الباب الأول

نزاهة الحكم

يشتمل هذا الباب على الموضوعات التالية:
  • (١)

    استغلال النفوذ للحصول على الثراء، من طريق الشراء، والبيع، والتأجير، والتنظُّر على الأوقاف.

  • (٢)

    التستر على التهم المنسوبة لبعض الأنسباء.

  • (٣)

    رخص التصدير.

  • (٤)

    امتيازات التموين وفساد الإدارة في شئونه.

  • (٥)

    الانتفاع الشخصي من أملاك الدولة ضد المصلحة العامة وأحكام القانون.

  • (٦)

    تفشي الوساطات — وتفشي الرشوة معها — في الصفقات التجارية، والوظائف الحكومية، وتعيين العمد وفصلهم، والبنوك، بل وقبول الطلبة في المدارس.

  • (٧)

    فضائح المحسوبية والاستثناءات.

  • (٨)

    تزييف الحقائق والوقائع الرسمية.

(١) الفرع الأول: استغلال النفوذ للحصول على الثراء من طريق الشراء، والبيع، والتأجير، والتنظر على الأوقاف

يا صاحب الجلالة

لستُ هنا في صدد تحليل نفساني، أو أدبي، لأبين هل رغبة النحاس باشا وأهله في الثراء التي تبدو للناس كأنها طارئ جديد، قد كان لها في الماضي القريب أصول ومقدمات هي للتطور الأخير بمثابة التمهيد؟ وهل كان لمعيشة الترف والإسراف الذي لا يدخل في حدود الطاقة لرجل مثله نبت فقيرًا، شأنٌ أو بعض الشأن في اندفاعه وأهله وراء المال يقتنونه وفيرًا؟ أو هل البذرة الكامنة في النفس قد أينعت، وازدهرت وتفرعت، حينما أُتِيحَتْ لها الفرصة النادرة بسبب الظروف التي تولَّى فيها الحكم — والحكم العسكري — فتَفَتَّحَتْ أمامه الأبواب المغلقة، وأَحَسَّ أنه قد أصبح على كل شيء قديرًا؟ أم هل هو الثراء الهين اللين الذي ساقَتْه الحرب إلى جيوب بعض الناس من التجار وغيرهم قد شَجَّعَه ومن إليه على استغلال نفوذه في الحكم للانتفاع الشخصي من هذا الظَّرْف الطارئ الذي يُدِرُّ عليهم الخير وإن يكن خيرًا مريرًا، أم هل هو الاعتقاد الذي كثيرًا ما صرَّح به أقرب الناس إليه من أن الحكم لن يواتيهم مرة ثانية، وأن الفرصة التي لم تُنْتَبَز أولًا يجب أن تُنْتَهَز أخيرًا، أم هل هي كل هذه العوامل وما إليها، متجمعة أو متفرعة، قد أُلْهِبَتْ شهوتُه فأُضْعِفَت مقاومته، وأصبح العسير عنده يسيرًا.

على أنه مهما يكن التحليل أو التعليل، فنحن هنا أمام ماديات نسوق عليها الدليل، والثابت مما يلي من بيان ومستنَدات أن رئيس الحكومة الحاضرة وأهله والكثيرين من أنصاره وشيعته قد جعلوا من الحكم تجارة مرذولة أَسْبَغَتْ عليهم المال، عدًّا ونقدًا، ذهبًا وأرضًا، وهذه أشياء مادية، ملموسة محسوسة، تُغْنِي فيها الرؤية عن الرأي، والدليل عن التعليل!

وفيما يلي — من باب التمثيل لا الحصر — بعضُ ما وَقَفْنا عليه من أمثلة، معزَّزة بالأدلة، على ما حَصَلَ عليه النحاس باشا شخصيًّا — أو بواسطة أهله — من الثراء الوفير الكثير، سواء من طريق الشراء، أو البيع، أو التنظُّر على الأوقاف، أو التأجير.

(١-١) عمليات الشراء

ونبدأ أولًا بعمليات الشراء التي تَيَسَّر لنا الحصول على الأدلة المثبِتة لها، وهي تتلخص فيما يلي:
  • (١)

    شراء ١٤س و٧ط و٨٠ فدانًا باسم السيدة حرمه من معالي فؤاد سراج الدين باشا بِعَقْد وُقِّعَ عليه أمام كاتب العقود بتاريخ ١٨ مارس سنة ١٩٤٢ وسُجِّلَ بتاريخ ٢٣ يونيو سنة ١٩٤٢.

  • (٢)

    شراء ٢٢س و١٨ط و٧٤ فدانًا باسم السيدة حرمه من الخواجه إميل نسيم عدس بعقد وُقِّعَ عليه أمام كاتب العقود بتاريخ ٨ أكتوبر سنة ١٩٤٢ ومُسَجَّل في ٢٤ أكتوبر سنة ١٩٤٢ ودُفِعَ الثمن فورًا ومقداره ٥٨٢ مليمًا و٨٩٧٤ جنيهًا، عدا مصاريف التسجيل.

  • (٣)

    شراء سيارة من المسيو كوتسيكا «ثمنها الأصلي ٣٠٠٠ جنيه»، إلى غير ذلك من مشتريات ونفقات بَلَغَتْ مع ثمن السيارة بضعة آلاف من الجنيهات.

  • (٤)

    صفقات شراء لصبحي أفندي الشوربجي وشركائه من الأنسباء بمئات الألوف من الجنيهات.

وتفصيل هذه العمليات فيما يأتي:

شراء ٨٠ فدانًا وكسور من فؤاد باشا سراج الدين

نتشرف بأن نُرْفِق مع هذه العريضة صورة رسمية من عقد البيع مستخْرَجة من محفوظات قلم رهون محكمة المنصورة المختلطة، ويتبين من الاطِّلاع على هذا العقد أن حضرة صاحبة العصمة زينب هانم عبد الواحد الوكيل حرم حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا قد اشترت من حضرة صاحب العزة فؤاد بك سراج الدين (معالي فؤاد سراج الدين باشا بعدئذٍ) ١٤س و٧ط و٨٠ فدانًا بناحية دمداش مركز شربين تبع تفتيش بلقاس التابع لمصلحة الأملاك الأميرية، مقابل مبلغ ٥١٩ مليمًا و٤٢٨٣ جنيهًا (أي بسعر ٥٣ جنيهًا تقريبًا للفدان الواحد)، وقد جاء في العقد أنه قد دُفِعَ من الثمن عند التوقيع على العقد مبلغ ٨٤٠ مليمًا و١٤٢٧ جنيهًا والباقي وقدره ٦٧٩ مليمًا و٢٨٥٥ جنيهًا تَتَعَهَّدُ المشترية بسداده إلى خزينة مصلحة الأملاك الأميرية رأسًا على جملة أقساط سنوية ينتهي آخر قسط منها في سنة ١٩٥٥، ويَبْلُغ معدل القسط السنوي من ٢٠٠ جنيه إلى ٢٥٠ جنيهًا.

وقد أُعْطِيَ هذا العقد تاريخًا عرفيًّا ١٢ يناير سنة ١٩٤٢ وأما تاريخ توقيع العقد رسميًا فهو ١٨ مارس سنة ١٩٤٢، وقد أُثْبِتَ في نهاية العقد التأشيرة الآتية:

قد تم توقيع هذا العقد من حضرة صاحب العزة فؤاد بك سراج الدين البائع وحضرة صاحبة العصمة زينب هانم عبد الواحد الوكيل المشترية المتعاقدَيْنِ أمامنا وأمام حضرة أحمد بك الوكيل المقيم بمصر الجديدة، وأحمد أفندي زكي المقيم بمصر، بِصِفَتِهِما شاهدَيْن عن صِحَّة شخصية المتعاقِدَيْن، وهذا تَصَدُّق منا بذلك. مصر في يوم الأربعاء ١٨ مارس سنة ١٩٤٢ بمينا هوس الساعة الثانية والنصف بعد الظهر، حيث انتقلنا بتصريح من جناب رئيس محكمة مصر المختطة مرفق بدفتر التصديقات.

(أ) فكرة مشروع البر والباشوية

قد يبدو غريبًا يا مولاي هذا الانتقال المفاجئ من صفقة بيع أطيان إلى مشروع البر، ثم الجمع بين مشروع البر والباشوية، ولكن الغريب في هذا العهد هو انعدام الغريب!

ذلك أن رفعة النحاس باشا حادَثَني — في خلال المدة السابقة على إجراء الانتخابات — عن نيته في القيام بمشروع بر يطلب فيه من الأغنياء التبرع بمبالغ كبيرة، وتُنْتَهَز هذه الفرصة لالتماس الإنعام عليهم بالباشوية أو الرتب التي يستحقونها، ثم تَرَدَّدَ لحظة وقال — ما معناه: إني أريد أن أطلب الباشوية لصديقك فؤاد سراج الدين، وذَكَرَ لي سببًا لا علاقة له بصفقة الأطيان التي لم أكن أعلم عنها شيئًا أصلًا، وكانت على ما يظهر محل تكتُّم شديد، ولكني اعترضت على الفكرة في ذاتها لأسباب أَبْدَيْتها له وظننت أنه اقتنع بها.

على أَثَرِ ذلك نَبَتَتْ فكرة — أو مناورة — أخرى ناقَشْتُها هي أيضًا على علاتها؛ لأني لم أكن أدري السر في هذا التحمس المفاجئ لمصلحة أحد أصدقائي.

فقبل انعقاد جلسة مجلس الوزراء اقترح أحد الوزراء — هو عبد الفتاح الطويل باشا — على رفعة رئيس الوزراء وباقي الوزراء أن يُعَين فؤاد بك سراج الدين وكيلًا للداخلية بدلًا من حمدي محبوب باشا الذي كان في النية نَقْلُه من وظيفته، وقال معاليه في تبرير اقتراح تعيينه: إن فؤاد بك صديق مَكْرَم، وهو يعرفه ويعرف مؤهلاته وانتسابه إلى أسرة غنية كبيرة، فما كان مني إلا أن اعترضت بكل براءة على هذا التعيين لأسباب مصلحية وفنية — رغم صداقتي لفؤاد بك سراج الدين.

وكان ذلك كله قبل الانتخابات، وكان من محاسن الصدف أنَّ عَقْد بيع الأطيان من حضرة فؤاد بك سراج الدين إلى صاحبة العصمة حرم رئيس الوزراء تم توقيعه رسميًّا قبل الانتخابات أيضًا — أو في ١٨ مارس على سبيل التحديد — وسَبَقَ ذلك بطبيعة الحال العقد الابتدائي الذي أَعْطَوْه تاريخًا عرفيًّا قبل التوقيع الرسمي بشهرين.

(ب) الوزارة والباشوية

ولكن الخير في التأخير، فلئن فاتت الفرصتان السابقتان للحصول على الباشوية ووكالة الوزارة، فلقد سَنَحَتْ أخرى — أسخى وأجدى — هي خلو منصب وزير، بعد انتخاب وزير الزراعة رئيسًا لمجلس النواب الجديد، ولَمَّا يَمْضِ اليوم الأخير من شهر مارس الموعود، والمليء بالوعود.

بقيت الباشوية، وقد كان لها دور، ومع الدور مداورة ماهرة ماكرة؛ فقد التمس النحاس باشا لمناسبة عيد التولية السعيد الإنعامَ بالباشوية على خمس من الوزراء بينهم وزير الزراعة الجديد، ونياشين مختلفة على بقية الوزراء، وكان قد استقر رأيُه في ذلك الوقت بالذات على تعيين الوزراء الجدد لوزارات التموين والشئون الاجتماعية والوقاية، وهنا قامت صعوبة في وجْه النحاس المسكين؛ فإنه إذا ما عَيَّنَ الوزراء الجدد قبل الإنعام بالباشوية على الوزراء الخمسة أَصْبَح وزير الزراعة الجديد معتبرًا كواحد من الوزراء الجدد الذين لم يكن من المعقول التماس الإنعام عليهم إثر تعيينهم، فلم يكن بد إذن من التماس الرتب والنياشين والإصرار على هذا الالتماس قبل تعيين الوزراء الجدد، وفعلًا أُنْعِمَ بالرتب والنياشين في ١٣ مايو على الوزراء القائمين، وفي اليوم التالي (أي في ١٤ مايو) عُيِّنَ الوزراء الجدد، فكان السبق للأولين بساعات تَبْلُغ الأربعة فوق العشرين!

وهكذا انفرجت الأزمة، وكانت شديدةً حادة، فاستطاع النحاس باشا أن يوفِّق بين القديم والجديد، وأن يجمع بينهما في هذا الحل السعيد.

(ﺟ) مشروع البر والشيء بالشيء يذكر

لقد تشرفت يا مولاي فبينْتُ كيف نَبَتَتْ فكرة مشروع البر في ذِهْن النحاس باشا بمناسبة صفقة الأطيان سالفة الذكر، وما كان لها من صلةٍ بفكرة الرتب والنياشين والتماس الإنعام بها على بعض المقرَّبين المحظوطين؛ ومن ثَمَّ فلم يَكَدْ يمضي أسبوع على الإنعامات السامية في ١٣ مايو حتى بدأ أسبوع البر في ١٩ مايو، وكان قد بقي بعض المحظوطين المقربين من أمثال صبحي أفندي الشوربجي، والأستاذ توفيق مفرج وغيرهما؛ الذين رؤي من البر بهم التماس الباشوية لهم، حتى يجمع البر بين فكرتي الإنعام والنعمة، تلك للأغنياء المحظوظين، وهذه للفقراء المساكين!

وبهذه المناسبة — والشيء بالشيء يُذْكَر — فقد سَبَقَ للنحاس باشا أن عَرَضَ على مجلس الوزراء مَنْح الجنسية المصرية لنسيبه صبحي أفندي الشوربجي، تمهيدًا لطلب تعيينه في الشيوخ، وكذلك عَلِمْتُ فيما بعد أنه الْتَمَسَ تعيين الأستاذ توفيق مفرج عضوًا في الشيوخ مع أن اسمه لم يُعْرَض على مجلس الوزراء ولم يَكُنْ ضِمْنَ الكشف الذي أَقَرَّه المجلس!

ولكنه فشل في محاولاته هذه، ولو أنه نَجَحَ في المحاولة الرئيسية الأولى، وحسبي ما تقدم من البيان، عن الملابسات التي لابست أو تلت الصفقة الأولى من الأطيان!

شراء حوالي ٧٥ فدانًا من آل عدس

وإني أتشرف بإرفاق صورة رسمية من العقد مُسْتَخْرَجة من محفوظات قلم الرهون بمحكمة مصر المختلطة.

وبالاطلاع على هذا العقد يتبين أن الخواجة إميل نسيم عدس بصفته مصفيًا لشركة نسيم عدس وأولاده باع إلى حضرة صاحبة العصمة السيدة زينب هانم الوكيل كريمة المرحوم عبد الواحد الوكيل وحرم رفعة مصطفى النحاس باشا ٢٢س و١٨ط و٧٤ فدانًا واقعة بزمام ناحية البركة مركز شبين القناطر.

وقد نص في العقد على أن الثمن ١٢٠ جنيهًا للفدان الواحد، «فتكون جملة الثمن ٥٨٢ مليمًا و٨٩٧٤ دُفِعَتْ بتمامها على دور القرش الواحد من يدِ ومالِ المشترية، بمجلس هذا العقد ورقُ بنكنوت من أوراق البنك الأهلي المصري.»

وقد وُقِّعَ على العقد «في يوم الخميس ٨ أكتوبر سنة ١٩٤٢ الساعة الرابعة بعد الظهر بالمنزل رقم ١٠ الكائن بشارع أحمد باشا بقصر الدوبارة» وسُجِّلَ بقلم رهون محكمة مصر الابتدائية المختلطة بتاريخ ٢٤ أكتوبر سنة ١٩٤٢.

(أ) صفقة!

هي من غير شك صفقة رابحة مهما يحاوِل النحاس باشا التهوين من قيمتها محاوَلة المُرِيب الذي يكاد يقول خذوني، فلقد اشترى الفدان بسعر ١٢٠ جنيهًا في المرج القريبة من القاهرة في وقت كان يُباع فيه الفدان بمئتين من الجنيهات في أقصى الصعيد من أرض أَقَلَّ قيمةً وأَضْعَفَ غلة، بل إن صبحي أفندي الشوربجي اشترى قبل ذلك ببضعة شهور — أي قبل فترة الرواج الاستثنائي — أرضًا مجاوِرةً لها من حضرة صاحب السعادة بهي الدين بركات باشا بسعر الفدان ١٦٠ جنيهًا، وكانت هذه الصفقة تشمل أطيانًا أكثر من تلك ويبلغ مقدارها ٢٥٠ فدانًا، ممَّا كان له أَثَرُه — ولا ريب — في تقدير السعر، هذا فضلًا عن أن الأرض التي اشتراها رفعة النحاس باشا لِحَرَمِه قد مُهِّدَتْ لها سُبُل الري قبل الأخرى.

بل ما لنا نذهب بعيدًا؛ فإن السمسار الذي اشترى الأرض سافَرَ إلى فلسطين وعَرَضَ على كبير آل عدس سعرًا هو ١٤٠ جنيهًا للفدان، وأَقْنَعَهُ بالقبول لاعتبارات لا تخفى، فلما عاد السمسار إلى مصر ظافرًا بهذا القبول طمع النحاس باشا في تخفيضٍ جديدٍ ونجح بعد ضغط جديد في الحصول على ثمن ١٢٠ جنيهًا للفدان! وهو سعر عجيب حقًّا؛ لأن هذه الأرض بالذات سَبَقَ أن قُدِّرَ للفدان الواحد منها ٢٣٥ و٢٥٠ جنيهًا.

فما هي الأسباب التي دَعَتْ آل عدس — وهم من كبار التجار من إخواننا الإسرائيليين — إلى عَقْد هذه الصفقة غير الرابحة؟ ولكن هل هي حقًّا غير رابحة؟ هذا هو السؤال!

سيارة كوتسيكا … إلخ

لعل الإشارة إلى شراء هذه السيارة وما إليها من أدوات الترف أبلغ في الدلالة على العقلية الجديدة التي حازها النحاس باشا فاستحوذته، وكسبها فكسبته، فلقد رأينا أن معيشة الترف كانت من العوامل التي أدَّت بالنحاس باشا وأهله إلى الرغبة في الثراء، فلا عجب أن يؤدي الثراء في دوره إلى الاستزادة من الترف … وهكذا دواليك، فلن تكون الحلقة إلا مُفْرَغة، ما دامت الأموال تتوالى سابغة مسبغة!

(أ) الحكومي والمنزلي!

ولقد كان للنحاس باشا كرئيس للوزراء ووزير للداخلية والخارجية ثلاث سيارات حكومية يستعملها في شئونه الحكومية والمنزلية، ولكنه أبى إلا أن يشتري لرئاسة مجلس الوزراء سيارة جديدة فخمة من طراز باكار، يَبْلُغ ثمنها الأصلي ثلاثة آلاف جنيه، وتمتاز على غيرها من السيارات «الديمقراطية» بأن بها جهازًا لتكييف الهواء، فيبرد في الصيف ويسخن في الشتاء … إلى غير ذلك من معدات الراحة والفخفخة التي يستمتع بها ذوو الثراء.

ولكن هذه السيارة الفخمة تملكها الحكومة، فهي سيارة حكومية، ولرفعة رئيس الوزراء صفة أخرى منزلية تقتضي سيارة منزلية، ولا يصح — بل ولا يليق — أن تَقِلَّ المنزليةُ عن أختها الحكومية؛ ومن ثَمَّ استقر الرأي على شراء سيارة باكار من نفس الطراز، فخُوطِبَ صاحب السيارات في هذا فتَبَيَّنَ أن للسيارة الحكومية أختًا في عصمة أجنبي مليونير هو المسيو كوتسيكا، ولم يكن مفهومًا أن يَفْضُل المسيو كوتسيكا شخصَ رئيس الحكومة فيحتفظ لنفسه بسيارة لا تَمْلِك مثلها إلا الحكومة، وقد يملك المالَ الوفير شخصٌ ليس بالمليونير؛ وبناء عليه طُلِبَ إلى التاجر أن يتصل بالمسيو كوتسيكا ويرجوه التنازل عن شراء السيارة، فما كان من المسيو كوتسيكا إلا أن قال إنه وما يملك رَهْن مشيئة رئيس الوزراء، وتَنَازَلَ فعلًا عن شراء السيارة وأَخَذَها النحاس باشا لنفسه ملكًا خاصًّا.

(ب) المصلحتان الخاصة والعامة

ولما كان التاجر صاحب السيارات قد ارتضى — طبقًا لرواية النحاس باشا — أن يبيعها له بمبلغ أقل من ٣٠٠٠ جنيه؛ فيظهر أن رفعته أراد أن يرد له الجميل ولو على حساب الحكومة، وكان قد حدث أن استولت وزارة التموين على أكثر من عشرين سيارة باكار استوردها التاجر صاحب السيارات فطلب إليَّ النحاس باشا (وكنت إذ ذاك وزيرًا للتموين) أن أرد له السيارات المستولى عليها، فأَخْبَرْتُه أن هذه السيارات قد سُلِّمَتْ للجيش مُقَابِل قيمة الاستيلاء، فأَلَحَّ عليَّ النحاس باشا في أن أجد وسيلة لاستردادها من الجيش وتسليمها للتاجر ليتَّجر بها ويربح من ورائها، فرَفَضْتُ ذلك بطبيعة الحال، وفي اليوم التالي جاء إلى الوزارة المذكورة راجيًا ملحًّا، وفَهِمْنَا منه السر في إلحاح رفعة النحاس باشا وحكاية سيارة كوتسيكا.

(ﺟ) الخير العميم

وما إن خرجت من الوزارة حتى اشترى الوزراء سيارات جديدة لهم هم أيضًا من طراز باكار يُقَدَّر ثمن الواحدة منها بأكثر من ١٦٠٠ جنيه.

ولما كان الخير الصميم هو الخير العميم، فقد قَرَّرَت الوزارة تعميم السيارات على الرؤساء المحظوظين والسكرتيرين، وطُلِبَ إلى مجلس الوزراء اعتماد مبلغ أربعين ألف جنيه لشراء ٣٥ سيارة، ثم قَرَأْنَا في الصحف بعد ذلك أنه قد اعْتُمِدَ مبلغ ينوف عن السبعين ألف من الجنيهات لشراء سيارات وإصلاحها، واحْتُسِبَ هذا المبلغ من اعتماد الطوارئ.

ولم تكن هذه السيارة الفخمة التي اشتراها النحاس باشا لنفسه هي وحدها من أدوات الترف التي كَلَّفَتْه آلافًا من الجنيهات، ولكني ذكرتها دون غيرها من المشتريات (كالأثاثات وغيرها مما لدينا دليله ولا يصح تفصيله) من باب التمثيل على ما يبذر بذرًا وتبذيرًا من المال الوفير.

وليست مظاهر الثراء مقصورة على الشراء، فهناك مستوى المعيشة إذا ما ارتفع عن الحد المألوف، فإنه يستتبع حتمًا الطفرة في الإنفاق غير المألوف — وبخاصة إذا كان الثراء طارئًا جديدًا لم يتعوده صاحبه — وحسبي في ذلك أن أشير إشارة عابرة إلى ما يعرفه جميع زائري النحاس باشا وأهله مِنْ بَذَخ في المعيشة وفي الإنفاق، لا يتوافر إلا لثَرِيٍّ لا يخشى الإملاق، ولقد كان الناس يَعْجَبون كيف يقضي النحاس باشا وأهلُه شهورًا في مينا هوس يُنْفِق فيها ما لا يقل — إن لم يزد — عن ألف من الجنيهات، ثم يستأجر لسكنه غيرَ مسكنه في مصر الجديدة قصرًا في جاردن ستي كان إيجاره الشهري قبل صدور الأمر العسكري برفع الإيجارات خمسين جنيهًا غير ما يَتَكَلَّفه من نفقات! ولكن لو أنهم وقفوا على ما يعرفه العارفون — ولا محل لتفصيله — من نفقات تُنْفَق من غير حساب على ما يُسَمِّيه الفرنسيون train de vie، لَعَجِبوا كلَّ العجب من أين وإلى أين هذه النفقات والألوف المؤلفات.

ولكنَّا لم نشأ يا مولاي إلا أن نسجل هنا بعض الوقائع والصفقات التي قدَّمنا عليها الدليل، وهي كافية لمجرد التمثيل، وسنرى فيما يلي من أدلة على ما اقتناه الأنسباء الشركاء من مئات الألوف من الجنيهات؛ أن ما ذَكَرْناه وأقمنا الدليل عليه لم يكن إلا جزءًا من كلٍّ لا شك في وجوده — وإن عز السبيل إليه.

مئات الألوف للأنسباء الشركاء

صبحي أفندي الشوربجي صاحب معامل الغَزْل والنسيج هو رجل من رجال الأعمال، سوري الأصل والجنسية، وكانت أعماله مركَّزة في حدود اختصاصه، أي في الغَزْل والنسيج.

ثم زوَّج ابنته من حضرة أحمد أفندي الوكيل الموظف بسكرتارية مجلس الشيوخ، وشقيق حرم رفعة النحاس باشا، وما إن تم هذا الزواج حتى اتسع نطاق الأعمال والآمال للطرفين معًا.

وشاءت التطورات السياسية أن يُعَيَّنَ النحاس باشا رئيسًا للوزارة، ولمَّا يَمْضِ على هذا الزواج أكثر من عام، فإذا بالآمال التي تمدَّدَت اتساعًا، قد تصاعدت ارتفاعًا، فبلغت الآمال حد الخيال!

وإذا بالأستاذ أحمد الوكيل يستقيل — ويا للعجب! — من وظيفته في سكرتارية مجلس الشيوخ، مع أن مُرَتَّبَه فيها كان حوالي الخمسة وعشرين جنيهًا شهريًّا، وكان له فوق شهادة التجارة المتوسطة من المؤهلات أضخمها وأعظمها، فهو نسيب وأي نسيب للنحاس باشا، ولو أنه ظل موظفًا لارتقى المناصب درجات، تعلوها علاوات!

ولقد جاءني الاثنان معًا عَقِب تأليف الوزارة — كما سأبين ذلك تفصيلًا تحت بابِ رُخَص التصدير — يطلبان الترخيص بتصدير الزيت والجلود، وتلا ذلك الأرز والسكر … وراح الاثنان — ومعهما شريك خَفِيٌّ ثالث — يتَّجرون ويُسَمْسِرون في كل ما يَقْبَل الاستغلال ويُدِرُّ المال.

وما إن اتسع النطاق، حتى اتسعت الآفاق، فتقدم النحاس باشا إلى مجلس الوزراء يطلب مَنْحَ صبحي أفندي الشوربجي الجنسية المصرية، تمهيدًا لكرسي الشيوخ وللباشوية، ثم كان صباح وكان مساء فإذا الأستاذ أحمد الوكيل نائب محترم لباب الشعرية.

غير أن المناصب والألقاب، هي إلى المال بمثابة القشور إلى اللباب؛ ومن ثَمَّ راح حضرات الأنسباء الشركاء يَسْعَوْنَ إلى المال بكل وسيلة، حتى تضخمت الحصيلة، فبلغت مئات الألوف من الجنيهات، وقيل إن ثروة الشوربجي إخوان تُقَدَّر الآن بحوالي المليونين من الجنيهات.

ولكني يا مولاي قد أَخَذْتُ على نفسي بأن لا أتقدم إلى جلالتكم إلا بالوقائع التي قام عليها الدليل، وفيما يلي بعض ما وَقَفْتُ عليه، وتحقَّقْتُ منه، من وقائع وأسانيد.

(أ) أطيان وعمارات

اشترى حضرة صبحي أفندي الشوربجي منذ بضعة شهور من حضرة صاحب السعادة بهي الدين بركات باشا عزبة بجوار المرج تبلغ حوالي ٢٤٠ فدانًا، ودَفَعَ عن كل فدان ثمنًا مقداره ١٦٠ جنيهًا مصريًّا — أي إن مجموع الثمن يناهز الأربعين ألفًا من الجنيهات — وهذه الصفقة غير منكورة، وقد تأكدنا خَبَرَها من سعادة البائع نفسه وسِجِلِّ المحكمة المختلطة.

وكذلك اشترى حضرته عن نفسه وعن أخيه بمقتضى عَقْد بَيْع رسمي محرَّر في ١١ مايو سنة ١٩٤٢ أمام قلم العقود الرسمية بمحكمة مصر المختلطة عمارة ضخمة بشارع الملكة نازلي من ورثة المرحوم علي بك محمد صادق مقابلَ ثَمَنٍ إجمالي قَدْرُه ٥٠٥٨٥ جنيهًا، خمسون ألفًا وخمسمائة وخمسة وثمانون جنيهًا، دَفَعَ منه عند العقد الابتدائي في ٢٤ مارس سنة ١٩٤٢ مبلغ ٩٥٨٥ جنيهًا، كما دَفَعَ في مجلس العقد المذكور مبلغ ٨٣٤ مليمًا و٨٤٣٠ جنيهًا وهو قيمة نصيب القاصر، ودَفَعَ باقي المبلغ وقَدْرُه ٣١٧١٠ جنيهات بموجب شيك رقم ١٣٠٧٢٦ بتاريخ ٩ يونيو سنة ١٩٤٢ على البنك العثماني بالقاهرة.

ومن طريف ما يُذْكَر في هذا الصدد، أن الطرفين حرَّرَا عقدًا مُلْحَقًا بتاريخ ٩ يونيو سنة ١٩٤٢ نمرة ٨٣٣٨ مصر أشارا فيه إلى دَفْع سمسرة إلى أحمد بك الوكيل، وفيما يلي نص ما جاء فيه:

حضر الطرفان ومعهما نفس الشاهدَيْن في العقد الأول، وقَرَّرَا أن ما يجب خصمه من باقي الثمن هو مبلغ ٦٠٩ مليمًا و٩٢٧ جنيهًا، وهو عبارة عن مجموع مَبْلَغ السمسرة المستحقة لأحمد بك الوكيل والأموال الأميرية … إلخ.

وعَقْد البيع مُسَجَّل في ٢٧ مايو سنة ١٩٤٢ نمرة ٣٣٤٠ مصر تسجيل.

هذه الصفقة — وصفقة الأطيان سالفة الذكر — يبلغ ثمنهما وحدهما حوالي المائة ألف جنيه دُفِعَتْ عدًّا ونقدًا، وتَمَّت الصفقتان كما تَمَّت الصفقات الأخرى التي ستأتي الإشارة إليها خلال قيام الوزارة الحاضرة.

وفوق ذلك فإن حضرات الأنسباء — الشوربجي إخوان — يقومون الآن ببناء عمارتين كبيرتين في الزمالك.

(ب) عرض بنصف مليون جنيه

قد عَلِمْتُ من مصدره نبأ له دلالته البالغة، وهو أن أحد السماسرة قد عَرَضَ أخيرًا بالنيابة عن صبحي أفندي الشوربجي وشركائه شراء عمارة إيموبيليا بمبلغ نصف مليون من الجنيهات ولكن الصفقة لم تتم.

ولا يَحْسَبَنَّ أحد أن النصف مليون من الجنيهات تستنزف ما ادَّخَرَهُ الأنسباء المحظوظون من أرباح الصفقات المتواليات، فقد عَلِمْتُ أن حضراتهم قد عَرَضُوا أخيرًا شراء أكثر من ستمائة فدان صفقة واحدة في مديرية المنيا، معروض بيعها في إحدى التفليسات، على أن يكون ثمن الفدان الواحد حوالي ٢٢٠ جنيهًا، وعلى أن يُدْفَع الثمن بأكمله عن الصفقة كقطعة واحدة لا تجزئةَ فيها.

هذا يا مولاي بعضٌ من كلٍّ وفَصْلٌ من أصل، عدا ما يتحدث الناس عنه من صفقات لم نرَ محلًّا للإشارة إليها، وعدا صفقات التموين والغَزْل التي سيأتي الكلام عنها في موضعٍ آخر من هذه العريضة، والتي كان محورها صبحي أفندي الشوربجي، ومحور المحور حضرة النائب المحترم الأستاذ أحمد الوكيل، الموظف السابق ذو المرتب الضئيل، شقيق حرم رفعة الرئيس الجليل.١

(ﺟ) من غير تعليق

وحسبنا أن نذكر هنا من غير تعليق أن حضرة صبحي أفندي الشوربجي النسيب المحظوظ الذي وَقَفَ رفعة رئيس الوزراء في مجلس النواب يترافع عنه مرافَعة حارة، والذي توافرت له الآن مئات الألوف من الجنيهات يَدْفَعها أو يَعْرِضها عدًّا ونقدًا، هذا الرجل بالذات كان قد اقترض — منذ عَهْد قريب لا يزيد كثيرًا على السنتين — مَبْلَغ عشرة آلاف جنيه كسلفة صناعية للمصانع التي يملكها، وقد اقترض هذا القرض الضئيل من الحكومة القائمة إذ ذاك.

فأين أين العشرة آلاف قرضًا، من مئات الألوف يقتنيها ذهبًا وأرضًا، وأين موقفه من الحكومات الغابرة بالقياس إلى موقفه من الحكومة الحاضرة! سبحان مُغَيِّر الأحوال، ومغير الرجال!

(١-٢) التنظر على الأوقاف واستغلال النفوذ

لعل مِنْ أَفْضَح وأقسى الدلائل التي تنهض ضد النحاس باشا شخصيًّا هي تصرفاته الأخيرة بصدد الأوقاف التي كان أو أصبح ناظرًا عليها بفضل رياسته للوزارة؛ فإن نظرة إلى مجموع هذه التصرفات وإلى المستندات التي استخرجناها تأييدًا لها تَكْشِف عن ناحية من شخصية النحاس باشا أعترف أنها كانت خفية علي وعلى الكثيرين، فقد عَرَفْته جريئًا ولكني لم أَعْرف فيه الجمع بين الجرأة والتحايل إلا حين وَقَفْتُ على هذه البيانات وما يؤيدها رسميًّا من المستندات، وإني ليؤسفني ويحزنني أن أضْطَرَّ إلى الكشف عن هذه الحقائق المؤلمة، ولكن السكوت عنها أشد إيلامًا، وشتان بين ألم وألم، بين ألمٍ ضحيته الأفراد، وألمٍ ضحيته البلاد.

وحسبي أن أذكر هنا عمليتين رئيسيتين — أو بالأحرى صفقتين خطيرتين — تمَّتا لمصلحة النحاس باشا ناظر الوقف، في عهد النحاس باشا رئيس الحكومة، وإحدى هاتين العمليتين هي بيع منزل النحاس باشا إلى وَقْف عبد العال الذي هو ناظِر عليه، والأخرى هي تنظُّر النحاس باشا على وقْف البدراوي بسمنود عقب تأليف الوزارة، وقد اقترنت هاتان العمليتان بإجراءات ومناورات، وترتبت عليهما نتائج وتصرفات، تكاد تكون منقطعة النظير، لا في استغلال النفوذ فحسب، بل في التحايل على الاستغلال وكسْب المال بوسائل تكفي الإشارة إليها، في التعليق عليها!

وفيما يلي بيان موجز لهاتين الصفقتين:

البيع منه وإليه

يكفي يا مولاي من هذه العملية مجرد ذكرها، لظهور وزرها.

فلقد باع النحاس باشا منزله في سمنود إلى وَقْف عبد العال الذي هو ناظر عليه بمبلغ عشرة آلاف من الجنيهات، ومن شروط الوقفية أن يكون لناظر الوقف حق السُّكنى في منزل الوقف، وأن يصرف للمنزل كل شهر مئة وعشرين جنيهًا ثمن قمح وأرز ومسلى … إلخ، على أن يكون للزوجة المستحقة عشرين جنيهًا منها.

وفي عبارة أخرى، فإن النحاس باشا هو البائع والمشتري في نفس الوقت، ولقد يكون في ذلك بدعة، ولكنها بديعة، وصفقة رائعة ولكنها مريعة!

وواقعة الحال أنه كان لمصطفى النحاس باشا — بصفة كونه فردًا من أهالي سمنود — منزل خاص في تلك البلدة يسكنه رفعته بصفته هذه، أو بما استجد له من صفات كحاكم مدني أو عسكري، أو إذا شاء كزعيم شعبي، غير أنه قد بقي لرفعته صفة أخرى لها وزنها، ولها ثمنها، وهي صفته كناظر للوقف، وعلى ذلك رأى النحاس باشا الفردُ والزعيمُ والحاكمُ أن يبيع المنزل للنحاس باشا ناظر الوقف بصفته وكيلًا عن الوقف، لكي يَسْكُنَه رفعته كناظر للوقف طبقًا لنص الوقفية، وقبض رفعته في نظير هذه العملية البارعة مبلغ عشرة آلاف من الجنيهات ثمنًا سخيًّا كريمًا، ولم يَتَوَرَّع النحاس باشا عن القول بأنه قَبَضَ هذا الثمن تضحية منه ورحمة بالمستحقين والفقراء المنتفعين من الوقف، وهي أيضًا رحمة من النوع الجديد المبتكَر، التي ينتفع منها الرحيم دون المرحوم!

وإني يا مولاي لأتشرف بأن أُرْفِق مع هذه العريضة مستخرَجًا رسميًّا من محاضر جلسات محكمة طنطا الشرعية، وآخر عن حجة الوقف، ويكفي الاطلاع على محاضر الجلسات وما تضمَّنَتْه من المناورات والأساليب التي لجأ إليها رفعة الناظر تبريرًا للحصول على مبلغ عشرة آلاف جنيه ثمنًا لبيع منزله للوقف، يكفي الاطلاع على هذه المحاضر لكي تثور النفس مستفزة مشمئزة من أساليب التحايل على الأقوال فكيف بالأموال!

ولقد ضَرَبَ النحاس باشا بهذه العملية التي لا أعرف لها مثيلًا من نظائرها في استغلال النفوذ، ضرب رِفْعَتُه عدة عصافير بريئة بحجر واحد، وفيما يلي تلخيص موجز لأوزار هذه العملية:

(أ) تحايل يتلوه تحايل

لعل الوزر الأول — أو التحايل الأول — هو نفس التنظُّر على الأوقاف، فإن محاسن الصدف قد شاءت — وما زالت تشاء حتى الآن كما سنرى — أن لا تُكْتَشَف محاسن رفعة النحاس باشا كناظر للوقف إلا حينما يكون في الحكم؛ ولذلك فلم يُعَيِّن رفعته ناظرًا على وقف من الأوقاف الثلاثة التي يتنظَّر عليها في بلدته إلا بعد توليه الوزارة، وكان آخر تعيين له كناظر لوقف البدراوي في عهْد تولِّيه الوزارة الأخيرة؛ ولهذا التعيين قصة مبكية مضحكة سنتناولها فيما بعد.

وقد كانت الصحف المعارِضة تحمل عليه في سنة ١٩٣٧ حملات شديدة بسبب تنظُّره على تلك الأوقاف في إبان توليه الحكم، ولكن رفعته كان يعتذر بشتى المعاذير مبينًا أن في تنظره مصلحة للوقف وتحقيقًا لِشَرْط الواقف، فكنَّا نحن أنصاره نتقبل منه هذه الحجج المؤيِّدة لوجهة نظره، ولو أن الكثيرين منَّا كانوا يتمنَّوْن ابتعاده عن مواطن التجريح في مسائل مالية من هذا القبيل.

ولكن الذي لم أكن أعرفه أو يعرفه أحد من زملائه أن رفعته كان سيتخذ من تنظُّره على الأوقاف سبيلًا للتحايل على الثراء، ولولا أني استخرجْتُ أخيرًا المحاضر الرسمية الدالَّة على ذلك واطَّلعت على محتوياتها مُفَصَّلة، مهلهلة، لما صَدَّقْتُ ما كانت تلوكه الألسنة المذياعة، وتَهْمِس به الإشاعة.

وتشاء المصادفات العجيبة أيضًا أن تبدأ الخطوة الأولى التي أدَّت إلى صَفْقَة بيع منزل رفعته للوقف الذي هو ناظِر عليه، في عهد تولِّيه الحكم في سنة ١٩٣٧، فقد جاء في محضر محكمة طنطا الابتدائية الشرعية بتاريخ ٢ يونيو سنة ١٩٤٠ (وهو مُرْفَق بهذه العريضة مع المحاضر الأخرى): «أنه كان لوقف المرحوم السيد بك عبد العال عمارة واقعة على البحر الأعظم بسمنود … وقد أَرْصَدَ عليها الواقف مبلغًا كبيرًا يُصْرَف شهريًّا في الوجوه التي عيَّنها الواقف، وأن العمارة المذكورة أُخِذَتْ للمنافع العامة بقرار من هذه المحكمة في ١٠ أكتوبر سنة ١٩٣٧ نظير مبلغ ٨٦٨ مليمًا و٥٣٢٥ جنيهًا.»

إذن فقد نُزِعَتْ ملكية عمارة الوقف وقُدِّر لها — ثمنًا سخيًّا — مَبْلَغٌ ينوف على الخمسة آلاف جنيه، وكان ذلك في سنة ١٩٣٧ حينما كان النحاس باشا رئيسًا للوزارة وناظرًا للوقف في وقت معًا.

وتشاء المصادفات الطيبة يا مولاي، وكل طيبتها منصرفة إلى مصلحة النحاس باشا، تشاء هذه المصادفات أن يبني النحاس باشا عمارة جديدة لنفسه في سمنود في الوقت الذي أُخِذَتْ فيه عمارة الوقف للمنافع العامة! فقد كان للنحاس باشا وإخوته منزل الأسرة الذي وَرِثُوه عن المغفور له والدهم، وقد تراضَى رفعته مع بقية الورثة على أن يكون المنزل ملكًا خاصًّا له، ثم راح يبني البيت من جديد لحسابه الخاص فيبني عمارة من دَوْرَيْن كان المفهوم أنها لسكنه الخاص، ولكن ما فهمه الناس لم يفهمه على ما يظهر رفعة النحاس باشا، كما يتبين من تصرفاته التالية.

