر أمره — والأمر لله! — بإغلاق عدد كبير من فروع الجمعية وهي تربى على الخمسين في شتى بلاد المملكة المصرية … لماذا؟ وهل لأحد أني يسأل حاكمًا غير مسئول، وإذا سأل فجواب السؤال: الاعتقال!

ويتحدث الناس جميعًا عن حوادث الأزهر الشريف، وعن التنكيل بطَلَبته الأبرياء حينما كانوا يهتفون لملك البلاد في طريقهم إلى القصر العامر، بينما يسمح النحاس باشا بالمظاهرات الصاخبة لمصلحة حُكْمه، وتساءل المصريون الآمنون الوادعون: هل بقي أي ضمان للأفراد في هذا العهد بعد القبض على مشايخ المعاهد الدينية وأساتذتها وطلاب العلم في الجامعتين دون ذنب أو جريرة، ودون أن يعلم أهلوهم بمصيرهم أو حتى بمحل اعتقالهم١ هل نحن في عهد التفتيش؟!

أما صفقات التموين وغير التموين التي يردد الناس صداها ويحددون أشخاصها وأرقامها ومداها، فحديث الناس عنها لا يكاد ينتهي، فهذا القريب أو هذا المقرَّب لوزير أو كبير يحتكر السكر في المنطقة، وذاك يَنْعَم بالسماد، وغيره بالغلال، إلى آخر المظاهر التعسة لأتعس أنواع الاستغلال، هذا فضلًا عن الرشوة الظاهرة الفاجرة، التي تُعْلِنُ عن نفسها وعن أوليائها في غير وَرَعٍ ولا تورُّع.

وتتواتر الأنباء الموثوق بها أن الأملاك الأميرية تباع تباعًا لأعضاء الحكومة من طريق زوجاتهم وأصهارهم وأقربائهم، وقد أشرْتُ إلى صفقة عقدها شقيق معالي وزير الزراعة مقدارها أكثر من ٥٠٠ فدان من أراضي الحكومة في شمال الدلتا، وإني لعلى ثقة يا مولاي أن مجرد تحقيق بسيط يكشف عن كثير من أمثال هذه التصرفات التي تُرْتَكَبُ في الخفاء، ولا يكاد يغطيها غطاء.

عملية الإنقاذ

إذن، هو مِكروب الفساد قد دَبَّ دبيبه في كياننا المصري، فلم يترك فضيلةً، أو حرية، أو كرامة، أو مسئولية، أو نظامًا حكوميًّا أو شعبيًّا، سياسيًّا أو اقتصاديًّا، إلا وتغلغل فيه، أو في القليل تسرَّب إليه، أوعلى الأقل القليل حاول وما يزال يحاول العبث به، والغض منه.

وإذن، لا يكفي أن تخلف هذه الحكومة أخرى تنهج على غير نهجها في المستقبل، وتبقى على سيئات الحكم الحاضر دون أن تعرض لها بالتغيير والتبديل، فلو أنها أقرَّتْ هذه السيئات لأبقتْ على جرثومة الفساد بين الموظفين والأهلين، تفعل فعلها وتأكل أكلها، فإذا هي تتعدد وتتمدد، وإذا بالأرض تنهار تحت أقدام الحكومة الجديدة رغم أنفها، ورغم حُسْن نيتها؛ وذلك لأنه إذا كانت الأعمال بالنيات بالنسبة للأفراد، فإن النيات بالأعمال بالنسبة للحكومات، وما مِنْ حُكْم بين الناس تبرِّرُه نيات أو أقوال، بل أعمال، ثم أعمال، ثم أعمال!

ومن ثَمَّ يا مولاي فالسبيل الوحيد لإنقاذ البلاد في رأينا — والرأي الأعلى لِعَلِيِّ حِكْمَتِكُمْ — هو العمل على استئصال السيئات إلى جانب استبدالها بالحسنات.

ولعل المظهر العملي لتلك القاعدة يكون في المقترحات التالية نرفعها إلى مقامكم السامي، عسى أن تحظى بسامي نظركم، فتكون رهنًا لسامي تقديركم، وهي تتلخص فيما يلي:
  • أولًا: التخلص من حكم الوزارة الحالية، بأسرع وأنجع الوسائل، حرصًا على مبادئ الدستور، والعدل والنزاهة.
  • ثانيًا: إلغاء مختلف التصرفات، سواء في الأداة الحكومية أو في شئون التموين وغيرها من أبواب الإغداق على الأقارب والمحسوبين.