وهنا يسوقنا الحديث إلى مصادفة ثالثة — أو هل هي رابعة؟ — هي أن المستحِقة الوحيدة التي بقيت على قيد الحياة هي السيدة بدر حمودة بك الأعسر زوجة الواقف المرحوم السيد بك عبد العال، وأنها قد تزوجت منذ بضعة سنوات بحضرة الأستاذ مسعد السمرة الذي تشاء المصادفة الخامسة — أو لعلها السادسة — أن يكون زوجًا لإحدى قريبات النحاس باشا، وأن يَضُمَّ إلى زَوْجته الأولى زوْجَتَه الثانية، ونعني بها السيدة المستحقة في وَقْف عبد العال الذي يتنظر عليه رفعة النحاس باشا.

هذا ما شاءته المصادفات لمصلحة النحاس باشا وتأتي الآن إلى ما شاءه رفعته لمصلحة المصادفات! فلقد اتفق رفعته مع السيدة المستحقة، التي اتَّصَلَتْ به بصلة النسب، على تقديم طَلَب إلى المحكمة الشرعية تَطْلُب فيه الإذن للوقف بشراء منزل النحاس باشا ناظر الوقف بدلًا من العمارة التي نُزِعَتْ ملكيتها في عهد النحاس باشا رئيس الوزارة.

وفيما يلي نص الطلب الذي تَقَدَّمَتْ به السيدة المستحقة إلى المحكمة الشرعية نقلًا عن المحضر الرسمي:

قالت السيدة بعد أن أشارت إلى نزع ملكية عمارة الوقف في سنة ١٩٣٧:

إن الطالبة يهمها تحقيق شروط الواقف على الوجه الأكمل، وقد بَحَثَتْ عن سراي للوقف بسمنود ووُفِّقَتْ إلى سراي واقعة على البحر الأعظم منشأة على الطراز الحديث ملك حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا، وتفاهَمَتْ مع رفعته على إعطائها للوقف بالثمن الذي تراه المحكمة مناسبًا، وقد قَبِلَ أن يأخذ قطعة الأرض الفضاء الباقية من سراي الوقف التي هُدِمَتْ بعد أن نُزِعَتْ ملكيتها بما في ذلك الأرض المحكرة للوقف وأخذ أنقاض السراي؛ على أن يُخْصَم ثمن ذلك من ثَمَن سرايه التي سيعطيها للوقف، وطَلَبَت الطالبة إجراء اللازم لذلك …

إذن قد أصبح المنزل الريفي المتواضع الذي بناه الزعيم الشعبي المتواضع (سرايًا) من السرايات الفخمة التي لا يرتضي النحاس باشا لها ثمنًا أَقَلَّ من عشرة آلاف من الجنيهات! وسيأتي الكلام عن الثمن ومفرداته، بل ومدهشاته.

وليس أبرز في معنى الحيلة والتحايل من إجابة رفعة الناظر بلسان وكيله على طلب شراء منزله، وهنا أترك الكلام أيضًا لمحضر الجلسة:

وقال وكيل رفعة الناظر: إن رفعته يقدر الظروف التي ذَكَرَتْها الست الطالبة في طَلَبِها، ويعطف عليها كل العطف؛ نظرًا لما جُبِلَ عليه رفعته من حب الخير لمصلحة الوقف والمستحقين جميعًا بما يَكْفُل لهم بقدر الاستطاعة الراحة التامة والتمتع بالمزايا التي قصدها الواقف مِنْ وَقْفه عليهم؛ ولذلك فإن رفعة الناظر يوافق على طَلَب الست الطالبة؛ رغم ما في ذلك من تضحية عزيزة عليه، وبخاصة لأن السراي المطلوب شراؤها هي مقر ذكريات مسقط رأسه وأهله وتراث المرحوم والده، وقبِل ذلك عن طيب خاطر رحمةً بالسيدة الطالبة التي تحتاج إلى سراي تقيم فيها أسرع ما يمكن مراعاةً لصحتها من جهة، وليقوم من جهة أخرى بتنفيذ ما قرَّره الواقف بكتاب وقفه … إلخ.

أفلا يرى مولاي أن رفعة النحاس باشا قد بَلَغَ منه الحنان والتحنُّن مَبْلَغَ الفن والتفنن، فهو إنما يبيع منزله بمبلغ عشرة آلاف جنيه رحمةً بالمستحقة التي تحتاج إلى سراي تقيم فيها بأسرع ما يمكن مراعاةً لصحتها … في حين أن هذه السيدة المشار إليها لم تكن تسكن بطبيعة الحال إلا مع زوجها الذي كان قاضيًا في الأرياف ينتقل من بلد إلى أخرى، بعيدًا عن سمنود، وبعيدًا عن السراي التي يقول رفعته في صِدْق بالِغ إنها في حاجة إليها لتقيم فيها بأسرع ما يمكن! وما كنا — علم اللهُ — لِنَدْرِيَ أنَّ سكنى السرايات عَمَلٌ من أعمال الرحمة، لولا أن القائل بذلك هو زعيمٌ في الأمة، وللأمة!

ومن طريف ما يُذْكَر في هذا الصدد، أن النحاس باشا ذَهَبَ به الإمعان في التحايل إلى حد التصريح على لسان وكيله في الجلسة بما يأتي:

إن الذي يهون عليه هذه التضحية نوعًا ما؛ إنه قد يستطيع الاستعاضة عن السراي مسقط رأسه وأهله بإنشاء سراي مقابِلَة لها على أرض الوقف الباقية من أرض سراي المرحوم الواقف، وهي التي كان مُزْمَعًا أن يقام عليها سرايٌ للوقف بدل السراي التي نُزِعَتْ ملكيتها.

أليس هذا التدليل فريدًا في نوعه؟ فإن النحاس باشا يقول: إنه كان مزمعًا أن يقام على الأرض الباقية للوقف سراي للوقف، ولكنه من باب التضحية العزيزة عليه يبيع سراي والده للوقف ويأخذ هو لنفسه الأرض الباقية من ملك الوقف، عسى أن يبني عليها منزلًا له فيما بعد! ولسنا وايم الحقِّ نَفْهَم لماذا لم يبنِ النحاس باشا ناظر الوقف سرايا للوقف على الأرض الموقوفة التي يعترف أنه كان مزمعًا بناء سراي عليها؟ لماذا لم يفعل ذلك فيوفر على الوقف بضعة آلاف من الجنيهات، كما يوفر على نفسه بيع منزل والديه وما ينطوي عليه هذا البيع من تضحية عزيزة وغالية؟ ثم إذا لم يكن بُدٌّ من إعداد منزل للمستحقة رحمة بها فلماذا لم يكتفِ رفعته بتأجير منزله للوقف بضعة شهور حتى يتم بناء المنزل الجديد، لا سيَّما وأن عمارة الوقف نُزِعَتْ ملكيتها منذ سنة ١٩٣٧ وكان في مقدور رفعته أن يبني منزلًا للوقف في الوقت الذي يبني فيه منزلًا لنفسه، وقد كانت أدوات البناء رخيصة قبل نشوب الحرب.

ولكنه لم يفعل، وما كان له أن يفعل، وإلا ضاعت الصفقة، وضاعت الحكمة من كل هذه الخطط المرسومة، والتدابير المُحْكَمة.

ومن المدهش أن المحكمة الشرعية سألت في إحدى جلساتها (جلسة ١٣ أكتوبر سنة ١٩٤٠) إذا كانت شروط الواقف تقضي بإنشاء سراي بدلًا من التي هدمت، فوعَد وكيل المستحقة بتقديم مذكرة في هذا الموضوع، وفي الجلسة التالية — أي في ١٠ نوفمبر سنة ١٩٤٠ — جاء الطرفان متوافقَيْن على الإجابة، وقال وكيل رفعة النحاس باشا: «إني موافق على ما قرره حضرة زميلي، وإن في شراء سراي للوقف توفيرًا لمصلحة للوقف؛ نظرًا لأن إدارة الوقف كانت تَشْغَل جزءًا من السراي التي نُزِعَتْ ملكيتها، وهي الآن تستأجر منزلًا لا يقل أجره عن أربعة جنيهات.»

يا له من مبرر ضِمْن المبررات، أن يشتري الوقف منزلًا بعشرة آلاف من الجنيهات، توفيرًا لإيجارٍ شهري يبلغ الأربعة من الجنيهات!

(ب) التحايل على استبعاد المستحقين

ومما يدل على إحكام التدبير بين النحاس باشا والسيدة المستحِقة، أن المحكمة في جلسة ١٤ ديسمبر سنة ١٩٤١ طَلَبَتْ إلى الطالبة ووكيل الناظر تقديم كشف بأسماء المستحقين في الوقف لأخذ رأيهم في البيع وشروطه، فقال وكيل رفعة الناظر: إن المستحقين أصحاب مرتبات في الوقف، وليس لهم نصيب مُعَيَّن في أعيان الوقف؛ وعليه فلا داعي لأخذ رأيهم، ولكن الهيئة أصرَّت على تقديم الكشف المذكور، وأَجَّلَت الجلسة إلى ١٨ يناير سنة ١٩٤٢ لتقديم الكشف، وفي الجلسة المقبلة (التي انعقدت في ٢٥ يناير سنة ١٩٤٢) نَظَرَت المحكمة في مذكرة مقدَّمة من رفعة النحاس باشا بوجوب عَدَم أَخْذ رأي المستحقين، وأثبت محضر الجلسة ما يأتي حرفيًّا:

وعُرِضَت المذكرة المقدَّمة من وكيل رفعة الناظر على وكيل الطالبة المتضمنة عدم الحاجة لأخذ رأي المستحقين، فقال إنه يوافق على ما جاء بها.

وهكذا تمت المناورة وأُحْكِمَ سبكُها وحبكها، بين رفعة الناظر والسيدة المستحِقة فاتَّفق الاثنان على استبعاد جميع المستحقِّين أو المنتفعين الآخرين، رَغْم إلحاح المحكمة وتأجيل الجلسة خصيصًا لتقديم كشف بأسمائهم، ولعل هذه الواقعة وحدها تكفي للتدليل على التحايل المعيب ضد مصلحة الوقف وخوف النحاس باشا من اعتراض المستحقِّين الآخرين على بَيْع منزله للوقف وعلى الثمن الباهظ الذي يريد أن يتقاضاه.

(ﺟ) التحايل على الثمن

كان الثمن هو الهدف الذي رمى إليه كلُّ تحايل سَبَقَ أو لَحِقَ؛ أي منذ أن تقدَّم الطلب في يونيو سنة ١٩٤٠ إلى محكمة طنطا الشرعية بالإذن بشراء «سراي» النحاس باشا، إلى أن صدر قرار المحكمة في مارس سنة ١٩٤٢ بإقرار الشراء وإقرار العشرة آلاف جنيه ثمنًا يتقاضاه رفعة الناظر، الذي شاءت المصادفة أن يُصْبح رئيسًا للوزراء حين صدور القرار المذكور.

وقد اجتاز هذا التحايل مراحل عدة كشف فيها النحاس باشا يده — أو قصده — بأسلوب متدرِّج ومتعرج معًا، ولو أنه يا مولاي تقدم إلى المحكمة سافرًا، لعَذَرْناه تاجرًا، ولكنه بدأ المرحلة الأولى في طريق المساومة بالادِّعاء أنه لا يبغي من بيع منزله إلا العطف بالمستحقة والرحمة، وفَوَّض للمحكمة الثمن المناسب، ثم أُحِيلَ التحديد على قومسيون الأوقاف، ونَجَحَ النحاس باشا في إقناع الخبراء المعاينين بتقدير ثمن المتر المسطح من أرض منزله البالغ مساحتها ١٧ سنتي و٨١٧ مترًا بمبلغ جنيهين ونصف للمتر الواحد — فيكون مجموع ثمن الأرض ٩٢٥ مليمًا و٢٠٤٢ جنيهًا — وقُدِّرَ للمباني (وهي مقامة على حوالي ٤٢٩ مترًا من الأرض المذكورة) مبلغ سبعة آلاف جنيه وبذلك تكون قيمة المنزل جميعه ٩٢٥ مليمًا و٩٠٤٢ جنيهًا، ولعله من المفيد أن نلاحظ هنا أن هذا التقدير يَنْصَبُّ على منزل في حي من أحياء سمنود، وليس في القاهرة.

غير أن النحاس باشا لم يُرْضِهِ هذا التقدير السخي فوق السخاء، فجاء وكيله أمام المحكمة وقال: إن رفعته يرى ألا يبخس السراي في قيمتها مع رعايته للوقف ومصالحه!

ورأت المحكمة «أن التقرير الوارد من قومسيون الأوقاف مُجْمَل لم يشتمل على ما يشتمل عليه عادة تقارير الخبراء في مثل هذه المأمورية من التفاصيل الضرورية»، وانتهى الأمر أخيرًا بالنحاس باشا إلى طلب مبلغ عشرة آلاف جنيه ثمنًا لمنزله، ولعله من المفيد أن أُورِدَ هنا نَصَّ الطلب الذي تقدَّم به رفعة النحاس باشا بلسان وكيله إلى المحكمة، طالبًا مَبلغًا يزيد ألف جنيه على تقدير الأوقاف، وواصفًا هذه الزيادة بأنها «تضحية»، وفيما يلي نص ما ورد في محضر ٣٠ نوفمبر سنة ١٩٤١:

قال وكيل رفعة الناظر: إني اطلعت على مذكرة الأوقاف، وأعددْتُ مذكرة برأي رفعة الناظر في ذلك، وهي تتضمن أن رفعته رأى أخيرًا أن يضحي في سبيل منفعة الوقف، وقَبِلَ أن يكون ثمن السراي عشرة آلاف جنيه، على أن تَفْصِل الهيئة في هذه المادة اليوم، وإلا فرفعته في حِلٍّ من عدم قبول ذلك.

أليس بديعًا ومبدعًا معًا هذا الموقف من رفعة النحاس باشا؟ وهل هناك مَنْ هو أقدر على الجمع في مسلك واحد بين التضحية والتهديد، والوعد والوعيد!

انظر إليه يا مولاي وهو يقول إنه قد رأى أخيرًا أن يضحي في سبيل منفعة الوقف وقَبِلَ أن يكون ثمن السراي عشرة آلاف جنيه، ضاربًا في ذلك المثلَ الأعلى في التضحية الذهبية! ثم تَفَضَّلْ يا مولاي فانظر إليه وهو يقرن هذا العرض بشرط قبوله في جلسة اليوم، فورًا وفي غير تمهُّل، وإلا فهو في حِلٍّ من عدم قبول البيع، وليتحمل الوقف تبعة هذا التحلل!

ولكن المحكمة لم تتعجل، والنحاس باشا لم يتحلل، بل استمرت المحكمة في نظر المادة وهي تؤجِّلها من جلسة إلى جلسة، حتى تولَّى رفعة ناظر الوقف رئاسة الوزارة في أوائل فبراير سنة ١٩٤٢، وكانت الجلسة السابقة على ذلك في يوم ٢٥ يناير سنة ١٩٤٢، وأُجِّلَتْ إلى أول مارس سنة ١٩٤٢، وفي هذه الجلسة — وهي الجلسة الأولى بعد تولِّيه الوزارة — رأت المحكمة أن تسأل رفعة الناظر: «هل يَقْبَل أن يبيع السراي بمبلغ عشرة آلاف جنيه فقط مع ترك حق إحلاله محل وَقْف السيد بك عبد العال على وَقْف عنبه أو لَا»، فطلب وكيل النحاس باشا التأجيل أسبوعًا واحدًا للجواب عن ذلك، وأُجِّلَت الجلسة فعلًا إلى ٨ مارس، وفي هذه الجلسة الأخيرة أَعْلَنَ وكيل رفعة الناظر — وقد أصبح الآن ناظرًا للنظار — «أن رفعة الناظر يرى أنه وإن ضحَّى بأعز شيء لديه؛ فإن ذلك لا يمنعه من أن يقيم مباني في بلده، وإن قطعة الأرض الفضاء التابعة لوقف السيد عبد العال لا تكفي للبناء عليها، بل لا بد من ضم قطعة الأرض المحكرة؛ وعلى ذلك فهو يصمم أن يحتسب من ثمن السراي حق الانتفاع بالتحكير على قطعة الأرض المذكورة.»

وفي الجلسة نَفْسِها وافقت المحكمة على قبول تضحية النحاس باشا بأعز شيء لديه، وقررت شراء هذا المنزل العزيز بالصيغة الآتية:

فلهذا قررنا الموافقة على شراء السراي المذكورة بمبلغ عشرة آلاف جنيه حسب المدوَّن بمحضر جلسة اليوم وأجَّلنا المادة للمعاينة وتوقيع الصيغة.

(د) ضرب عدة عصافير

إذن قد استقرَّ القرار على أن يبيع النحاس باشا أعز شيء لديه بمبلغ عشرة آلاف جنيه، ولو أنه يعسر على الشخص العادي أن يفهم كيف يكون هذا المنزل أعز شيء عليه، في حين أنه لم يَسْبِق له السكنى فيه، كما اعترف وكيله بذلك أمام المحكمة (يراجع محضر جلسة ٢ يونيو سنة ١٩٤٠).٢

غير أنه قامت عقبة في طريق البيع، هي عدم توافُر هذا المبلغ الجسيم في خزانة الوقف، وناقشت المحكمة وكيل النحاس باشا في ذلك، ولكن ما أسرع ما ذَلَّلَ رفعته هذه الصعوبة، وما كان أَمْهَرَه إذ ذللها لمصلحته هو من جميع نواحيها، فعَرَفَ كيف يضرب عدة عصافير برمية واحدة يرميها.

فلقد اقترح رفعته — ووافقته المحكمة على اقتراحه — أن يشمل الثمن المفردات الآتية، أو على حد تعبير المحكمة «أن يستوفي رفعة مصطفى النحاس باشا مَبْلَغ العشرة آلاف جنيه بالصفة الآتية»:
  • (١)

    ٨٦٨ مليمًا و٥٣٢٥ جنيهًا ثمن السراي التي نُزِعَتْ ملكيتها للمنافع العامة، يُدْفع نقدًا للنحاس باشا.

  • (٢)

    ٢٠٠٠ جنيه مقدار المبلغ الذي وافَقَت المحكمة على استدانته من مال البدل المودَع باسم الوقف من ثمن أعيان أخرى، على أن يُدْفَع هذا المبلغ نقدًا للنحَّاس باشا ويبقى دينًا على الوقف ويسدَّد من ريع خيراته.

  • (٣)

    أنقاض عمارة الوقف التي نزعت ملكيتها، وقد قُدِّرَتْ بمبلغ ٨٠١ جنيه دون مراعاةٍ للزيادة الجسيمة في أسعار الحدائد والأخشاب … إلخ، بسبب الحرب، وبعبارة أخرى، فإن النحاس باشا كسب في عملية الأنقاض هذه أضعاف ثمنها المقدر!

  • (٤)

    ٤٧٢ مترًا وكسور التابعة لوقف عبد العال أخذها النحاس باشا لنفسه بسعر٧٠ قرشًا فقط للمتر؛ أي مقابل ثمن إجمالي مقداره ٥١٩ مليمًا و٣٣٠ جنيهًا.

    ويلاحَظ هنا أن النحاس باشا حينما اشترى من الوقف قَدَّرَ المتر بسبعين قرشًا، في حين أنه عندما باع للوقف قَدَّرَ المتر بمائتين وخمسين قرشًا، أي بخمسة أضعاف ثمن الشراء، وقد عَلَّلَ رِفْعَتُه هذا الفرق الجسيم بأن القطعة المشتراة مستطيلة!

  • (٥)

    ٦٦١ مليمًا و٢٢٢ جنيهًا ثمن المباني المقامة على قطعة الأرض المحكرة من وقف أبي عيشة، ومقابل إحلال رفعته محل وقف السيد بك عبد العال، ومساحة الأرض المحكرة ٧٢٧ مترًا وكسور أَخَذَها النحاس باشا ضمن الثمن.

  • (٦)

    الباقي بعد ذلك كله «وهو حوالي ١٣٢٠ جنيهًا» يُصْرَف لرفعة الناظر من ريع الوقف على أربعة أقساط متساوية في ظرف أربعة سنوات، ابتداء من أكتوبر سنة ١٩٤٢ (يراجع محضر جلسة ١٢ أبريل سنة ١٩٤٢ حيث وُقِّعَتْ صيغة الاستبدال رسميًّا من هيئة المحكمة بالنيابة عن وقْفَي السيد عبد العال وأبي عيشة ومن حضرة عبد العزيز بك النحاس بصفته وكيلًا عن رفعة النحاس باشا).

ومما هو جدير بالملاحظة، أن الثمن الذي حَدَّدَه النحاس باشا هو الذي تقرَّر، وأن الأعيان والأنقاض التي طالَبَ بها وصَمَّمَ عليها هي هي التي تَقَرَّرَتْ.

(ﻫ) صفقة مبروكة!

هي إذن صفقة مبروكة، وإن تكن غير مباركة، فقد قَدَّرَ النحاس باشا لمنزله ثمنًا يبلغ عشرة آلاف جنيه، وقدَّم تأييدًا لذلك تقريرًا من خبراء استشاريين استأجرهم، فرأوا في هذا التقدير تواضعًا محمودًا وعطفًا ممدودًا، ولكن هل هي عشرة آلاف جنيه فعلًا؟ الحق يا مولاي أن النحاس باشا قد ابتكر في المعنويات أحاسيسًا، وفي الماديات مقاييسًا، تختلف عمَّا اصطلح عليه الناس أو اعتادوه، فاعتبر المساومة رحمة، والاستغلال تضحية، ومن ثَمَّ قَدَّرَ للماديات مبلغًا مقداره عشرة آلاف جنيه، في حين أن حقيقته تبلغ حوالي الخمسة عشر ألفًا من الجنيهات؛ لأن الأنقاض التي قُدِّرَت بمبلغ ٨٠١ جنيه تبلغ قيمتُها أضعاف هذا المبلغ، وكذلك الأرض فقد قَدَّر المتر منها بمبلغ ٧٠ قرشًا على أن يشتريها هو، وبمبلغ ٢٥٠ قرشًا على أن يبيعها هو.

ومهما يَكُنْ من أَمْر فالمنزل الذي باعه بمبلغ عشرة آلاف جنيه — إذا سلمنا بأنها عشرة — لا تبلغ قيمته الحالية — على أساس الأسعار الحاضرة — أكثر من ٣٥٠٠ جنيه أو ٤٠٠٠ جنيه على أقصى تقدير، أما إذا احتسبنا تكاليفه الفعلية حين بنائه في سنة ١٩٣٧، وفي بلدة كسمنود، فلن تزيد كثيرًا على ألفين وخمسمائة من الجنيهات، ولسنا نظن أن النحاس باشا نفسه الذي كان يفاخر — وكنا معه نفاخر — بأنه لا يملك من حطام الدنيا إلا مرتبه، وأنه اضْطُرَّ لاقتراض مبلغ من بنك مصر للقيام بنفقات زواجه، لسنا نظن أن رفعته يدَّعي أنه كان يملك في سنة ١٩٣٧ عشرة آلاف من الجنيهات، وأنه أنفقها بأكملها على بناء سراي له في سمنود!

إذا ثبت هذا — وهو ثابت — فكيف ساغ للنحاس أن يدَّعي أمام المحكمة بدل المرة مرات أنه إنما يضحي تضحية كبيرة إذ يبيع منزله للوقف بمبلغ عشرة آلاف جنيه؟ وكيف سمح لنفسه وسمحت له ذمته بأن يدَّعي في خطبة حديثة له أن باع المنزل بثمن يقل عن نفقاته؟

يا سيدي الباشا، إذا كان المنزل قد كَلَّفَكَ عشرة آلاف من الجنيهات أو أكثر منها، فمِنْ أين جاءك هذا المبلغ الجسيم؟

وإذا لم يُكَلِّفْك إلا ألفين أو ثلاثة آلاف من الجنيهات، فكيف استسغْتَ مطالبة الوقف الخيري الذي أنت ناظره بثمن يبلغ خمسة أضعاف التكاليف؟! وكيف أطاعك ضميرك — بل كيف أطاعك تعبيرك — فزعمت أنك تتوخى الرحمة بالمستحقين والمساكين، حين أنك لم ترحم أحدًا إلا نفسك، بل ولم ترحم حتى نفسك أيها المسكين.

(و) ومائة جنيه شهريًّا

وأخيرًا … وليس آخرًا يا مولاي، فإن الثمن ليس ١٠ أو ١٥ ألف من الجنيهات كما يبدو للناظرين العابرين … كلا، فللصفقة ثمن آخر، في شكل مرتب شهري يبلغ المائة جنيه، وقد نصَّت الوقفية على إنفاقه على منزل الوقف وحاجياته من مأكلٍ ووقود وخدم، فضلًا عن عشرين جنيهًا شهريًا اختصت بها السيدة المستحقة.

ولما كان مبلغ المائة جنيه شهريًّا موقوفًا على منزل الوقف نفسه، فقد انقطع صرفه حينما نُزِعَتْ ملكية المنزل المشار إليه في سنة ١٩٣٧، وحينئذٍ — وحينئذٍ فقط — تفتقت الحيلة لرفعة ناظر الوقف الجليل أن يبيع منزله الخاص للوقف فيجمع ثلاث صفقات نادرات في صفقة واحدة:
  • أولًا: يقبض مبلغ عشرة آلاف جنيه (وحقيقته ١٥ ألفًا كما رأينا) ثمنًا للمنزل بصفته بائعًا.
  • ثانيًا: يقبض شهريًّا ١٠٠ جنيه لإنفاقها على حاجيات المنزل بصفته ناظرًا للوقف.
  • ثالثًا: يتمتع بحق سكنى المنزل طوال عمره كناظر للوقف — طبقًا لنص الوقفية — من غير أن يدفع مليمًا واحدًا مقابل سكنه، أستغفر الله، فقد انساق قلمي إلى التحدث عن النحاس باشا كشخص عادي يسكن البيوت ويدفع الأجرة لأصحابها — أو يُعْفَى منها على أحسن الفروض — وفاتني أن رفعته يسكن بيت الوقف ويدفع له الوقف نفقات سكنه مائة من الجنيهات في الشهر، أي إن المالك لا الساكن هو الذي يدفع الأجر!

فإذا أَضَفْنا إلى هذا كله، يا مولاي، أن النحاس باشا كان رئيسًا للوزراء في سنة ١٩٣٧ حينما صدر الأمر بنزع ملكية منزل الوقف مقابل مبلغ ٥٣٢٥ جنيهًا دُفِعَ لخزينة الوقف، وأن رفعته شَرَعَ في الوقت نفسه في بناء منزل خاص له ليبيعه للوقف بدل المنزل الذي نُزِعَتْ ملكيته، وأنه نجح في لعبته هذه نجاحًا فاق المأمول والمعقول، فقبض في وزارته الحاضرة مبلغ الخمسة آلاف وثلاثمائة وخمسًا وعشرين من الجنيهات مثنى وثُلاثَ ورُباع، ثمنًا إجماليًّا ومرتبًا دوريًّا … وأنه في نهاية الأمر لا يزال مستمتعًا بحق السكنى في منزله كناظر للوقف، بعد أن أصبح منزله منزلًا للوقف! إذا جمعنا هذا كله بعضه إلى بعض، ووصفناه كما وَصَفَه النحاس باشا، بأنه عمل من أعمال الرحمة، لصح لنا — بل ووجب علينا — أن نعجب بالنحاس باشا ناظرًا ووزيرًا جَمَعَ بين الحكم والحكمة، ولو أنها «حكمة» من نوع «الرحمة» تسعى إلى منفعة أصحابها، وتدخل البيوت من غير أبوابها …

برافو مصطفى النحاس! ومسكين مصطفى النحاس!٣

التنظُّر على وقف البدراوي

يا صاحب الجلالة

لو لم يكن لدينا غير فضيحة بيع المنزل منه وإليه التي ذَكَرْنا فيما تقدَّم بعضَ تفصيلاتها المخزية، لصَحَّ لنا أن نجتزئ بها عن أية واقعة أخرى، فهي وحدها تكفي لكشف العقلية، وكشف الرجل الذي يعتمد على العقلية، وكشف الحكم الذي يعتمد على الرجل!

ولكن هناك فضيحة وقف آخر هو وقف البدراوي، ولعلها لا تَقِلُّ — إن لم تَزِدْ — خطورةً عن سابقتها في إبراز معنى الاستغلال — استغلال النفوذ لا استغلال المال! بل لعلها أفضح — لأنها أفصح في معنى التحايل على الباطل، بإلباسه لباسًا من الفضائل!

(أ) لمحة تاريخية

ووَقْف البدراوي هذا — كوَقْف عبد العال — له مقر في سمنود، وهو يشمل أطيانًا مقدارها ٢٢س و٢٣ قيراطًا و١٣٧٦ فدانًا، أَوْقَفَهَا المرحوم أحمد باشا البدراوي في ١٧ يناير سنة ١٩٠٧، واخْتَصَّ الجهات الخيرية بسبعة أعشار من ريعها، وذُرِّيَّتَهُ بالثلاثة أعشار الباقية، وشرط النظر على الوقف من بعده للسيد حسين القصبي، ومن بعده لمحمد بك عثمان، ثم من بعده لعلي بك المنزلاوي، ثم من بعده للشيخ محمد النحاس، ثم من بعده للشيخ يوسف سنبل، ثم من بعده لحسن أفندي خيري البدراوي، ثم من بعده لمن يُقَرِّرُه قاضي المسلمين الشرعي.

وفي ٣١ مايو سنة ١٩٣٦ أقامت محكمة طنطا الشرعية رفعة النحاس باشا ناظرًا مؤقَّتًا على هذا الوقف، إلى أن يُفْصَل نهائيًّا في عَزْل الناظر السابق، وظل رفعته ناظرًا طوال مدة توليه الوزارة، ثم صَدَرَ في ٢٣ ديسمبر سنة ١٩٣٧ قرار بتأييد قرار العزل نهائيًّا، وعَقِبَ ذلك طَلَبَ بعضُ المستحقين تعيينَ رفعة النحاس باشا ناظرًا على الوقف بصفة دائمة، فعارضَتْ وزارة الأوقاف في هذا الطلب في خطاب منها بتاريخ ٥ فبراير سنة ١٩٣٨، وفي ١٣ مارس سنة ١٩٣٨ أقامت المحكمة الشرعية الابتدائية وزارة الأوقاف ناظرة على الوقف، وأيَّدت المحكمة العليا الشرعية هذا القرار في أول اكتوبر سنة ١٩٣٨.

(ب) الوزارة والنظارة

وظَلَّ الحال على هذا المنوال حتى عاد النحاس باشا إلى الحكم من جديد في فبراير سنة ١٩٤٢، ولم تَكَدْ تمضي بضعة أيام على تولِّيه الوزارة حتى عَاوَدَهُ داؤه القديم، فحنَّ إلى النظارة وقَدْ واتَتْهُ الوزارة!

نعم يا مولاي، في ١٢ فبراير سنة ١٩٤٢ — أي بعد تشكيل الوزارة بخمسة أيام — تَقَدَّمَ — بِسِحْرِ ساحر، أو بقدرة قادر — طَلَبٌ من بعض المستحقين إلى محكمة طنطا الشرعية بإقامة رفعة النحاس باشا رئيس الوزراء ناظرًا دائمًا لوقف البدراوي.

وعلى إثر هذا الطلب اتَّخَذَت المحكمةُ الإجراءات المعتادة، فطلبت إلى وزارة الأوقاف باعتبارها ناظرةً على الوقف أن تُبْدِيَ رأيها فيه، وكانت هي التي عارَضَتْ في إقامة النحاس باشا ناظرًا في سنة ١٩٣٨، ولكن النحاس لم يكن وقتئذٍ رئيسًا للوزارة، أما الآن فهو رئيس للوزراء جميعًا ومن بينهم وزير الأوقاف بالذات، فما أَيْسَرَ السبيل وما أَهْوَنَ العقبات!

ومِنْ ثَمَّ لم يلبث فضيلة رئيس المحكمة حتى تلقَّى الجواب التالي من معالي وزير الأوقاف في وزارة النحاس باشا ردًّا على خطاب المحكمة:

حضرة صاحب الفضيلة رئيس محكمة طنطا الابتدائية الشرعية

ردًّا على خطاب المحكمة المؤرَّخ ١٦ فبراير رقم ٣٣٨٤ نفيد بأن الوزارة لا مانع لديها من إقامة حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا في النظر على الوقف المبيَّن بخطاب المحكمة المذكور، بدلًا عنها.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.٤
إمضاء
وزير الأوقاف

ها هي ذي العقبة الأولى قد ذُلِّلَتْ، وها هي ذي نظارة الوقف بعد أن حُرِّمَتْ قد حُلِّلَتْ، وها هي ذي وزارة الأوقاف في عهد النحاس باشا لا ترى مانعًا — كما أن رِفْعَتَهُ لا يرى وازعًا — من أن يستغل رئيسُ الوزارة نفوذَه إزاء الوزير، فيسجل الوزير الوفدي على وزارته سوء الإدارة، ويعترف لرئيس الوزراء بالألولوية في استغلال النظارة!

تلك كانت الخطوةَ الأولى في سبيل الاستغلال، ويليها أخرى، أدهى وأنكى:

ففي ٢٣ مارس سنة ١٩٤٢ أَرْسَلَ رئيس محكمة طنطا الشرعية الخطاب الخطير التالي نصُّه إلى رفعة مصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء:

نمرة القيد ٣٤٥٦، حُرِّر في ٢٣ / ٣ / ١٩٤٢
حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته … وبعد، فقد طَلَبَ المستحقون في وقف المرحوم أحمد باشا البدراوي تعيين رِفْعتكم في النظر على هذا الوقف، ولم تُمَانِع وزارة الأوقاف في ذلك.

ونظرًا لأن رِفْعتكم قد كرَّستم حياتكم النافعة على خدمة هذا البلد الأمين ورعاية مصالحه والقيام بأعبائه.

ونظرًا لما لِرِفْعتكم من الأيادي البيضاء السابقة على هذا الوقف ومستحقيه، ونرجو من رِفْعتكم أن تُضِيفوا إلى أعمالكم النافعة عملًا آخر تُجْزَوْنَ عليه من الله يوم تجزي كل نفس بما عملت، وتَقْبَلون النظر على هذا الوقف خدمةً للفقراء والمستحقين، وتفيدونا بالقبول قبل جلسة ٢٦ أبريل سنة ١٩٤٢.

والله يجزيكم على أعمالكم خير الجزاء ويحفظكم ويبقيكم.

وتفضلوا بقبول جليل الاحترام.

رئيس محكمة طنطا الشرعية
إمضاء
محمد الجداوي

وقد نُشِرَ هذا الخطاب على الناس، في الصحف جميعًا.

(ﺟ) قصة خطاب

وهكذا ذَهَبَ النحاس باشا في استغلال نفوذه، وفي التحايل على هذا الاستغلالَ، إلى أبعد الحدود، مستهترًا بجلال القضاء، ومستخدمًا الثناء في غير محل الثناء … وإني — مع كل الاحترام — أرى أن رئيس المحكمة الشرعية قد تعدَّى حدود اختصاصه، فبدلًا من أن يسأل — في حيدة القاضي: هل يَقْبل النحاس باشا التنظر على الوقف أو لا يَقْبل، تراه يضرع إليه ويتوسل، راجيًا منه وملحًّا عليه أن يضيف إلى أياديه البيضاء السابقة وأعماله النافعة عملًا آخر يُجْزَى عليه من الله — يوم تُجْزَى كل نفس بما عَمِلَتْ — فيقبل التنظُّر على هذا الوقف خدمة للوقف والمستحقين؟!

لم يكن لرئيس المحكمة أن يَسْبِق المحكمة إلى قرارها في قضية قائمة لم يَتِمَّ الفصل فيها، كما يؤخذ من خطابه الذي جاء فيه أنه يرجو النحاس باشا إفادته بالقبول قبل جلسة ٢٦ أبريل … ولكن إذا كان رئيس المحكمة قد أساء التصرُّف؛ فإن رئيس الوزارة قد أساء الاستغلال، وحسبي يا مولايَ أن أَضَعَ تحت أنظاركم الكريمة نَصَّ الرد الذي أَرْسَلَهُ النحاس باشا إلى رئيس المحكمة، ونَشَرَهُ في الصحف جنبًا إلى جنْبٍ مع الخطاب وفيما يلي نص الرد:

فندق مينا هوس، في يوم السبت (١١ ربيع الأول سنة ١٣٦١/٢٨ مارس سنة ١٩٤٢)
حضرة صاحب الفضيلة رئيس محكمة طنطا الشرعية الابتدائية

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته … وبعد، فقد تَسَلَّمْت خطابكم المؤرخ ٢٣ مارس سنة ١٩٤٢ رقم ٣٤٥٦، وردًّا عليه أُفِيدُ فضيلتكم أني بالرغم من المهام العامة الوفيرة الملقاة على عاتقي، والتي تستغرق مُعْظَم أوقاتي فضلًا عن مهامي الخاصة، لا يسعني إزاء طلب المستحقين في وَقْف المرحوم أحمد باشا البدراوي وما تفضلتم به من تأييده وذَكَرتموه ممَّا سَبَقَ لي إسداؤه للوقف ومستحقيه، ومناشدتي أن أضيف إلى أعمالي النافعة عملًا آخر أُجْزَى عليه من الله يوم تُجْزَى كل نفس بما عملت؛ إزاء ذلك كله لا يسعني إلا أن أَحْمِل نفسي على قبول نظارة هذا الوقف خدمةً للفقراء واليتامى والمساكين وجميع المستحقين، وفَّقَنا الله إلى ما فيه خدمة البلاد والعباد، وتفضلوا فضيلتكم بقبول وافر الاحترام.

إمضاء
مصطفى النحاس

أفلا تقوم النفس وتقعد يا مولاي — بل لعلها تقعد مشمئزة أكثر مما تقوم مستفزة — لهذا التلاعب الساخر السافر بالعقول وبالمشاعر، بل وبمجرد الألفاظ والمظاهر!

ففي أي عُرْفٍ، وفي أية لغة يُتَوَسَّلُ إلى إنسان توسلًا على صفحات الجرائد بأن يَقْبَل نظارة وَقْف تُدِرُّ عليه حوالي الألف وخمسمائة جنيه سنويًّا؛ «إذ الأطيان الموقوفة تُرَبَّى على اﻟ ١٣٥٦ فدانًا»، وفي أي عُرْفٍ وفي أية لغة يقول هذا المحظوظ كما يقول النحاس باشا عن نفسه: «إنه لا يسعه إلا أن يَحْمِل نفسه على قبول نظارة هذا الوقف خدمةً للفقراء واليتامى والمساكين وجميع المستحقين»! وفي أي عُرْف وفي أية لغة يصح لإنسان أن يقول إنه سيجزى من الله الجزاء الحسن على قَبْض مرتب ينوف على المائة جنيه شهريًّا، مضافًا إلى ما يقبضه أصليًّا!

إذا لم يكن هذا هو الاستغلال المحرَّم على الوزراء، فكيف يكون استغلال النفوذ؟

لماذا لم يُفَكِّر المستحقون في ترشيح النحاس باشا لنظارة الوقف إلا بعد بضعة أيام من تَوَلِّيه الوزارة؟ ولماذا تُبَادِر وزارة الأوقاف إلى قبول هذا الترشيح وقد رُفِضَ رفضًا نهائيًّا من قبل؟ وإذا كان النحاس باشا يعتقد معنا أن قرار القضاء واجب الاحترام فلماذا استغلَّه هذا الاستغلال واستخدمه هنا الاستخدام؟ ولماذا يا مولاي — وفي أية حكومة متمدينة أو غير متمدينة — يحاول رئيس الحكومة أن يُسْنِد إلى شخصه عملًا يقوم به رسميًّا وزيرٌ من وزرائه، فيجرد الوزارة أو المصلحة من عمل رسمي؛ ليكون له من ورائه نَفْع شخصي، له في تقديره كل الاعتبار، لأنه يُقَدَّر بالدانق والدرهم والدينار.

إنها لمهزلة، وإنها لمأساة، وقديمًا قيل: إن بعض الضحك كالبكاء.

(د) واقعة حال

ولقد كان لهذه المأساة واقعة حال، وكان لها أثرها في الخلاف الذي نَشَبَ بيني وبين النحاس باشا أثناء الوزارة.

ففي يوم الجمعة ٢٧ مارس قُبَيْلَ افتتاح البرلمان، دعائي حضرة الأستاذ محمود أبو الفتح صاحب جريدة المصري وبعضَ أفراد أسرتي، كما دعا معنا الأستاذ إبراهيم فرج وأسرته، لتناوُل الغداء في فندق يُطِلُّ على بحيرة قارون بالفيوم، وفي طريقنا إلى الفيوم مَرَرْنا بالسيارات بفندق مينا هوس فوجدنا حضرة عبد العزيز بك النحاس في ردهة الفندق، وفَهِمْنا منه أن النحاس باشا خرج لصلاة الجمعة، فسِرْنا في طريقنا حتى وصلنا إلى بركة قارون، وهناك اجتمع بي الأستاذ إبراهيم فرج — ولم يكن النحاس باشا حتى ذلك الوقت قد طَلَبَ ترقيته تلك الترقية الاستثنائية المعروفة — وأخبرني بمناسبة وجود عبد العزيز بك النحاس في مينا هوس عن قصة وَقْف البدراوي وتفصيلاتها المخزية، فقال: إن عبد العزيز بك النحاس قد ذهب إلى مينا هوس ومعه خطاب رئيس المحكمة إلى النحاس باشا، وإنهم سَيَرُدُّون على المحكمة بقبول النظارة … ثم قال: إنه عقب تأليف الوزارة سعى النحاس باشا بواسطة أخيه لدى بعض مستحقي وَقْف البدراوي بسمنود (والأستاذ إبراهيم فرج من أهالي سمنود)، فقدم المستحقون طلبًا إلى المحكمة بإقامة النحاس باشا ناظرًا للوقف بدل وزارة الأوقاف، وإن رئيس المحكمة رأى قبل تقرير التعيين أن يسأل النحاس باشا هل يقبل النظارة أو لا يقبلها، وإن عبد العزيز بك النحاس ينتظر تحرير الرد اليوم في مينا هوس،٥ وإن لوزير العدل صلة بهذا المسعى وهو على عِلْم به.

قال لي حضرته ذلك بلهجة المتألم المتحسر على ما انحدر إليه النحاس باشا، كما ذَكَرَ لي بَعْض تفصيلات أخرى عن تعيينات طُلِبَتْ إليه مِنْ أَلْصَقِ الناس بالنحاس باشا، وذَكَرَ لي بالتحديد شابَّيْن طلب تعيينهما فورًا بمرتب شهري لا يقل عن عشرين جنيهًا، فلما اعْتُذِرَ بوجوب مراعاة القوانين المالية اسْتُعِين بالنحاس باشا عليه، إلى آخر القصة المحزنة يا مولاي.

وفي مساء اليوم نفسه اجتمع بي في منزلي حضرات الوزراء — وكان الخلاف الوزاري على أَشُدِّهِ بيني وبين النحاس باشا في ذلك الوقت، كما بَيَّنْتُ في مقدمة هذه العريضة — وأَذْكُر من بين الوزراء الذين زاروني في منزلي للتوسط في الخلاف حضرات «عثمان باشا محرم، وحمدي باشا سيف النصر، وصبري أبو علم باشا، ونجيب الهلالي باشا، وعبد الفتاح الطويل باشا، وكامل صدقي باشا»، وفي أثناء حديثنا عن تصرفات النحاس باشا وأهله التي كانت محل شكواي واعتراضي، وجَّهْتُ حديثي إلى صبري باشا أبو علم، وقلتُ له: إني عَلِمْتُ من مصدر وثيق بحكاية وَقْف البدراوي، وإنه قد اتصل به شخصيًّا في هذا الصدد، ثم قصصت على الوزراء ما سَمِعْتُه من تفصيلات، وقلت لصبري باشا غاضبًا: قل للنحاس باشا على لساني: إن في تصرُّفه استغلالًا لا يليق به وبنا، وإنه لم يَعُدْ يَصِحُّ لنا أن نأخذ على الغير المآخذ في حين أننا نرتكب الكبائر.

وعلمت بعدئذٍ أن صبري باشا لم يتوانَ — بطبيعة الحال — في إبلاغ النحاس باشا ما قُلْتُه عنه وأَخَذْتُه عليه بهذا الصدد، وأن النحاس باشا حَفِظَها في نفسه!

(ﻫ) مسك الختام

خُتِمَتْ هذه المأساة بترقية حضرة رئيس محكمة طنطا الشرعية إلى رئاسة محكمة إسكندرية ولم يكن قد بقي على سن تقاعده إلا بضعة شهور قليلة، وحاشاي أن أقصد من وراء هذه الإشارة إلى أي مساس بموقف فضيلته، ولكن النحاس باشا هو الذي يؤخذ عليه تلك الرغبة الملحَّة في الإغداق بأموال الدولة على كل مَنْ يَنْتَفِع من ورائهم، وما دامت الدولة هي التي تعطي فلا بأس من إعطائهم.

ولقد رأينا أنه في صفقة البيع منه وإليه في وَقْف عبد العال كافأ زوج المستحقة عن استحقاق، فأنْعَمَ عليه بزيادة في مرتبه الشهري تبلغ الاثني عشر جنيهًا من العقد البَرَّاق، أو إذا تَوَخَّيْنا الدقة فمن نقد الأوراق!

وتشاء المصادَفة — وهي محض مصادفة ولا شك — أن يكون رئيس الهيئة التي أقرَّت صفقة البيع في وَقْف عبد العال هو نفسه رئيس الهيئة التي أَقَرَّت التنظُّر على وَقْف البدراوي، وأن تتم الصفقتان في شهر واحد وهو شهر أبريل سنة ١٩٤٢.

هاتان هما الصفقتان العجيبتان يا مولاي، وإن يكن العهد كله عجب!

(١-٣) الاستغلال بالتأجير

استأجر رفعة النحاس باشا منزلًا في رمل الإسكندرية من أحد موكليه السابقين بإيجار سنوي يبلغ حوالي مائتي جنيه، ثم حَدَثَ أن أَصْبَحَ رِفْعته رئيسًا للوزراء وحاكمًا عسكريًّا، وهنا اتَّخَذَت الإجراءات البريئة شكلًا نادرًا في الأشكال، يَتَّفِق مع عقلية الاستغلال!

فقد رأى النحاس باشا — المستأجِر — أن يستغل نفوذ النحاس باشا — الحاكم العسكري — ومع أن عقد الإيجار لا يسمح له بالتأجير من باطنه؛ فقد أَجَّرَ رِفْعَتُه المنزل إلى سيدة افتتحته بنسيونًا، واشترطت زيادة على شروط العقد أن تُعْطَى لها رخصة خمر، فقَبِلَ النحاس باشا ذلك كله على أن يتقاضى لنفسه إيجارًا سنويًّا قَدْرُه ألف من الجنيهات!

ثار المالك لنفسه، في دوره، وهدَّدَ بمقاضاة النحاس باشا لإخلاله بشروط الإيجار، سيَّما وأن مدة العقد كانت قد انْتَهَتْ ولم تُكْتَبْ شروط أخرى تَسْمَح بتحويل المنزل إلى خمارة!٦

فماذا عساه أن يَفْعَلَ رفعة الحاكم العسكري إزاء هذا التطور الجديد؟

النفع والانتفاع

لم يَجِدْ رفعته أيَّ عناء في التغلُّب على هذه الصعوبة بوسيلة أَتْقَنَهَا أَيَّمَا إتقان، بفضل ما أوتي من سبق المران، فهو من المؤمنين بحكمة المثل العامي بأن أسعد الناس حظًّا من نَفَّعَ وانتفع؛ ومن ثَمَّ رأى رَفْعَته أن خير وسيلة للتخلص من هذا البلاء، هي أن يجمع بين الرضاء والاسترضاء، فراح يسترضي صاحب المِلْك وحضرة الأستاذ المحامي وكيله، ونَجَحَ بما أوتي من قوة الحجة في إقناعهما بوجوب الاقتناع من غير ما ضجة!

وتشاء المصادفات — ولكأنها على عهد مع هذا العهد! — أن يُرَشِّح الوفد برياسة رفعة النحاس باشا حضرة الأستاذ المحامي لعضوية مجلس النواب، وأن يصبح نائبًا وفديًّا، بعد أن كان إلى عَهْد قريب خصمًا معروفًا من خصوم الوفد ومُرَشَّحًا في الانتخابات ضد مرشحيه، ويحلو لبعضِ سَيِّئي الظن أن يزعموا بأن هذا الترشيح كان من قَبِيل العرفان بالجميل لحضرة الأستاذ المحامي تلقاء ما بَذَلَ من جهد في تسوية النزاع بين حضرة المؤجِّر ورفعة المستأجِر، ولكني أخالف المتظنين فيما زعموا، فلقد ساء ظَنُّهم فأثموا، وأغلب الظن أن رفعة النحاس باشا انتهز فرصة القضية لإقناع حضرة الزميل بموقف الوفد من القضية المصرية، فكان إقناع تلاه اقتناع، وكان نفع تلاه انتفاع!

وقائع وشواهد متوالية

تتوالى يا مولاي الشواهد والأسانيد على مفاسد هذا العهد، فتأخذ بعضها برقاب البعض، ولمَّا نَنْتَهِ من إحصائها في هذه العريضة:

(أ) شاهِد من أهلها

أشَرْتُ فيما تقدم إلى صفقة الأطيان التي اشترتها حضرة صاحبة العصمة حرم النحاس باشا من آل عدس بسعر الفدان الواحد ١٢٠ جنيهًا مصريًّا، وقلنا: إن هذا الثمن يقل كثيرًا عن قيمة الأرض الفعلية التي قُدِّرَتْ فعلًا بسعرٍ يتراوح بين ٢٣٥ جنيهًا و٢٥٠ جنيهًا للفدان الواحد، ثم خلصْتُ من هذا إلى النتيجة التي تَتَّفِقُ مع منطق هذا العهد، وهي أن رفعة رئيس الوزراء قد استغل نفوذه في الحكم لتحقيق هذه الصفقة وغيرها من الصفقات المجزية المغنية، سواء باسمه كناظر لأوقاف، أو باسم السيدة حرمه كمالكة لأطيان تشتري وتستغل، في عهد أصبح الحكم فيه غنمًا يُسْتَغَلُّ.

وقُلْنَا فوق ما تقدم: إن هذه الأطيان التي اشترتها حرم رفعة النحاس باشا من آل عدس ملاصقة لأطيان أخرى مساحتها ٢٥٠ فدانًا اشتراها حضرة صبحي أفندي الشوربجي من سعادة بهي الدين بركات باشا بسعر ١٦٠ جنيهًا للفدان الواحد، وذلك رغْم أنها أقل جودة في تربتها، وبيعت في وقت لم تكن أثمان الأطيان قد ارتفعت إلى الحد الذي وَصَلَتْ إليه حينما اشترى النحاس باشا الأرض المجاورة لها باسم السيدة حرمه.

ويشاء الله يا مولاي أن يُسَخِّر في الساعة الأخيرة شاهدًا من أهلها ليشهد على صحة ما قَدَّمْنا في إحدى المجلات الحكومية، وهي مجلة «آخر ساعة»، فقد نَشَرَتْ في عددها الصادر بتاريخ ٢٣ يناير سنة ١٩٤٣ تحت عنوان «صفقة» ما يأتي حرفيًّا:

اشترى صبحي بك الشوربجي — التاجر المعروف وصاحب مصانع الشوربجي — أرضًا زراعية مساحتها ٥٠٠ فدان، منها ٢٥٠ فدانًا كانت مِلْكَ بهي الدين بركات باشا في ضاحية المرج، وقد اشتراها بسعر الفدان ١٦٠ جنيهًا، وبعد أسبوعين عُرِضَ عليه ٢٦٠ جنيهًا في الفدان، فقال: يفتح الله …

إذن ها هو ذا الدليل يأتي من عندهم سباقًا، فيجزي متجاهليه جزاءً وفاقًا، ولقد كنا نعلم من مصادرنا الخاصة التي لا شبهة في روايتها أن أطيان عدس التي بيعت لحرم النحاس باشا بسعر ١٢٠ جنيهًا فقط للفدان قد قُدِّرت كما أسلفناه بسعر ٢٥٠ جنيهًا للفدان، وأنها — وهي الأجود تربة من أطيان الشوربجي — ما كانت لتُبَاع بأقل من ثلاثمائة جنيه، لولا أن الشراء لمصلحة رئيس الحكومة وأهله، وها هي ذي المجلة الحكومية تَكْشف عن حقيقة الصفقة وهي تفاخر بثروة الشوربجي أو تداعبه، كالدبة تقتل صاحبها وهي تدافع عنه أو تلاعبه؛ لأنه إذا كان الشوربجي يَرْفُض أن يبيع أطيانه بسعر ٢٦٠ جنيهًا للفدان فكيف تسنَّى للنحاس باشا بعد مرور بضعة شهور وارتفاع الأسعار ارتفاعًا فاحشًا أن يشتري الأطيان المجاوِرة لها بسعر ١٢٠ جنيهًا فقط ولا غير! كيف تَمَّتْ هذه المعجزة في زمن عزَّت فيه المعجزات؟ وكيف ارتضى آل عدس — وهُم التجار الحاسبون — هذه الصفقة الكاسدة، فما ربحت تجارتهم وما كانوا يكسبون!

ولكن كيف صَحَّ لنا أن نسأل هذا السؤال، في حين أن الجواب يُسْتَشَفُّ من نفس السؤال، وتَجْمَعه كلمة واحدة هي الاستغلال، ولا شيء غير الاستغلال!

(ب) صفقات متتابعة

لم نشأ يا مولاي في سَرْد ما نعرف أن نساير الناس فيما يعرفون، وهم قد يُخْطِئون أو يرجفون؛ ومن ثَمَّ تَحَرَّيْنَا الدقة في كل واقعة رويناها، فذَكَرْنا مثلًا أن الشوربجي إخوان قد اشترَوْا من سعادة بهي الدين بركات باشا ٢٥٠ فدانًا، في حين أن مجلة آخر ساعة تقول في روايتها التي سَبَقَت الإشارة إليها أن الصفقة هي خمسمائة فدان نصفها من بركات باشا والنصف الآخر من غيره.

وكذلك أَشَرْنا في مستهل هذا الباب إلى صفقة العمارة الضخمة التي اشتراها آل الشوربجي في هذا العهد من ورثة المرحوم علي بك صادق، ودَفَعُوا فيها ثمنًا يزيد على الخمسين ألفًا من الجنيهات، ولكن كم كنَّا متواضعين يا مولاي في قَصْر الكلام على هذه الصفقة المتواضعة؛ فإن الأنسباء الكرام لم يُمْهِلونا حتى نختتم هذا الباب، فراحوا يشترون منذ أيامٍ عمارةً شاهقة فسيحة الرحاب، تُقَرِّب إلى الذهن ما نَسْمَعُه عن ناطحات السحاب! وهي العمارة المعروفة باسم «دافيزبراين»، ولقد حُرِّرَ العقد الابتدائي بشرائها، واتُّفِقَ على أن يكون الثمن مائة وتسعون ألفًا من الجنيهات، كاملة غير منقوصة.

ولمَّا كان الخير كل الخير، في الاستزادة من الخير، فلا بأس من أن نزيد على ما تقدم عمارتين أخريين اشتراهما حضرات الأنسباء، مُتَخَيِّرين من المدينة أحسن الأحياء، إحداهما هي العمارة المعروفة بعمارة واكد بشارع إبراهيم باشا، في جوار محل كوك القريب من فندق شبرد، والأخرى بشارع سليمان باشا، وكلتاهما من الضخامة والفخامة بمكان.

ولقد قالت الصحف: إن آل الشوربجي قد اشتروا قصرًا فخمًا في خارج القطر، ولكني يا مولاي وقد أضنناني تَتَبُّع هؤلاء السادة في ميادين نشاطهم داخل الديار، أخشى أن أضل الطريق فيما وراء البحار! فحسبي وحسبهم ما أتيح لي أن أَذْكُره دون أن أحصره، لمجرد التمثيل والاعتبار!

(ﺟ) من أين لك هذا

لو أن لدينا يا مولاي قانونًا — يجيز سؤال الوزير أو الموظف «من أين لك هذا؟» — كما هو الحال في بعض البلاد الأجنبية؛ لهان الأمر أكثر مِنْ هَوْنه، وافتضح أكثر من افتضاحه.

ويظهر أن النحاس باشا قد تَخَيَّل الناس وعلامات الاستفهام مرسومة على وجوههم، فأراد أن يُجِيب أمام الصحفيين الذين دعاهم إلى حفل بمنزله على هذا التساؤل الذي لم يسأله أحد، فقال: إن حرمي قد اشترت ما اشترت من الأطيان بالثمن الذي باعت به مجوهراتها، ثم استدرك فقال: إنه لم يزل لدى عصمتها بقية باقية من الجواهر وهي تنوي بيعها لشراء عقار من العقارات، ولا عيب في ذلك ولا مأخذ — أليس كذلك؟ — قال المسكين هذا وهو ينظر إليهم متسائلًا، فأجابوه مؤمنين مصادقين، وقد يكونون غير مصدقين!

ولعله أراد أن يزيد التوكيد توكيدًا فاستطرد إلى قولي ما يأتي: أما أطيان فؤاد باشا سراج الدين التي اشترتها حرمي منه فقد باعها لها معاليه بثمن يبلغ حوالي الخمسين جنيهًا للفدان، في حين أنه اشترى الفدان بحوالي العشرين جنيهًا، ولكن معاليه استصلح الأرض وباعها لحرم النحاس باشا بثمن يزيد على ضعف الثمن الأصلي، فلا غبار على الصفقة إذن من أية ناحية من النواحي.

هذا مُجْمَل ما قاله النحاس باشا علانية أمام الصحافيين، الأجانب منهم والمصريين على اختلاف أحزابهم وألوانهم.

ولكن النحاس باشا لم يكن مع الأسف صادقًا فيما ادَّعى، ولدينا الدليل الرسمي على كذبه، ففي عَقْد بيع هذه الأطيان المُرْفَق بالعريضة نجد أن الأرض المبيعة من فؤاد باشا سراج الدين لحرم النحاس باشا قد اشتراها هو من الدكتور علي إبراهيم الزيني، وهذا نص العقد في البند الثاني منه:

يقرر الطرف الأول أن هذه الأطيان قد آلَتْ إليه بالمشترى من الدكتور علي إبراهيم الزيني بعقد بيع مسجَّل بمحكمة المنصورة المختلطة بتاريخ ٢٩ يوليو سنة ١٩٤١ تحت نمرة ٣٧٩٥، وأن مِلْكِيَّتَها لهذا الأخير قد آلت إليه بطريق المشترى من مصلحة الأملاك الأميرية بموجب عقد بيع رسمي بتاريخ ٣٠ مايو سنة ١٩٤٠ …

إذن ففؤاد سراج الدين لم يكن قد اشترى أطيانه من الدكتور الزيني إلا في ٢٩ يوليو سنة ١٩٤١؛ أي قبل بيعها إلى حرم النحاس باشا ببضعة أشهر فقط هي حوالي خمسة أشهر ونصف إذا احتسبنا البيع لعصمتها ابتداء من تاريخ العقد العرفي وهو ١٢ يناير سنة ١٩٤٢، وإذا احتسبناه من تاريخ التصديق في ١٨ مارس سنة ١٩٤٢ فتكون مدة وضع يد فؤاد باشا سراج الدين على الأرض حوالي سبعة شهور على الأكثر.

فلا هو استصلح الأرض، ولا كان لديه من الوقت ما يكفي لاستصلاحها، وبيعها بثمن يزيد على ضِعْف ثمن الشراء، أي من حوالي ٢٠ جنيهًا إلى ٥٣ جنيهًا!

ولكني لم أكتفِ بالاستنتاج، فرجعت إلى العقد الذي اشترى به فؤاد باشا سراج الدين فاتضح من الاطلاع عليه أن معاليه اشترى هذه الصفقة من الدكتور الزيني بنفس السعر الذي باعها به إلى حرم النحاس باشا، وهو ٥١٩ مليمًا و٤٢٨٣ جنيهًا — أي بسعر الفدان الواحد ٥٣ جنيهًا وكسور — وبالرجوع إلى العقد المرفق بهذه العريضة نجد في البند الثامن منه ما يأتي:

قد حصل هذا البيع بالصفقة بثمن إجمالي قدره ٥١٩ مليمًا و٤٢٨٣ جنيهًا …

إذن، فقد اشترى فؤاد باشا الأطيان بسعر ٥٣ جنيهًا وكسور، وباعها بنفس السعر لحرم النحاس باشا … وإذن فقد كَذَبَ النحاس باشا كذبة مفضوحة أمام الصحافيين جميعًا، من غير ما مسوِّغ ولا مبرر، إلا محاوَلةَ تغطية ما لا يَحْتَمِل التغطية! نقول هذا آسفين، ولكنه الحق لا يُؤسَف عليه.٧

(د) طلب إلى المالية وبنك التسليف العقاري

ولعل أبلغ وأقطع ردٍّ على دعوى الجواهر وما إليها هو الخطاب الآتي الذي وَقَفْنا عليه، وفيما يلي نصه:

أول سبتمبر سنة ١٩٤٢
حضرة صاحب المعالي وزير المالية

أتشرف بأن أُرْفِق مع هذا صورةَ الطلب المقدَّم من حضرة عبد الحميد بك الوكيل أصالةً عن نفسه ونيابةً عن باقي ورثة المرحوم والده عبد الواحد باشا الوكيل، ملتمسين فيه تعديلَ القسط الذي يدفعونه عن دينهم للبنك العقاري الزراعي، مُسْنِدِينَ الْتِماسهم إلى أن القسط الحاليَّ لا يتناسب مع الغلة ويزيد عن مقدرتهم على الوفاء.

وبما أن هذه الحالة تستدعي إعادةَ النظر في تعديل قيمة القسط حتى يكون في ميسورهم الوفاء بدفع الأقساط في مواعيدها بانتظام، وحتى لا يُضْطَرُّوا إلى التأخير كما حَدَثَ في السابق مما يُعَرِّض ثروتهم العقارية للخطر؛ وبخاصة بعد أن رُزِئَت الأسرة بفقد عائلها.

فلهذا نرسل الطلب لمعاليكم للنظر.

وتفضلوا معاليكم بقبول فائق الاحترام.

نائب رئيس مجلس الإدارة
وفيما يلي نص الطلب المقدَّم من حضرة النائب المحترم عبد الحميد بك الوكيل بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن بقية ورثة المرحوم والده المغفور له عبد الواحد باشا الوكيل، وبينهم حضرة صاحبة العصمة السيدة حرم النحاس باشا:

حضرة صاحب العزة مدير البنك العقاري الزراعي المصري

نتشرف بعرض الآتي:

كان المرحوم والدُنا مَدِينًا للبنك العقاري المصري والحكومة المصرية في السلفيتين رقم ٢٠١٠٤ و٢٠١٠٥ وقد حُوِّلَ دين البنك العقاري المصري للبنك العقاري الزراعي المصري مقابل مبلغ ٨٨٦٨ جنيهًا دُفِعَ نقدًا من البنك الأخير للبنك العقاري المصري، ثم حُوِّلَ أيضًا دينُ الحكومة وقَدْره ٣٥٩٢ جنيهًا للبنك العقاري الزراعي المصري.

وكان المرحوم والدنا مدينًا أيضًا للخواجة عنتيبي وآخرين بمبلغ ٤٥٠٠ جنيه، فقام البنك العقاري المصري بتسوية المبلغ المذكور أيضًا مقابل الحلول محلَّ الدائنين في حقوقهم، وأَوْقَعَ بذلك رهنًا على أطيان مُوَرِّثِنا، فأصبحت جميع أملاكه مرهونة للبنك العقاري الزراعي المصري، وقد قام البنك بتحديد القسط دون مراعاة غلة الأراضي والمَقْدِرة على الوفاء، فأصبح مجموع القسط السنوي المستحَقِّ على مُوَرِّثنا كالآتي:

٩٨٥ جنيهًا عن الدين المحوَّل من البنك العقاري المصري، ويشمل هذا المبلغ أيضًا القسط المستحق على دين الحكومة حرف ج، ومقداره ٨٥ جنيهًا سنويًّا.

٢٩٤ جنيهًا عن الدين الثاني.

فيكون مجموع المطلوب سداده سنويًّا هو مبلغ ٨٨٠ جنيهًا تقريبًا؛ ولذا تَعَذَّرَ الدفع وتراكَمَت الأقساط، حتى أصبح مجموع المتأخر منها لغاية سنة ١٩٤١ مبلغ ١٨٠٦ جنيهاتٍ تقريبًا خلاف الفوائد.

وبما أن بقاء الأقساط على حالها يُعْتَبَر تعجيزًا عن الوفاء لأنها تزيد عن النسبة التي يمكن أن تتحملها غلة الأطيان للوفاء ومآل ذلك ضياع الأطيان.

وبما أن الحكومة تَدَخَّلَتْ مرارًا لتسوية الديون العقارية بما يتناسب مع قدرة المدين على الوفاء ومقدار ما تنتجه الأطيان من الربح، كل ذلك إبقاءً على الثروة العقارية الوطنية واتقاءَ نَزْع الملكية، ولم يَخْرج البنك العقاري الزراعي عن أن يكون مؤسسة وطنية يسير على السياسة المالية والاجتماعية التي أنشئ من أجلها.

ونظرًا لأن مُوَرِّثَنا المرحوم قد تَرَكَ الورثة العديدين الآتي أسماؤهم، ومنهم من لم يتجاوزوا مراحل التعليم للآن، وآنسة لم تؤهل بعد، كالبيان الواضح في ذيل هذا الطلب.

لهذا نرجو النظر في تخفيض قِسْط الدَّيْن، بحيث يُصْبِح متفقًا مع الغلة، وتسويته بالطريقة التي ترونها، مع تجميد الأقساط المتأخرة لغاية آخر سنة ١٩٤١، على أن يترك لنا فترة ثلاث سنوات للبدء في دَفْع القسط الأول لكي نُدَبِّرَ أمورنا ونؤدي ما علينا من استحقاقات وواجبات، مع قيامنا بدفع الفوائد السنوية عن هذه الثلاث سنوات في آخر كل سنة.

وقد أنبنا عنا في قبول التسوية وفي جميع المراسلات أخينا حضرة عبد الحميد بك الوكيل، ومع هذا بيان أسماء الورثة بكشف مستقل.

وتفضلوا عزتكم بقبول أسمى عبارات الاحترام.

عن الورثة
عبد الحميد الوكيل
٣٠ أغسطس سنة ١٩٤٢

بيان أسماء الورثة

(١) الست فريدة هانم شعير الزوجة. (٢) عبد الحميد بك الوكيل. (٣) أحمد أفندي الوكيل. (٤) السيدة زينب هانم الوكيل. (٥) حافظ أفندي الوكيل. (٦) السيدة عزيزة هانم الوكيل. (٧) حسين عبد الواحد الوكيل. (٨) محمد عبد الفتاح الوكيل. (٩) محمد عبد القادر الوكيل. (١٠) الآنسة سعاد عبد الواحد الوكيل.

(أ) وزارة المالية وفضيحة التسوية للأنسباء

بحثت وزارة المالية هذا الطلب على أثر تقديمه، فقرَّرَتْ لمصلحة ورثة المرحوم عبد الواحد باشا الوكيل المزايا الخطيرة الآتية:

تعديل دين الحكومة وجعل فائدته ١٪ من سنة ١٩٣٧ مع تجميد أقساطه والاكتفاء بتحصيل فائدته فقط في سني ١٩٤٢ و١٩٤٣ و١٩٤٤، وبعدها يبدأ استهلاك الدين المذكور، وتحتسب فائدة التأخير على أساس ١٪ زيادة على الفائدة المقررة؛ أي إن فائدة التأخير تكون ٢٪، وأشد من ذلك وأدهى فإن وزارة المالية اشترطت أن يكون التيسير شخصيًّا لا ينتفع به إلا المدينون الحاليون دون أي حائز آخر، بحيث إذا آلت الملكية لغيرهم يُعْتَبَر هذا التيسير كأن لم يكن!

ثم رأت فيما يختص بقرض البنك الأول تجميد الأقساط المتأخرة وجَعْل الجزء السهل الأداء ٢٧٠٠ جنيه بفائدة ٥٫٥٪ بعد أن كان ٤٣٠ مليمًا و٥٩٤٣ جنيهًا، وجُعِلَ الجزء العسير الأداء مبلغ ٥٠٩ مليمات و٦٦٦٩ جنيهًا بفائدة ٢٪ بعد أن كان ٧٩ مليمًا و٣٤٢٦ جنيهًا، وبعبارة أخرى فقد جَعَلُوا الجزء الأكبر من الدَّيْنِ بفائدة ٢٪ بعد أن كانت ٥٫٥٪!

وعن قَرْض الدرجة الثانية رأت تجميد الأقساط المتأخرة بضمها الأصل، وقد وافق مجلس إدارة البنك العقاري الزراعي المصري بطبيعة الحال على رأي وزارة المالية وهذا نص قراره:
  • أولًا: أخذه علمًا بما قررته الوزارة بشأن القرض حرف ج وتنفيذه على الوجه المقترح.
  • ثانيًا: فيما يختص بالقرضين رقم ٨٣ و١٨ الخاصين بالمرحوم عبد الواحد باشا الوكيل الموافقة على التسوية التي اقترحَتْها وزارة المالية وبالشروط الواردة بكتابها المؤرخ ٢٢ سبتمبر سنة ١٩٤٢، وأن يعمل لهذا القرض حساب خاص بالدفاتر على الأساس المتقدم ذِكْرُه ابتداء من يناير سنة ١٩٤١.
يؤخذ يا مولاي من هذه المستندات الخطيرة الحاسمة أمران، لهما مغزاهما الخطير:
  • (١)

    أن ورثة المغفور له عبد الواحد باشا الوكيل لم يكونوا حتى الوقت الحاضر في ميسرة تسمح لهم بتسديد القسط السنوي، فاضْطُرُّوا إلى طلب تسوية سخيَّة، يخفض فيها القسط والفوائد تخفيضًا كبيرًا ليستطيعوا القيام بسداد ما عليهم.

  • (٢)
    استغل النحاس باشا نفوذه لمصلحة أنسبائه استغلالًا بَلَغَ حَدَّ الفضيحة، فقرَّر لهم وزير المالية الحالي (معالي كامل صدقي باشا) تسوية استثنائية فوق استثناء، وسخية فوق سخاء، لا أعرف لها مثيلًا طوال عملي في وزارة المالية منذ أن توليتها في الفترات المختلفة، وفيما يلي ملخص هذه التسوية الفذة:
    • (أ)

      تعديل دين الحكومة بجعل فائدته ١٪ على أن يرجع هذا التعديل إلى الوراء منذ سنة ١٩٣٧ حتى الآن!

    • (ب)

      تجميد ديون الحكومة، والاكتفاء بتحصيل الفائدة عنه فقط في الثلاث سنوات الأولى؛ أي سِنِي ١٩٤٢ و١٩٤٣ و١٩٤٤، فلا يبدأ دَفْع أقساط الدين نفسه واستهلاكه إلا من سنة ١٩٤٥، على أن تكون فائدة التأخير ٢٪.

    • (جـ)

      والفضيحة الكبرى هي أن وزارة المالية لم تكتفِ بهذه المزايا التي لا يُستهان بها، بل اشترطت أن هذا التيسير شخصي لورثة عبد الواحد الوكيل باشا، بحيث لا ينتفع به إلا حضراتهم دون أي حائز آخر للعقارات المرهونة ممن قد تَئُول إليه ملكيتها، أي: إنه إذا آلت الملكية لغيرهم يُعْتَبَر هذا التيسير كأن لم يكن.

    • (د)

      وفيما يختص بقرض البنك الأول، تجميد الأقساط المتأخرة وجَعْل الجزء السهل الأداء ٢٧٠٠ جنيه وفائدته ٥٫٥ ٪ بعد أن كان ٤٣٠ مليمًا و٥٩٤٣ جنيهًا، وجَعْل الجزء العسير الأداء مبلغ ٥٠٩ مليمات و٦٦٦٩ جنيهًا وفائدته ٢٪ بعد أن كان ٧٩ مليمًا و٣٤٢٦ جنيهًا فقط. وبعبارة أخرى فقد جُعِلَ الجزء الأكبر من الدين بفائدة ٢٪ بعد أن كانت ٥٫٥٪.

    • (هـ)

      تجميد أقساط قرض الدرجة الثانية المتأخرة وضَمُّها إلى الأصل.

هذا في الوقت الذي قامت فيه الحكومة وقعدت احتجاجًا على تجميد الأقساط المتأخرة لغيرهم من المدينين المساكين!

والحق يا مولاي إنها لفضيحة الفضائح أن يكون التيسير لآل الوكيل دون غيرهم إذا كانوا مَدِينِين، والثراء والصفقات للنحاس باشا وأنسبائه إذا كانوا مُشْتَرِين أو بائعين … والأمر لله من قَبْلُ ومن بعد!

(٢) الفرع الثاني: الانتفاع الشخصي من أملاك الدولة ضدالمصلحة العامة والقانون

(٢-١) قصر جديد

أقام صاحب المقام الرفيع رئيس الوزراء منذ ولي الحكم في أماكن متعددة مختلفة الأنحاء والأجواء والأهواء.

قضى فترة في الباخرة الحكومية «محاسن»، ولها قصة تأتي فيما بعد.

وقضى فترة أخرى بفندق «مينا هوس»، وامتدت هذه الفترة إلى بضعة شهور، وأنفق فيها ما أنفق ريثما تتم شتى الإصلاحات والتعديلات في داره الأولى بمصر الجديدة، وطلب مني بإلحاح كميات من خشب «الأبلاكاج» المستولى عليه في وزارة التموين لاستعماله في إصلاحات داره هذه، فرفَضْتُ لأن الكميات المستولى عليها إنما خُصِّصَتْ للمصالح الحكومية، وقد كَلَّفَتْهُ عملية الإصلاح والتحسين هذه مئات عديدة من الجنيهات في دار يسكنها بالإيجار! ومع ذلك لم يكد يعود إليها رِفْعته بعد غيبة شهور عدة حتى ظهر له أن هذه الدار التي أقام فيها سنوات طويلة غابرة، والتي أنفق في إصلاحها وتحسينها كل هذه النفقات، لم تعد تفي بالمرام.

ولم يَطُلْ بَحْثُ مقامه الرفيع، إذ أَعْجَبَهُ حيٌّ هادئ جميل، هو حي «جاردن ستي»، وتمنى لو وَجَدَ مسكنًا في هذه الديار، يسكنه على سبيل الاستقرار، وما أسرع ما تحقَّقَت الأمنية، حين ترامى إلى سَمْع رِفْعته أنه توجد في الحي دار فاخرة زاهرة، أُرْسِلَتْ صور من نقوشها وحجراتها ومعداتها إلى جنيف لتكون أعظم دعاية لرُقِيِّ معاهد التربية وفخامتها في مصر.

وفي هذه الدار الفاخرة تتلقى العلم تلميذات وادعات هانئات، ولكن معهدهن الفاخر خاضع للحكومة التي يقوم على شئونها رِفْعته.

فماذا لو أُخْرِج هؤلاء الفتيات من الحي كله بين عشية وصحاها، ليهنأ رِفْعته بالمسكن الهنيء المنشود؟

لا شيء! وذَهَبَ رِفْعَتُه ومن معه لزيارة الدار زيارة غير عادية، وظنت التلميذات البريئات إنها نفحة من نفحات الاهتمام العظيم بالعلم والتعليم، لولا أنْ فاجأهن رِفْعته بنظرات فاحصة لما في الدار من زخارف وطرائف، ومضى يتلمس ذا الجدار وذا الجدار، ويهتم بعمارة الدار أكثر من اهتمامه بسكان الدار!

وأسفرت الزيارة عن إعجابٍ لم يكن أَقَلُّ مَظَاهِرِه شدة اللهفة على إخلاء الدار في الحال، وبلا إمهال!

وصدع وزير المعارف بأمر رئيس الحكومة، فإذا مراقِبَة تعليم البنات تَضَعُ مذكرة ذات ثمانية بنود، يتضمن أحدها إخلاء المعهد والتطويح بتلميذاته من حي «جاردن ستي» إلى حي بولاق، وتتضمن بنوده الأخرى حركة تنقلات بين مدارس بأكملها في حي العاصمة، لكي يتيسر الاستغناء عن دار المعهد التي أُعْجِبَ بها رئيس الوزراء.

وفي نوبة حازمة حاسمة من نوبات النشاط الحكومي، وَضَعَتْ مراقِبة تعليم البنات مذكِّرَتها في ٢٢ / ٩ / ١٩٤٢، وعُرِضَتْ على وكيل الوزارة المساعد فوقَّعَها في ٢٢ / ٩ / ١٩٤٢، ثم رُفِعَتْ إلى وزير المعارف فوقَّعَها أيضًا في ٢٢ / ٩ / ١٩٤٢، أي إن حركة التشتيت وُضِعَتْ ووقِّعَتْ كلها في ساعات معدودات من صبيحة يوم واحد!

وفي نشاط مثالي لا يقل في مظهره عن هذا النشاط، تمت عملية الإخلاء والإجلاء بالليل والنهار على يد جنود من الجيش وضابطين، مستعينًا في ذلك بسيارتين من سيارات مصلحة النقل الميكانيكي! وظلت السيارتان الحكوميتان كما ظل المستخدمون من رجال الحكومة تحت أمره حوالي شهر من الزمان.

أما الدار الفاخرة فإيجارها خمسون جنيهًا في الشهر لا تزيد، وهو إيجارها القديم الذي كان مقدَّرًا قبل ارتفاع الأسعار، ولم يكتفِ رفعة الحاكم العسكري بهذا وحده، بل استبقى من معدات المعهد ثلاجة ضخمة باهظة الثمن بحجة أنها لا تصلح للعمل في حي بولاق! كما قيل إنه استبقى ستارين جميلين من صُنْع يد التلميذات ويُقَدَّرَان بثمن كبير، وبعض ثريات كهربائية إلى غير ذلك مما يحتاج إلى تحقيق دقيق.

ثم لم يكتفِ رِفْعته بهذا أيضًا، بل نهضت وزارة المعارف بعملية أخرى كَلَّفَتْها مبلغًا طائلًا، تحت ستار التعهُّد بإعادة الدار إلى حالتها الأولى، وبهذا خرج من اعتماد البناء مبلغٌ ضخمٌ أُنْفِقَ على الحمامات الفخمة، «والأرضيات» الثمينة، ونحو ذلك من ضروب الإنفاق!

ولكي تقفوا جلالتكم على مدى التقلقل الذي أصاب عددًا من المدارس لكي يتسنى لرفعة الحاكم العسكري أن يقيم في الدار التي أَعْجَبَتْهُ بحي «جاردن ستي» أتشرف بأن أُثْبِتَ القرار الوزاري الذي أشرتُ إليه سابقًا وهذا نَصُّه:

المراقبة العامة لتعليم البنات
٢٢ / ٩ / ١٩٤٢
مذكرة

بمناسبة ضم معاهد التربية الخاصة بالمواد الفنية في مكان واحد تحت اسم معهد التربية الفنية للبنات وإنشاء مدرسة للبنات بحي الجمالية، واستجابةً لرغبات الأهالي في مدارس الثقافة النسوية، أقترح الآتي:
  • (١)

    يكون مَقَرُّ معهد التربية الفنية للمعلمات المبنى الذي تشغله الآن مدرسة الأميرة فوزية الثانوية ببولاق.

  • (٢)

    تُنْقَل مدرسة الأميرة فوزية إلى المبنى الذي تَشْغَلُه الآن مدرسة عباس الابتدائية للبنات، وتُنْقَل تلميذات مدرسة عباس الابتدائية إلى مدرسة شبرا الابتدائية للبنات.

  • (٣)

    يُفْصَل قسم الروضة عن مدرسة الأورمان الابتدائية، ويكون روضة مستقلة يُطْلَق عليها «روضة الأورمان» مَقَرُّها المبنى الذي يَشْغَله الآن معهد التربية للفنون الجميلة.

  • (٤)

    تُنْقَل مدرسة الأورمان الابتدائية للبنات إلى المبنى الحالي لمعهد الموسيقى بالجيزة.

  • (٥)

    تُفْتَح مدرسة ثقافة ثالثة بالقاهرة مقرُّها، يكون مَقَرُّها المبنى الذي يشغله الآن مدرسة الأورمان الابتدائية، ويُطْلَق عليها اسم «مدرسة الثقافة النسوية بالأورمان».

  • (٦)

    تبقى مدرسة الفنون الطرزية الابتدائية في مكانها الحالي بشبرا.

  • (٧)

    تُخْلَى مدرسة النحاسين الابتدائية للبنين من تلاميذها بتوزيعهم على مدارس باب الشعرية والجمالية والسلحدار القريبة منها حسب رغبات الأهالي، ويُجْعَل مبنى مدرسة النحاسين مقرًّا لمدرسة ابتدائية للبنات يُطْلَق عليها اسم «المدرسة الحسينية الابتدائية للبنات».

  • (٨)

    يُفْصَل القسم الثانوي لمدرسة مصر الجديدة عن القسم الابتدائي ويُدَبَّر مكانٌ لِنَقْل إحداهما إليه.

أوافق

٢٢ / ٩ / ١٩٤٢ شفيق غربال

موافق

٢٢ / ٩ / ٤٢ الهلالي

المراقب العام
الكرداني
وبهذا يكون رفعة رئيس الوزراء قد استغل نفوذه للانتفاع الشخصي على حساب الدولة فيما يتعلق بمسكنه على الوجه الآتي:
  • (١)

    أخرج معهدًا كاملًا من معاهد التعليم من دارٍ أَعَدَّتْها الحكومة لهذا الغرض بعد إنفاق آلاف من الجنيهات، لا لشيء سوى رَغْبته في سكنى هذه الدار.

  • (٢)

    استخدم في هذا الغرض، ولحسابه الخاص، جنودًا وضابطين، وسيارتين من سيارات النقل الحكومية!

  • (٣)

    كَلَّفَ خزانة الدولة مبالغ تَصِل إلى ألوف الجنيهات بين نفقات نَقْل المدارس، وإصلاح الدار التي قَرَّرَ أن يتخذها لسكنه الخاص.

  • (٤)

    سَبَّبَ رِفْعته في سبيل منفعته الشخصية حركة تَقَلْقُل واضطراب بين المدارس والتلميذات والعائلات التي تَنَاوَلَتْها حركة التنقلات التي يتناولها القرار الوزاري السالف الذكر.

(٢-٢) الباخرة «محاسن»

أقام رفعة رئيس الوزراء — كما تَشَرَّفْتُ بالإشارة إلى ذلك فيما سبق — شهورًا عدة في الباخرة الحكومية «محاسن»، وما كان الدستور أو القانون لِيُتِيح لرئيس الوزارة أو الوزير أن يستخدم أملاكَ الحكومة هذا الاستخدام الشخصي المحض، وإنما يسمح باستخدام هذه البواخر وغيرها مما تملكه الدولة، في مهمات حكومية وأعمال رسمية لا أكثر ولا أقلَّ، وإذا كان الدستور يمنع الوزير أن يشتري أو يؤجر شيئًا من أملاك الدولة ولو من طريق المزاد العلني فأَوْلَى به أن يَحُول دون استخدام هذه الأملاك الحكومية للمنافع الشخصية بلا مقابِلٍ على الإطلاق!

وأدهى من ذلك وأمَرُّ، أن رِفْعته لم يَقْتصر على استخدام هذه الباخرة لانتفاعه الشخصي وحده، وإنما أَسْكَنَ فيها كذلك بعض أنسبائه من عائلة الوكيل، بعد أن غادَرَها هو، وقد ظلوا يقيمون بالباخرة شهورًا عديدة!