    وفيما يختص بالاستثناءات والمحسوبيات بين الموظفين نلتمس أن تُلْغَى جميعها إلغاءً تامًّا، بحيث يعود الموظف المستثنى إلى الحالة التي كان عليها عند تأليف الوزارة، فتُخْصَم من مُرَتَّبه على توالي السنين المبالغ التي قبضها من طريق الاحتساب علاوة على مرتبه الأصلى، وليس في ذلك تعارُض مع نظرية الحق المكتَسَب، فإن هذه النظرية تقتضي أن يكون هناك «حق» وأن يكون مكتسبًا، في حين أن هذه الاستثناءات الجائرة هي انتهاك لكل حق، واغتصاب لا اكتساب، ورَحِمَ الله سعدًا إذ قال: «إن ما تسمونه الحق المكتسب، إنْ هو إلا الحق المغتصب.»

    وليس إلغاء الاستثناءات إجراءًا انتقاميًّا، بل نظاميًّا، فما من سبيل لضمان نظامنا الحكومي والإداري إلا باتخاذ هذه الخطوة الحاسمة، اللازمة، وإلا فَقَدْ قضينا على أداتنا الحكومية قضاءً لا مفرَّ منه.

  • ثالثًا: اتخاذ الإجراءات العاجلة لتحقيقٍ واسع النطاق، على أيدي هيئات ذات صبغة قضائية، تنظر في التُّهَمِ التي وُجِّهَتْ أو تُوَجَّه إلى المسئولين عن كل تصرفات مخالفة للعدالة والنزاهة، على أن ينزل بأولئك المسئولين والمستغلين ما يستحقونه من قصاص عادل عاجل، إن لم يكن بالطرق المادية فالبعقوبات الأدبية أو السياسية، ليكون مصيرهم عبرة وتذكرة، وليتطهر المجتمع المصري سياسيًّا وأدبيًّا مما أصابه أو أَلَمَّ به من وصمة تلْو الوصمة.
  • رابعًا: استصدار تشريع يُسأل فيه الوزير أو الموظف ومن إليه عمَّا مَلَكَ أثناء القيام بأعمال وظيفته، على النحو المتبع في بعض الممالك الأخرى.
  • خامسًا: إلغاء جميع ما اتُّخِذ من إجراءات ضد حرية الأفراد والجماعات، والإفراج عن المعتقلين السياسيين جميعًا، وتعويض ضحايا هذا العهد عما أصابهم من ضرر، وحاق بهم من ظلم.
  • سادسًا: تدعيم الحياة النيابية الصحيحة في البلاد، وإطلاق الحريات الدستورية، وفي مقدمتها حرية الصحافة، وحرية الخطابة والاجتماع، بحيث لا تُسْتَغَلُّ الأحكام العرفية — إذا ما بقيت — لأي غَرَضٍ يخرج عن نطاق المسائل العسكرية البحتة التي تقتضيها حالة الحرب.

والحق يا مولاي أن الأحكام العرفية — بشكلها الحالي على الأقل — لم تَعُدْ تتفق مع الحالة التي صارت إليها الحرب بحمد الله، فقد أكَّد رئيس الحكومة البريطانية ورجالها المسئولون من سياسيين وعسكريين أن خطر الغزو قد زال عن مصر من ناحيتيها، فلماذا إذن تبقى الأحكام العرفية ناشرةً ظِلَّها القاتم الجاثم علينا، وعلى حريتنا الناشئة، التي تحتاج أحوج ما تحتاج، إلى جو حُرٍّ تعيش وتنمو فيه، فإذا لم يُتَحْ لها النماء كُتِبَ لها الفَناء.

لماذا يا مولاي ثم لماذا؟ في حين أن حليفتنا ومستعمراتها والبلاد المحارِبة إلى جانبها تستمتع جميعًا بأقصى الحرية، فلا حُكْمَ عُرْفِيَّ ولا شِبْهَ عرفي عندها، وفي حين أننا على أتم استعداد لاتخاذ جميع الإجراءات التشريعية والإدارية دون الأحكام العرفية لصيانة مصالح حليفتنا والوفاء بالتزاماتنا نحوها.