ولست أدري يا مولاي كيف يستبيح رئيس الحكومة لنفسه، ومِنْ بعده لأهله، من أموال الحكومة ما لا يُسْتَبَاح، ممَّا لو ارْتَكَبَهُ موظف صغير لطُرِدَ شَرَّ طردة، إلى غير عودة … وهلَّا يدل هذا الطمع الصغير على الجشع الكبير؟

(٢-٣) الباخرة «كريم»

يا صاحب الجلالة

إذا كان هذا مبلغ تقدير رئيس الحكومة لما ينبغي وما لا ينبغي أن ينتفع به من أملاك الحكومة وأموالها، فلا غرو ولا غرابة إذا رأينا بين وزرائه من يَجِدُ في هذا السلوك أسوة وقدوة!

ومن قبيل ذلك هذه القصة الواقعية التي أتشرف بعرض فصولها على أنظار جلالتكم مُؤَيَّدة بالخطابات الرسمية.

أما بَطَلَا القصة فهما صاحبا المعالي عبد الفتاح الطويل باشا وزير المواصلات الآن، وعثمان محرم باشا وزير الأشغال، ومسرحها فهو باخرة أخرى من بواخر الحكومة هي الباخرة «كريم».

فقد أقام عبد الفتاح باشا إثر تعيينه في الوزارة على ظَهْر الباخرة «كريم»، وطالت إقامته في الباخرة شهرًا بعد شهر، متَّخِذًا منها سكنًا شخصيًّا له بمقتضى عقد استئجار بينه وبين زميله عثمان محرم باشا وزير الأشغال، على أساسِ إيجارٍ متواضعٍ جدًّا وهو ثلاثون جنيهًا مصريًّا في الشهر، مضافًا إليها بضعة جنيهات في مقابل ما يستهلك من الماء والنور.

وتَلَقَّت وزارة المواصلات خطابًا رسميًّا من وزارة الأشغال تاريخه ٢٥ مارس سنة ١٩٤٢، وفي هذا الخطاب طُولِبَ معالي وزير المواصلات بدفع سبعة جنيهات ومائتين وتسعة مليمات عن استهلاك الشهر الأول، يضاف إليها ثلاثون جنيهًا عن إيجار ذلك الشهر!

وتراكم الحساب الذي في ذمة الوزير، طبقًا لهذا التقرير، بضعة أشهر متوالية، وعاد الموظف المختص في وزارة الأشغال فكتب في ٤ أغسطس سنة ١٩٤٢ — بالنيابة عن المدير العام لمصلحة الميكانيكا والكهرباء — خطابًا إلى وزارة المواصلات، يُذَكِّرها فيه بخطابه الذي مضى عليه نحو الخمسة الأشهر، ويسرد المبالغ التي في ذمة الوزير للحكومة، سواء منها نفقات الاستهلاك وقيمة الإيجار، ومجموعها إلى ذلك التاريخ مائة وواحد وثمانون جنيهًا ومائة وأربعة عشر مليمًا، ويطلب «التكرم بتسديد المبلغ المذكور … لإدارة حسابات هذه المصلحة؛ ليتسنى لنا إزالته من حساب العُهَد تحت التحصيل»!

وفيما يلي نص هذا الخطاب:

وزارة الأشغال العمومية
مصلحة الميكانيكا والكهرباء
بخصوص الباخرة كريم ٤ / ٨ / ١٩٤٢ (٣٧٤٤٠)
ملف رقم ٩ / ٣٢ / ١
حضرة صاحب العزة مدير مكتب معالي وزير المواصلات

أتشرف بأن أدوِّن لعزتكم فيما يلي ثمن ما صُرِفَ من خامات ونور ومياه حضرة مدير الحسابات… إلخ، للباخرة «كريم» أثناء وجودها تحت تصرُّف حضرة صاحب المعالي عبد الفتاح باشا الطويل في المدة من ٩ / ٢ / ١٩٤٢ تاريخ استعمال معاليه للباخرة لغاية آخر يونيو الماضي شهرًا بشهر.

مليم جنيه
٢٠٩ ٧ عن المدة من ٩ فبراير سنة ١٩٤٢ إلى ٢٨ منه، وقد سبق أن كُتِبَ لوزارة الأشغال بكتابنا رقم ١٥٧٨٣ في ٢٥ / ٣ / ١٩٤٢ بتحصيله
٤٧٩ ١٢ عن شهر مارس سنة ١٩٤٢
٤٦٥ ٥ عن شهر أبريل سنة ١٩٤٢
٨٠٤ ٧ عن شهر مايو سنة ١٩٤٢
٧٢٩ ٦ عن شهر يونيو سنة ١٩٤٢
٦٨٦ ٣٩ ثمن خامات ونور ومياه … إلخ

وبإضافة مبلغ ٤٢٨ مليمًا و١٤١ جنيهًا قيمة الإيجار عن المدة المذكورة بواقع الشهر ثلاثين جنيهًا كما سبق أن أخطرنا الوزارة بخطابنا رقم ٩ / ٣٢ / ١ (١٥٧٨٢) بتاريخ ٢٥ / ٣ / ١٩٤٢ فتكون جملة المبلغ المطلوب سداده ١١٤ مليمًا و١٨١ جنيهًا.

فالرجا التكرم بتسديد المبلغ المذكور أخيرًا لإدارة حسابات هذه المصلحة ليتسنى لنا إزالته من حسابات العُهَد تحت التحصيل.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.

عن المدير العام (إمضاء)

فماذا حدث؟ وما سر هذا الإغضاء والإبطاء في دَفْع الأجر اليسير، الذي ارتضاه بل واقترحه معالي الوزير؟!

لقد اكتشف أصحاب الفتوى من رجال قلم القضايا بعد مرور بضعة أشهر على توقيع عقد الإيجار، أنَّ استئجار الباخرة الحكومية أو أي شيء من أملاك الدولة أَمْر ينطوي على مخالفة صريحة لنصٍّ قاطِعٍ من نصوص الدستور، فالمادة ٦٤ من الدستور تقول بالحرف الواحد:

لا يجوز للوزير أن يشتري أو يستأجر شيئًا من أملاك الحكومة ولو كان ذلك بالمزاد العام …

واعترف بذلك وزير الأشغال في خطاب رسمي إلى وكيل الوزارة تاريخه ٢٠ مايو سنة ١٩٤٢، وهذا نصه:

وزارة الأشغال العمومية (مستعجل)
مصلحة الميكانيكا والكهرباء
ملف رقم ١ / ٣٢ / ٩ الموضوع الباخرة كريم
من وزارة الأشغال العمومية رقم ١٧٢ / ٣ / ١٤ (١٢٧٤) بتاريخ ٢١ / ٥ / ١٩٤٢
سعادة الوكيل

للأسباب المذكورة في مذكرة حضرة صاحب العزة المستشار الملكي، القاضية بأن الدستور يَمْنَع من أن يستأجر الوزير شيئًا من أملاك الحكومة، وبأن البواخر الحكومية تَدْخُل ضِمْن تلك الممتلكات، لا أرى مفرًّا من العدول عن هذا التأجير.

وحيث إنه من المتعذِّر في الوقت الحاضر أن يَعْثُر حضرة صاحب المعالي عبد الفتاح الطويل باشا على مسكن يناسبه، فيمكن أن تكون إقامته في الباخرة كريم أو دندرة، مُراعًى فيها أن يتكفل معاليه بالمصاريف الفعلية التي تترتب على هذه الإقامة.

إمضاء عثمان محرم
٢٠ / ٥

ما العمل إذن؟ الأمر بسيط! ليُسحب الخطاب الجريء الذي سُجِّلَ فيه أن في ذمة الوزير للحكومة دينًا يبلغ زهاء المائة والثمانين جنيهًا في مقابل استئجار الباخرة بمعدل ثلاثين جنيهًا في الشهر، ولا بأس من إرسال خطاب جديد للوزير، لا يتضمن سوى الإشارة إلى نفقات الاستهلاك، دون ذِكْرٍ لحكايةِ الإيجار من قريب أو من بعيد!

وبهذا يُفَضُّ الإشكال الدستوري شكلًا، ويتحلل وزير المواصلات من وفاء قيمة الإيجار فعلًا، وتستريح ذمته من عناء المطالبة بالسداد!

وقد كان! فما هذا إلا أن مضى يوم واحد على إرسال خطاب المطالبة الأخير، حتى ازدان بالتأشيرات الطريقة التالية:

حضرة مدير الحسابات

أرجو التكلم.

نفس الإمضاء
٥ / ٨ / ١٩٤٢

حضرة صاحب العزة الوكيل

أتشرف بالإحاطة بأن الخطاب الأصلي قد اسْتُرِدَّ، وسنكتب الخطاب بناء على تأشيرة سعادة المدير العام ص٢٦٢ من هذا الملف، ونأسف لما حصل من تصرفاتِ حضرات الموظفين.

اقبلوا فائق الاحترام.

الإمضاء

نظر، وأرجو إلفات نظر المختصين للعناية بالعمل.

الإمضاء الأولى
٥ / ٨ / ١٩٤٢

وبعد شهر كامل؛ أي في ٦ سبتمبر سنة ١٩٤٢، أَرْسَلَتْ وزارة الأشغال خطابًا أَرَقَّ من النسيم إلى وزارة المواصلات، تَذْكُر فيه ثمن «ما صُرِفَ من خامات ونور … إلخ، للباخرة كريم أثناء وجودها تحت تصرف حضرة صاحب المعالي عبد الفتاح باشا الطويل …»

وجملة المبلغ لا تزيد على ٢٨٥ مليمًا و٤٨ جنيهًا بعد إضافة شهر يوليو على النفقات التي ذُكِرَتْ في الخطاب الأول، أما إيجار الأشهر الستة المذكورة فلم يذُكْرَ بِشَرٍّ ولا بخير!

وفيما يلي نص الخطاب الأخير:

وزارة الأشغال العمومية
مصلحة الميكانيكا والكهرباء بخصوص الباخرة كريم ٦ سبتمبر سنة ١٩٤٢ (٤٢٢٧٠)
ملف رقم ٩ / ٣٢ / ١
حضرة المحترم مدير مكتب معالي وزير المواصلات

أتشرف بأن أدوِّن لحضرتكم فيما يلي ثَمَنَ ما صُرِفَ من خامات ونور … إلخ، للباخرة كريم أثناء وجودها تحت تصرف حضرة صاحب المعالي عبد الفتاح باشا الطويل في المدة من ٩ / ٢ / ١٩٤٢ تاريخ استعمال معاليه للباخرة لغاية آخر يوليو سنة ١٩٤٢ شهرًا بشهر، مع التكرم بالإحاطة أن ثَمَنَ المياه المستهلك في المدة المذكورة وكذا ثَمَن النور عن يوليو سنة ١٩٤٢ لم تُضَفْ بهذه المطالبة لعدم وصول الفواتير للآن:

مليم جنيه
٢٨٥ ٤٨ الجملة
٢٠٩ ٧ عن المدة من ٩ فبراير سنة ١٩٤٢ إلى ٢٨ منه، وقد سبق أن كُتِبَ لوزارة الأشغال بكتاب رقم ١٥٧٨٣ في ٢٥ / ٣ / ١٩٤٢ بتحصيله
٤٧٩ ٢١ عن شهر مارس سنة ١٩٤٢
٤٦٥ ٥ عن شهر أبريل سنة ١٩٤٢
٨٠٤ ٨ عن شهر مايو سنة ١٩٤٢
٧٢٩ ٦ عن شهر يونيو سنة ١٩٤٢
٥٩٩ ٨ عن شهر يوليو سنة ١٩٤٢

فالرجاء التكرم بالنظر في أَمْر سداد المبلغ المذكور أخيرًا، وهو مَبْلغ ٢٨٥ مليمًا و٤٨ جنيهًا لإدارة حسابات هذه المصلحة بشيك أو نقدًا، ليتسنى لنا إزالته من حسابات تحت التحصيل.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.

المدير العام
عنه (إمضاء)

وقبل التعليق على هذا الخروج الواضح على الدستور خضوعًا للرغبة الجامحة في استغلال أموال الدولة وأملاكها للانتفاع الشخصي، أتشرف بأن أَذْكُر لجلالتكم حلقة جديدة من حلقات هذا العبث الجريء على حساب الدولة.

وذلك أن الباخرة «كريم» كانت راسية حينما أقام بها صاحب المعالي وزير المواصلات على الشاطئ الغربي للنيل — بحري كوبري عباس — ولكن معاليه رأى أن يسعد بجوار الباخرة «محاسن»، فاتصل بالورش الأميرية وأَصْدَرَ إليها أَمْره الذي لا يُرَدُّ بنقلها إلى جوار تلك الباخرة، وقد تَمَّ ذلك بالفعل، بواسطة الورش الحكومية، كما يدل على ذلك الخطاب التالي:

١٢ / ٩ / ١٩٤٢
نقل الباخرة كريم من الشاطئ الغربي للنيل إلى الشاطئ الشرقي (٤٢٧٣٢)
حضرة صاحب السعادة وكيل وزارة الأشغال العمومية

بالإحالة إلى كتاب حضرة صاحب العزة سكرتير عام وزارة الأشغال رقم ١٦٢-١١-٥٩٩٧ المؤرخ ١١ / ٣ / ١٩٤٢، أتشرف بالإحاطة أنه بناء على التعليمات التي أُعْطِيَت للورش الأميرية من حضرة صاحب المعالي وزير المواصلات، قد قامت الورش بنقل الباخرة كريم من الشاطئ الغربي (بحري كوبري عباس) إلى الشاطئ الشرقي (أمام الباخرة محاسن) بالمرسى المقابل لمنزل المغفور له عدلي يكن باشا بجاردن ستي.

وقد أَخْطَرْت شركتي المياه والنور لتركيب العدادات اللازمة.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.

إمضاء
المدير العام
هذه يا مولاي قصة الباخرة «كريم» كما دَوَّنَتْها الوثائق والخطابات الرسمية، ويتبين منها:
  • أولًا: أن وزير المواصلات قد استباح لنفسه أن يُسَخِّر باخرة حكومية لمنفعته الشخصية، وأن يتخذ منها مسكنًا له ولأسرته شهورًا متوالية، ولم يتردد في أن يُصْدِر أوامره إلى الورش الحكومية ليُسَخِّر عمالها في نقل الباخرة على مقربة من الباخرة محاسن، فيتخير الدار والجوار، على حساب الخزينة العامة.
  • ثانيًا: أن وزارة الأشغال اتفقت معه على إيجار شهري متواضع، هو ثلاثون جنيهًا في الشهر، تُدْفَع إلى جانب نفقات الاستهلاك.
  • ثالثًا: أن وزير المواصلات بعد خمسة أشهر لم يدفع الإيجار وطَلَبَ سَحْب الخطاب الأول بعد اعتذار موظفي وزارة الأشغال المسئولين، واستبداله بخطاب آخر أُسْقِطَتْ منه قيمة الإيجار!
  • رابعًا: أن وزير المواصلات ومعه وزير الأشغال قد استحلَّا هذا التصرف المعيب لسبب جد خطير هو التماس «الفرار» من نص المادة ٦٤ من الدستور، وهي التي تحظر على الوزير أن يشتري أو يستأجر شيئًا من أملاك الدولة ولو بطريق المزاد العام، وقد قَرَّرَ وزير الأشغال في خطابه إلى وكيل الوزارة بتاريخ ٣٠ / ٥ / ١٩٤٢ أنه لم يَجِدْ إزاء هذه المخالفة «مفرًّا» من العدول عن تأجير الباخرة لزميله الوزير!

وهي حيلة — بل تحايُل — على خَرْق الدستور في جرأة منقطعة النظير.

فالدستور إذْ يُحَرِّم على الوزير أن يستأجر شيئًا من أملاك الدولة إنما قَصَدَ من ذلك بداهةً أنْ يَحُولَ بين الوزير وبين مجرد الشبهة في الانتفاع الشخصي أو المحاباة الشخصية، ولو كان في ذلك ما يعود على الدولة بأيِّ قَدْر من المنفعة المالية، ومن العجيب أنَّ وزير المواصلات ظَلَّ بعد اكتشاف المخالفة الدستورية يقيم في الباخرة شهورًا متوالية!

فأية ذمة، وأي ضمير، هذا الذي يسمح للوزير أن يبيح لنفسه أو لوزيرٍ غيرِهِ بالمجان، ما لا يباح له بالإيجار؛ أي أنْ يَكْفُلَ لنفسه كل المنفعة الشخصية، ويحرم الدولة كل المنفعة المالية؟!

إذ المخالفة الدستورية هنا واضحة كل الوضوح؛ لأن تحريم الاستئجار على الوزير معناه تحريم الانتفاع عليه رَغْم نفع الحكومة، ولكن رئيس ا لوزراء وزميله قد انتفعا ولم ينفعا، فخَالَفا الدستور مخالَفَتَيْن … وفي هذا يا مولاي ما يَمَسُّ نزاهة الوزير الأمين على مال الدولة، وبعبارة أخرى يَمَسُّ نزاهة الحكم في الصميم.

المتحف الزراعي يسكنه وزير الدفاع

يظهر أن المثل الطيب الذي سنَّه رئيس الحكومة ووزير المواصلات كان له أثره في غيره من زملائهما الوزراء … وما أسرع سريان الداء في وسط من المرضى يخلطون بين الداء والدواء!

فقد كان وزير الدفاع يقطن منزلًا خاصًّا في الزمالك — وهو منزل مستأجَر غير منزله المملوك له بحلوان — ولكنه رأى — فيما يظهر، جريًا على السُّنَّة التي استُنَّتْ — أن أملاك الحكومة العامة يمكن استخدامها واستغلالها في منفعة الوزير، فينتفع في غير ما حاجة إلى تأجير … وعلى ذلك فقد انتقل معالي وزير الدفاع وأفراد أسرته إلى بناء المتحف الزراعي، واتخذ من دور منه مسكنًا خاصًّا له ولأسرته، وهو لا يزال يحتله حتى الآن.

أي يا مولاي إنه لَنَوْع مبتكَر من الاحتلال، هذا النوع المبتكَر من الاستغلال، الذي ينتفع به الوزير دون أن ينفع، ويستأجر دون أن يدفع!

وإذا صح التسامح أو التماس العذر لوزير المواصلات أو لرفعة النحاس باشا في بادئ الأمر حينما استخدما بواخر الحكومة لِسَكَنِهما الخاص قبل أن تَصْدُر من أقلام القضايا الفتوى الرسمية بعدم جواز تأجير أملاك الحكومة احترامًا لنص الدستور، فلسنا نفهم كيف جاز للنحاس باشا في الصيف الماضي أو لعبد الفتاح باشا الطويل بعد صدور الفتوى أن يظل هو أو رئيسه أو أنسباء الرئيس من آل الوكيل ساكنِين في البواخر الحكومية، منتفعين غير نافعين، ولو أن النفع والانتفاع محظوران، سواء من طريق التأجير أو الشراء طبقًا لنص الدستور الذي جاءت «الفتوى» مؤيدة له من غير ما تحفُّظٍ.

أما حمدي سيف النصر باشا فمسألته أخطر لأنها أظهر … فقد كان يسكن منزلًا خاصًّا مستأجَرًا، فانتقل عامدًا إلى منزل مِنْ مَنَازِل الحكومة لكي لا يدفع أجرًا، ولم يكن لديه حتى العذر التافه وهو عدم وجود مساكن للإيجار؛ وذلك لأنه كان يسكن فعلًا منزلًا بالإيجار.

وما كانت الحكومة على أي حال مكلَّفة بإيواء الوزير، بل وما كان للوزير أن يستحل لنفسه ما لا يستحله العامل الفقير.

ولكن استغلال الحكم هو مع الأسف الاتجاه السائد، في هذا العهد السائد، ولا نقول البائد!

(٢-٤) المداليات الذهبية

ومن قبيل هذه العقلية المتعطشة إلى المنفعة واستعجال الغنيمة ما حدث أيضًا في مسألة المداليات الذهبية ممَّا أتشرف بسَرْدِه فيما يلي بكل إيجاز.

فقد لوحظ من سنوات عديدة أن تعاقُب الوزارات وتعدُّد وزراء المواصلات تبعًا لذلك من شأنه أن يزيد الأعباء المالية التي تتحملها الدولة عامًا بعد عام من جراء مَنْح المدالية الذهبية لكل من يتولَّى وزارة المواصلات، ولو لم يظل فيها يومًا أو بعض يوم!

ومن الامتيازات التي يتمتع بها حامل هذه «المدالية» كما تعلمون يا مولاي ما يلي:
  • (١)

    ديوان لحامل «المدالية» يسافر فيه على جميع خطوط السكك الحديدية مدى حياته.

  • (٢)

    اشتراك مجاني في الدرجة الأولى تسافر به زوجته على جميع الخطوط طول حياتها.

  • (٣)

    اشتراكان مجانيان في الدرجة الثانية يسافر بهما «تابعان» أحدهما لحامل «المدالية» والآخر لحرمه، ويسريان على جميع الخطوط.

  • (٤)

    تليفون مجاني.

ونظرًا لما تنطوي عليه هذه الامتيازات كلها من تكاليف يزداد عِبْئها على عاتِق الدولة عامًا بعد عام، رؤي منذ سنوات أن يُقَيَّد مَنْحُها بعض التقييد، فلا تُمْنَح إلا لمن يتولى وزارة المواصلات عامًا كاملًا على الأقل، وقد جَرَتْ على هذا مختلف الوزارات منذ عدة أعوام.

ولكن وزير المواصلات لم يَكَد يَرْقى منصبه الحالي حتى جاءني قبل خروجي من الوزارة يعرض علي اقتراحًا بأن تُمْنَح «المدالية الذهبية» لكلِّ من يلي وزارة المواصلات ولو يومًا واحدًا من الزمان! فاعترضْتُ على هذا الاقتراح الذي لا يُبَرِّره ولا يُفَسِّره إلا رغبة المنفعة الشخصية وكسب الامتيازات في وقت لا يحتمل تفكيرًا في منافع الأشخاص!

وطوى الوزير اقتراحه، ولكن إلى حين!

ولم أكد أخرج من الوزارة حتى كان الاقتراح المردود قد عاد إلى عالم الوجود، وانتزع وزير المواصلات لنفسه المدالية الذهبية المنشودة، بقرار من مجلس الوزراء.

ولو وقف الأمر عند هذا الحد لكان فيه من بواعث الأسف والعجب ما يكفي … ولكن للقصة — كبقية القصص الوزارية — ذيلًا أعجب من كل العجائب!

ذلك أن يد الوزير التي انْتَزَعَتْ له «مدالية ذهبية» قد نزعت معها «مداليتين» أخريين، طارت إحداهما بقدرة قادر إلى صاحب المعالي عثمان محرم باشا وزير الأشغال، وطاشت الأخرى فوقعت بين يدي علي زكي العرابي باشا رئيس مجلس الشيوخ!

أما وزير الأشغال، فقد تَعَلَّلُوا لِمَنْحه هذه الجائرة الذهبية بعضويته في مجلس إدارة السكة الحديد، وإن لم يبلغ في المواصلات شأْوَ الوزير.

وأما رئيس الشيوخ، فقد أُغْدِقَت عليه «المدالية» وأظنه يَتَرَفَّع عن أن يطلبها لنفسه؛ لأنه كان قبل الوزير الحالي وزيرًا للمواصلات، ولا بأس من الكرم إذا لم يكن على حساب الكريم، ولا بأس من انتفاع الوزير الجديد على حساب القديم!

وهكذا، يا مولاي، تمتد الأيدي في غير تورُّع ولا حساب إلى ما حَرَّمَهُ القانون والآداب العامة من الأملاك والمنافع العامة، لكي يستمتع رئيس الوزراء وزملاؤه بكل غنيمة ينشدونها من مال الدولة المباح وغير المباح!

عثمان محرم باشا وأقاربه

يا صاحب الجلالة

لم يكن معقولًا أن يذهب رئيس الوزراء في استغلال أموال الدولة ومنافعها إلى الحد الذي تشرفتُ ببيانه فيما سَبَقَ، ثم لا يتبارى وزراؤه الطائعون الطامعون في انتزاع ما يستطيعون من منافع الدولة ومغانمها، إن لم يكن لأنفسهم فلأقاربهم، وإن لم يكن لأقاربهم فللأعزاء من الأصدقاء والمقرَّبين!

ولا عَجَبَ أن يكون صاحب المعالي عثمان محرم باشا من أوفر وزراء هذا العهد حظًّا، وأعلاهم قدحًا في هذا المجال، فله من طول الباع والذراع في شئون الري والأراضي الزراعية ما يَضْمَن له ولأقاربه أدسم الصفقات!

وفيما يلي بعض ما وَصَلَ إلى علمي وتَحَقَّقْتُه مِنْ أَمْر هذه الصفقات والمشروعات:

(أ) صفقة محمد عرفان بك

وأولى هذه الصفقات تلك التي ظفر بها نجل شقيقته محمد عرفان بك، ولهذه الصفقة قصة لم تتم فصولها إلا بعد مغادرتي منصب الوزارة ببضعة شهور.

ذلك أن قسم قضايا الحكومة كان قد أَقَرَّ صلحًا مع محمد عرفان بك، على إثر صدور حكم ابتدائي لمصلحته في قضية تعويضٍ رَفَعَها على الحكومة لفصله من خدمته قبل بلوغه سن الإحالة إلى المعاش، وبهذا الصلح أُضِيفَ إلى معاشه مبلغ، تَجَمَّد له بمقتضاه بضعة آلاف من الجنيهات، فقدم طلبًا لاستبدال قطعة من أراضي الحكومة في مُقَابِل هذا المبلغ المتجمد.

والاستبدال في ذاته طلب قانوني لا غبار عليه ولا مطعن فيه، ولكن له شروطه وقيوده وإجراءاته التي يخضع لها طُلَّاب الاستبدال بلا تفريق ولا استثناء، وإلا ضاعت الحكمة منه والمصلحة فيه.

فماذا كان من أمر هذا الطلب؟

جاءني ثلاثة من الوزراء: أحدهم وزير الأشغال وهو خال محمد عرفان بك، والثاني وزير المعارف نجيب الهلالي باشا وهو محامي محمد عرفان بك في قضية التعويض، والثالث وزير العدل صبري أبو علم باشا وهو مزامِل ومجامل للوزيرين المحترمين، جاءني ثلاثتهم يطلبون أن يجاب طلب محمد عرفان بك في أن تكون الأرض المستبدلة قطعة مُعَيَّنة حدَّدها حضرته تحديدًا صريحًا، وهي أطيان مساحتها ١٤س ١٧ط ٢٧٧ فدانًا بتفتيش كفر سعد، في منطقة توزيع السوالم لصغار المزارعين.

وكانت هذه الأطيان في الأصل مكوَّنة من ثلاث قطع:

س ط فدن
(أ) ١٠٧ تقدم لاستبدالها محمد توفيق عبد النبي باشا
(ب) ٦ ١٠٧ تقدم لاستبدالها علي شوقي باشا
(ﺟ) ١٤ ١٧ ٦٣ تقدم لاستبدالها محمد رفعت أفندي

وقد رُفِضَتِ الطلبات التي قدمها حضرات طُلَّاب الاستبدال الثلاثة لأسبابٍ رأتها وزارة المالية وقتئذٍ.

ولكن محمد عرفان بك أراد هذه القطع الثلاث باعتبارها صفقةً واحدة.

وجاءني السادة الوزراء الثلاثة يرجون أن أوافق على إعطائها للسيد المحظوظ!

فكان جوابي الطبيعي هو الرفض؛ لأن للاستبدال شروطه وقواعده، ومن هذه القواعد أن تؤخذ الطلبات بترتيبها طِبقًا لأقدمية تقديمها للوزارة، ثم يكون الاستبدال محصورًا في الأراضي التي ترى الحكومة استبدالها بعد اتخاذ الإجراءات اللازمة، وليس لطالب الاستبدال أن يُملي على الوزارة رَغْبَتَه في قطعة أرض بذاتها.

على أن هذا الرفض المسبَّب لم يَرْدَع حضرات الوزاراء الثلاثة، فعاودوا الكرَّة في إلحاف، وفي إلحاح، حتى اضْطُرِرْتُ لاستدعاء الموظفين المختصين وبحْث المسألة أمامهم، في ديوان الوزارة، فكان رأيهم إجماعيًّا على مخالَفة الطلب المعروض لقواعد الاستبدال وإجراءاته مخالَفة صريحة.

ولكن هذا أيضًا لم يُثْنِ حضرات الوزراء أنفسهم عن معاودة الإلحاح حتى قبل خروجي من الوزارة ببضعة أيام! وفي هذه المرة أَلَحَّ نجيب الهلالي باشا في الرجاء «علشان خاطري» وخاطر «عثمان» — على حد تعبيره إذ ذاك — فلَمَّا لَمْ يجدوا مني سوى الإصرار المُطْلَق على احترام القواعد واللوائح، خرجوا على غير نتيجة، وعلى غير سلام، ولكن إلى حين!

أجل، إلى حين يَخْرُج مكرم من وزارة المالية، فيَصْفُو أمامهم جَوُّ الصفقات الطيبات!

وهذا هو الذي كان، فلم يكد ينقضي على خروجي من الوزارة شهران حتى أَقَرَّ مجلس الوزراء صفقة الاستبدال، واستولى محمد بك عرفان على قطعة الأرض كلها بواقع ثلاثين جنيهًا للفدان الواحد، دون أن تُتَّخَذ الإجراءات اللازمة والمصطلح عليها لضمان وصول الحكومة في استبدالها إلى أحسن سِعْرٍ ممكن!

والواقع أن الفدان كان حينئذٍ يساوي مَبْلَغًا يتراوح بين ٧٠ جنيهًا و٨٠ جنيهًا على أقل تقدير، ولو أنها طُرِحَت اليوم في المزاد لوصل سعر الفدان إلى مائة جنيه أو يزيد!

وهكذا استطاع محمد عرفان بك، بفضل نفوذ خاله وزير الأشغال، ومحاميه وزير المعارف، أن يتخطى أعناق غيره من طلاب الاستبدال، بل استطاع أن يدوس اللوائح والقواعد والإجراءات لكي ينزع من أموال الدولة ما يروق في عينه، ولو كره العدل والإنصاف، وخولفت أبسط قواعد الحكم النزيه السليم.

وكأنما يأبى عثمان محرم باشا أن يَقِفَ في جرأته عند هذا المدى الذي انزلق إليه بمعونة زملائه وزراء المعارف والمالية والعدل، فما هو إن أُعْطِيَت الصفقة المنشودة لابن شقيقته عرفان بك، حتى جاء دور عثمان باشا محرم بوصفه وزيرًا للأشغال، وبهذا الوصف أَمَرَ معاليه بأن تُروى هذه الأطيان من ترعة غير الترعة المخصصة لها ولغيرها من أطيان مصلحة الأملاك، وهي ترعة الساحل، فأصبحت بعد ذلك تروى من ترعة أخرى هي ترعة البلمون، ولتحقيق هذه الغاية أنشئ «بربخ» خاص تحت السكة الحديدية لإيصال مياه هذه الترعة إلى أطيان عرفان بك، وهي كما قلت لا تدخل في زمام الأطيان التي تُروى من ترعة البلمون هذه، بل تَفْصِلها عن هذا الزمام سكة حديدية، ومن أجل ذلك قامت الوزارة بإنشاء «مزلقان» خاص، بَلَغَتْ نفقاته مُضَافة إلى نفقات «البربخ» المشار إليه زهاء الألفين من الجنيهات!

وعلى هذا النحو الجريء تمت صفقة عرفان بك — وهي صفقة نادرة في جرأتها وحصيلتها معًا — وتمت على أثرها حركة وزارة الأشغال لإنشاء «البربخ والمزلقان» من أموال الدولة الموكولة إلى ذمة هؤلاء الوزراء!

(ب) صفقة عبد اللطيف محرم بك

وبمثل هذه الجرأة في استغلال النفوذ الوزاري، وبَعْثَرة أموال الدولة لصالح الوزير أو أقاربه، أصدر عثمان محرم باشا أَمْرَه بحفر أربع مساقٍ في أرضِ أَحَدِ المُلَّاك، وهي أرض أولاد عبد الله نجيب بك، على أن تقام المساقي على نفقة الحكومة لريِّ ثلاثمائة فدان من الأرض البور، اشتراها عبد اللطيف محرم بك، ابن أخي وزير الأشغال، من مصلحة الأملاك الأميرية، بناحية سنتواي في مديرية البحيرة!

وبهذا العمل انتهك عثمان محرم باشا نصوصًا صريحة للمادة ٩ من لائحة الترع والجسور، وهي تقضي:
  • أولًا: بأن تكون الأراضي المطلوب ريها من الأراضي المنزرعة، بينما أرض ابن شقيق وزير الأشغال من الأراضي البور!
  • ثانيًا: أن تُسَاعَد الحكومة على تيسير الطريق لري هذه الأطيان، على أن يَدْفَع صاحبها جميعَ المصاريف بما فيها ثمن الأرض التي تَمُرُّ بها المساقي، وتكاليف الإنشاء، وفي هذه الحالة قامت وزارة الأشغال بإنشاء المساقي الأربع على حساب الدولة!

ومن التخبط المحزن أن عثمان باشا محرم، أراد أن يلتمس تغطية لهذا التصرف الجريء، فأذاع منشورًا باتباع الطريقة نفسها في إنشاء المساقي، إذا لم يَتَّفِق أصحاب الأراضي مع ملاك الأطيان على تمرير المساقي بأرضهم.

وبهذا أضاف الوزير إلى تصرُّفه مخالَفةً صريحة للأمر الملكي الصادر بلائحة الترع والجسور!

ولكن، ماذا تساوي اللوائح والقوانين، وماذا تساوي أموال الدولة التي تُجْبَى من عرق الفلاحين، أمام حاجة نجل شقيق الوزير إلى مساقي الري اللازمة لإصلاح أراضيه البور؟!

(ﺟ) مشروع لأطيان إبراهيم يونس باشا

وأمعن ممَّا سبق في الجرأة في الاستغلال واستنزاف أموال الدولة في سبيل النفع الشخصي لأقارب وزير الأشغال، ما فَعَلَهُ الوزير لمصلحة أطيان نسيبه إبراهيم يونس باشا، على ترعة الساحل المتفرعة من بحر شبين.

فقد أنشئ في سنة ١٩٣٤ مشروعٌ يقضي بتوسيع بحر شبين وإنشاء وصلة منه إلى الجزء الأخير من ترعة الساحل، ولهذا المشروع فائدتان: الأولى ري أراضي الحكومة والأهالي المراد التوسع في زراعتها، والثانية تحسين مياه بحر تيرة الذي تقع عليه بعض أراضي الخاصة الملكية والكثيرين من الزارعين، وفي سنة ١٩٣٤ نفذ هذا المشروع بالفعل وكلف الحكومة نحوًا من سبعين ألف جنيه.

وجاء عثمان محرم باشا في هذا العام، فأمر بالعدول عن المشروع كله أو جله، ورَدَمَ الوصلة، وكسر القناطر والكباري التي تَقَعُ عليها بالألغام!

وبهذا القرار، أي بجرة قلم واحدة، اختفت الحكمة الأساسية من إنشاء المشروع الذي كَلَّفَ الدولة ٧٠ ألفًا من الجنيهات!

وبجرة قلم أخرى أخذ من مال الدولة حوالي خمسين ألفًا أخرى من الجنيهات!

لماذا؟

للسبب الذي من أجله ضاعت السبعون ألفًا من الجنيهات كلها أو جلها، وهو إعداد مشروع آخر لفائدة أطيان إبراهيم باشا يونس التي تقع على ترعة الساحل، قبل وصلة المناخلة بقليل!

وقد وُضِعَ المشروع الجديد بالفعل، على أن يبدأ العمل في تنفيذه من شهر يناير سنة ١٩٤٣.

(د) مصرف لأطيان زكي عبد الرازق باشا

ولا تكاد تصرفات عثمان محرم باشا في إعداد المصارف والمساقي والمشروعات لفائدة الأطيان التي يملكها أقاربه وأصدقاؤه الأقربون تَقِفُ عند حَدٍّ من الحدود أو تَنْثَنِي أمام اعتبار من الاعتبارات؛ ففي كل وادٍ أَثَرٌ مُحَرَّم من عثمان باشا محرم، ونفحاته الأقارب والأصدقاء لا تقتصر على الوجه البحري، بل تمتد إلى الوجه القبلي كذلك، ولولا أني وقفت على هذه البيانات أخيرًا من مصادر لا يتطرق إليها الشك لترددت في الأخذ بها الآن، كما أَبَيْتُ من قبل تصديق ما نُسِبَ إليه من غير برهان.

ومن هذا القبيل ما يتحدث به أهل المنيا من أَمْر المصرف الذي يمر بقسم كبير من أطيان آل عبد الرازق وغيرهم من أعيان المديرية، ولكنه لا ينال بالخير والفائدة سوى أطيان سعادة زكي باشا عبد الرازق، صديق وزير الأشغال القديمِ، الحميمُ، وهو مشروع كلَّفَ خزانة الدولة زهاء ٢٨ ألف جنيه!

(ﻫ) ومشروع سيف النصر

ويتحدث أهل الفيوم، كإخوانهم أهل المنيا، عن مشروع آخر من مشروعات الري «المُحَرَّمية» أنشئ لمصلحة أطيان حمدي سيف النصر باشا وزير الدفاع.

(و) وزير العدل

ويظهر أن الحكومة رأت من العدل أن لا تبخس وزير العدل نصيبه في هذه المشروعات النافعة البارعة، فاخْتَصَّتْهُ هو أيضًا بمشروع كهربائي يوصل النور إلى منزل أُتِمَّ بناؤه في عزبة اشتراها بالقرب من القاهرة، ويُشْرِف موظفو وزارة الأشغال على هذه العملية لمصلحة وزير العدل، توزيعًا للعدل بين الوزراء!

(ز) ابدأ بنفسك

وأخيرًا — بل أولًا — تطبيقًا للحكمة المعروفة «ابدأ بنفسك ثم بغيرك»؛ فإن عثمان باشا محرم رأى أن مصلحة الدولة تقتضي الوصل بين عزبتي معاليه في مركزَيْ شربين ودكرنس بكوبري هائل يُقَامُ على النيل في تلك النواحي، على أن تتحمل الدولة نفقات هذا الكوبري، ولا عجب، فمعاليه من رجال الدولة، ويجاوِرُهُ في الزراعة فلاحون هم من أبناء الشعب، وهل هناك مَنْ يجمع بين مصالح الوزراء وأبناء الشعب غير وزارة الشعب؟

على هذا الأساس تقرَّر استخدام كوبري بنها القديم لتحقيق هذا الغرض الوطني الصميم! وشُرِعَ فعلًا في إقامته للوصل بين ضفتي النيل السعيد — أو على وجه التخصيص والتحديد — بين عزبتي معالي الوزير في الناحيتين، وقد كانت المسافة بينهما طويلة متعرجة، فأصبحت قصيرة مستقيمة، ولقد قَدَّرَتْ وزارة الأشغال لهذه العملية الحيوية حوالي ثلاثين ألفًا من الجنيهات، وإن كانت وزارة المواصلات قد قَدَّرَتْ لها قبل ذلك حوالي ستة وتسعين ألفًا من الجنيهات!

ومن عَجَبٍ أنَّ كل هذه المشروعات النافعة البارعة، لم يظهر لها أَثَرٌ أثناء وجودي في الوزارة، فما إن خَرَجْت من الوزارة حتى خَرَجَتْ هي إلى عالَم الوجود، ولَقِيَتْ من مجلس الوزراء ووزارة المالية الجود كل الجود!

(٣) الفرع الثالث: التستر على التهم المنسوبة لبعض الأنسباء

يا صاحب الجلالة

لعلَّه ليس أدل على خطورة العقلية المسيطرة على النحاس باشا ومَنْ معه، والتي تسيطر — ويا للأسف — على شئون الحكم في البلاد، من هذه الأمثلة التي أتقدم بها إلى جلالتكم مصحوبة بالأدلة الرسمية، ومها تَتَبَيَّنُون مبلغ الخطر الذي يُهَدِّد عدالة الحكم بين أفراد شعبكم الأمين على أيدي الحكومة الحالية، التي اجترأت على مد يد المحسوبية حتى إلى حرم القانون، رغْم أن رئيسها كان قاضيًا ومحاميًا وأن الكثيرين من أعضائها من رجال القانون.

فلقد حاول النحاس باشا — ومعه وزير عدله — هذه المحاوَلة الجريئة مرةً قبل خروجي من الوزارة فوَقَفْتُ في وجهيهما، حتى خرَجْتُ من الوزارة فنفَّذا ما حاولاه، وها هي ذي المحاولة عينها تتكرر في حادثة ثانية بعد خروجي من الوزارة، أمكنني الوقوف على بيِّنَاتها ومستنداتها، وفي ثالثة عَلِمْتُ بها أخيرًا.

(٣-١) قبل خروجي من الوزارة

فضيحة الغَزْل الأولى

أَشَرْتُ يا مولاي في القسم الأول من هذه العريضة إشارة عابرة إلى جنحة الغَزْل التي اتُّهِمَ بها بعض أنسباء النحاس باشا، وكان لها أثر حاسم في تفاقُم الخلاف بين النحاس باشا وبيني، حتى إنها أَدَّتْ فيما أَدَّتْ إلى تعيين وزيرٍ جديد للتموين، وإلى حفظ القضية بعد خروجي من الوزارة، وذلك رغم رأي الرجال الفنيين بوزارة التموين وحضرة المستشار الملكي نفسه بوجوب إحالة القضية على النيابة العسكرية.

وللقضية تفصيلاتها، ومستنداتها القاطعة.

فقد حَدَثَ إثر تأليف الوزارة أن جاءني حضرة صبحي أفندي الشوربجي ومعه نسيبه الأستاذ أحمد الوكيل — أو هذا ومعه ذاك — وطَلَبَ إليَّ حضرتُه أن أُلْحِقَه بمكتب الغَزْل بصفته صاحب معمل للغزل والنسيج أسوة ببنك مصر، فلم أَرَ بأسًا من إجابة هذا الطلب، على أن يُعَيَّن هو وغيره من أصحاب المعامل للاستعانة بخبرتهم الفنية وللتسوية بينهم في المعاملة، ولكن الموظفين المختصين لَفَتُوا نظري إلى أن بعض أصحاب هذه المعامل — وبينهم الشوربجي أفندي — مُتَّهَمُون في جنحة تهريب غزل أمام المحكمة العسكرية، وأنه لا يصح بطبيعة الحال — قبل الفصل في القضية — الاستعانة بهم كأعضاء استشاريين للهيمنة على شئون الغَزْل ومنْع التهريب، في حين أنهم متهَمون بالتهريب!

أنا الحاكم العسكري

في ذلك الحين كان النحاس باشا شغوفًا بمعرفة ما تم في مطالِب حضرات الأنسباء بصدد تصدير الزيت والجلود، وكلما عاوَدَهُ أو عاوَدَهُم الشغف عاوَدَهُ الإلحاح عليَّ، فحدثني ذات مرة بالتليفون وكنت في مكتبي بوزارة المالية، وسألني عمَّا إذا كُنْتُ قد قررت مَنْح أنسبائه الرخص المطلوبة، فقُلْتُ له: إني لم أستكمل البحث بعدُ، فقال — في لهجة الغاضب العاتب: أفلا زيت ولا جلود وحتى لا تعيين في مكتب الغَزْل؟ فأجَبْتُه أن لتأخير التعيين سببًا سأدلي به إليه شخصيًّا، وتوجهْتُ فعلًا لمجلس الوزراء وأخبرْتُه بما عَلِمْتُه عن الجنحة العسكرية المرفوعة ضد أنسبائه ووجوب الانتظار حتى تفصل فيها المحكمة العسكرية.

ولكأني ألقيت قنبلة كان لها قعقعةُ فقرقعة … فما كِدْتُ أشير إلى المحكمة العسكرية حتى أخذَتْهُ صيحة من الغضب، وكان منظرًا من المناظر التي ترى، ولا تروى.

فقد صاح في وَجْه حضرة السكرتير العام لمجلس الوزراء وأَمَرَهُ بسحب القضية من المحكمة العسكرية … فاعترضْتُ في رِفْق على مثل هذا الإجراء الشاذ، فقال: أنا الحاكم العسكري، وهذا من سلطتي، فقلت: لا، بل أنت قاضٍ قبل أن تكون حاكمًا عسكريًّا، فلنترك الأمر للقضاء وليستَعِن المتهَمون بأحسن المحامين … فصاح مكررًا: أنا الحاكم العسكري، ولن أَسْمَحَ بنظر القضية أمام المحكمة، ثم أَمَرَ السكرتير العام بسحبها، وقال في تعليل ذلك إنه عَلِمَ من أنسبائه أن الوزارة السابقة التي أَمَرَتْ برفعها قَصَدَتْ إلى النكاية بهم، فقلت له: إن القضية مرفوعة عليهم وعلى غيرهم من أصحاب معامل الغَزْل، فلا نكاية إذن ولا غَرَضَ، وإن الأمر على أي حال متروك للقضاء، فهو وحده الذي يفصل فيما إذا كانت التهمة صحيحة أو مُلَفَّقَة، أو باطلة.

ولكن رَفَضَ وأَصَرَّ على الرفض في لهجة تعذَّرَ معها كل نقاش، مستندًا إلى سلطته العسكرية، ثم عاد فأمر السكرتير بسحبها، وأخيرًا نفد صبري وقلت له: إني لا أوافق على هذا السحب بحال من الأحوال؛ لأني أنا الوزير المختص، ولا أرتضي لنفسي كما لا أرتضي له هذا الإجراء الشاذ.

وهذا وزير العدل

وفي خلال الضجة دَخَلَ علينا وزيرا العدل والمعارف، وتساءلا عن الخبر، فروَيْتُ لهما واقعةَ الحال ووجهة نظري فيها، فأجاب وزير العدل إجابةً ما أسرع ما سُرِرْتُ — وما أسرع ما ثُرْتُ — لها؛ إذ قال له: إن مكرمًا معه الحق يا باشا … لا يُسْتَحْسَن سحب القضية العسكرية من المحكمة. ثم سألني إلى أي دَوْر وَصَلَت للقضية، وهل حقَّقَتْها النيابة وانتهت منها، فقلت له: إني لا أعرف من الأمر أكثر مما أَبْلَغَنِيه الموظف المختصُّ مِنْ أن القضية أُحِيلَتْ إلى المحكمة العسكرية، فقال: إذن سأتصل بوكيل النيابة العسكرية وأطلب منه حِفْظَها!

عندئذ ثُرْتُ يا مولاي، وأعترف — بل يسرني أن أعترف — بهذه الثورة، فقلتُ: ما هذا؟ رئيس الوزراء يطلب سحب القضية من أمام القضاء، ووزير العدل يتدخل في سلطة القضاء فيأمر وكيل النيابة — وهو قاضي تحقيق — باتخاذ قرار معيَّن لمصلحة شخص معيَّن، وهل تريدون مني أن أُحَمِّل ضميري كل هذا الوزر؟ فواللهِ ما دُمْتُ وزيرًا للتموين لن يكون هذا. وخرَجْتُ غاضبًا من الغرفة، وذَهَبْتُ إلى مكتبي بوزارة المالية وطَلَبْتُ على الفور استحضار دوسيه القضية للاطلاع عليه، فتبينْتُ أن هناك تقريرًا من مفتش التموين يُثْبِت فيه التهمة على المتهمين، وأن الأمر بإحالة القضية إلى المحكمة العسكرية إنما صدر شفويًّا من الوزير السابق ولم يُنَفَّذْ لسقوط الوزارة قبل تنفيذ الإحالة، فبادرت بإخبار النحاس باشا بذلك تليفونيًّا، وقلتُ ملاطفًا: إن الله أراد للوزارة خيرًا فأنقذها من وِزْرِ سحب القضية أو التدخل في قرار النيابة؛ لأن القضية لم تُقَدَّم حتى الآن للنيابة العسكرية، فقال: إذن فاحفظها. فقلت: كيف يكون ذلك وأمامي تقرير من المفتش الفني يثبت التهمة على المتهمين ويتطلب تقديم القضية للنيابة؟ فهل يرضيك أن أكون أقلَّ أمانة لعملي من الوزير السابق؟! ووَعَدْتُه أني سأصدر أمرًا بتحقيق التهم من جديد، ويكون التحقيق تحت إشرافي مباشَرة، وأني سأنظر إلى الأمر نظرة القاضي لا كممثل للاتهام، وفعلًا أَصْدَرْتُ الأمر بإعادة التحقيق في قضية أنسباء النحاس باشا وقضايا أصحاب المعامل الأخرى المتهَمين بنفس التهمة، ولكن هذا الأمر لم يُرْضِ النحاس باشا وأهله، وكان محلَّ مناورات ومداورات أشرت إليها في مستهلِّ هذه العريضة وانتهت إلى تفاقم الأزمة كما أَسْلَفْتُ.

تقارير الفنيين

وكان من حسن الحظ أن القائم بشئون وكالة التموين هو حضرة صاحب العزة محمد بك توفيق إبراهيم المستشار بمحكمة الاستئناف الأهلية، فرجوته أن يدرس الملفات بما أعرفه عنه من دقة البحث ونزاهة التقدير، وبعد أيام عرض عليَّ حضْرَتُه نتيجةَ بَحْثه في قضية معمل الشوربجي، وقال: إن التقارير الفنية في القضية تشير إلى مسئولية أصحاب المعمل، ولكنه يرى زيادةً في التدقيق أن تُحَالَ أوراق هذه القضية — كما أشار من قبل بإحالة أوراق قضية أخرى مماثلة — إلى حضرة محمود بك زكي مراقِب مصلحة التشريع التجاري والملكية الصناعية؛ ليعيد التحقيق فيها من بعض نواحيها الفنية الهامة، وقد أحيلت الأوراق فعلًا على حَضْرَته فقَدَّمَ لي تقريرَيْن عن قضية مصنع الشوربجي بتاريخ ٤ و١٢ مايو سنة ١٩٤٢، وتقريرًا في قضية مصنع سباهي بما ارْتُكِبَ من مخالَفات تقتضي تحقيقها من النيابة.

وحسبي أن أقتطف بعض فقرات من هذه التقارير الرسمية، وقد أَرْفَقْتُ صورًا حرفيَّةً منها في هذه العريضة:

ففي التقرير المقدَّم من حضرة محمود بك زكي مراقِب مصلحة التشريع التجاري بتاريخ ٤ مايو سنة ١٩٤٢ بصدد مصنع سباهي بالإسكندرية، يقول حضرته ما يأتي:

لذلك ما زلنا نرى — لإمكان القيام بتحقيقٍ أوفى بواسطة السلطة القضائية المختصة — أنَّهُ من الأوفق إحالة الموضوع للنيابة العسكرية المختصة.

وكذلك قَدَّمَ تقريرًا بهذا المعنى وفي نفس التاريخ عن المخالفات المنسوبة لمعمل «نزهة» للغزل الخاص بالشوربجي أفندي وشركائه.

ولكني لم أكتفِ بهذه التقارير، وحرصْتُ على أن أحقق دفاع المتهمين من شتَّى نواحيه، كما يبدو ذلك جليًّا من التقرير اللاحق المؤرخ ١٢ مايو الذي قَدَّمَه إلينا حضرة مراقب التشريع التجاري، وقد جاء فيه ما يأتي:

وقد أبديتم معاليكم أنه قبل إبداء أي رأي في الموضوع يجب التحقيق من وجود كمية الغَزْل البالغ مقدارها ١٤٥٢٠ رزمة التي تقول الشركة إن لها الحق في اختزانها باعتبار أنها تمثل استهلاك مصنعَي النسيج في مدى أربعة أشهر.

وفعلًا انْتُدِبَ حضرة شريف أفندي حسن مدير إدارة التخزين للقيام بهذه المأمورية، وقدَّم تقريره إلى حضرة مراقب التشريع، وهذا الأخير رَفَعَ تقريره إليَّ — وهو تقرير ١٢ مايو الذي سَبَقَت الإشارة إليه — وقد أيَّد فيه رأيه الذي أبداه بتاريخ ٤ مايو، مشيرًا إلى مسئولية أصحاب المصنع، وقال في ختام تقريره ما يأتي حرفيًّا:

… وهذه الكميات (١٣٩١٩ رزمة لغاية ١١ مايو سنة ١٩٤٢) عَجَزَت الشركة عن إثبات وجودها في مخازنها، مما يحتمل معه أن تكون قد تَصَرَّفَتْ فيها بما يخالف الأمر العسكري رقم ٧٦ والقرار الوزاري رقم ١٤٨ لسنة ١٩٤١ كما سبق البيان.

وبهذا ثبتت المسئولية على أصحاب مصانع الغَزْل، ووَجَبَ إحالتهم على النيابة العسكرية للتحقيق معهم كما أشار بذلك الموظف الفني المختص، وهو حضرة مراقب التشريع التجاري، بناء على بحثه الخاص وتقارير مفتشي التموين.

ومما هو جدير بالملاحظة أن هذه التقارير التي قُدِّمَتْ في مدة قيامي بأعمال وزارة التموين، جاءت مؤيِّدة للتقارير التي قَدَّمَها مفتشو التموين المختصون في عهد سلفي حضرة الأستاذ محمد حامد جودة وزير التموين الأسبق.

وأخيرًا فقد تضمَّن تقريرٌ آخَر — رَفَعَه إليَّ المفتش المختص تحت عنوان «تقرير عن حالة الإنتاج في مصنع النزهة بالإسكندرية» — إشارةً خطيرة إلى التلاعب في أجور العمال ونصها كما يأتي:

كانت البيانات التي تُقَدَّمُ إلينا عن أجور العمال في قسمَي البرم الأوليِّ والشلل خاطئةً قُصِدَ بها التضليل وعدم الوصول إلى الحقيقة … وليس أَدَل على ذلك من أنه قَدَّمَ لنا بيانًا بأجور العمال في قسم الشلل يندهش لارتفاع فئاتها جميعُ أصحاب المصانع الأخرى … أي إن فئات الأجور في مصنع النزهة هي ضعف ما هي عليه في مصنع سباهي، وهذا غير معقول ولم نقبله بتاتًا، وأَنْكَرَهُ العمال واعترفوا بالأجور الحقيقية، وهي نصف تعريفة الأجور المذكورة بعاليه.

«ومرفق بهذه العريضة صورة من التقرير.»

رأي المستشار الملكي

لم يَبْقَ لديَّ شك في مسئولية أصحاب المصانع بعد الاطلاع على التقارير المقدَّمة في عهد سلفي وفي عهدي، ولكني احتفاظًا بوعدي وحرصًا على مصلحة الدفاع رأيت أن أُحِيلَ الأوراق على حضرة المستشار الملكي لوزارة المالية لاستطلاع رأيه فيما رأيته ورآه الموظفون المختصون معي من وجوب إحالة أصحاب مصنعَي الشوربجي وسباهي على النيابة العسكرية؛ ومن ثَمَّ أُثْبِتُ في ذيل تقرير حضرة مراقِب مصلحة التشريع التجاري رأيي في هذه المخالفات وفي وجوب الاستئناس برأي حضرة المستشار الملكي، بالصيغة التالية:

بعد الاطلاع على تقارير مكتب الغَزْل والمفتش المنتدب وحضرة مراقِب مصلحة التشريع التجاري والملكية الصناعية التي يؤخذ منها وقوع مخالفة صريحة، وبعد الاطلاع على دفاع أصحاب المصنع أنفسهم الذين أُفْسِحَ لهم مجال الدفاع إلى أقصى حدوده، أرى أن هناك مخالَفة للأمر العسكري تستدعي تبليغ النيابة العسكرية لتحقيقها واتخاذ قرار بشأنها، غير أني أرى زيادةً في الضمان للمنسوب إليهم المخالفة أن يؤخذ رأي حضرة المستشار الملكي ويُعْرض الأمر علينا.

إمضاء
مكرم عبيد
١٢ مايو سنة ١٩٤٢
وكانت هذه التأشيرة خاصة بمصنع الشوربجي، وأُثْبِتَ مثلُها فيما يختص بمصنع سباهي، في نفس التاريخ، وبالصيغة التالية:

أوافق وأرى زيادةً في الضمان للمنسوب لهم المخالفة أَخْذ رأي حضرة المستشار الملكي ويُعْرَض الأمر علينا.

وقد رَفَعَ إليَّ حضرة المستشار الملكي مذكرةً أثبتَ فيها رأيه صراحةً بوجوب إبلاغ النيابة العسكرية؛ لكي تتولى التحقيق في شأن المخالفات المنسوبة إلى مصنعَي الشوربجي وسباهي، ولما كانت هذه المذكرة محلَّ تحريفٍ وتشويه من رفعة رئيس الحكومة في بيانه الذي ألقاه في مجلس النواب، حتى إنه زَعَمَ — في جرأة مدهشة — أن المستشار الملكي لم يوافق على إحالة الأوراق إلى النيابة العسكرية؛ فإني أستأذن جلالتكم في إثبات نَصِّ مذكرة حضرة المستشار الملكي بحروفها:

مذكرة مرفوعة لمعالي الوزير في شأن المخالفات المنسوبة إلى مصنعي سباهي ونزهة

اطلعنا على التقرير المؤرخ ٤ مايو سنة ١٩٤٢ المرفوع من مراقب مصلحة التشريع التجاري الخاص بالمخالفات المنسوبة إلى مصنع «سباهي» للغزل، وعلى تقريره المؤرخ ١٢ مايو سنة ١٩٤٢ الخاص بالمخالفات المنسوبة للشركة المصرية «نزهة» للغزل والنسيج، وعلى التقارير والمذكرات السابقة التي وُضِعَتْ في هذا الموضوع، ونرى أن نوافق على ما اقترحه مراقب مصلحة التشريع التجاري من إبلاغ النيابة العسكرية كي تتولى التحقيق؛ إذ يتضح من مذكرة إدارة الغَزْل والمنسوجات والتحقيق الإداري الذي أُجْرِيَ في هذا الشأن أن أصحاب المصنع الأول لم يوردوا لمكتب بيع الغَزْل جميع ما أَنْتجَهُ في الستة أشهر الأخيرة من العام الماضي، فيكونوا بذلك قد خالفوا القرار الوزاري رقم ١٤٧ الخاص بالاستيلاء على جميع خيوط الغَزْل، والقرار رقم ١٤٨ الخاص بتنظيم التداول في خيوط الغَزْل القطنية، كذلك يتضح من الأوراق أن أصحاب المصنع الثاني قد ارتكبوا نَفْسَ المخالفات، ويمتاز المذكورون بادعائهم أن لهم الحق في اختزان ما يكفي حاجة مصانع النسيج التابعة لهم مدة أربعة شهور، وفقًا لأحكام المرسوم بقانون رقم ١٢٨ سنة ١٩٣٩ وقرار وزير التموين الصادر في ١٤ يونيو سنة ١٩٤١، وقد طولبوا بالإرشاد عن الكمية التي يَعْتَرِفُون بحيازتها فلم يقوموا بما طُلِبَ منهم.

ونرى أنه لا يجوز لهم قانونًا أن يختزنوا ما يكفي حاجة مصانعهم مدة أربعة شهور؛ إذ بديهي أنَّ نَصَّ القرار الوزاري الصادر في ١٤ يونيو سنة ١٩٤١ بسريان المرسوم بقانون رقم ١٢٨ سنة ١٩٣٩ على خيوط الغَزْل أَصْبَحَ معطَّلًا بالقرار رقم ١٤٧ الصادر في ٥ يوليو سنة ١٩٤١ بالاستيلاء على جميع خيوط الغَزْل القطنية بكافة أنواعها، سواء كانت مستوردة من الخارج أو من إنتاج المصانع المحلية، وإن هذه الخيوط توزَّع ببطاقات على أصحاب مصانع النسيج، تبعًا لحاجتهم الأسبوعية، وقد أَيَّدَتْ هذا بصراحةٍ لجنةُ الغَزْل المركزية المشكلة وفقًا للقرار رقم ١٤٨ سنة ١٩٤١؛ إذ قَرَّرَتْ بشأن مصانع الغَزْل الملحقة بمصانع النسيج أنها «تأخذ كل شركة من الشركات المنتجة لغزل القطن والموجود بها مصانع للنسيج ما تحتاج إليه لتشغيل مصانعها، دون أن يُصَرَّح لها بأن تختزن أيَّ غزل يكون فائضًا عن الحاجة الفعلية لمصانعها.»

ولا يصح الاحتجاج بالقرار الصادر من اللجنة بعد ذلك في ٢٨ / ١٠ / ١٩٤١ الذي سمح لهم بالاستيلاء على ٦٥٪ من إنتاج مصنع نزهة للغزل، «والباقي يُصْرَف لهم ببطاقات» إذ لا يُتَصَوَّر أن يكون مفهوم هذا القرار السماح لهم بالتخزين فضلًا عن أن هذا قرار لم يُصَدِّق عليه وزير التموين، فلا قيمة له قانونًا (م١٣ من القرار الوزاري رقم ١٤٨ سنة ١٩٤١).

على أنه حتى مع التسليم جدلًا بأنَّ لأصحاب المصنع حق تخزين الغَزْل الذي يكفي مصانِعَهم مدى أربعة شهور، فإنهم لم يستطيعوا الإرشاد عن الكمية التي اعترفوا بأنها في حيازتهم.

المستشار الملكي
إمضاء: محمد علي نمازي
١٨ مايو سنة ١٩٤٢

«وأرفق مع هذه العريضة صورة أصلية من هذه المذكرة الهامة.»

أكاذيب رسمية

يحزنني يا مولاي أن أشير إلى هذه الأكاذيب لصدورها من رجل مسئول عَرَفْتُ فيه صدق الرواية، ولولا أنها أكاذيب متعددة وصارخة لشككت أنا نفسي في صدورها منه أو عنه، ولست أجد للمسكين عذرًا إلا أنه كان يرى في نفسه متهَمًا وكان يدافع عن نفسه بعقلية المتهَم، فاضْطُرَّ إلى سَرْد هذه الأكاذيب واحدة بعد الأخرى في بيانه البرلماني، ظنًّا منه أنه في مأمن من التكذيب!

(أ) الأكذوبة الأولى

قال رِفْعته في بيانه البرلماني بجلسة ١٨ أغسطس سنة ١٩٤٢: إن المستشار الملكي لم يوافق على تبليغ النيابة العسكرية (كما ادَّعيت أنا)، وفيما يلي نصُّ ما قاله رفعة النحاس باشا حرفيًّا في بيانه بهذا الصدد:

ولكن سعادة وزير التموين السابق — أي مكرم باشا — أرسل في ٢٤ مايو سنة ١٩٤٢ إلى وزير التموين الجديد خطابًا يقول فيه: «قد رأيت أن أستأنس بالرأي القانوني، فأَحَلْتُ الأوراق على حضرة صاحب العزة المستشار الملكي لوزارة المالية فأدى رأْيَه بوجوب تبليغ النيابة»، وهنا نلاحظ أن المستشار الملكي لم يُبْدِ هذا الرأي ولم يَطْلُب تبليغ النيابة العسكرية، وقَصَرَ مذكِّرَته على مناقشة وجهة نظر الشركة على أساس الوقائع التي ذُكِرَتْ له.

وحسبي للرد على هذه الأكذوبة أن أنقل من جديد نَصَّ الرأي الذي أبداه حضرة المستشار الملكي وهو كما يأتي بحروفه:

ونرى أن نوافق على ما اقترحه مراقب مصلحة التشريع التجاري من إبلاغ النيابة العسكرية كي تتولى التحقيق.

يُرَاجَع نص المذكرة المتقدم ذِكْرُها.

هل هناك أوضح — وهل هناك أفضح — من هذا التكذيب الرسمي لبيان رسميٍّ يلقيه رئيس مجلس الوزراء في مجلس النواب؟

لو أن رِفْعته لم يَطَّلِع على المذكرة التي تَضَمَّنَتْ رأي المستشار الملكي لالتمسنا له بَعْضَ العذر، ولكن رفعته يشير إلى المذكرة صراحةً ويقول: إن المستشار الملكي لم يَطْلُب فيها تبليغ النيابة العسكرية، وقَصَرَ مُذَكِّرَتَه على مناقشة وجهة نظر الشركة!

إذن هو قد اطلع، ويا للأسف قد ابتلع، ثم ابتلع وقائع أخرى كما سنرى في الأكذوبتين الثانية والثالثة.

(ب) الأكذوبة الثانية

قال رفعته في بيانه المذكور: «إن وزير المالية السابق رأى بثاقب رأيه أن لا يُطْلِع المستشار الملكي إلا على المذكرة المؤرخة ١٢ مايو وعليها تأشيرة نفس الوزير بأنه يرى أن هناك مخالفات ارْتُكِبَتْ، وأنه يرى أن تتولى النيابة العسكرية التحقيق ولم يُطْلِع المستشار الملكي على غير هذه المذكرة التي تَحْمِل هذا القرار من الوزير.»

وردًّا على هذه الأكذوبة الجريئة أترك الكلام لحضرة المستشار الملكي نفسه، فقد قال في مذكرته المشار إليها آنفًا ما يأتي حرفيًّا:

اطَّلَعْنَا على التقرير المؤرخ ٤ مايو سنة ١٩٤٢ المرفوع من مراقب التشريع التجاري الخاص بالمخالفات المنسوبة إلى مصنع «سباهي» للغزل، وعلى تقريره المؤرخ ١٢ مايو الخاص بالمخالفات المنسوبة للشركة المصرية «نزهة» للغزل والنسيج، وعلى التقارير والمذكرات السابقة التي وُضِعَتْ في هذا الموضوع.

إذن قد اطلع المستشار الملكي لا على تقرير ١٢ مايو فحسب، بل على «جميع التقارير والمذكرات السابقة التي وُضِعَتْ في هذا الموضوع»، على حد تعبيره … وإذن فقد ارْتَكَبَ النحاس باشا جريرةَ الكذب مرةً أخرى في واقعةٍ ثابتة في ورقة رسمية، لا لسببٍ إلا لكي يُلْقِي وِزْر الكذب على مَكْرَم في غَيْبَته، ويتهمه ساخرًا بأنه رأى بثاقب رأيه أن لا يُطْلِع المستشار الملكي إلا على تقرير ١٢ مايو دون غيره من الأوراق.

ولو أن النحاس باشا أوتي ثاقب الرأي أو الروية على الأقل، لبرزت أمام عينيه العبارة الواردة في مذكرة المستشار الملكي والتي يقول فيها إنه اطلع على التقارير والمذكرات السابقة التي وُضِعَتْ في هذا الموضوع!

واللهِ يا مولاي إني لَتأخذني الشفقة على النحاس باشا إذ أراه ينحدر إلى هذا الكذب المفضوح، ولولا أنه ألقاها بنفسه لاتَّهَمْتُ غيره بأنه هو الكاذب؛ لأنه هو الكاتب!

(ﺟ) الأكذوبة الثالثة

يقول النحاس باشا في بيانه المذكور: إنه وصَلَتْني برقية من صبحي أفندي الشوربجي بتاريخ ١٩ مايو، وإنه كان واجبًا علي — إذا كنت أَنْشُدُ الحقيقة لا مجرد التشهير بأصهاره وبه — أن أُحَقِّقَ ما جاء فيها أو أن أترك للمختصين تحقيقها.

ويقول هذا في بيانه وينسى أنه قال في فقرة سابقة من البيان المذكور ما يأتي حرفيًّا:

بعد إحالة هذه المذكرة إلى المستشار الملكي بيومين اثنين تَعَيَّنَ وزير للتموين بدلًا من المستجوِب فخرج الأمر من يده ولم يصبح مختصًّا بأي أمر …

ومعنى ذلك أن وزير التموين الجديد عُيِّنَ في ١٤ مايو وأني لم أكن وزيرًا للتموين في ١٩ مايو، وهو التاريخ الذي أَرْسَلَ فيه الشوربجي برقية إلى وزير التموين! فكيف يأخذ عليَّ النحاس باشا أني لم أحقق ما جاء في هذه البرقية وهي لم تصلني!

كلا، بل هذه البرقية التي أَرْسَلَها الشوربجي إنما أَرْسَلَها للوزير الجديد تمهيدًا للُّعبة الجديدة التي سيأتي ذِكْرها، لكن النحاس باشا لم يَتَحَرَّ الدقة — ولا أقول الصدق — حتى في التواريخ التي هو أدرى بها من غيره.

(د) الأكذوبة الرابعة

وهي أخطر الأكاذيب لأنها أدَّت إلى امتناع الوزارة من إحالة القضية على النيابة العسكرية من غير ما حقٍّ أو شُبْه حقٍّ، أو بالأحرى إلى التستُّر عليها بطريقة مكشوفة مفضوحة، لا ستْرَ فيها أو عليها.

وهذه الأكذوبة ابْتَدَعَها أصحاب المصنع وأَخَذَ بها رئيس الحكومة فأقرها وبرَّرَها في بيانه البرلماني.

يقول النحاس باشا — بلسان أصهاره — في بيانه البرلماني: إنه «لما أرادت الوزارةُ معايَنَةَ تلك الكميات لم يسهِّل لها المدير المحلي ذلك، وقد تَبَيَّنَ أن الدافع له على ذلك اعتقاده أن وزير المالية السابق كان مبيِّتًا النية على الاستيلاء على الكميات التي هي في حاجة إليها؛ نظرًا للظروف التي كانت قائمة إذ ذاك، والتي دَعَتْه إلى محاربة صبحي الشوربجي.»

هذه هي الأكذوبة الضخمة — والتي يرجع السر في ضخامتها إلى عدم معقوليتها — والتي أدلى بها النحاس باشا بالنيابة عن أنسبائه في غير ما تدبُّر أو حذَر، فهو يقول للناس إن أصهاره امْتَنَعُوا من أن يقدموا الغَزْل للحكومة التي يرأسها هو؛ لأنهم خافوا أو خشوا أن يستولي عليها وزير التموين.

ولكن كيف خافَ أولئك الأصهار وزيرًا من الوزراء وصهرهم رئيس للوزراء؟ وهل لم يكن في مقدورهم أن يقدموا هذا الغَزْل للوزير ويشكوا أمرهم في الوقت نفسه إلى رئيس الوزراء حتى ولو تم الاستيلاء، أم هل بَلَغَ الأمر بمكرم أن بيَّتَ النية على الاستيلاء، وعلى مَنْع النسيب من الاتصال بالأنسباء فأوصد في وَجْهِهم دار الوزارة ودار رئيس الوزراء!

يا مولاي، لو أن هذه الأقصوصة عُرِضَتْ على قاضٍ من مُتَّهَم ما لما تَرَدَّدَ لحظةً في تقدير مسئوليته والحكم بإدانته، ولكن المُحْزِن والمبكي معًا أن تأتي مثل هذه الأضحوكة على لسان رئيس الحكومة في موقفٍ كله جد وكله مسئولية.

ومن ناحية أخرى فلو أن رفعة رئيس الحكومة رَجَعَ إلى الأوراق لاستبان حقيقة الأمر، وحقيقة العذر، بطريقة لا تفسح مجالًا للشك … ويكفي في ذلك الرجوع إلى تقرير مراقب مصلحة التشريع التجاري المؤرخ ١٢ مايو، ففيه يُقَرِّر حضرة الأستاذ فريد زعلوك المحامي والوكيل عن الشركة إذ ذاك أن «عدم وجود مخازن تَصْلُح لاختزان كميات كبيرة من الغَزْل بمصنع النسيج بإمبابة وصعوبة وسائل النقل في الوقت الحاضر اضْطَرَّت الشركة إلى حِفْظ الكميات الباقية من خيوط الغزل في مخازن استأجرَتْها لهذا الغرض بالإسكندرية.»

وقد فُتِّشَت فعلًا المخازن جميعها سواء بالقاهرة أو بالإسكندرية فلم يوجد فيها الغزل المُدَّعَى تخزينه.

وقد جاء في تقرير حضرة المراقب المشار إليه ما يأتي حرفيًّا:

قام حضرة رئيس مكتب السجل التجاري بالإسكندرية بما كُلِّفَ به، وقَدَّمَ لنا المحضر المُرْفَق المؤرخ في ١١ مايو سنة ١٩٤٢ ومنه يتبين (أولًا) أنه ليست للشركة مخازن أخرى غير التي تم جَرْدها بالمصنع بمعرفة حضرة رئيس المكتب في ٩ مايو سنة ١٩٤٢. و(ثانيًا) أن الشركة كانت تَحْتَفِظ أحيانًا ببعض كميات الغزل في مخازنه الخاصة، ولكن لا يوجد في الوقت الحاضر بمخازنه أي غزل للشركة.

ومن طريف ما يُذْكَرُ في هذا الصدد، أن الشركة ادَّعَت أن عناوين المخازن بالإسكندرية لا يَعْرِفها إلا حضرة أحمد بك الوكيل مدير المصنع بالقاهرة، وأن مفاتيحها معه! وقد جاء في تقرير حضرة المراقب الرد حاسمًا على هذا الادعاء في العبارة التالية:

وحيث إنه لا يمكن التسليم بصحة ما يُدَّعَى من أن عناوين المخازن يعرفها المدير وأن مفاتيحها معه؛ لأن عناوين مخازن الشركة ليست من الأسرار التي ينفرد بمعرفتها المدير، كما أن مفاتيح المخازن تكون عادة عهدة المخزنجي، على أنه إذا صَحَّ هذا الادعاء فقد كان من الميسور أن يعطي المدير — إذا كانت تَمْنَعُه بعض الأعذار من السفر إلى الإسكندرية — عناوينَ المخازن ومفاتيحها لمن يُنْتَدَب لمرافقة المحقق في المعاينة والجرد، خصوصًا وأن التلكؤ في إجراء المعاينة والجرد يتعارض مع إثبات حسن نية الشركة … وفضلًا عن ذلك فإن مصنعَي النسيج بإمبابة هما اللذان لهما حَقُّ تخزين استهلاكهما لمدة أربعة أشهر، فيجب أن يكون المخزون بنفس المصنعين أو على الأقل في القاهرة أو ضواحيها حيث يكون المخزون أَقَلَّ تعرُّضًا لأخطار الغارات الجوية ممَّا لو وُجِدَ في الإسكندرية … وحيث إنه بناء على ما تقدم تكون الشركة قد عَجَزَتْ عن تقديم أي دليل على وجود الكميات التي تدعي أن لها الحق في اختزانها.

الخازن والمخزون

ولعل في هذه السخرية الرسمية اللاذعة ما يُغْنِينا عن كل تعليق، فأصحاب المصنع لم يَخْطُر لهم إذ ذاك أن يزعموا ما زَعَمَهُ النحاس باشا لهم وعنهم في البرلمان من أن الغزل موجود في القاهرة ويخشون تسليمه، لم يَدَّعوا هذه الدعوى لسبب بسيطٍ؛ هو أن مخازن القاهرة فُتِّشَتْ فلم يوجد بها غزل؛ ولذلك لجأ أصحاب المصنع إلى الادعاء بأن الغزل مخزون في الإسكندرية، فتابَعَهُم المحقق في ادعائهم وطَلَبَ إليهم المفاتيح فقالوا إنها مع الأستاذ أحمد الوكيل في القاهرة، فقال: وما الحكمة في وجود المخازن بالإسكندرية إذا لم يكن لها مخزنجي، وإذا وُجِدَ المخزنجي فما الحكمة من وجوده إذا لم تُوجَد معه مفاتيح المخزن؟ قالوا: هكذا شاء أصحاب المصنع الأصيل، أن يكون الخازن هو أحمد الوكيل! فقال المحقق المسكين: إني على المفاتيح لأمين، فأتوني بها إن كنتم صادقين!

ولكن أصحاب المصنع لم يؤخذوا بهذا المنطق المتواضع وقالوا كما جاء في تقرير حضرة المراقب إنهم يطلبون «تأجيل الانتقال إلى الإسكندرية لمعاينة تلك المخازن إلى موعد آخر يُحَدَّد فيما بعد»، وهل أنا في حاجة لتبيان الحكمة من هذا الطلب؟ فهذا الطلب هو الدليل القاطع الجامع المانع على أنهم كانوا يعلمون أن مَكْرمًا سيُعزل من وزارة التموين بعد بضعة أيام، وقد قدموا الطلب في ٨ مايو (كما جاء في التقرير) وعيِّن وزير التموين الجديد في ١٤ مايو؛ ومن ثَمَّ طلبوا التأجيل إلى حين تعيين وزير جديد للتموين!

يا لها من فضائح تتلوها فضائح، فلو أن الأمر كان مقصورًا على استبدال وزير بوزير لهان، ولكنه امتد إلى ما هو أعظم خطرًا وأبعد ضررًا، فقد انتهى الأمر بالوزارة إلى عدم تقديم الأصهار الكرام للمحاكمة بحجة أنهم كانوا يختزنون الغزل في محلٍّ أمين؛ لأنهم كانوا خائفين من مَكْرَم اللعين، وكان الله يحب المحسنين!

ولعل أبلغ دليل على التستر غير المستور أن الوزارة فاتها أن هناك قضية أخرى غير قضية مصنع الشوربجي، هي قضية مصنع سباهي، وأني أَشَرْتُ بإحالتها على النيابة العسكرية في نفس الوقت مع قضية الشوربجي، وأَيَّدَنِي في ذلك حضرة المستشار الملكي.

فماذا جرى لهذه القضية؟ هل كان أصحاب مصنع سباهي يخشون حِقْد مَكْرم عليهم، شأنهم في ذلك شأن الشوربجي إخوان، فامْتَنَعَت الوزارة من تقديم قضيتهم إلى المحكمة لهذا السبب؟ أم هل رأت الوزارة — بثاقب رأيها — أن ينتفع أصحاب المصانع الأخرى بما انتفع به الشوربجي، منعًا لأثقال القيل والقال؟ لعلها أحسنت صنعًا، فليس أثقل من القيل إلا القال!

وأخيرًا يا مولاي، فلنفرض لمجرد الجدل أن الشوربجي إخوان لم يَجْمَعْهُم نسب أو سبب بأصحاب السلطان، وأن الموظفين المختصين والوزير المختص والمستشار الملكي المختص أشاروا جميعًا بإحالتهم على النيابة العسكرية، ثم دار الزمان دَوْرَتَهُ وجاء وزير جديد فادَّعى أصحاب المصنع أن الغزل المُدَّعَى تهريبه قد وُجِدَ بسحر ساحر في أحد المخازن — بعد تفتيش سابق — وأنه لم يُقَدِّمه للوزير السابق خوفًا منه وخشية الاستيلاء عليه، لو أن هذا كله وَقَعَ يا مولاي، فماذا وَجَبَ علي الوزير الجديد أن يفعل؟

ألم يكن واجبه أن يحيله على النيابة تاركًا لها تحقيق دفاعه القديم والجديد؟ كان هذا واجبه وواجب كل حكومة في الأرض، أو فيما بين الأرض والسماء، اللهم إلا إذا كان النحاس باشا رئيسًا للوزراء، وكان أصحاب المصنع أصحاب الحول والطول من الأقرباء والأنسباء!

هذه هي فضيحة الغزل الأولى، وهي وحدها كافية لإسقاط الحكومة التي ارتكبتها أو سمحت بها، فكم يكون الأمر إذا تلت هذه الفضيحة غيرها من مثلها تشد أزرها، أو بالأحرى تشد وزرها؟

(٣-٢) بعد خروجي من الوزارة

فضيحة الغزل الثانية

وهي شر من الأولى؛ لأن مصنع الشوربجي بالإسكندرية (مصنع النزهة) ضُبِطَ متلبسًا بجريمة التهريب، وضُبِطَتِ البضاعة المهرَّبة، وضُبِطَ المبلغ المدفوع كثمن للبضاعة ومقداره ١٣١٠ جنيهات في جيب الحلبوني أفندي (مدير فرع الإسكندرية وشريك الشوربجي أفندي)، ووُجِدَتْ أرقام البنكنوت المضبوطة في جيبه مطابقة للأرقام التي سَبَقَ للنيابة العسكرية أن أخذت بيانًا بها، وكان ضَبْط المبلغ بمعرفة البكباشي جيز مفتش بوليس الإسكندرية، وأَشْرَفَت النيابة العسكرية على الإجراءات وقامت بالتحقيق على أحسن وَجْه، ولم يُفْرَج عن المتهَم إلا بكفالة كبيرة مقدارها مائة جنيه مصري، فكانت القضية إذن قضيةَ تلبُّس بالجريمة لا شك فيها.

ولكن — نعم ولكن يا مولاي — ما إن وَصَلَ الأمر إلى عِلْم الوزارة حتى قامت وقَعَدَتْ، وأبرقت وأرْعَدَتْ، فتدخلت في هذه كما تدخَّلَتْ في تلك، وإذا القضية تنام نومة أهل الكهف — ولكن إلى غير يقظة — منذ أوائل يوليو الماضي حتى الآن!

ولقد وَقَفْتُ على أوراقٍ وتقاريرَ — بعضها أوراق أصلية وبعضها صور — أَتَشَرَّف بإرفاقها مع هذه العريضة، فهي قاطعة في تلاعُب الوزارة بالعدالة المجردة التي لم تَمْتَدَّ إليها يدٌ في تاريخنا السياسي بمثل ما امتدت إليه في هذا العهد، وإذا ما تفضلتم جلالتكم فأمرتم بتحقيق هذه الوقائع لوضح منها أكثر مما وَضَحَ وما افتضح!

قصة من واقع الحال

وتتلخص هذه القصة، كما استقَيْتُها من مصدرها ومن الأوراق المُرْفَقة، في الوقائع المدهشة الآتية، وهي مع الأسف قصة تعسة، تُسْتَمَدُّ وقائعها من واقع الحال لا من الخيال.

في شهر يونيو الماضي وَصَلَ إلى عِلْم أحد حضرات مفتشي التموين أن غزلًا يُهَرَّبُ في الإسكندرية بأسعار فوق التسعيرة، فانْتُدِبَ حضرته (واسمه صالح أفندي ناشد) لضبط الغزل الذي قيل إنه يُهَرَّب من مصنع سباهي (مصطفى أفندي سباهي وشركاه) وهنا أترك الكلام لحضرة مفتش التموين نقلًا عن تقريره لمعالي وزير التموين، فقد جاء فيه حرفيًّا ما يأتي:
ولما كان موضوع السوق الأسود للغزل من المواضيع الحَرِيَّةِ باهتمام وزراة التموين الجديرة بمنتهى عنايتها، فقد عَرَضْتُ على مسامع معاليكم في الأسبوع الثالث من شهر يونيو سنة ١٩٤٢ ما وَصَلَ إلى علمي فتَفَضَّلْتُم وأمرتموني باتخاذ الإجراءات السِّرِّية لتحقيق مبلغ ذلك من الصحة؛ لكبح جماح لصوص الحروب والأزمات والراغبين في الغنى والثراء على حساب الطبقة الفقيرة من الشعب … وقد وَضَعْتُ نصب عيني أن الأمر متعلق بمصانع وشركات قوية برءوس أموالها ونفوذ رجالها، وأنه يجب أن تكون عناصر التحريات التي يتم على ضوئها إجراءات الضبط أَبْعَد ما تكون عن الشك تفاديًا لإشكالاتٍ قانونيةٍ أو مسئوليات قبل الوزارة أدبية، فلما اسْتَكْمَلْتُ عناصر التحريات وكَوَّنْتُ طُرُقَ الضبط وسُبُلَهُ، تَقَدَّمْتُ لحضرة مدير إدارة التفتيش بالطلبات الآتية:
  • (أ)

    ١٥٠٠ جنيه نقدًا، على أن يُعْمَل بها محضر بالنيابة العسكرية.

  • (ب)

    مرشد أجنبي يَعْرِف الأرمنية أو اليونانية، ويجيد تمثيل دور التاجر أو وكيله.