تلك يا مولاي بعض أماني شعبكم الكريم نتشرف برفعها إلى ملاذكم الأسمى باسم الكتلة الوفدية المستقلة، عسى أن تحظى بكريم عطفكم فتنظروا فيها، وفي أمثالها مما ترونه لمصلحة شعبكم، بما أوتيتم من الحكمة وفصل الخطاب.

إخوان صدق

وما كان لي يا مولاي أن أتحدث عن إخواني إعضاء الكتلة الوفدية المستقلة بشيء إلا أنهم مصريون يَدينون بالولاء لمليكهم والوفاء لوطنهم، ورجال تعتز الرجولة بهم، وحَسْبُهم أنهم عَلَّمُوا النحاس ومن إليه معنى الإباء وحكمة الجهاد، غير عابئين بما يلاحقهم به ذلك الرجل الحقود الجحود من صنوف الأذى والاضطهاد.

فإذا كانوا يا مولاي قد تضامنوا معي فشرَّفُوني برَفْع هذه العريضة باسمهم إلى مقامكم الأسمى، فهم مثلي، وأكثر مني، لا تدفعهم أية منفعة شخصية أو مادية، بل على العكس، فهم يعلمون أن النفع كل النفع في هذه الأيام لا يكون بمناوأة الحكام، ولا سيما إذا كانوا كالنحاس باشا من الطغاة العظام! فمن كانت له مصلحة شخصية في هذا العهد وجب أن يلتمسها من طريق المساومة، أو المسالمة أو الاستسلام.

ولقد أبى زملائي وأَبَيْتُ معهم أن نساوم أو نسالم أو نرفع راية التسليم!

بل لقد أبينا جميعًا أن نطمع في مركز أو منصب، وقد كنا بحمد الله في المراكز التي نريد، بل فوق ما نريد، حتى لم تَبْقَ عندنا حاجة لمستزيد.

بل إننا أَبَيْنا أن نكون من طلاب المال الطائل، والعَرَضِ الزائل، ولو أننا شئنا لما احتاج الأمر إلى كبير عناء، فما كان علينا سوى الإغضاء، بل بعض الإغضاء!

كلا، يا مولاي، ما كان لنا إلا أن نترك النحاس باشا في مفترق الطريق، بعد أن اختار لنفسه أو اختار له غيره طريق الثروة والسطوة، وها نحن أولاء نستأنف طريقنا إلى خدمة مصر تلك الأم الرءوم، التي تتضاءل إلى جانب محبتها كل ما في الدنيا من عوامل الصداقة، والمزاملة، والمجاملة، والمصلحة الذاتية، والراحة الشخصية.

ها نحن أولاء — وقد تَبَيَّنَّا خطورة الحال، وسوء المآل — نهرع إلى ملاذ العرش باسم هذا الشعب الأمين، راجين داعين أن يأخذ الله بيدك لتأخذ بيده، وأن يحفظك له ذُخْرًا ليومه ولغده، فترفع عنه ما يلقى من شقاء وعناء، وتعيد الأمور إلى نِصابها، فتَرُدَّ الحقوق إلى أصحابها، حتى يعرف المصريون مرة أخرى ما كادوا ينْسَوْنه على يد هذه الوزارة من معاني الحكم العادل، وحرية الرأي، ونزاهة اليد والنفس، ويدركوا ما كادوا يفقدونه من معاني الكرامة الوطنية والشخصية، والتزام الحدود، وحفظ الكرامات ورعاية الحرمات.

وليس تحقيق ذلك على حكمة جلالتكم بعزيز.

وتفضلوا يا مولاي بقبول أصدق آيات الولاء، والمحبة والوفاء.

مكرم عبيد
رئيس الكتلة الوفدية المستقلة
١  قُبِضَ على حضرة صاحب الفضيلة الشيخ محمد عبد اللطيف دراز شيخ معهد الزقازيق واعْتُقِلَ في المنيا، وكان أفراد أسرته المساكين يسألون مكاتب المحامين وغيرهم هل هو مقبوض عليه، وهل هناك تحقيق، وأين هو معتقل؟ ولا يدرون ماذا جرى لعاهلهم، ولولا عطْف المليك حفظه الله لما أُفْرِجَ عنه حتى الآن، هو وفضيلة الشيخ سليمان نوار شيخ معهد القاهرة.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن ، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.