  • (جـ)

    ضابط بوليس لمرافَقة المرشد والسمسارين وحراسة اﻟ ١٥٠٠ جنيه من مصر إلى الإسكندرية والمساعدة في الضبط بالإسكندرية.

  • (د)

    جواب توصية إلى حضرة صاحب السعادة محافظ الإسكندرية.

وقد قابلْتُ ومعي الدكتور الشيتي سعادة وكيل محافظة القاهرة ومنفردًا الأميرالاي ماركو بك رئيس البوليس السري والصاغ صفوت أفندي مساعده، ونوقشت إجراءات الضبط من الناحية القانونية والبوليسية حتى تكون مطابِقة لما يَتَطَلُّبه القانون، واتُّفِقَ على أن يقوم بوليس محافظة الإسكندرية بعملية الضبط.

واستطرد التقرير إلى ذِكْر الترتيبات التي وُضِعَتْ بالاتفاق مع بوليس إسكندرية ووكيل المحافظة ومساعد الحكمدار … إلخ، وكيف انتهى الأمر إلى ضبط البضاعة المهرَّبة من مصنع النزهة — مصنع الشوربجي — وليس من مصنع سباهي، ويَجْدُر بي أن أترك الكلام هنا أيضًا للتقارير الرسمية، أحدها تقرير بوليس الإسكندرية باللغتين الإنجليزية والعربية (وهو مرفق بهذه العريضة) بتوقيع البكباشي مدير إدارة التسعير الجبري ومرفوع إلى وكيل الحكمدار، والتقرير الآخر من مفتش التموين إلى مدير إدارة التفتيش بوزارة التموين (وهو أيضًا مرفق بهذه العريضة) وقد جاء في تقرير بوليس الإسكندرية وَصْفٌ مطوَّل للخطة التي وُضِعَتْ والشَّرَكِ الذي نُصِبَ لضَبْط المهرَّبات، إلى أن قال:

ولقد كان شِراكًا مُحْكَمًا تم بفضله استلام فهمي بك الحلبوني صاحب المصنع مبلغ ١٣١٠ جنيهات وسَلَّمَ المرشد البضاعة وسَلَّم أيضًا صاحب السيارة إذنًا بخروج هذه البضاعة وهو يطابق فاتورة البيع، وقد خَرَجَ المرشد مع صاحب المصنع فهمي الحلبوني بك في سيارة مفتوحة فبَعَثْتُ وراءه غانم أفندي لمتابعته والتحري عن سكنه، وبينما كُنْتُ أحاول الاتصال بحضرة وكيل النيابة للاستئذان في تفتيش منزله عاد فهمي بك ومعه المرشد بَعْد أن ضَبَطَ السيارة عند نقطة الحضرة، وقد تَحَفَّظْتُ على حضرة فهمي بك حتى حضر حضرة وكيل النيابة وضَبَطَ المبلغ في جيب صاحب المصنع، وقد عَمِلْتُ الترتيبَ اللازم لضَبْط اللوري وما عليه من البضاعة.

وقد ضُبِطَت البضاعة فعلًا ومقدارها ٢٧ بالة غزل بحضور وكيل النيابة ورجال البوليس إلى آخر ما في التقرير من تفصيلات وافية، وسَرْد لأسماء ضباط ورجال محافظتَي الإسكندرية والقاهرة وما يستحقونه من مكافأة تشجيعًا لأمثالهم بعد أن «تم ضبْط هذه الواقعة بإحسان وإحكام رغْم حِيَل المهربين»، على حد تعبير كاتب التقرير.

وقد لُخِّصَتْ هذه الإجراءات جميعًا في تقرير مرفوع من مفتش التموين إلى مدير إدارة التفتيش ومراقبة التسعيرة وتاريخه ١١ يوليو سنة ١٩٤٢ (وهو مُرْفَق بهذه العريضة)، ويَجْدُر بي إثباته هنا بحروفه؛ لأنه يعطي فكرةً إجمالية عن الموضوع:

حضرة المحترم مدير إدارة التفتيش ومراقبة التسعيرة

تنفيذًا للتعليمات الصادرة لي من حضرة صاحب المعالي الوزير بصدد تحقيقِ وضبْطِ الغزل الذي يباع سرًّا وبأسعار فاحشة من المصانع، أتشرف بالإفادة بأني قد قمت وجناب البكباشي جيز مفتش بوليس الإسكندرية وحضرة الصاغ محمد مصطفى وضابطَيْن من بوليس الإسكندرية وستة مخبرين وسمسارين ومرشد بضبط الآتي:
  • (١)

    عملية بيع الغزل من مصنع النزهة بمعرفة حضرة الحلبوني أفندي صاحب المصنع بمبلغ ١٣١٠ جنيهات وبموجب فاتورة بخط المذكور تحت يدي.

  • (٢)

    ضبط المبلغ المسلَّم إليه ثمنًا لهذه البضاعة والسابق أَخْذ بيان بأرقامه بمعرفة النيابة العسكرية من قبل، بمعرفة جناب البكباشي جيز مفتش بوليس الإسكندرية والمبلغ المذكور في حرز في النيابة الآن.

  • (٣)

    تسلمنا البضاعة على عربة لوري مؤجَّرة بمعرفتنا وبحبال للحزم اشتريناها وهذه البضاعة تطابق الفاتورة السابقة الذكر وهي محجوزة لدى النيابة الآن.

  • (٤)

    قامت النيابة بالتحقيق الابتدائي وأَفْرَجَتْ عن المتهم بكفالة قدرها مائة جنيه.

  • (٥)

    جميع الإجراءات التي اتُّخِذَتْ صحيحة وفي حدود القانون، والوقائع سالفة الذكر لا تقبل الشك من الناحية القانونية مستقيمة المقدمات والنتائج.

وتفضلوا بقبول فائق احترامي.

إمضاء
القاهرة في ١١ يوليو سنة ١٩٤٢

انزعاج الوزارة

انزعجت الوزارة لهذا التطور المفاجئ وغير المتوقع؛ فإن الاتجاه الأول الذي اتجهتْ إليه الوزارة كان يقضي بضبط مصنع سباهي، ولكن المصادفة التعسة قضت بضبط مصنع آخر يديره الحلبوني أفندي، كما قَضَتْ بأن يكون الحلبوني هذا شريكًا للشوربجي، وأن يكون مصنعه هو هو مصنع الشوربجي بالإسكندرية!

قامت الوزارة وقعدت لهذا الوضع الجديد، فأرسلت في طلب مفتش التموين الذي عُهِدَ إليه التفتيش واتصلت به تليفونيًّا في نيابة الإسكندرية طالبةً عَوْدَتَهُ فورًا إلى القاهرة، فعاد فعلًا بعد استئذان النيابة كما هو ثابت من الخطاب الرسمي الذي سيأتي الكلام عنه.

وفي اليوم التالي قابَلَ المفتشُ المذكور معالي وزير التموين في مكتبه بالوزارة، وهناك رأى صبحي أفندي الشوربجي في الانتظار، ولم يلبث هنيهة حتى حضر معالي عبد الفتاح الطويل باشا ومعه الأستاذ أحمد الوكيل، وقَصَّ المفتش على معالي وزير التموين القضية من أوَّلها إلى آخرها مبينًا أنه لم يقصد سوءًا بتفتيش مصنع الشوربجي، ثم انصرف الجميع إلى مكتب وزير العدل، وكانت حركة، وكانت مخابرات، فمداولات … وظهر أَثَرُ هذه المداولات والتحريات في أقوال الشهود من رجال البوليس في التحقيق التالي، فقد اختلفت اختلافًا تامًّا مع أقوالهم في التحقيق الأول، بل ومع التقارير الرسمية المقدَّمة من رجال التموين والبوليس أنفسهم.

وإني على استعداد يا مولاي لأن أَذْكُر اسم الموظف الذي روى لي خبر هذه المداولات وما ترتب عليها من نتائج وتطورات.

ولكن الذي يعنيني — ويكفيني — هو التقارير الرسمية التي أَشَرْتُ إليها، والتي أُرْفِق مع هذه العريضة صورًا منها، فهي تدل على أن هناك جريمة بل وتلبُّسًا بالجريمة، فقد ضُبِطَت البضاعة بحضور وكيل النيابة نفسه، وضُبِطَت النقود في جيب الحلبوني أفندي — وهي النقود التي سبق للبوليس أن أخذ بيانًا بأرقامها — وحَقَّقَت النيابة مع المتهم وسَمِعَتْ أقوال شهود الإثبات من رجال البوليس ولم تُفْرِج عن المتهم إلا بكفالة كبيرة مقدارها مائة جنيه مصري، فكيف ولماذا نامت القضية بعدئذٍ فلم يقدَّم المتهم إلى المحاكمة؟ هذا هو السؤال!

ومما يدعو إلى الدهشة والحسرة معًا أن نَجِدَ في تقارير رجال التموين والبوليس عبارات تنطوي على اعتذارات، لا لسبب إلا لأن المصنع الذي ضُبِطَ هو لسوء الحظ مصنع الشوربجي وليس مصنع سباهي!

فقد جاء في تقرير حضرة البكباشي مدير إدارة التسعير الجبري بمحافظة الإسكندرية أن حضرة مفتش التموين قرر أن المحل المقصود بالذات هو شركة سباهي، واستطرد واضع التقرير إلى القول بأنه عَلِمَ من حضرة ضابط المباحث أن صاحب المصنع يُدْعَى الحلبوني وليس سباهي، وهنا يقول حضرته: «وقد ناقشت ذلك مع حضرة الصاغ محمد مصطفى أفندي وحضرة صالح ناشد أفندي فعلمت أنهما مكلَّفان بضبط أيِّ مصنع بصرف النظر عن أي اعتبارٍ، وأن الكل في القانون سواء.»

وكذلك يعتذر مفتش التموين في تقريره المرفوع لوزير التموين عن ضبط مصنع الحلبوني شريك الشوربجي فيقول ما يأتي بالحرف الواحد:

يتعين عليَّ إجلاء نقطة هامة في هذا الموضوع، وهو كيف قمنا بضبط مصنع الحلبوني مع أن المتفق عليه هو ضبط مصنع السباهي، صحيح أن الجميع أمام القانون سواء، ولكن في هذا الإجراء خروج على أو تبديل لنظام مأمورية محددة.

ثم يحاول المسكين تفسير هذه المفاجأة التي فوجئ بها، والتي عَرَّضَتْهُ لسخط الساخطين!

ومن حُسْن الحظ فإن تحت يَدَيَّ الدليل الرسمي على استدعاء مفتش التموين إلى القاهرة على إِثْر ضبط مصنع الحلبوني وما تَرَتَّبَ على الضبط من وِزْر لا يُغْتَفَر، حتى اضْطُرَّ المفتش إلى المبادرة بالعودة إلى القاهرة قبل استكمال تحقيق النيابة، وفيما يلي نص خطاب حضرة وكيل النيابة العسكرية بالإسكندرية إلى سعادة وكيل وزارة التموين (والخطاب الأصلي مرفق بهذه العريضة):

محكمة الإسكندرية العسكرية
الإسكندرية في ١٤ / ٧ / ١٩٤٢
حضرة صاحب السعادة وكيل وزارة التموين

نرجو التكرم بالتنبيه على حضرة صالح ناشد أفندي مفتش التموين بالوزارة بالحضور بالنيابة العسكرية بإسكندرية صباح يوم السبت القادم الموافق ١٨ / ٧ / ١٩٤٢ لحضور التحقيق في القضية الخاصة بضبط مصنع الشركة المصرية نزهة للغزل والنسيج والمتهم فيها محمد فهمي الحلبوني أفندي وآخرون، مع التشرف بالإحاطة بأننا قد سمحنا لحضرته بالسفر اليوم كطلبه على أن يعود إلينا في الموعد المذكور.

وتفضلوا سعادتكم بقبول فائق الاحترام.

إمضاء
وكيل النيابة العسكرية
بإسكندرية

وفي هذا الخطاب فصل الخطاب.

هذا ما وَصَلَ إلى علمي من بيانات معزَّزة بتقارير وأوراق رسمية أتشرف برفعها جميعًا إلى سُدَّتِكُمْ، ولجلالتكم الرأي الأعلى في الأمر بتحقيقها لاستكمال وقائعها وتطوراتها، فإن المسألة جد خطيرة، وهذه هي المرة الثانية التي يحقَّق فيها مع الشوربجي إخوان ثم ينام التحقيق إلى غير يقظة حتى الآن!

وهناك ثالثة، أو شروع في ثالثة.

ثالثة الأثافي

ومقرها قليوب، وتاريخها حديث.

ففي شهر أكتوبر الماضي أَبْلَغَ شخص حضرة الملازم الثاني حامد أفندي العبد ضابط البوليس بمركز قليوب أن شخصًا يدعى محمود سيد خضر يخبئ غزلًا وأرزًا وسمادًا في مخازنه، وبناء على هذا البلاغ قام حضرة الضابط بتفتيش المخازن المشار إليها فَوَجَدَ ٢١ بالة غزل قيمتها حسب التسعيرة ١٥٠٠ جنيه، كما وَجَدَ بعض شوالات أرز ودقيق، فحَرَّرَ الضابط محضرًا بذلك قُيِّدَ بنمرة ٣٠ أحوال مركز قليوب بتاريخ ١٨ / ١٠ / ١٩٤٢.

ولسوء حظ الضابط تبيَّن أن الغزل المضبوط يملكه حضرة صبحي أفندي الشوربجي بالاشتراك مع آخرين، وترتب على ذلك أنْ طَلَبَت الوزارة المحضر، وأنْ تَبَدَّلَ التحقيق وتطوَّر، فإذا بالتحقيق يُجرى مع الضابط قبل الشخص المضبوط!

ويقوم بالتحقيق الجديد مع الضابط أحد حضرات وكلاء النيابة، وقد سئل الضابط في يومي ١٧ و١٨ أكتوبر واستمر التحقيق معه من الساعة ٤ مساء إلى حوالي منتصف الليل، وفيم التحقيق يا مولاي؟ هل هو في الغزل المضبوط أو في مسئولية أصحاب الغزل، أو الشخص المبلغ ضده؟ كلا، بل هو كله مُنْصَبٌّ على إجراءات التفتيش وعلى ميول الضابط المفتش، وهل لحضرته اتصال بهيئات سياسية معيَّنة، أو بمحامين معيَّنين؟!

وقد نُقِلَ الضابط على إثر هذا التحقيق من قليوب إلى شبلنجة.

أما واقعة الغزل المضبوط وما يترتب عليها من مسئولية أصحابه ومختزنيه، فعلمها عند ربي!

(٤) الفرع الرابع: رُخَص التصدير

يا صاحب الجلالة

كانت رُخَص التصدير — كما تشرفت بتبيان ذلك في مقدمة هذه العريضة — المظهر الأول للأزمة الوزارية، ولكن الذي يعنينا هنا — ونحن في صدد التحدث عن نزاهة الحكم — أن نبين أنها كانت المظهر الأول للمطامع الجامحة الجائحة، التي بدت أعراضها على أهل النَّحَّاس باشا وأنسبائه منذ الأيام الأولى لتوليه الحكم.

ولقد كان التصدير من أيسر السبل إلى الثراء نظرًا لظروف الحرب وما أدَّتْ إليه من اختلال في التوازن الاقتصادي، محليًّا كان أو دوليًّا، ولكن الترخيص بالتصدير لم يكن ميسورًا إلا بأمر المختصين من أول الأمر؛ ومن ثَمَّ بَلَغَ التزاحم على رُخَص التصدير والاستيراد حدًّا اضطرت معه وزارة المالية إلى وَضْع الأنظمة المحكمة للتصدير والاستيراد، توفيقًا بين المصالح المختلفة للطبقات المختلفة من التجار والمنتجين والمستهلكين، وتحقيقًا للإنصاف والمساواة بين طبقة التجار أنفسهم، فلا تمتد يد الحظوة — والحظوة هنا الرشوة — إلى بعض التجار على حساب الآخرين، أو بالأحرى على حساب الجمهور المسكين!

هذا فيما يتعلق بالنظام العادي للتجار العاديين، أما إذا كان المصدرون الذين يطلبون الإذن بالتصدير من ولاة الأمور هم ولاة الأمور أنفسهم أو من ذوي قرباهم، فما أقرب الثراء منالًا، وما أيسره رزقًا حلالًا!

تلك هي العقلية التي اصطدمت، فصودمْتُ بها، والتي لقيتُها بادئ الأمر من أهل النحاس باشا، ثم انتهى بها المطاف إلى النحاس باشا نفسه … ولا عجب، فالرجل الذي لم يترك وسيلة من وسائل استغلال النفوذ إلا واستغلَّها، لا يكثر عليه، بل ولا بد أن ينتهي إليه، كل مسعًى لاستغلال المال من طريق التصدير، والثراء السهل الوفير.

(٤-١) الزيت والجلود

ليس أدل يا مولاي على المطامع الخلابة الغلَّابة، التي ولَّدَها الحكم في نفوس هؤلاء الناس من أنهم بدلًا من أن يتدرجوا في مطامعهم، بادَرُوا بالوثوب إلى مئات الألوف من الجنيهات يطلبونها لأنفسهم صفقة واحدة، ويرمون بها الحظ رمية واحدة! ولا عجب، فمفتاح الحظ المائل، والثراء العاجل، في يد صديق للنحاس باشا هو بمثابة الشقيق، وما كان له أن يبخل على النحاس وأهله بمال أو بما هو إلى المال في حكم الشقيق، كالزيت، والجلود، والسكر، والأرز، وسائر ما تنبته الأرض من الخيرات، وارادات كُنَّ أو صادرات!

ولذلك لم نكد نتولَّى الحكم حتى جاءني في منزلي الأستاذ أحمد الوكيل وصهره صحبي أفندي الشوربجي وطلبَا إليَّ الإذن بتصدير كميات هائلة من الزيت والجلود، وحدَّدا كمية الزيت المطلوب تصديره بستة آلاف طن، قائلين: إن الربح من تصديره يبلغ حوالي السبعين ألف جنيه، وقد يصل إلى مائة ألف، ولو أني تحققت بعد ذلك أن الربح في الطن الواحد يبلغ حوالي التسعين جنيهًا، أي إن مجموع ما يكسبونه في الكمية كلها يبلغ حوالي النصف مليون من الجنيهات!

دُهِشْتُ يا مولاي، ولم يسعني إلا أن أبدي دهشتي مقرونة بشيء من الامتعاض، فأراد الأستاذ أحمد الوكيل أن يهدئ من روعي ويزيد من تشجيعي، فقال: إن الجلود لصهري، وأما الزيت فلي ومن تعرف! وغمز بعينه وضحك، أما أنا فلم أضحك!

وفي اليوم التالية كان النحاس باشا يُلِحُّ عليَّ في إعطائهم الزيت والجلود، ولكني انتهيت بعد دراسةٍ إلى رَفْض الترخيص لهم ولكل من طَلَبَ الإذن بتصدير الزيوت، وإني على استعداد للتحديد بالاسم إذا لزم الأمر، بل إني اضْطُرِرْتُ آخِرَ الأمر نظرًا لتفاقُم أزمة الزيت إلى إلغاء الرخص القائمة التي تقرَّر الإذنُ بها منذ العهد السابق لمعامل الزيت وتجاره، وقد أَشَرْتُ إلى وقف هذه الرخص وإلغائها في خطاب ألقيته في مجلس النواب ردًّا على استجواب خاص بالزيت، حتى إني أمرت بإنزال ما كان قد شُحِنَ منه في المراكب.٨

لم أكن إذن متجنِّيًا على النحاس باشا وأهله حينما رَفَضْتُ الترخيص لهم بتصدير كمية من الزيت الجديد تبلغ الستة آلاف طن؛ أي حوالي القدر الذي مَنَحَ الترخيص بتصديره في عهد وزارة سري باشا لأصحاب معامل الزيت وتجاره، الذين يَبْلُغ عددهم طبقًا للكشف المُرْفَق مع هذا خمسة وثلاثين من الشركات والتجار، ولكن النحاس باشا والأنسباء من ورائه راحوا يُلِحُّون ويلحفون في الطلب، حتى إني اضْطُرِرْتُ في ردِّي على الاستجواب إلى الإشارة إشارة خفية إلى هذه المساعي ووقوفي في وجهها، وكذلك لم أسمح بتصدير الجلود، وكان قد صَدَرَ قرار من مجلس الوزراء بتحريم التصدير.

الغضب، والسبب

غضب النحاس باشا لغضب أنسبائه، فقد ضاعت عليهم «وعلى من أعرف» ثروة تُقَدَّر بنصف مليون من الجنيهات، وكنت بطبيعة الحال الهدف الأول والأخير لهذه الغضبة وما تلاها من غضبات، بسبب الحيلولة دون تصدير السكر والأرز وما إليهما من صفقات، وراح المسكين في استجواب التفريط يسند إليَّ الحقد على أنسبائه؛ لأنني لم أسمح لهم بتصدير المواد الأولية الحيوية للبلاد، ونسي — بل تناسى — أنني لم أَقْصُر المنع على أنسبائه؛ بل جَعَلْتُه عامًّا على الجميع من غير استثناء، حتى إنني لم أكتفِ بمنع أيِّ ترخيص جديد؛ بل سحبت الترخيصات القديمة التي أشرت إليها، فهل كان «حقدي» منصبًّا على جميع التجار وأصحاب المعامل على اختلاف أجناسهم؟ أم لهذا الحقد اسم آخر هو الحرص على الواجب والمصلحة العامة، وإن هذا الحرص هو الذي جَعَلَ أصحاب المصلحة الخاصة يحقدون علي، ولم أحقد على أحد!

ألا فَلْيَقُلْها النحاس كلمة صريحة، لا قَلْبَ فيها للأوضاع، هي أنه هو وأهله قد حقدوا على مكرم الصديق لأنه مَنَعَ عنهم المال الوفير وقد حَسِبُوه في متناوَل اليد، يطلبونه اليوم ويجدونه في الغد!

وأخيرًأ، فلعلَّ أبلغ تعليق على موضوع الزيت في ذاته أن الزمن قد أيَّدَني في خطتي إلى أقصى حدود التأييد، فما إن خرجت من الوزارة حتى تراخت الرقابة وامتدت الأيادي إلى الزيت تتلاعب به حتى كاد ينعدم من السوق، وارتفعت أسعاره في السوق السوداء إلى حدٍّ لم يَسْبِقْ له مثيل، وَضَجَّ الناس بالشكوى، وما من سميع وما من مقيل!

(٤-٢) السكر

يا صاحب الجلالة

إذا كان موقف النحاس باشا معيبًا في مسألة تصدير الزيت فموقفه من تصدير السكر والأرز لمصلحة الأهل والأنسباء هو موقف الرجل المتلبس بالعيب، المرتكب بشخصه للوزر؛ فإنه لمَّا رأى أن لا سبيل إلى الثراء من طريقِ صديقه وزير المال والتموين، سعى هو شخصيًّا إلى تصدير هذه المواد لمصلحة أهله من وراء ظهري، ومن غير الطريق الطبيعي، وهو طريق الجهة المختصة!

وفي ذات يوم تَفَضَّلَ بزيارتي صديق كبير هو حضرة صاحب الدولة عبد الفتاح يحيى باشا، وقال لي في خلال حديثه إنه سَمِعَ من كبير أنني قد سمحتُ لأنسباء النحاس باشا بتصدير مائتي طن من السكر، فأبديتُ لدولته دهشتي من هذا النبأ، وأكدتُ له أني لا أعرف عنه شيئًا؛ لأن التصدير لم يكن إذ ذاك بإذن من الوزير.

ولمَّا بَحَثْتُ الأمر في وزارة المالية بحثًا دقيقًا تبيَّن لي أن شركة السكر قد تعاقدتْ في ١٦ فبراير سنة ١٩٤٢ مع صبحي بك الشوربجي على تصدير كمية من السكر مقدارها ٢٠٠ طن، ومن هذه الكمية مائة طن سكر ماكينة بسعر ٥٠ جنيهًا للطن، ومائة طن «روس» بسعر ٥٥ جنيهًا للطن، واطَّلَعْتُ في ملف الأوراق على خطاب من سعادة وكيل وزارة المالية أرْسَلَهُ إلى الشركة في ٢٠ مارس سنة ١٩٤٢، وتبيَّن منه أن الشركة قد وضَعَتْهُ أمام الأمر الواقع فلم تُخْطِرْه قبل إتمام التعاقد، وقد لفت نظرها إلى وجوب مراعاة ذلك في المستقبل، ولما تساءلْتُ كيف اجترأت الشركة على مخالفة الإجراءات المتَّبَعة في مثل هذه الأحوال فلم تُخْطِر وكيل المالية المختص بالأمر قبل نفاذه، فتبين لي ويا للأسف أن رفعة النحاس باشا نفسه اتصل بأحد الموظفين المختصين — فضلًا عن اتصاله بسعادة أحمد عبود باشا مدير الشركة — وكان لهذا الاتصال أثره الفعال في التعجيل بهذه الصفقة وتسهيلها!

وكان معالي وزير المالية السابق قد سَمَحَ للشركة بتصدير حوالي ٢٤ ألف طن من السكر في وقتٍ كان السكر فيه موفورًا وظل باقيًا من هذا القدر ٤٤٠٠ طن لم تُصَدَّر فعلًا، فمَنَعَت الوزارة تصديرها كما مَنَعَتْ تصدير جميع المأكولات طبقًا لما اقتضته حاله التموين، ويظهر أن حضرات الأنسباء لما أحسُّوا هذا الاتجاه مني استخدموا النحاس باشا للتعجيل بالصفقة قبل أن يقع المحظور، وكان النحاس باشا يعلم ذلك بطبيعة الحال قبل غيره، فلو أنه كان حسن النية لحاطني في الأمر بصفتي الوزير المختص، ولكنه لما تبين اتجاهي بالمنع في مسألة تصدير الزيت رأى أن مخاطبتي ليس من ورائها زيت ولا سكر؛ فكان ما كان.

ومن المضحك المبكي أن رِفْعته وَقَفَ في البرلمان يترافع عن أنسبائه قائلًا: إن التصدير كان مسموحًا به لهم ولغيرهم قبل وزارتنا، وهل أنا مُنْكِر لذلك يا مولاي؟! كلا، بل أنا به فخور — إذا صَحَّ الفخر في أَمْر يقضي به واجب المرء — فقد كانت السياسة التي وَضَعْتُها — بالاتفاق مع الموظفين المختصين — علاجًا لأزمة التموين التي واجهناها في أشد حالاتها عندما تولَّت الوزارة الحكم، كانت هذه السياسة تُحَتِّم علينا التشدُّد إلى أقصى حدود التشدُّد في حَظْر تصدير المأكولات، توفيرًا للغذاء ومنعًا لتفاقم الغلاء، ولو أني تركت للنحاس باشا وأنسبائه الحبل على الغارب لجاع الفقراء فوق جوع، وشَبِعَ الأنسباء فوق شبع.

وأبلغ من ذلك وأقطع، فإن النحاس باشا يقول في صدد الدفاع عن أنسبائه: إن هذه الصفقة وإن كانت عُقِدَتْ في ١٩ فبراير سنة ١٩٤٢، إلا أن أوَّل طَلَبٍ بشأنها كان في ١١ أكتوبر سنة ١٩٤١، وقد عَلِمْنَا أن الشركة كانت وعدته قبل أن تتولى الحكم بها.

وقد فات المسكينَ أنه قال قبل ذلك ببضعة أسطر: إن الشوربجي أفندي «طلب في ١١ أكتوبر سنة ١٩٤١ مشترى ألف طن من السكر فأجابته الشركة في ١٣ منه بأنه ليس لديها رصيد يمكنه من إجابة طلبه، فأعاد الكرة في ٨ نوفمبر سنة ١٩٤١ ورَفَعَ القدر الذي يريد مشتراه إلى ٣٠٠٠ طن فلم تجبه الشركة إلى طلبه أيضًا، وقد والى الطلب محتجًّا قائلًا: إن المصريين يجب أن يكون لهم نصيب في معاملات أفراد الشركة كنصيب الطوائف الأخرى، فباعته الشركة المائتي طن المذكورة»، ولم يقل رفعته إتماما للتدليل هنا إنها باعته المائتي طن بعد ما تولى رِفْعته الحكم!

إذن يا مولاي كانت الشركة — باعتراف النحاس باشا — تَرْفُض طلبات الشوربجي بالتصدير المرة بعد المرة قبل تَوَلِّينا الحكم، وكان الشوربجي «يوالي الطلب محتجًّا» — على حدِّ تعبير النحاس باشا — من غير ما نتيجة، حتى جاء النحاس باشا الحكم فلم يَبْقَ أسبوع فيه حتى منح الإذن بسحر ساحر! أليس هذا وحده كافيًا، بل حاسمًا، في الدلالة على تدخُّل النحاس باشا واستغلال نفوذه استغلالًا معيبًا؟

ومن طريف ما يُذْكَر هنا أن النحاس باشا لا يستحي من الإشارة إلى صهره كمصري، وأنه كان «يحتج بأن المصريين يجب أن يكون لهم نصيب في معاملات أفراد الشركة»، في حين أن صبحي الشوربجي لم يكن مصريًّا في ذلك العهد، ولم يصبح مصريًّا إلا بقرار من وزارة النحاس باشا بعد الصفقة بزمن!

ولكنها عبارة قيلت لاستجداء التصفيق، ولعل الشوربجي لم يكن ماثلًا في ذِهْن رِفْعته حينما عَبَّر عنه بأنه من المصريين، بل كان يشير إلى شركائه المخفيين، كالشقيق وغير الشقيق!

لم أجد بدًّا إذن — لكي أضع حدًّا لهذا العيب المكشوف — من اتخاذ خطوة حاسمة في الأمر، فأرسلت الخطاب الآتي نصُّهُ إلى سعادة أحمد عبود باشا مدير شركة السكر:

حضرة صاحب السعادة عضو مجلس الإدارة المنتدب للشركة العامة لمصانع السكر ومعمل التكرير بالقطر المصري

بمناسبة ما عرضتموه علينا أثناء مقابلتكم لنا في أوائل الشهر الجاري بخصوص التصريح للشركة بتصدير عشرة آلاف طن من السكر إلى الخارج، أتشرف بإحاطة سعادتكم أني بحثْتُ موضوع تصدير السكر وتبيَّنَ لي أمران:
  • أولًا: أن الحالة لا تسمح الآن بتصدير كميات من السكر، ويُسْتَحْسَن الانتظار إلى أن تنتهي المصانع من عَمَلِها ويُعْرَف على وجه الدقة مقدار الانتاج في الموسم الحالي.
  • ثانيًا: تَبَيَّنَ لي أثناء الاطلاع على النظام الذي اتُّبِعَ في تصدير السكر والكميات التي تم تصديرها من قبلُ أن الشركة قد تعاقدت في ١٦ فبراير سنة ١٩٤٢ مع حضرة صبحي بك الشوربجي على تصدير كمية مقدارها ٢٠٠ طن سكر منها ١٠٠ طن ماكينة بسعر ٥٠ جنيهًا للطن و١٠٠ طن روس بسعر ٥٥ جنيهًا للطن.
وقد لاحَظْنَا على الإجراءات التي اتُّبِعَتْ في هذه الصفقة ما يأتي:
  • (١)

    أن الشركة قد أبرمت العقد في ١٦ فبراير سنة ١٩٤٢، ثم أخطرَتْ سعادة وكيل الوزارة في ٢٨ فبراير سنة ١٩٤٢ بحصول التعاقد، وقد اضْطُرَّ سعادته — بعد أن وَضَعَتْهُ الشركة أمام الأمر الواقع — أن يُخْطِرَها بخطابه المؤرَّخ في ٢٠ مارس سنة ١٩٤٢ بموافقته مع لَفْت نَظَر الشركة إلى ضرورة الحصول على موافقة الوزارة قبل إتمام التعاقد.

  • (٢)

    تبيَّن أن حضرة صبحي بك الشوربجي لم يَقُمْ بتصدير هذه الكمية بنفسه، بل باعها إلى أحد تجار السكر وهو محمد أفندي أديب السراقبي، وهذا الأخير هو الذي قام بتصديرها إلى سوريا، ونظرًا لارتفاع ثمن السكر في الخارج وبصفة خاصة في سوريا؛ فقد جنى الشوربجي بك من وراء هذه الصفقة أرباحًا بلغت بضعة آلاف من الجنيهات، وكذلك عادت هذه العملية بربح وافر على السراقبي أفندي، وما كان أحوج الشركة والحكومة إلى هذه الآلاف من الجنيهات لو أن الشركة تولَّت عملية التصدير بنفسها.

ولما كانت سياستي في تصدير السكر تُخَالِف هذا النظام من أساسه، فقد عُنِيتُ ببحث ظروف هذه الصفقة، وهي الوحيدة التي تمَّت في عهد هذه الوزارة ولم أعلم بها إلَّا الآن، وذلك لكي يتبين مدى الخسارة التي تعود على الحكومة والشركة من جراء تدخُّل الوسطاء في عملية التصدير.

ولهذا اهتممت بأن أُوَجِّه نَظَر الشركة إلى أن المقصود من عملية التصدير هو أن تستفيد الحكومة والشركة من الفرق بين سعر السكر محليًّا وسِعْره في الخارج، لا أن يستفيد به الغير أو يقاسم الحكومة فيه، وخصوصًا إذا كان هذا الغير ممن لا علاقة لهم بتجارة السكر.

والسياسة التي أرغب في اتباعها إذا ما سمحت الظروف بالتصدير هي أن تتولى الشركة بنفسها — وبالاتفاق مع وزير المالية — عملية التصدير بدون وسيط أيًّا كان، سواءً كان تاجرًا من تجار السكر أم لا، حتى يتحقق لها وللحكومة كامل الربح، وحتى تُصَانَ أموال الدولة التي يقضي واجبي كوزير للمالية أن أكون حفيظًا عليها.

وتفضلوا سعادتكم بقبول احتراماتي.

وزير المالية
مكرم عبيد
تحريرًا في ١١ أبريل سنة ١٩٤٢
وقد جاءني من سعادة أحمد عبود باشا عضو مجلس الإدارة المنتدب الرد على خطابي بتاريخ ١٥ أبريل سنة ١٩٤٢، وقد جاء فيه عن صفقة الشوربجي ما يأتي حرفيًّا:

اعترضتم معاليكم على صفقة السكر التي عَقَدَها حضرة صبحي بك الشوربجي مع الشركة، وعلى تبليغ الوزارة بعد تمامها، ووَضْع صاحب العزة وكيل الوزارة أمام أَمْرٍ واقع، ورأيتم أن عقد الصفقة على الصورة التي تَمَّتْ بها خليق أن يُضِيعَ على الخزانة بعض الفائدة، وأعربتم عن إيثاركم لتولِّي الشركة أَمْرَ الإصدار بنفسها بغير واسطة.

فأما السياسة التي تؤْثرونها معاليكم، وهي أن تتولى الشركة أَمْر الإصدار بلا واسطة، فإني أبادر إلى تسجيل ترحيبي بها، وموافقتي عليها في كل الأحوال، وأما عن الصفقة ذاتها فإني أتشرف بلَفْت نَظَر معاليكم إلى الحقائق الآتية:

قبل أن أكون عضو مجلس إدارة الشركة المنتدب تعاقَدَت الشركة مع حضرة صبحي بك الشوربجي أولًا في ٥ يونيو سنة ١٩٤١ على مائتي وخمسين طنًّا للإصدار، ثانيًا في ٢٢ أكتوبر سنة ١٩٤١ على خمسمائة طن للإصدار.

فالصفقة الأخيرة والتي وَرَدَتْ عليها ملاحظات معاليكم ليس فيها جديد ولا هي معدومة السوابق، ومع ذلك فإن الشركة — كما أَشَرْتُ من قبل — ترحِّبُ بالسياسة التي وضعتموها معاليكم من أن يكون الإصدار على الدوام من الشركة نفسها بدون وسيط واتفاق مع الوزارة، وما من شك أن في هذا صيانة لأموال الدولة ولمصلحة الشركة التي تعلمون معاليكم أني أحرص الناس عليها.

وتفضلوا معاليكم بقبول أعمق احترامي.

أحمد عبود
عضو مجلس الإدارة المنتدب

يتبين من جواب الشركة يا مولاي أنها بادَرْتُ بتنفيذ السياسة التي رسمْتُها لها وهي: (أولًا) الامتناع عن تصدير السكر تنفيذًا لأمر وزارة المالية في هذا الصدد. و(ثانيًا) أنه إذا سمح بعملية التصدير في وقت ما فيجب أن يكون التصدير بدون أي وسيط، سواء أكان تاجرًا من تجار السكر أم لا؛ حتى يتحقق للحكومة وللشركة كاملُ الربح، وحتى تُصان أموال الدولة التي قُلْتُ في خطابي للشركة: إن واجبي كوزير للمالية أن أكون حفيظًا عليها.

ولقد حاوَلَ سعادة مدير الشركة أن يعتذر عن صفقة الشوربجي بمثل العذر الذي تَلَمَّسَه النحاس باشا لنفسه ولأنسبائه، قائلًا إنه قد عُقِدَتْ مع الشوربجي صفقتان إحداهما بمائتين وخمسين طنًّا، والأخرى بخمسمائة طن في سنة ١٩٤١ قبل تأليف وزارتنا، وكان في هذا العذر انتقال بالموضوع إلى غير مَوْضعه؛ فإن مَوْضع المؤاخذة لم يكن تصرُّف الشركة في عهد وزارة سابقة كان باب التصدير فيها مفتوحًا على مصراعيه لوفرة السكر إذ ذاك، بل كان ما أخذناه على الشركة أنها عَقَدَت الصفقة ونَفَّذَتْها دون إخطار وكيل المالية المختص، فلو أنها أَخْطَرَتْه لَمَنَعَ الصفقة قَبْل وقوعها وفقًا للاتجاه الجديد الذي اتخذته الوزارة الجديدة، هذا ومن ناحية أخرى فقد كان اعتراضنا على السير في خطة التصدير من الباطن؛ لأنَّ في هذا حرمانًا للحكومة من مكاسب كبيرة؛ إذ إن الحكومة هي صاحبة النصيب الأوفر في أرباح التصدير وغيرها.

تلك كانت المآخذ الهامة التي أَخَذْناها على الشركة، فوعدت بالامتثال إلى رأي وزارة المالية فيها، ولكن المأخذ الأكبر كان على رئيس الوزراء الذي تخطَّى سياسة الوزارة التي هو رئيسها — تلك السياسة التي يُفْتَرَضُ فيه أنه متضامن في تنفيذها والعامل الأول على تحقيقها — تخطى هذه السياسة العامة التي تتعلق بها حياة الملايين من المصريين في سبيل تحقيق مصلحة خاصة للأهل والأنسباء، هي الاستزادة من الثراء ولا شيء غير الثراء.

(٤-٣) أكاذيب

ظاهرة محيِّرة ومتكررة يا مولاي تلك التي نشهدها في النحاس باشا كلما حاوَل الدفاع عن نفسه ضد الاتهامات الموجَّهة إليه، فهو لا يتورَّع عن الكذب المرة تلو المرة، رَغْم تعارُض هذا الكذب مع المستندات الرسمية، ولعله ظنَّ أنه في مأمنٍ من التكذيب لأن في يده وسائل التغطية والتعمية، فراح يسرد الأكذوبة بعد الأكذوبة في مسألة الغزْل (كما رأينا)، ثم أَعْقَبَهَا بأكاذيب أخرى في مسألة السكر … وفيما يلي أبرز هذه الأكاذيب التي تضمَّنها بيانُه في مجلس النواب في ١٨ أغسطس سنة ١٩٤٢ ردًّا على استجواب التفريط في حقوق البلاد، (منتهزًا فرصة انسحابنا احتجاجًا على استبعاد معظم الاستجواب):

الأكذوبة الأولى

زعم النحاس باشا في بيانه، أن وزير المالية السابق — أي مكرم عبيد — قد اخْتَصَّ بثورته واعتراضه صفقة من صفقتين، هي صفقة الشوربجي، أما الصفقة الأخرى وهي صفقة عبده بخيم فلم يَعْتَرِض عليها ولم يَرِدْ لها ذِكْر أو أثر في خطابه إلى الشركة.

وحسبي تكذيبًا لهذه الأكذوبة ما جاء في نفس البيان الذي تضمنها، فقد وَرَدَ فيه أن صفقة عبده بخيم تمت في ١٤ يناير ١٩٤٢ (وبمقتضاها سُمِحَ له بتصدير ٣٠ طنًّا من السكر)، وفات النحاس باشا أننا في ١٤ يناير لم نكن قد تولَّيْنَا الحكم، فلم يكن هناك محل لاعتراضي على صفقة لم تتم في عهدنا، بل كان اعتراضي مُنْصَبًّا على صفقة الشوربجي، وهي الوحيدة التي تمَّت في عهدي، ومن وراء ظهري، بفضل تدخُّل رئيس الوزراء نفسه!

إذن فقد ادَّعى النحاس باشا علينا كذبًا، إذ ادَّعى أن صفقة عبده بخيم قد تمَّت في عهدنا، في حين أنها تمَّت في ١٤ يناير؛ أي قبل دخولنا الوزارة بحوالي ثلاثة أسابيع، فلم نختص الشوربجي إذن بثورتنا أو حِقْدِنا — كما ادعى النحاس المسكين — بل إن رفعته هو الذي اختصَّنا بحقده والافتراء علينا، سامحه الله!

الأكذوبة الثانية

ومن هذا القبيل ادعاؤه في بيانه أن صبحي الشوربجي قد «غُبِنَ في سِعْر الشراء من الشركة» وأن مكرمًا إذ ادَّعى أن ربحهم يبلغ ثمانية آلاف من الجنيهات قد ادَّعى كذبًا.

وحسبي تكذيبًا يا مولاي لهذه الأكذوبة الصارخة اعتراف صبحي أفندي الشوربجي نفسه، فقد شاء الله أن تَقَعَ في يدي أخيرًا عريضة دعوى مرفوعة من حضرة صبحي الشوربجي بك بتوكيل حضرة الأستاذ وهيب بك دوس المحامي ضد وزير المالية وشركة السكر بتاريخ أول سبتمبر سنة ١٩٤٢، وقد جاء في هذه العريضة أن «فرق الثمن بين ما اشترى به وما كان يبيع به في حينه هو ٥٠ جنيهًا عن الطن الواحد …» أي إن مجموع الربح الذي ضاع عليه قَدْرُه عشرة آلاف جنيه، وهو المبلغ المقدَّر في العريضة نفسها.

إذن، لم أكن إلا متواضعًا في التقدير حين قَدَّرْتُ ربحهم بمبلغ ثمانية آلاف جنيه، في حين أنهم قَدَّرُوه بعشرة آلاف! ولم يكن النحاس باشا المسكين صادقًا حين قام يترافع عن أنسبائه قائلًا: إنهم غُبِنُوا في السعر الذي اشْتَرَوْا به، بينما يقول صبحي الشوربجي في عريضة دعواه: إن «فرق الثمن بين ما اشترى به وما كان يبيع به في حينه هو ٥٠ جنيهًا»، وإن مجموع ما كان يربحه يبلغ عشرة آلاف جنيه!

يا لبلاغة الأرقام، ويا لحكمها الجامع المانع!

الأكذوبة الثالثة

يقول النحاس باشا في بيانه: إن «وزير المالية السابق ثار ضد الشركة فأصدر أمرًا في ١٠ مارس سنة ١٩٤٢ بإيقاف التصدير للخارج، ولم تكن ثورته هذه لمصلحة عامة، أو لعدم كفاية السكر بحاجة البلاد إذ ذاك، بل كانت ثورته ضد صبحي الشوربجي على وجه الخصوص.»

والحق يا مولاي أن هذا الأكذوبة جديرة بوصفٍ آخر غير مجرد الكذب، فهل يَعْقِل عاقل أنَّ وَقْف تصدير السكر للخارج كان لمجرد الثورة ضد صبحي الشوربجي، في حين أن وقف التصدير هذا كان في ١٠ مارس، وأن صفقة صبحي الشوربجي كانت قد تمَّت في ١٦ فبراير؛ أي قبل صدور أمري بوقف التصدير بحوالي شهر من الزمن! أو هل يُعْتَبَر هذا انتقامًا من صبحي الشوربجي الذي تمَّت صفقته! وهل هو انتقام من التجار الآخرين الذين لم يكن لهم مثل هذا الحظِّ؟! وهل يليق برئيس حكومة محترمة أن يقول: إن وَقْف تصدير السكر للخارج كان للنكاية بالشركة أو بأنسبائه، في حين أنه كان يصفق لي بكِلْتَا يديه حينما أَعْلَنْتُ في خطاب الميزانية أن الوزارة مَنَعَتْ تصدير السكر والمأكولات جميعًا حرصًا على مصلحة التموين … وإذا كان رِفْعته هو المسئول الأول عن شئون التموين، كما ادَّعى بعدئذٍ في بيان آخر من بياناته العجيبة، فلماذا لم يلغِ الأمر الذي أَصْدَرْتُه؟

ولكن ما لنا والنقاش يا مولاي فيما لا يَحْتَمِله عقل أو منطق ولدينا الدليل القاطع — دليل الواقع — وهو أني لم أكتب خطابي للشركة بصدد صفقة الشوربجي إلا في ١١ أبريل، وقُلْتُ في خطابي هذا: «إني لم أعلم بهذه الصفقة إلا الآن»، في حين أن أمري بوقف تصدير السكر بصفة عامة كان في ١٠ مارس، فلم أكن إذن أعلم شيئًا عن صفقة الشوربجي حتى أُوقِفَ التصدير حقدًا عليه وانتقامًا منه أو من الشركة! حقًّا إنه لافتراء ليس بعده افتراء!

وتتفرع عن هذه الأكذوبة الضخمة أكذوبة فرعية، هي قول النحاس باشا: «إن مكرم باشا أصدر في ١٠ مارس قرارًا بوَقْف التصدير، وكانت شركة السكر قد شَحَنَت المقدارَ المبيع إلى جمرك بور سعيد باسم صبحي الشوربجي في انتظار باخرة تنقله، فبادَرَ مكرم باشا بإرسال برقية إلى جمرك بور سعيد بحجزه هناك.»

وحسبي تكذيبًا لهذا الادعاء أن أشير إلى خطابي الرسمي المرسل إلى الشركة، وقد قُلْتُ فيه: إني لم أعلم بصفقة الشوربجي إلا في أوائل أبريل، وإنه قد تَنَازَل عنها إلى شخص آخر قام بتصديرها، فكيف أقول في ١١ أبريل: إن الصفقة قد صَدَرَتْ فعلًا! في حين أني مَنَعْتُ تصديرها في ١٠ مارس على زَعْم النحاس باشا؟ وأخيرًا فقد قَطَعْت جهيزة (وجهيزة هنا هي صبحي الشوربجي!) فقد جاء في عريضة دعواه أن البضاعة تخزَّنَت في مخازن شركة البوندد ببورسعيد من ١١ أبريل سنة ١٩٤٢ إلى الآن، وهكذا قضى على الأكذوبة قضاءً نهائيًّا.

والحقيقة هي أن الأمر بوقف التصدير عامة قد صَدَرَ في ١٠ مارس، وأُبْلِغ إلى الجمارك جميعًا بطبيعة الحال، ولكن الله الرقيب على ألاعيب اللاعبين قد شاء أن تَشْحن شركة السكر المقدار المبيع للشوربجي إلى جمرك بورسعيد في الوقت الذي صدر فيه الأمر بمنع التصدير بتاتًا إلا بإذن الوزير … وهنا تتفضح لعبة أنسباء النحاس باشا، فلو أنهم طلبوا مني إصدار أَمْر للجمرك بتصدير بضاعتهم لَرَفَضْتُ ذلك طبعًا بعد أن أَصْدَرْتُ الأمر بوقف التصدير عمومًا؛ ولذلك التزم الأنسباء الكرام الصمت مُتَرَقِّبِين الفُرَصَ، عسى أن لا يصلني نَبَأُ الصفقة التي عقدوها من وراء ظهري، فلما وصلني خبرها من دولة عبد الفتاح باشا يحيى في أبريل افتضح الأمر وكان ما كان!

ذلك يا مولاي نموذج من ألاعيبهم، وقد تَتَبَّعْتُ خطواتهم واحدة فواحدة وفصَّلتها تفصيلًا، وأقمت عليها الأدلة الرسمية دليلًا فدليلًا، وهي فضيحة بكل معاني الفضيحة.

(٤-٤) فضيحة التعويض

وَقَفَ النحاس باشا يا مولاي في مجلس النواب يُعْلِن بملء فيه أن وزير المالية السابق في وزارته قد «شَهَرَ عليهم — أي على أصهاره — حربًا عوانًا، وأَوْقَعَ بهم الخسارة عمدًا»!

ولم يكن رِفْعته بالرجل الساذج الذي لا يُدْرِك معنى صدور هذا القول من رئيس حكومة مسئولة، فهو يعلم جيد العلم أن صدور مثل هذا الاعتراف الرسمي من رئيس للحكومة يُلْزِم الحكومة بالتعويض آلافًا مؤلفة من الجنيهات، وما من شك أنه تَعَمَّدَ ذلك تعمدًا، بدليل أن صهره لم يلبث أن رَفَعَ دعواه إلى القضاء مستندًا فيها «إلى خلاف داخلي بين أعضاء الوزارة»، وطالبًا التعويض عمَّا لَحِقَه من خسارة قَدَّرَها بعشرة آلاف جنيه — وهو ما وَصَفَهُ بأنه الربح الضائع — هذا فضلًا عن الثمن المدفوع منه وقدره ٦٥٧ مليمًا و١٠٦٣٠ جنيهًا، وإني أُرْفِق مع هذا صورة حرفية من عريضة الدعوى.

ولو أن الأمر اقتصر على التقاضي لهان الأمر؛ لأن الحكم فيه للقاضي، ولكن النحاس باشا ما كان ليرتضي لأنسبائه حظَّ المتقاضين؛ ومن ثَمَّ عَرَضَ الأمر على أقلام قضايا الحكومة، وقد عَلِمْتُ أخيرًا من مصدر أثِقُ به كل الوثوق أنه قد قُدِّرَ لصبحي أفندي الشوربجي تعويض يَبْلُغ العشرة آلاف من الجنيهات وفقًا لما طلبه في دعواه، وأنه سيحظى بهذا المبلغ من باب التراضي لا التقاضي!

وإني لألتمس من مولاي أن يَأْمُر بتحقيق هذه الواقعة الخطيرة، ففي هذا التحقيق ما يغني عن كل تعليق.

(٤-٥) الأرز

وللأرز أيضًا يا مولاي قصة محزنة كسابقاتها، بل لعلها أبلغ في التدليل على عقلية الرجل الذي تَقَلَّدَ زمام الحكم فأفْلَتَ منه الزمام.

وهنا أيضًا — يا صاحب الجلالة — نرى النحاس باشا يتحايل على استغلال الحكم لمصلحة أهله بكل الوسائل الممكنة، فيسعى جهده إلى الترخيص لأنسبائه بتصدير مادة من مواد الطعام الحيوي للشعب، على أن يكون هذا الترخيص من غير طريقه المشروع، وعلى غير علم مني، حتى لا يقوم في سبيله عائق ولا يعترضه معترض!

ففي ذات يوم جاءني في وزارة المالية معالي كامل صدقي باشا وزير التجارة، وقال لي إن النحاس باشا قد اتَّصل به وطَلَبَ إليه أن يُصَدِّرَ إلى بلاد الشام — بناء على طلب الجنرال كانرو — عشرة آلاف طن من الأرز مقابل استيراد عشرة آلاف طن من البطاطس، ثم أضاف قائلًا: «أرجوك أن تحجز من الأرز ٢٠٠ طن لأحمد الوكيل ليُصَدِّرَها هو.»

وهنا أبدى لي كامل باشا دَهْشَته من أن يخاطبه النحاس باشا في مسألة التصدير مع أن التصدير من اختصاص وزير المالية، وقال إنه بحث — كوزير للتجارة — مسألة حاجة البلاد للبطاطس، وتَرَكَ لي مسألة تصدير الأرز التي هي من اختصاصي، وسألني إذا كان النحاس باشا قد فاتحني في الأمر، فقلت له: إنه لم يفعل ولن يفعل؛ لأنه يعلم أني سأرفض حتمًا هذا التصدير لعدم توافُر الأرز في البلاد.

تلك فضيحة أولى في مسألة الأرز، أن يتهرب رئيس الوزراء من الوزير المختص ويلجأ إلى وزير غير مختص لإعطاء أنسبائه رخصة بالتصدير، وبالثراء الوفير، ولكن الفضيحة تزداد افتضاحًا إذا ما رأينا رئيس الحكومة المسئول يسير جنبًا إلى جنب مع أنسبائه غير المسئولين، ويتحايلون جميعًا — هم وهو معهم — على الفرار من وَجْه الوزير المختص للحصول على رخصةٍ بتصدير مادة أولية من مواد التموين!

ولكن هذا ما وَقَعَ يا مولاي، وها هو ذا الدليل الكتابي عليه أتشرف بإرفاقه مع هذه المذكرة، وهو عبارة عن خطاب موقَّع عليه بإمضاء «محمد صبحي الشوربجي» نفسه وموجَّه إلى وزير التجارة، وفيما يلي نصه حرفيًّا (وهو مستنَد أصلي وليس صورة):

حضرة صاحب المعالي وزير التجارة والصناعة

أتشرف بأن أرجو من معاليكم إصدار ترخيص باسمي لتصدير ٥٠٠ طن أرز إلى فلسطين وسوريا في مقابل استيراد كمية من البطاطس مساوية لها في القيمة، وذلك أسوة بما اتُّبِعَ مع آخرين، هذا مع الإحاطة بأني أتعهد بتوريد كمية البطاطس المشار إليها في شهر يونيو سنة ١٩٤٢، مع استعدادي لتقديم ٥٠٠٠ جنيه أو ضمان بهذا المبلغ على أحد البنوك المعتمدة كشرط جزائي يكون تحت تصرُّف الوزارة إن لم تصل كمية البطاطس في الموعد المذكور.

وتفضلوا معاليكم بقبول فائق الاحترام.

إمضاء
محمد صبحي الشوربجي
١٨ / ٣ / ١٩٤٢

إذن، تصدير أرز مقابل استيراد بطاطس! حقًّا إن التاريخ يعيد نفسه! وكما اتَّجَهَ النحاس باشا إلى كامل باشا صدقي طالبًا الإذن بالتصدير لأحمد الوكيل فقد اتجه أيضًا صبحي أفندي الشوربجي — وهو شريك من باطنه شركاء — اتجه هو أيضًا إلى وزير التجارة طالبًا الترخيص بتصدير أرز مقابل استيراد بطاطس، ناسيًا أو بالأحرى متناسيًا أن الوزير المختص بالتصدير والاستيراد معًا هو وزير المالية دون غيره، ووزير المالية هو مكرم عبيد!

ولكن ذلك كله لم يُجْدِهِمْ نفعًا، فقد انتهى المسعى وانتهى الخطاب إليَّ في آخر المطاف، رَغْم محاولة التهرُّب مني، وكانت النتيجة الرفض البات البتار، في أدب جمٍّ يخالِطُه شيء من الاحتقار.

لا تصدير إلا بتوقيع الوزير

بل كانت نتيجة كل هذه المساعي والمحاولات الملتوية أني أصدرت أمرًا رسميًّا، نُشِرَ في الصحف بتاريخ ٩ أبريل سنة ١٩٤٢، بعدم اعتماد أي ترخيص بالتصدير أيًّا كان نوعه إلا إذا كان الأمر بالترخيص موقَّعًا عليه من وزير المالية شخصيًّا — فضلًا عن توقيعات الموظفين المختصين — وبهذا أَوْصَدْتُ الباب نهائيًّا في وجه كل تحايُلٍ أو تهرُّب، وكان همي الأكبر — ويا للأسف — أن أحمي الوزارة من مساعي رئيس الوزارة.

(٤-٦) الجلود

سبق أن قُلْتُ يا مولاي: إن الشوربجي إخوان طلبوا إليَّ عقب تأليف الوزارة أن أسمح لهم بتصدير كمية من الجلود، فرَفَضْتُ التصريح بذلك تنفيذا لقرار مَنْع تصدير الجلود إلى الخارج، ورَغْم ذلك فقد جاءتني البطاقة التالية بإمضاء حضرة النائب المحترم خليل بك الجزار (عديل النحاس باشا)، يوصي فيها حضرته بمنح ترخيص بالتصدير للخواجة لوكاس كالوجيروس، وفيما يلي نص التوصية كما وَرَدَتْ في البطاقة (وهي مرفقة مع هذه العريضة):

حضرة صاحب المعالي مكرم باشا

بعد التحية، حامل هذا الخواجة كالوجيروس من أعز أصدقائنا وأرجو قضاء مأموريته، ولمعاليكم جزيل الشكر وتفضلوا بقبول فائق التحية.

خليل الجزار
٢٣ / ٤ / ١٩٤٢

وبعد ذلك قدم لي الخواجات كالوجيروس ولوكاس كرستوفيدس طلبًا باسم لجنة مُصَدِّري الجلود الخامة بالإسكندرية يطلبون فيه التصريح بتصدير من ٥٠ إلى ٦٠ طنًّا من الجلود المصرية الخامة (والطلب الأصلي مُرْفَق بهذه العريضة).

وما من حاجة إلى القول بأني رَفَضْتُ هذا الطلب تنفيذًا لقرار مجلس الوزراء بمَنْع تصدير الجلود على اختلاف أنواعها.

ولم أكد أنْظُر في توصية حضرة خليل بك الجزار حتى تلتها توصية أخرى من رفعة النحاس باشا بالسماح بتصدير ألف حذاء من النعل الجلد لمصلحة محمد أفندي محمود وعلي أفندي عبد الحميد، ويقول النحاس باشا في بيانه البرلماني إنه خاطَبَني في تَظَلُّمهما، وخلاصته أنه قد تَصَرَّحَ لهما وتعاقَدا ومُنِحَا أجلًا للتصدير، ولكن في خلال فترة الأجل صدر قرار بمنع التصدير، ويزعم رِفْعته أني أقررتهما على تَظَلُّمهما وطَلَبْتُ منه إرسال أوراقهما كلها إليَّ فأرسلها ولكني لم أشأ أن أجدد التصريح وخَرَجْتُ من الوزارة والأوراق معي!

وهي أكذوبة أخرى من الأكاذيب الصغيرة؛ فإني في الواقع طَلَبْتُ إلى النحاس باشا إرسال تَظَلُّمهما لبحثه، وبحثْتُه فعلًا فوجدت أن حالتهما تَدْخُل تحت قرار مجلس الوزراء الذي مَنَعَ التصريح بتصدير الجلود من جميع الأنواع، سواء أكانت خامًا أو مشغولة، أما قول النحاس باشا في بيانه المطبوع إني أخذت الأوراق معي ولم أَرُدَّها، فقد أغناني عن الرد عليها ما قاله كامل باشا صدقي في أثناء إلقاء البيان (ورواه لي أحد النواب الحاضرين) إن الأوراق قد عُثِرَ عليها!

والذي يعنيني إثباته هنا هو أني ما كِدْتُ أخرج من الوزارة حتى أَصْدَرَتْ وزارة المالية في أول يونيو سنة ١٩٤٢ تصريحًا بتصدير الألف حذاء للتاجرين الذي أوصى بهما خيرًا رفعة رئيس الحكومة، أما قرار مجلس الوزراء بمنع تصدير الجلود بتاتًا فعليه العفاء!

(٤-٧) السردين

لم يَعْتَرض النحاس باشا في بيانه لتصدير السردين؛ لأن المسألة دقيقة «وحساسة» بالنسبة له.

فقد طَلَبَتْ إحدى الشركات — أثناء وجودي في الوزارة — السماح لها بتصدير ٥٠٠ صندوق من السردين (والصندوق من الحجم الكبير يحتوي على ٤٠٠ علبة في المتوسط) فرفَضْتُ الإذن بالتصدير؛ تطبيقًا لقرار مَنْع تصدير المأكولات.

ولكن ما كِدْتُ أخرج من الوزارة حتى تقدَّمَ إلى الوزارة تاجر يُدْعَى الخواجة «جورج باتينو» وطلب الإذن له بتصدير ألف صندوق من السردين، فتردَّد وزير المالية في السماح بالتصدير بعد أن لفت نظره إلى قرار مَنْع تصدير المأكولات، وإلى أني مَنَعْتُ الإذن بتصدير السردين، مع أن الكمية التي طَلَبَ مني تصديرها تبلغ نصف الكمية التي يطلبها الخواجة جورج باتينو، ولكن كامل صدقي باشا لم يَسَعْهُ إلا أن يستمع إلى توصية خاصة أُبْلِغَتْ إليه بلسان الأستاذ حسن كمال (السكرتير الخصوصي للنحاس باشا قبل توظيفه)، فأَصْدَرَ معاليه التصريح، وكان الله يحب المحسنين.

وبمناسبة الإحسان والمحسنين، فإن الخواجة جورج باتينو قد تبرع لمشروع البر بمبلغ مائة جنيه (كما هو ثابت من الكشف المنشور في الصحف)، وهي ولا شك أريحية جديرة بالشكر.

(٥) الفرع الخامس: التموين وصفقاته وفساد إدارته

(٥-١) فساد الإدارة

لست في حاجة يا مولاي إلى الإشارة إلى فوضى الإدارة في التموين، فالمصريون والأجانب في مصر متفقون على شيء واحد، هو أن هذه الوزارة نزلت بالتموين إلى الدرك الأدنى، نزاهة وإدارة معًا.

فرغم دخول محصول القمح بالملايين فقد فشلت الوزارة فشلًا ذريعًا في تموين الشعب، وكان فشلها متعدد النواحي:
  • أولًا: رغم أني أعلنْتُ رسميًّا باسم الحكومة اعتزامها شراء خمسة ملايين ونصف من محصول القمح الجديد للتموين وللتقاوي — ورغم أن وزير التموين الجديد أعلن أن هذا القرار لا يكفي حاجات البلاد جميعًا وأنه سيستولي على أكبر كمية من طريق الشراء — رغم ذلك لم تحصل الحكومة إلا على أربعة ملايين ومائة ألف إردب تقريبًا، أي كمية أقل من القدر الذي أَعْلَنْتُه أنا بحوالي مليون إردب ونصف مليون!

    ولئن دَلَّ هذا العجز على شيء فعلى فوضى الإدارة في هذا العهد السعيد، وعجز الوزارة القائمة بالحكم، وهو عجز لا عُذْرَ للحاكمين فيه؛ لأن المحصول كان قائمًا على الأرض وتحت أيديهم! هذا إذا كان العجز ناتجًا عن مجرد سوء الإدارة، فكيف به وهو ناتج عن تهريبٍ من المهرِّبين وتصدير من المصدِّرِينَ، ولقد كانت الصنادل تُسَافِر مشحونةً بالقمح إلى بورسودان وغيرها من المواني، تحت أنف الحكومة، متغاضية راضية!

  • ثانيًا: عانى الشعب الأمرَّيْنِ في الحصول على قوته اليومي من القمح، فقد كان الإردب يباع في السوق السوداء بمبلغ يتراوح بين الخمسة والسبعة جنيهات، وكانت بلاد كثيرة لا تجد القمح حتى بهذا الثمن فثار أهلها وتظاهَروا ضد الحكومة، ولا سميع، ولم تَجِدِ الحكومة العاجزة من سبيلٍ أمامَها إلا الخبز الأسود القاتم السواد تبيعه للأهالي بأثمان مرتفعة حتى في شهر رمضان المبارك، مما أثار سخط الناس وشكاياتهم، فلَجَئوا إلى ملاذِهم الأمين يطلبون القوت للجائعين.

ولولا رحمة الله بهذا الشعب المُرْهَق المسكين، وظهور محصول الذرة العويجة بوفرة في الصعيد، لما تلطَّفَتْ حدة الأزمة بعض الشيء، ولو أننا ما زلنا نأكل العيش الأسود وندفع له ثمنًا غاليًا لا يكاد يستقر حتى يتصاعد!

هذا عن القمح، أما عن السكر فحدِّث ولا حرج، فبالرغم من محصوله الوفير الذي يكفي حاجات البلاد ويزيد فالسكر أَنْدَرُ من النادر، حتى أَصْبَحَتْ تحاك حوله الأقصايص والنوادر، وحتى أصبحت الأقة تُبَاع في الريف وغير الريف بأضعاف ثمنها المحدد، بل أصبحت بعص البلاد محرومةً منه أصلًا، والسعيد السعيد من يرزقه الله رطلًا! ولقد لجأت الحكومة إلى الكوبونات، ثم اعتزَمَتْ إلغاءها، ثم عَدَّلَتْ وبدَّلَتْ وسائل التوزيع، من غير ما أثر إلا استفحال الأثر.

والزيت، أين أين الزيت، وأين العلاج الذي تعلن الحكومة من يوم إلى آخر أنها ستوجده، فلا تجده!

والغاز، والبنزين، والكسب، والغزل، كل هذه وغيرها محل الشكاوى المُرة، ولا علاج لها عند الحكومة الحازمة إلا زيادة التسعيرة المرة بعد المرة! مثلها مثل مَنْ يُعَالِج الداء بالداء، وقد أَعْجَزَهُ الدواء!

وقد كانت النتيجة المحتومة لفساد الإدارة فساد الذمم، ويكفي يا مولاي أن يتجوَّل جائل في البلاد أدناها وأقصاها ليرى بعينه ويسمع بأذنيه، مبلغ ما حلَّ بالبلاد في هذا العهد المشئوم، فتاجر السكر وغير السكر من المواد الأولية الحيوية هو ذلك النائب القريب أو المقرب، أو ذلك المأمور، أو ذلك الضابط، أو ذلك العمدة — وقد ضُبِطَ البعض متلبسين — وما من سبيل إلى حظوة أو بعض الحظوة، إلا برشوة أو بعض الرشوة (وسأتناول هذا الموضوع بشيء من التفصيل في باب تفشي الوساطات).

(٥-٢) الحاكم الاقتصادي

ويحلو للنحاس باشا أن يكون حاكمًا اقتصاديًّا، فوق كونه حاكمًا عسكريًّا، فما من وزير يقوم بعمله الاجتماعي أو الاقتصادي إلا ويُعْلِن للناس أن الفضل في كل صغيرة وكبيرة يرجع إلى الحاكم العسكري الاجتماعي الاقتصادي، أستغفر الله بل الحاكم العسكري العام، والاقتصادي العام!

ولقد بيَّنْتُ في مقدمة هذه العريضة بعض الظروف والعوامل التي أَكْسَبَت النحاس باشا هذه العقلية الصغيرة الكبيرة، ويأتي في الصف الأول من هذه العوامل ما صادَفَهُ مكرم عبيد من توفيق يسير في شئون التموين! فلا يكاد النحاس باشا يلقي خطبة في جماعة من الجماعات، أو في إذاعة من الإذاعات إلا وتأتي على لسانه عبارة يؤخذ منها أمران مختلفان مؤتلفان في وقت معًا، هما أن النحاس باشا كان منذ تَوَلَّيْنا الحكم حتى الآن المسئول الأول — والمسئول وحده — عن شئون التموين، وأنه هو وليس مكرمًا الذي أَنْقَذَ البلد من المجاعة، ومن ناحية أخرى فإن مكرمًا هو الذي تَرَكَ البلد على حافة المجاعة!

ومن هذا القبيل دعواه المسكينة في مجلس النواب أنه هو الذي أَقْنَعَ الحليفة فأَقْرَضَتْ مصر أربعين ألف طن من القمح، وأن المفاوضات كانت تدور معه وما تزال، طبقًا للبيان الذي ألقاه في مجلس النواب.

وما كان ليعنيني يا مولاي أن أُكَذِّبَه في هذا الصدد لإبراز فَضْلٍ لي، لولا أن الرجل قد بَلَغَ به الادِّعاء حدَّ الافتراء على الوقائع الرسمية من جهة، ولولا أنه من جهة أخرى قد انتقل من الادِّعاء إلى التنفيذ والعطاء، فسَمَحَ للحليفة بعد خروجي من الوزارة بتصدير كمية كبيرة من الأرز تبلغ ٨٠٠٠ طن، وادعى أن هذه المنحة السخية كانت ثمنًا لتلبية النداء.

وهو مع الأسف غير صادق في الأمرين، وإلى جلالتكم المستندات أُرْفِقَتْ مع هذه العريضة، بنصها الإنجليزي وترجمتها العربية!

(٥-٣) اقتراض قمح الحليفة

أما عن اقتراض القمح من الحليفة فحسبي أن أشير إلى الخطابات الرسمية التي وَصَلَتْنِي من الموظفين الاقتصاديين المختصين بالسفارة البريطانية، ففيها الدليل الحاسم، الحازم، على أن النحاس باشا لم يكن له في مسألة اقتراض القمح من الحليفة أي شأن في الأمر، بل إن طلب اقتراضنا قمحًا من الكميات المعدة للجيش البريطاني إنما خطر لي في أثناء مناقشات حادة جَرَتْ في جلسة من جلسات اللجنة المشتركة للتموين، فطَلَبْتُ إلى حضرات الأعضاء الممثلين للسفارة وللجيش البريطاني في هذه اللجنة أن يُقْرِضُونا عشرين ألف طن من القمح والدقيق المخصص للجيش البريطاني في مصر، وإلا فإن المجاعة تحل بالبلاد ولن تتحمل الوزارة مسئوليتها، ولما أَحْسَسْتُ بعض التردد في قبول هذا الاقتراح الجريء — وقد سَلَّمْتُ بجرأته لأنه يمَسُّ طعام الجيش المحارِب — أعلنْتُ في الجلسة أني سأضطر إلى تقديم استقالني من الوزارة لرفعة رئيسها لأني لا أتحمل مسئولية تجويع البلد ولو لم يكن هذا «التجويع» من عملي، فوعد حضرات الأعضاء البريطانيين بالنظر في الأمر وإفادتي، وعقب ذلك جاءني الخطاب الآتي بتاريخ ٢٧ فبراير سنة ١٩٤٢ من جناب المستر إمبسون المستشار التجاري للسفارة البريطانية:

عزيزي الوزير

إجابة لطلب الحكومة المصرية كما أَعْرَبْتُم عنها معاليكم في جلسات التموين المشتركة (الإنجليزية المصرية) قد كلفني السفير بأن أُخْبِرَكُم بأن القوات البريطانية مستعدة لأن تخصِّصَ احتياطيًّا مكوَّنًا من عشرين ألف طن من القمح أو الدقيق سدًّا لحاجات المدنيين في مصر عند الضرورة … إلخ.

وأشار باقي الخطاب إلى الشروط التي تشترطها الحكومة الإنجليزية فيما يختص برد الكمية المقترضة من محصول القمح الجديد والسماح للشركة التجارية للمملكة المتحدة بتصدير عشرة آلاف طن من الأرز المصري وكيفية إعلان هذا القرض للجمهور، وخُتِمَ الخطاب بالعبارة الآتية:

فهل توافقون معاليكم على نص هذا الإعلان؟ وذلك لأن السفير يرى أنه من المهم جدًّا أن يكون النص بالألفاظ المقترحة وتفضلوا … إلخ.

الإمضاء
س. ا. إمبسون

أخطرت النحاس باشا بهذه النتيجة السارة، وكان هذا أول علم له بها، وكان حينئذ معتكفًا بمينا هوس، ونَشَرَت الصحف حديثًا مني يتضمن المسائل المتفق على نَشْرها طبقًا لما جاء في خطاب السفارة، وتصادَفَ في اليوم الذي نُشِرَ فيه حديثي في جرائد الصباح أنْ كان النحاس باشا مدعوًّا إلى وليمة في السراي الملكية دعي إليها السفير البريطاني أيضًا، وهناك أخبره السفير بمسألة القرض والخطاب الذي أُرْسِلَ إليَّ من السفارة (وكنت قد أخطرت النحاس باشا به منذ الأمس) فشَكَرَه النحاس باشا، ولمَّا لم يكن السفير نفسه هو الرجل الفني المختص فقد أَخْبَرَ النحاس باشا خَطَأً أن الكمية المقترَضة هي ٢٥ ألف طن (وحقيقتها ٢٠ ألفًا فقط) فخرج النحاس باشا وبادَرَ على الفور بالتحدث إلى الصحف عن قرض اﻟ ٢٥ ألف طن، وعن فَضْلِه العظيم في الحصول عليه، ولو أن فَضْل المسكين كان سماعيًّا لا فعليًّا! ولقد أشرت إلى هذه المأساة الخُلُقية الصغيرة في مقدمة هذه العريضة، ولولا أني عَلِمْتُ بالحديث المذكور قبل نَشْره وصَحَّحْتُ وقائعه بالاتفاق مع الأستاذ صلاح الدين بك لَنَشَرْتُ على الناس وقائع على لسان رئيس الوزراء لا تتفق مع الحقيقة ولا مع خطاب السفارة نفسه!

هذا عن اﻟ ٢٠ ألف طن الأولى، ولكني وجدت أننا في حاجة إلى كميات أخرى، ولما كان القمح يَرِدُ تباعًا للسلطة العسكرية وليس مخزونًا في مصر، فقد طلبت إلى ممثلي الحليفة في اللجنة المشتركة أن يُقْرِضُونا كمية أخرى من القمح فوعدوني بذلك عند وصول أول مركب لمصر، وفي ١٩ أبريل سنة ١٩٤٢ جاءني خطاب من جناب المستر إمبسون وقد ورد فيه ما يأتي:

عزيزي الباشا

إشارةً إلى خطاب معاليكم المؤرَّخ ٢٨ فبراير سنة ١٩٤٢ وإلى طلبِكم الأخير بأن نُقْرِضكم كمية أخرى من القمح المستورد سدًّا لحاجات البلاد المصرية، يسرني أن أُخْبِرَ معاليكم بناء على تعليمات السفير بأن القوات البريطانية تؤمل بأن يكون في مقدورها أن تُقْرِضَ الحكومة المصرية عشرة آلاف طن أخرى من القمح أو الدقيق بنفس الشروط السابقة، وأنها ستجتهد إذا كان هذا ممكنًا عمليًّا بأن تُسَلِّم هذا المقدار قبل دخول محصول القمح القادم.

لم أكتفِ يا مولاي بهذه المساعي المتعاقِبة للحصول مئونةً الشعب من قمح الجيش البريطاني نفسه، بل إنني قبل خروجي من وزارة التموين طالبْتُ بكميات أخرى، وجاءني فعلًا جواب من المستشار التجاري للسفارة بتاريخ ٧ مايو سنة ١٩٤٢ (أي قبل خروجي من وزارة التموين بحوالي أسبوع) يخبرني فيه بقبوله إقراضنا عشرة آلاف طن أخرى، وبهذا يكون مجموع القرض أربعين ألف طن، وفيما يلي نص هذا الخطاب:

عزيزي الوزير

إشارةً إلى خطاب معاليكم المؤرَّخ ٢٥ أبريل سنة ١٩٤٢ يمكنني الآن أن أؤكِّد لكم بناء على تعليمات سفير جلالته بأن القوات البريطانية قد أَمْكَنَها أن تجد سبيلًا لإقراض الحكومة المصرية عشرة آلاف طن أخرى من القمح أو الدقيق بنفس الشروط السابقة، في حالة احتياج الحكومة المصرية لهذا المقدار قبل دخول المحصول المصري القادم.

وبناء على المخاوف الخاصة بالتقاوي اللازمة لمحصول الذرة الجديد فإننا نرى أن هذا القدر النهائي — ومقداره عشرة آلاف طن — يجب أن يشتمل جميعه على القمح أو الدقيق حتى إذا ما وَرَدَتْ كميات صالحة للتقاوي من الذرة إلى المواني المصرية قبل ٢٠ مايو فيمكن تخصيصها للتقاوي.

وهذه العشرة آلاف طن الأخيرة تَجْعَلُ مجموع القمح المقترَض ٤٠ ألف طن، وأكون ممنونًا إذا ما تفضلتم معاليكم فأكدتم لنا ما اتُّفِقَ عليه بيننا بأن جميع الكمية المعارة ستُرَدُّ إلينا من محصول القمح القادم … إلخ.

الإمضاء
س. ا. إمبسون

وإني أُرْفِق يا مولاي النص الإنجليزي لهذه الخطابات الثلاثة لتتبينوا منها جلالتكم مَبْلَغ جرأة هذا الرجل الذي يَشْغَل منصب رئيس حكومتنا، والذي يجترئ على الحقائق والوثائق الرسمية لا لسبب أو حكمة إلا لكي ينسب إلى نفسه عملًا ليس من عمله، ويُشْبِع في نفسه حقدًا صغيرًا، أو حسدًا كبيرًا ضد زميله، دون وازِع من نفسه أو من خجله!

وثبَّتَتْ هذه المستندات الرسمية أمورًا ثلاثة:
  • أولًا: أن وزير التموين — أي مكرم عبيد — هو الذي اقترح وهو الذي اقترض القمح من السلطة العسكرية البريطانية، وأن النحاس باشا لم يكن صادقًا فيما ادَّعاه لنفسه من عمل ليس من عمله.
  • ثانيًا: أن مجموع هذا القمح المقترَض هو أربعون ألف طن، كما هو ثابت بخطاب ٧ مايو.
  • ثالثًا: أنه بعد خروج مكرم عبيد من الوزارة لم ينجح النحاس باشا وزير كل الوزارات في الحصول على طن واحد من الإنجليز، فلا هو تفاوَضَ ولا هو اقترَضَ، كما ادَّعى ذلك كذبًا في البرلمان.

وأبلغ من ذلك، فلولا أنني رأيت من واجب الأمانة للبلاد قبل خروجي من وزارة التموين بيومين أن أسافر إلى السويس في ١١ مايو لأشحن بنفسي إلى القاهرة والإسكندرية القمح الموجود في المراكب الإنجليزية لوقع النحاس باشا ووزير التموين الجديد في ورطة لا مَخْرَج لهما منها، وبالفعل فقد وَجَدْتُ في مركب بالسويس ٢٣٣٤ طنًّا؛ أي حوالي ١٥٠٠٠ إردب، أَمَرْتُ بشحنها في قطارين خاصَّيْن استحضرْتُهما من القاهرة رَغْم صعوبات النقل، ثم تصادف وصول مركب إنجليزية إلى الإسكندرية تحمل حوالي ٤٦٠٠٠ إردب قمح وأذرة، فاتصلت بالسلطات الإنجليزية وأرسلت وكيل وزارة التموين إلى الإسكندرية لاستلامها فورًا، فبلغ مجموع القمح الذي استلمناه ٤٢ ألف إردب، ومجموعُ الذرة حوالي ١٩ ألف إردب، هذا فضلًا عن ٢٠ ألف إردب كانت باقية في القاهرة؛ أي إن مجموع ما تركْتُه لوزير التموين الجديد ٦٢ ألف إردب من القمح و١٩ ألف إردب من الذرة، وهذا القدر هو كل ما وَصَلَ إلى مصر في المراكب الإنجليزية — بل إن بعضه كان معدًّا لتموين فلسطين — وما كان في مقدور الإنجليز أن يعطونا قمحًا غير الذي كان يَصِلُهم أولًا بأول لتموين الجيش البريطاني، فأين هذا يا مولاي من ادِّعَاء النحاس المسكين من أني لم أترك لهم قمحًا، في حين أني أَخَذْتُ من الإنجليز كل القمح المُعَدُّ لمصر وفلسطين، فضلًا عن القمح الذي استحضرته من كوم امبو إلى القاهرة من المحصول الجديد الذي بدأ مبكرًا في تلك الجهات، والمهم في ذلك كله أن النحاس باشا لم يحصل على طن واحد من القمح الإنجليزي غير القمح الذي اقترضْتُه ووصل بالمراكب من بقايا القمح المقترض، ولم يكن لي أو له أو للإنجليز أنفسهم بطبيعة الحال سلطان على سير المراكب، ورغم ذلك فقد وفَّقني الله عند خروجي من وزارة التموين كما وفَّقني عند تعييني فيها إلى إنقاذ البلد من مجاعة محتومة، مشئومة، شاء النحاس أو لم يشأ.

عَلِمَ الله يا مولاي أنني لا أدَّعِي لنفسي فضلًا، ولكني أدفع عن النحاس تفضُّلًا!

(٥-٤) تصدير ٨٠٠٠ طن أرز

ولعل النحاس باشا إنما ادَّعى ما ادَّعى لكي يُبَرِّرَ سماحه للحليفة بعد خروجي من الوزارة بتصدير ٨٠٠٠ طن أرز التي أشار إليها في بيانه البرلماني.

وفي الواقع أن الإنجليز لما أقرضونا القمح اشترطوا أن نبيعهم عشرة آلاف طن أرز، ولكني لم أجد من الأرز من البلاد ما يكفي حاجة التموين؛ حتى إنني أصدرت أمرًا بمنع الخلط بالأرز؛ ومن ثَمَّ لم يتيسر لي أن أسلم للإنجليز إلا ألفي طن من الأرز، ورَجَوْتُهم أن يعفونا من القدر الباقي، فلم يسعهم إلا أن يُقَدِّروا حرج الموقف ويستسلموا للأمر الواقع، ولكني لم أكد أخرج من الوزارة حتى سمح النحاس باشا للشركة التجارية الإنجليزية بتصدير ٨٠٠٠ طن من الأرز، وبدلًا من أن يجيء البرلمان معلنًا اضطراره لهذا التسليم والاستسلام راح يطبل ويزمر قائلًا إنه إنما سمح بتصدير الأرز لأن الإنجليز لبَّوْا نداءه فأقرضوا الحكومة قمحًا، موهمًا أو متوهمًا أن هناك قرضًا جديدًا غير القمح الذي استلمناه، في حين أنهم لم يُقْرِضونا غير الأربعين ألف طنٍّ التي أشار إليها جناب المستشار التجاري البريطاني في خطابه الأخير لي.

ولكن النحاس باشا جعل من الضرورة فضيلة! وتَرَتَّبَ على تصدير هذا القدر الكبير من الأرز أن ظَلَّت البلاد تعاني أزمة حادة في الأرز منذ أول يونيو (تاريخ التصدير) حتى دخول المحصول الجديد في أكتوبر، وما ذلك إلا لأن النحاس باشا أراد أن يكون سبَّاقًا في إرضاء الإنجليز في أَمْر قَدَّرُوا وجهة نظرنا فيه، ولم يُصِرُّوا عليه.

وهكذا يكتب التاريخ يا مولاي في هذا العهد الذي يأبى التاريخ إلا أن يُنْكِره أو يذكره ليستنكره!

(٥-٥) صفقات التموين للأقرباء والمقربين

يا صاحب الجلالة

إذا كانت للتموين ويلاته، فله أيضًا صفقاته، تلك لمجموع الشعب المرهق المسكين، وهذه للأقرباء والمقربين، وليس في مقدوري بطبيعة الحال أن أحْصُر هذه الصفقات، فإن مثلها لا يمكن حَصْرُه من باب التحديد، ولكني قد وَقَفْتُ على بعضها، فلماذا هي وحدها تلوث العهد بأكمله، وإذا باليسير يدل على الكثير، وإذا بالصغير يدل على الكبير!

صفقات الأرز الجديد

يا صاحب الجلالة

لعل فضيحة التموين الكبرى هي تلك التي يتحدَّث الناس عنها في مختلف المقامات، وأعني بها صفقات الأرز وما لابس هذه الصفقات من إجراءات حكومية لم يَسْبِق لها مثيل في مصر، ممَّا أعاد إلى الذهن بعضَ الفضائح الكبرى في فرنسا وغيرها، وكان له دَوِيٌّ مزعج ومحرج للمدنية والمتمدينين.

ذلك أن بعض الأقرباء والمقربين لرجال الحكم في البلد قد عَقَدُوا صفقاتٍ هائلة كسبوا فيها عشرات — ولا أقول مئات — الألوف من الجنيهات استغلالًا لمحصول الأرز الجديد، وللإجراءات الشاذة التي اتَّخَذَتْها الحكومة الحاضرة بصدد هذا المحصول.

فقد كان من المنتظر — جريًا على الخطة التي اتَّبَعَتْها الحكومة نفسها بصدد القطن وبصدد القمح حينما كنت وزيرًا للمالية والتموين — أن تحدد الحكومة سعر المحصول الجديد للأرز وهو بعدُ قائم على الأرض حتى يتسنَّى للزارع أو الفلاح أن ينتفع من السعر الجديد، فلا يُضْطَرُّ إلى بَيْع محصوله بسعر بَخْس تسديدًا لما عليه من أموال والتزامات … كان من المنتظر — وكان من الواجب — أن تَتَّخِذ الحكومة هذا الإجراء للطبيعي الذي لا بد منه صيانةً للزراعة ورحمةً بالزارعين، بل كان عليها فوق ذلك أن تُعْلِن كما أعلنا نحن أنَّ كل تعاقُد يُخَالِف هذا السعر يبْطُل فِعْله وأثرُه، ولكنها لم تفعل هذا ولا ذاك! لماذا ولأية حكمة؟ سنرى ويا لله مما سنرى!

ظهر محصول الأرز الجديد في سبتمبر، والمتأخر منه في أوائل أكتوبر، وأَدْخَلَهُ الزارعون في مخازنهم، ورغم ذلك لا تحديد للسعر ولا شِبْه تحديد! بل على العكس، صدرت في هذه الأثناء قرارات من الحكومة تَفْرِض ضريبة كبيرة على تصدير الأرز (حوالي ٥ جنيهات على الشوال و٥٠ جنيهًا على الطن) وكان مِنْ أَثَرِ هذه الضريبة التي لا غبار عليها في ذاتها أنها هَبَطَتْ بسعر الأرز في السوق، لازدياد الكميات المتداولة واعتقاد الجميع أن المحصول الجديد سيكون من الوفرة بحيث يَزِيد على حاجات البلاد.

وفي هذه الأثناء ظَلَّت الحكومة ساكنة من غير ما حركة، فلم تخطُ خطوة واحدة نحو التسعير، وكان السعر القائم إذ ذاك يبلغ حوالي ثمانية جنيهات ونصف للضريبة.

لم تتحرك الحكومة، ولكن الأصهار والأنصار تحركوا، فمَشَوا في الأسواق يشترون الأرز بثمن بخس، ويذيعون بين الفلاحين أن الحكومة إذا ما رَفَعَت الأسعار فلن ترفعها إلا قليلًا، مع أنهم كانوا يعلمون جَيِّدَ العلم أن الحكومة ستحدد التسعيرة الجديدة بثلاثة عشر جنيهًا للضريبة!

لست يا مولاي ألقي الكلام على عواهنه، فلقد أخبرني رئيسٌ سابق للوزراء عُرِفَ بصدق الرواية أنه وَصَلَ إلى علمه قبل نشر التسعيرة الجديدة بحوالي أسبوعين أن الحكومة ستحدد للأرز سعرًا هو ثلاثة عشر جنيهًا للضريبة … وقد كان!

وما من شك أنه إذا كان هذا مبلغ عِلْم رجل بعيد عن الحكومة فكم يكون علم الأصهار والأنصار؟ إنهم ولا ريب من الراسخين في العلم!

انتظرت الحكومة إذن وظلت منتظرة حتى النصف الثاني من شهر أكتوبر، وحينئذٍ فقط أَصْدَرَت التسعيرة الجديدة، فإذا هي — ويا للعجب أو لغير العجب — ١٣ جنيهًا للضريبة!

وكان الأصهار والأنصار — وغيرهم من الشطار — قد اشتروا الألوف المؤلَّفة من أطنان الأرز، هذا بتسعة جنيهات وذاك بعشرة، وذلك بأحد عشر جنيهًا للضريبة، ولما كان السعر المحدد من الحكومة هو ١٣ جنيهًا للضريبة فقد كان معدَّل رِبْحهم في الضريبة الواحدة من اثنين إلى ثلاثة جنيهات، ومجموع كسبهم في مجموع ما اشتروا عشرات الألوف من الجنيهات.

بعض صفقات

ويشاء الله يا مولاي أن نقف على بعض وقائع معينة لا يأتيها الباطل من أمامها أو من خلفها، فهناك شخص يُدعَى محمد إبراهيم فريد وكيل الأستاذين أحمد الوكيل وحنا فوزي (ومكتبهما معروف بين التجار والسماسرة بالمكتب نمرة ٣٣)، هذا الشخص عَقَدَ الصفقات الآتية من الأرز قبل ظهور التسعيرة الجديدة.

فقد اشترى في ٤ أكتوبر سنة ١٩٤٢ من الخواجه ألفريد حسونة بالمنصورة ١٠٠٠ ضريبة من الأرز بسعر ١١ جنيهًا و٢٥ قرشًا للضريبة الواحدة وتسليم محطات للشحن (أي بما يوازي ١١ جنيهًا بالمزرعة)، وبعد ظهور التسعيرة الجديدة بثلاثة عشر جنيهًا نازَع البائع في التسليم فأنذره الأستاذ حنا فوزي، شريك الأستاذ أحمد الوكيل بوجوب التسليم بإنذار بتاريخ ٢٩ أكتوبر سنة ١٩٤٢ محكمة المنصورة.

واشترى أيضًا حضرة الوكيل عن الأستاذين حنا فوزي وأحمد الوكيل — قبل صدور التسعيرة — ١٠٠٠ ضريبة من السعيد أفندي وهبة التاجر بالمنصورة، و٤٠٠ ضريبة من حسن أفندي الوكيل بالسنبلاوين، و٥٠٠ ضريبة من أحمد أفندي البرعي ببلقاس، و١٠٠ ضريبة من محمد أفندي إسماعيل عوض ببلقاس، كما اشترى كمية من الأرز من الشيخ عوضين التاجر بشربين، وهذا بعض ما وَصَلَ إلى علمنا من مصادره!

وبعد صدور قرار الحكومة بتسعير الأرز جبريًّا بسعر ١٣ جنيهًا للضريبة بالمزرعة صَدَرَتْ على الفور خطابات مطبوعة باسم أحمد الوكيل وحنا فوزي أُخْطِرَ بها البائعون بأن عقود البيع التي باسم محمد إبراهيم قد صار التنازل عنها لهما، وطولب البائعون بالتسليم.

أُخِذَ البائعون المساكين بهذه المفاجأة السيئة وأحسُّوا اللعبة مكشوفة، والخسارة مضمونة، فأَبَوُا التسليم وتَلَكَّئوا فيه، وعندئذٍ سافر الأستاذ أحمد الوكيل إلى المنصورة وصحب سفره إعلان من جريدة البلاغ بتاريخ ٢٥ أكتوبر بأن الحكومة قد قَرَّرَتْ اعتماد جميع عقود الأرز المُبْرَمة قبل صدور التسعيرة الجديدة، رغم هذا أبى البائعون التسليم؛ فلم يكن من أحمد أفندي الوكيل إلا أنه هاج وماج وهدَّد البائعين بمختلف أنواع التهديد، ولكنهم أَبَوْا أن يعتقدوا أن الحكومة الرشيدة ستعتمد العقود السابقة على التسعيرة، وجابهوا الأستاذ أحمد الوكيل بذلك، معتمدين على سابقتي القمح والقطن.

حينئذٍ يا مولاي — وحينئذ فقط — اتَّصَل أحمد أفندي الوكيل تليفونيًّا أمام جماعة من زبائنه وغيرهم بحضرة صاحب المعالي فؤاد سراج الدين باشا، وطَلَبَ إليه — في لهجة الواثق — أن يُصْدِر تصريحًا بأن الحكومة لن تلغي أصلًا أيَّ عَقْد من العقود التي أَبْرَمَتْ بيع الأرز قبل صدور التسعيرة الجديدة، سواء أكان الأرز قد سُلِّمَ للمشتري أم لم يسلم.

وفي اليوم التالي يا مولاي — والتالي فقط — صَدَرَتْ جريدة الأهرام مُصَدَّرَة بحديث من صاحب المعالي وزير الزراعة فؤاد باشا سراج الدين، يعلن فيه التجارَ والزارعين بأن جميع صفقات الأرز من غير ما تمييز ولا تفريق ستظل قائمة محترمة من غير أن تَمَسَّهَا الحكومة بسوء، وأن عقود بيع الأرز التي عُقِدَتْ قبل صدور التسعيرة الجديدة ستظل نافذة، ولن تتدخل الحكومة بشأنها مهما يكن من أمرها: تم التسليم أم لم يتمَّ!

وزير الزراعة؟ وما شأن وزير الزراعة في تحديد الأسعار واعتماد العقود وتأويل النصوص؟ دهش الناس يا مولاي وظن حَسَنُو الظن منهم أن الحاكم العسكري لا بد متدخل لمصلحة الزارعين والفلاحين، إن لم يكن من باب الغيرة عليهم ففي القليل من باب الغيرة على سلطته العسكرية وسُمْعَته الشعبية، وقال بعض السذج: بل هي من سلطة وزير المالية. وفاتهم جميعًا أن أحمد الوكيل إذا ما قال فَعَلَ، وإذا ما تدخل فقد دَخَلَ!

صفقات السكر

يا صاحب الجلالة

للسكر أيضًا قصة وقصص، ولكني خشية الإطالة أقتصر على ما كان من أَمْر الاستيلاء العسكري وما صَحِبَ هذا الاستيلاء وتلاه من تصرفات وإجراءات من الشذوذ بمكان.

وكنت قد أعلنت في خطاب الميزانية أن الوزارة قَرَّرَتْ إلغاء نظام المتعهدين والوسطاء، وإنشاء مخازن في كل المديريات لتوزيع السكر على تجار التجزئة، وفي هذا وفرٌ على الحكومة يبلغ حوالي السبعين ألفًا من الجنيهات وضمان لتوزيع السكر على الأهالي من غير ما تخزين أو تهريب، وفوق ذلك فإني لم أعلن هذا النظام إلا بعد الاتفاق مع شركة السكر ممثَّلة في سعادة عبود باشا والمسيو سيانس، وهو اتفاق سَبَقَتْه مخابرات بين الشركة وموظفي المالية المختصين.

ولكن قبيل خروجي من الوزارة جاءني سعادة عبود باشا منكِرًا تارة أنه اتفق مع الوزارة، ومعتذرًا تارة أخرى بأن الاتفاق عسير التنفيذ، فلما واجَهْتُه بزميله المسيو سيانس أيَّد هذا الأخيرُ حصولَ الاتفاق معي ومع سعادة رسمي بك وكيل المالية، ولكن عبود باشا أَصَرَّ على عدم تنفيذ هذا الاتفاق مؤكِّدًا لي حُسْن نيته ومستشهدًا عليها برفعة النحاس باشا نفسه، الذي شرب في اليوم السابق نخبه — على حد تعبيره — وما أنا في ذلك إلا راوية، وناقل الكفر ليس بكافر.

غضبت يا مولاي لهذه المحاولة المكشوفة، واتصلت بالنحاس باشا تليفونيًّا أمام عبود باشا وأخْبَرْتُه بما قال، فإذا برفعته هَيِّن لَيِّن على غير المعهود؛ ومن ثَمَّ فقد اضْطُرِرْتُ في آخر جلسة حَضَرْتُها في مجلس الوزراء إلى الإصرار على وجوب الاستيلاء بأمر عسكري على إنتاج شركة السكر وتوزيعه بمعرفة الحكومة على النمط الذي فصلته في خطاب الميزانية وقوبل بالتحبيذ والتأييد من الوزارة ومجلس النواب معًا، ولكن كم كانت دهشتي إذ رأيت النحاس باشا يدافع عن نظرية عبود باشا ويتساءل عن الحكمة من إلغاء نظام المتعهدين والوسطاء، وأخيرًا بعد مناقشة عنيفة انتهى المجلس إلى الموافقة على اقتراحي بالاستيلاء على السكر وتوزيعه بالطريقة التي أَشَرْتُ إليها.

خرجت بعد يومين أو ثلاثة من الوزارة، وظللْتُ حتى آخر الشهر أتَرَقَّب صدور الأمر العسكري بالاستيلاء ولكنه لم يصدر!

وفي جلسة مجلس النواب المنعقدة في أول يونيو سألت معالي وزير المالية لماذا لم يَصْدُر أمر الاستيلاء حتى الآن، وبعد تهامُس وتشاوُر بين الوزراء أَعْلَنَ رفعة النحاس باشا أن الأمر العسكري قد صدر وأنه وقَّعه أمس (أي في ٣١ مايو)، دهشت يا مولاي ودهش كثيرون من النواب لهذه المفاجأة وتساءلنا كيف يصدر الأمر العسكري دون أن يُنْشَر في الصحف، ولكني قلت في نفسي لعله نُشِرَ في الجريدة الرسمية ولم تتمكن الصحف اليومية من نَشْره بعد.

غير أني رجعت إلى الجريدة الرسمية الصادرة في ٣١ مايو فلم أجد هذا الأمر العسكري المزعوم، رغم أنه قد صدر في نفس اليوم أمر عسكري رقم ٢٦٥ بإمضاء مصطفى النحاس بتعيين مراقب للنشر، فقلت لعل الأمر تأخَّر إلى اليوم التالي، ولكني وَجَدْتُ عدد أول يونيو خلوًا منه، كما وَجَدْتُ للعدد ملحقًا وملاحق ليس فيها أية إشارة للأمر العسكري المزعوم، أو الموهوم!

فقلت لعله صدر في اليوم التالي للتالي، ولكني رجعت إلى عدد ٢ يونيو فإذا هو عدد خاص يشمل أمرًا لمصطفى النحاس صادرًا بتاريخ ٢ يونيو، فعجبت يا مولاي كلَّ العجب كيف يُنْشَر أَمْر تاريخه ٢ يونيو ولا يُنْشَر أمر الاستيلاء على السكر وتاريخه ٣١ مايو! وكيف صَدَرَتْ أوامر عسكرية وإدارية أخرى بتاريخ ٣١ مايو وأول يونيو ونُشِرَتْ جميعها ولم يُنْشَر الأمر العسكري المزعوم صدوره في ٣١ مايو؟

وأخيرًا طلبت الأعداد التالية، فإذا بي أرى في عدد ٣ يونيو الأمر العسكري الصادر في ٣١ مايو!

عجبًا، أليس هذا تزويرًا، بل فلنكن رحماء ونَصِفُهُ بأنه تزييف رسمي للحقائق الرسمية، من هيئة رسمية!

وتفصيل ذلك هو أنني حينما سألت الوزارة في جلسة أول يونيو عن الأمر العسكري بالاستيلاء على السكر لم يكن هذا الأمر قد صَدَرَ فادَّعَوْا كذبًا أنه صدر أمس، ثم عادوا إلى مكاتبهم في اليوم التالي — أي في يوم ٢ يونيو — وبادَرُوا بوضع الأمر العسكري وتوقيعه ثم أرسلوه للمطبعة، فنشر في الغد، أي في يوم ٣ يونيو، وأرَّخوه بتاريخ ٣١ مايو، وبهذا صَدَرَ الأمر، وافتضح الأمر في وقت معًا!

ولم يكن هذا التزييف مجانًا يا مولاي، فإن حِكْمَتَه ظَهَرَتْ على لسان وزير المالية حينما أعلن في البرلمان أنه يخالفني في طريقة التوزيع، وأنه سيعود إلى نظام تجار الجملة ونصف الجملة، ولو أَنْصَفَ لقال نظام الوسطاء والمتعهدين!

وهذا النظام — نظام الوسطاء والمتعهدين — هو السر كل السر في أزمة السكر التي ظَلَّتْ قائمة حتى الآن، فضلًا عن فوضى التوزيع التي يتحدث بها المتحدثون، وسأبين يا مولاي في موضع آخر كيف أدَّى هذا النظام إلى تفشي الرشوة بين الموظفين وغير الموظفين، وكيف أصبح بعض النواب ورجال الإدراة من وسطاء السكر والموزعين! وحسبي أن أذكر هنا بعض الوقائع الرسمية للتدليل على المحسوبية في صفقات السكر.

فقد نَشَرَت الصحف أسماءَ تجار الجملة في القاهرة الذين عُهِدَ إليهم بتوزيع السكر، فإذا من بينهم هذا المحسوب وذاك المحسوب، وفي مقدمتهم أحد أقرباء وزير المالية، فقد أُعْطِيَ تعهُّدًا بألف طن من السكر، وآخر أُعْطِي مثل هذا التعهد وهو عضو في لجنة الوفد بالأزبكية … إلخ … إلخ.

وفي الشرقية نسيب قريب لرفعة النحاس باشا — هو حضرة النائب المحترم حسين أفندي فهمي زوج كريمة صاحب العزة عبد العزيز بك النحاس — فهو متعهد توزيع السكر والدقيق، وتحت يدي صورة مستند (أرفقه مع هذا) يتبين منه أن حضرة حسين أفندي فهمي صُرِفَتْ إليه كمية من السكر بوصفه متعهدًا للجيش، وقد صرفت له هذه الكمية من السكر الوارد لبندر الزقازيق والمخصص له.

وهذا نص المستند:

حضرة سكرتير الغرفة التجارية بالزقازيق

مديرية الشرقية: مكتب التموين.
١٠ ١٥ ٢ ١٠
سكر روس سكر ناعم سكر كسر سكر ماكينة
حسين بك فهمي (متعهد الجيش) ٥ ٥ ١٠
عمدة القنطرة ٥ ١٠ ٢

نأمل صرف كمية السكر الموضحة لحضرتَيِ المذكورَيْنِ بعد قيامهما بدفع الثمن بحسب التسعيرة الجبرية من الرسالة الواردة للبندر اليوم.

وتقبلوا تحياتي.

توقيع
مدير الشرقية

ولحضرة النائب المحترم حسين أفندي فهمي تعهُّد آخر أهم وأدسم، هو تعهُّد الدقيق، فقد سُمِحَ له بأن يأخذ الدقيق المرتَّب لكثير من المحلات التجارية بالسويس والإسماعيلية ومصر لبيعه خبزًا لعمال الجيش، وقد فُتِحَ في هذه المنطقة ومنطقة الشرقية أكثر من خمسين مخبزًا، ويقول العارفون بأنه يُحَصِّل في اليوم من تعهداته هذه حوالي مائة جنيه، وأنه اشترى أخيرًا صفقة طيبة من الأطيان — ومن طريف ما يُذْكَر أنه يَكْتُب على بطاقته أنه محامٍ ومتعهد للجيش — هذا فضلًا عن نيابته عن الأمة التي يمت إليها بسبب وبنسب.

وأخيرًا، فإن تحت يدي مستندًا آخر بإمضاء حضرة النائب المحترم خليل بك الجزار (عديل النحاس باشا) بتاريخ ١١ / ٥ / ١٩٤٢، وهو عبارة عن «توصية» لوكيل التموين السابق حضرة صاحب العزة محمود بك عزمي، وقد كُتِبَت التوصية على ظَهْر خطاب من مدير المنوفية إلى وزير المالية، مؤيِّدًا الطلب المقدَّم من حضرة أحمد مصطفى علي أفندي التاجر بشبين الكوم للحصول على كمية من السكر قدرها ١٠٠٠ طن لتوزيعها، وفيما يلي نص توصية خليل بك الجزار:

عزيزي محمود بك عزمي

بعد التحية، أرجو تسهيل مأمورية الحاج أحمد مصطفى علي الذي تعرفونه جيدًا، وسرعة تنفيذ خطاب المديرية الموضح صورته باطنه، ولكم الشكر مقدمًا.

وتقبلوا فائق الاحترام.

إمضاء
خليل الجزار
١١ / ٥ / ١٩٤٢

وقد عَرَضَ سعادة وكيل التموين السابق هذا الخطاب عليَّ فلم أُنَفِّذْه بطبيعة الحال؛ لتعارُضِه مع خطتي في إلغاء نظام التعهد والوسطاء، ولكن هذا الخطاب كغيره يدل على كيفية سير الأمور وعقد صفقات التموين في هذا العهد، أن وكيل التموين المنتدب (عزمي بك) فقد أُحِيلَ على المعاش عقب خروجي من الوزارة لأنه رغم كفياته لم تكن له من المؤهلات ما يلزم لتسهيل الصفقات!

صفقات الخشب

رسا عطاء كبير عن الخشب (وكمية هذا الخشب تبلغ حوالي ١٠ آلاف طن بسعر ٣٥٠ قرشًا للطن) على أحد التجار، وهذا تنازَلَ عنه للأستاذ أحمد الوكيل وحنا فوزي، فطلب الأخيران إلى مجلس السكة الحديد إعطاءهما مهلة لإتمام توريد الصفقة، وعَلِمْتُ أن هذا التنازل قد تم في مقابل مبلغ كبير دَفَعَهُ الأستاذان لصاحب العطاء.

وحَدَثَ بعد ذلك أن رأى الناس الأشجار تُقطع في شارع العجوزة بضواحي القاهرة … ولولا تدخُّل حضرة صاحب السمو الملكي الأمير محمد علي لجُرِّدَ الشارع من جميع أشجاره، وكان الشروع في تقطيع هذه الأشجار بِناء على مذكرة من وزارة الأشغال ترمي إلى بيع الأخشاب لمن يشتريها، ومن يشتريها سوى أحمد الوكيل؟

وكذلك باعت وزارة الأوقاف كميات كبيرة من الأخشاب اقْتُطِعَتْ حديثًا، وكان في مقدمة المشترين حضرة النائب المحترم أحمد الوكيل وشريكه، وحكمة هذا الشراء هي تمكينهما من توريد الخشب للسكة الحديد حسب العطاء، والربح من ورائه ربحًا فيه سخاء.

وبما أني لم أطَّلِع على مستندات هذه الصفقات واستقيت معلوماتي عنها من مصادر عليمة، فإني أتشرف بعرضها على مقامكم السامي لتأمروا بتحقيقها إذا تفضلتم فشئتم.

وهناك صفقات أخرى يا مولاي خاصة ببالات الخيش اختص بها في إقليمه أحد حضرات النواب الذي ينتمون بصلة القرابة إلى أحد الوزراء، وكذلك صفقات خاصة بأحمال التبن لقريب من أقرباء الوزراء، وأخرى خاصة بالسماد والورق، ولكني لم أشأ أن أعرض لها تفصيلًا لعدم حصولي على مستنداتها.

صفقات الجلود

ومع أن الجلود ممنوع تصديرها بقرار من مجلس الوزراء نفسه (وقد أشرت إلى ذلك فيما تقدَّم)، فقد عادت الوزارة فيما يظهر إلى السماح بتصدير الجلود ورغم القرار المذكور، تحقيقًا لصفقاتٍ ووساطات، وقد روى لي أحد حضرات النواب كان أخيرًا يزور أحد وكلاء الوزارات، وسَمِعَه يتكلم في التليفون معترضًا على السماح بتصدير الجلود رغم القرار الرسمي بمنعه!

صفقات الأسمنت

هناك فوق ذلك صفقات الأسمنت، فقد كان التصريح بالحصول على الأسمنت من اختصاص لجنة في وزارة التموين، فانتقل إلى هيئة يرأسها معالي وزير الأشغال، ومنذ ذلك الحين أُعْطِيَتْ تصريحات بكميات وفيرة وغير عادية إلى بعض حضرات الوزراء والأقرباء والأنسباء، وفي مقدمة هؤلاء الأخيرين حضرة صبحي أفندي الشوربجي وأخوه وبعض ذوي القربى لوزيري الأشغال والزراعة كمحمد بك عرفان وغيره، وقد أُعْطُوا من كميات الأسمنت ما يعادِل المخصَّص لمدينة بأكملها.

٨٠٠ ألف جنيه

ومن طريف ما نختم به هذا الباب أن حضرة صبحي بك الشوربجي ذَهَبَ إلى أحد البنوك ليقبض شيكًا، فلما تباطأ الموظف المختص في صَرْف الشيك ليراجِع الرصيد جريًا على النظام المتبَع، ثار حضرته وذَهَبَ إلى موظف كبير في البنك شاكِيًا من معاملته بمثل هذه المعاملة، وهو الذي ربح في عام واحد ثمانمائة ألف جنيه! ولا يسعنا إلا أن نؤيد حضرة الشاكي في شكواه ونرثي لبلواه، عسى أن يؤيدنا في شكوانا ويرثي لبلوانا!

هذا يا مولاي قليل من كثير، وقد عنيت أول ما عنيت بذكر الدليل على هذا القليل، وفيه ما يغني عن كل تفصيل؛ إذ هو يدل دلالة قاطعة مفجعة على الأحوال التي تمر بها البلاد، والتي خَلَقَتْ حول نزاهة الحكم جوًّا قاتمًا، كله سواد في سواد.

(٦) الفرع السادس: تفشي الوساطات وتفشي الرشوة معها في الصفقات التجارية والوظائف الحكومية وإلغاء الأحكام العسكرية وتعيين العمد وفصلهم، بل وقبول الطلبة في المدارس

يا صاحب الجلالة

يعلم الله والمصريون — وغير المصريين أيضًا مع بالغ الأسف — أن كل محاولة لتصوير الهاوية التي انحدرت إليها سمعة الحكم في هذه البلاد على يد الوزارة الحاضرة، إنما هي محاولة قاصرة لا يمكن أن ترقى — أو على الأصح تهبط — إلى المستوى المروِّع الذي يُحِسُّه الناس ويشهدون عليه شتى القرائن وعديد الظواهر!

ولعل أخطر هذه الظواهر وأفجعها، يا مولاي، ذلك اللغط الذي يكاد يكون إجماعيًّا — يستوي فيه المتعلم والجاهل، والكبير والصغير، والحزبي والمحايد، والحضري والريفي، والموظف والتاجر — حول الواسطات والشفاعات، وسيطرتها على الدولة بشتى فروعها، إلى حدٍّ تضاءلت إلى جانبه كلمة القانون والنظام، وأصبح كل حديث عن مصلحة تُقْضَى، أو صفقة تُبْرَمُ، أو حقٍّ يُطْلَبُ، مقترنًا بحديث الرشاوى والمساومات، وما ينبغي أو لا ينبغي أن يتذرع به طلاب المصالح والحاجات!

وهذه الظاهرة الخطيرة، يا مولاي، ليست سرًّا من الأسرار، ولكنها محسوسة ملموسة، إلى حدٍّ حَمَلَ بَعْضَ الصحف المعروفة على محاولة التنبيه إلى خطورة الحال، رغم قيود الرقابة وأغلالها الثقال، وقد تذَّرَعَتْ مجلة المصور بأسلوب فكاهي سمج لها بالإشارة إلى ذلك في عددها الصادر في يوم ٢٠ أكتوبر سنة ١٩٤٢ وقالت بالحرف الواحد:

كل من له حاجة في ديوان أو مصلحة ويوسطك فيها لترجو وتسعى وتقنع ينتهي دائمًا حديثه بمحفظته؟!

– ماهذا

– لا، دول بس مصاريف الأوتوموبيل و«مصاريف الأوتوموبيل» هذه تصل تارة إلى ٥٠ جنيهًا وترتفع تارة أخرى إلى ٢٠٠ جنيه!

الذين يعرضون عليك الآن «مصاريف الأوتوموبيل» هم الأغلبية، شاع في الأذهان أن كل عمل بأجر، فإذا أَحْرَجْتَ من يعرض النقود ودافعْتَ عن نفسك، وعن سمعتك، وعن كرامتك، بدا له أنك تمزح؟! فإذا اشتددْتَ معه وأفهمته بالمنطق أنك لا تقبل فلوسًا غمزك غمزة فنية وهمس قائلًا: استعملها. فلان بياخد وفلان بياخد.

هذا الداء الاجتماعي وهو داء عَرْض الرشوة استفحل أَمْرُه، والأذهان المريضة التي لا تقبل إلا هذا الاعتقاد عمَّتْ وشاعت في هذا البلد، حتى المثقفين المتخرجين من جامعات أوروبا يعرضون فلوسًا.

لا حول ولا قوة إلا بالله …

ولست أريد، يا مولاي، أن آخذ بهذه الأقوال كلها أو بعضها على إطلاقه، وقد كان لي أن أستند إلى الحديث الشريف، «ألسنة الخلق أقلام الحق» وإنما أتشرف في هذا الصدد بتسجيل حالة نفسية ومعنوية سائدة بين الأمة على اختلاف طبقاتها، وهي حالة لا تُشَرِّف القائمين بالحكم بل تلقي عليهم مسئولية خطيرة جديرة بالمؤاخذة والحساب العسير.

(٦-١) عقد سمسرة بمبلغ ٤٥٠ ألف جنيه

ولعل من أبلغ الأمثلة في إبراز النظرة السائدة إلى أساليب الحكم وسمعته في هذا العهد أن رجلًا من كبار رجال الأعمال تعاقَدَ مع سمسار على صفقة (وصورة العقد في يدي أتشرف بضَمِّهَا إلى مجموعة الوثائق والمستندات المرفقة بهذه العريضة)، وبمقتضى هذا العقد يتعهد السمسار لرجل الأعمال المشار إليه، وهو أحد أصحاب البنوك … بماذا، يا مولاي؟ بالسعي لدى الحكومة المصرية للحصول على إذن بتصدير كمية تتراوح بين خمسة آلاف وعشرين ألف طن من الأرز إلى الخارج، ثلاثة أرباعها إلى تركيا وربعها إلى سوريا!

وفي أي مقابل؟ في مقابل خمسة عشر جنيهًا عن كل طن يُصَدَّر إلى سوريا، و٢٥ جنيهًا عن كل طن يُصَدَّر إلى تركيا!

وبعملية حسابية بسيطة يتبين أن مجموع السمسرة التي يتناولها السمسار المحترم، أو على الأصح متعهد الترخيص، بمقتضى العقد، يصل إلى ٤٥٠٠٠٠ جنيه؛ أي نحو نصف مليون جنيه!

فهل توجد حكومة أخرى في الدنيا غير حكومة النحاس باشا يتعهد السماسرة بالحصول منها على ترخيصات على هذا المثال؟!

وهل يصح في عقل أحد أن تُقَدَّر السمسرة بمثل هذا المبلغ الجسيم لكي يستولي عليها السمسار وحده، أو أن هناك عنصرًا خفيًّا من عناصر التقدير، هو أن السمسار يعلم أن لا بد مِنْ دَفْع مبلغ أو مَبالغ جسيمة لأصحاب الشأن أو النفوذ للحصول على أذون التصدير؟!

على أن أقل ما ينطوي عليه تبادُل عقود من هذا القبيل في عهد النحاس باشا ووزارته، هو أن شئون الدولة الخطيرة، كالتصدير، قد أصبحت هدفًا للسمسرة بأضخم المبالغ، كما أصبحت مطامع الطامعين في طارئ الثراء على حساب الإجراءات الحكومية شيئًا عاديًّا لا يتجاوز حدود الميسور والمألوف!

(٦-٢) المكتب نمرة ٣٣

هو مكتب الأستاذين أحمد الوكيل وحنا فوزي بشارع سليمان باشا، وهو محور النشاط الاقتصادي في هذا العهد!

وكيف لا يكون الأمر كذلك، يا مولاي، وقد رأى الناس أحد الشبان من صغار الموظفين، الذين لم يُعْرَفُوا يومًا بثروة موروثة أو مكسوبة، ولم يشتغلوا يومًا أو بعض يوم في تجارة نافعة أو كاسدة، يظهر على مسرح الأسواق فجأة حين يظهر زوج شقيقته على مسرح الحكم، فإذا الموظف الرقيق الحال، أحمد أفندي الوكيل، يترك وظيفته الحكومية الصغيرة، ليقفز سلم الثروة الطارئة، في شهور معدودات، باعتباره تاجرًا يُشَارُ إليه بالبنان، وخبيرًا في شئون التموين والتصدير والحراسة، ولا يجود بمثله الزمان!

كيف لا يذهب الناس بسمعة الحكم كل مذهب، يا صاحب الجلالة، وهم يشهدون في كل يوم، وفي كل مجال تجاري أو غير تجاري، عملًا من أعمال الوساطة أو التصدير أو التوريد أو التموين باسم أحمد الوكيل تارة، وباسم «أحمد الوكيل حنا فوزي تارة، وباسم أحمد الوكيل صبحي الشوربجي ثالثة، أو باسم قريب مُقَرَّب لهذا أو ذاك الوزير، وهكذا إلى آخر الأسماء والمسميات؟!

ولعل زيارة إلى المكتب نمرة ٣٣ — الذي يَقْصِد إليه القاصدون — تكفي في إبراز المعنى الذي إليه نقصد.

فإذا قال قائلهم: إن كل ما شاع وذاع، وزلزل الأسماع، عن سمعة الحكم ونزاهة الحكام ليس إلا ضربًا من أكاذيب الكاذبين وأوهام الواهمين، وإذا ما ذَهَبْنا مع هذا القائل إلى أبعد ما يُفْتَرض من فروض، فهل يقع اللوم على المحكومين وهم يرون بأعينهم مثل هذه المظاهر الواضحة، والشواهد الفاضحة على استغلال النفوذ بأسوأ معانيه، أم اللوم على أولئك الذين عملوا — وما زالوا يعملون — على جَعْل سمعة الحكم مُضْغة في أفواه المصريين والأجانب على السواء؟!

على أن هناك بعض وقائع — وليس من الميسور بطبيعة الحال في مثل هذه الظروف إلا الوقوف على بعضها — تدُلُّ، بل تقطع باستغلال النفوذ وتفشِّي وساطة هذا المكتب وغيره من المكاتب — أو هذا القريب وغيره من الأقارب — للحصول على الثراء هينًا لينًا بلا عناء!

(٦-٣) تصريحات السماد

ومن هذه الذائعة الشائعة ما يتناقله كبار المتصلين بالزراعة عن أعمال السمسرة للحصول على تصريحات بنقل السماد، وبيعه بأسعار عالية تتجاوز أسعاره الرسمية بكثير، وليس أدل على ذلك من أنه من بين المائة ألف طن من السماد قد صُرِّحَ بنقل ٢٧ ألف طن؛ أي ٢٧٪ مع أن المفروض أن النسبة كانت لا تزيد على ٥٪ على أكثر تقدير، ولكن الحقيقة المرة هي أن بعض من صُرِّحَ لهم بالسماد أخذوا كميات تزيد على حاجتهم لكي يتَّجروا بها، فكانوا يبيعون السماد بواسطة هذا المكتب وغيره من الوسطاء، بأسعار تراوَحَتْ بين الخمسة والسبعة جنيهات للشوال؛ أي بأكثر من ضعفي السعر المحدَّد، بل إن بعض السماسرة كانوا يدَّعون أنهم يبيعون سمادًا لبعض أصحاب المعالي الوزراء!

(٦-٤) حراسة أحمد الوكيل على تركة بمليون جنيه

وكما اقتحم أحمد أفندي الوكيل أسواق التجارة والصناعة، والتصدير والتوريد، ولم تَسْبِق له خبرة أو دراية أو دراسة، أو صلة قريبة أو بعيدة بشئون المال والاقتصاد، أصبح الناس فإذا الأيام تكشف عن جانب آخر من جوانب خبرته التي ظهرت فجأة على عهد نسيبه صاحب المقام الرفيع، وهي صلاحيته لأعمال الحراسة على أضخم التركات!

أجل يا مولاي، فقد عُيِّنَ أحمد أفندي الوكيل منذ بضعة أسابيع حارسًا على تركة تُقَدَّر بنحو مليون جنيه، وهي تركة يوسف سلامة، التي يتنازعها الأخوان سلامون وابرامينو سلامة من جانب، وبنات صاحب التركة من جانب آخر، ويُقَدَّر إيراد أحمد الوكيل من هذه الحراسة بعدة آلاف من الجنيهات في العام!

وقد يُعَدُّ من حُسْن المصادفات وحدها أن يكون الحارس السابق الذي يَخْلُفه أحمد الوكيل في حراسة هذه التركة الضخمة صاحب المعالي فؤاد سراج الدين باشا وزير الزراعة الحالي! ولو قد يبرر أستاذ هذه التركة إلى معاليه أنه من كبار المزارعين والمالكين.

ولكن، ماذا عسى أن يقال في تبرير اختيار أحمد أفندي الوكيل لهذه الحراسة الكبيرة؟! وبماذا يمكن أن يُعَلِّل المعللون اتفاق الأخوين — بعد خلاف سابق — على هذا الاختيار السديد السعيد!

(٦-٥) لماذا؟ ولماذا؟!

أهي خبرته الزراعية؟ كلا، فإن حضرته لم يكن من أصحاب الدراية، ولا الهواية الزراعية في يوم من الأيام!

أهي كفايته الإدارية؟ لا أعتقد، فإن حضرته لم يصل في سلك الوظائف الإدارية إلى أكثر من وظيفة متواضعة في سكرتارية مجلس الشيوخ!

أهي مؤهلاته القانونية؟ لا أظن، فإن حضرته لم يلتحق بكلية الحقوق، لأنه لم يحصل إلا على شهادة التجارة المتوسطة.

لماذا إذن كان اختيار أحمد أفندي الوكيل في هذا الزمان، وفي حاضر الأوان، دون سواه من خلق الله المزارعين أو المالكين أو المتعلمين أو الخبيرين في أنحاء البلاد!

أهي الرغبة في استغلال نفوذه أو على الأصح نفوذ من إليه كصاحب الرفعة رئيس الوزراء وغيره؟ أهو السعي للحصول على مصلحة أو مصالح معينة في الحكومة؟ أم هو الأمل في استصدار فتوى لتأييد وجهة نظر دون غيرها! أو لعلها وسيلة لتيسير الحصول على ترخيصات أو تصريحات أو غيرها مما يقتضي التقريب والزُّلْفَى إلى ذوي الجاه والسلطان!

هذه هي الأسئلة والفروض التي لا يخطر غيرها بالأذهان، حين يعلم الناس بتعيين حضرة النائب المحترم أحمد الوكيل — ولا أحد غير أحمد الوكيل — على تركة ضخمة كهذه تبلغ مليون الجنيهات!

(٦-٦) شركة المحتسب الأعظم

أجل يا مولاي، هي شركة صاحب المعالي أمين عثمان باشا رئيس ديوان المحاسبة، أو المحتسب الأعظم كما أراد أن يسمي نفسه؛ في هذا الزمن الذي تسوده روح الاستغلال، بل روح الاستغفال، بلا رقيب ولا حسيب!

فقد كان أمين عثمان باشا يدير شركة للتصدير والتوريد، ألَّفها بالاشتراك مع أحمد عبود باشا وفرغلي باشا وغيرهما من التجار والماليين، فلما عُيِّنَ رئيسًا لديوان المحاسبة — وهي وظيفة وُضِعَتْ في مستوى منصب الوزارة — أصبح من المتعيَّن عليه أن ينقطع عن كل عمل تجاري، ويستقيل من عضوية الشركات ومن بينها مهمته في مجلس إدارة بنك مصر كمندوب للحكومة.

(٦-٧) ولكن ماذا حدث؟

حدث أن رأى أمين باشا مِنْ حَوْلِهِ طوفانًا من أعمال الاستغلال، وابتزاز الأموال، من طريق استغلال النفوذ، حتى أصبح بعض صغار الموظفين الشبان كأحمد أفندي الوكيل، أغنياء أثرياء في أقل من عام، ويظهر أنه شَقَّ عليه أن يقنع بوظيفته، ويتخلى عن شركته، بينما الفرصة أمامه واسعة يانعة، لمسايرة العهد الحاضر وأصحابه في استجماع الثروة، واستعجالها من طريق الاستغلال الحكومي المفضوح.

وسارَعَ أمين عثمان باشا فاستصدر قرارًا من مجلس الوزراء بالموافقة على تأسيس شركة مصرية للتصدير والاستيراد، أكثر أعضائها هم أعضاؤها السابقون، مع استثناء خفيف لطيف، هو إبدال اسم أمين عثمان باشا باسم السيدة المحترمة زوجته الفاضلة!

(٦-٨) إخفاء الأسماء

وأذاع مجلس الوزراء بين قراراته هذا القرار، فلما أرادت الصحف نَشْرَه كانت التعليمات قد سَبَقَتْ إلى الرقباء بأن ينشروا نبأ تأليف الشركة ويَحْذَروا إذاعة الأسماء!

لماذا؟ لأن نشر الأسماء بطبيعة الحال سيؤدي إلى تساؤل الناس، بل إلى تنبيه أذهانهم إلى ما هنالك من تحايُل سافر ساخر، وتَسَتُّر واضح فاضح، على مظهر من مظاهر استغلال النفوذ للكسب والثراء!

وليس هناك ما هو أسطع وأوقع في إثبات هذه التهمة الخطيرة من هذا الحظر الذي فرضَتْه الرقابة على أسماء شركة أمين عثمان باشا، رغم إذاعة قرار تأليفها متضمنًا أسماء أصحابها في صلب قرارات مجلس الوزراء!

ومن هو أمين عثمان باشا الذي يدير الشركة باسمه أو باسم السيدة المحترمة قرينته من بعده، وهي كما قُلْتُ شركة للتصدير والاستيراد تحتاج في أعمالها وتجارتها إلى ترخيصات حكومية لا ينالها إلا المحظوظون المحسوبون؟!

هو رئيس ديوان المحاسبة وصاحب النفوذ الأول أو الثاني — لست أدري، أو لعلي أدري — في عهد الوزارة الحالية!

فهل من حاجة إزاء مثل هذه الحالة الصارخة إلى شرح أو تعليق؟!

(٦-٩) مكتب محامٍ ومتعهد للجيش

وهذا يا مولاي مكتب محامٍ شابٍّ آخر من ذوي الحظوة؛ لأنه من ذوي القربى، وهو حضرة النائب المحترم حسين فهمي أفندي زوج كريمة حضرة صاحب العزة عبد العزيز النحاس بك، شقيق رئيس الوزراء، وقد كان محاميًا براتب صغير في بنك التسليف، فرُفِعَ راتبه بعد انتخابه عضوًا بمجلس النواب، ولم يلبث حتى قَفَزَ به ميدان التعهدات والتوريدات والوساطات إلى مراتب الثروة الطارئة المفاجئة، فإذا هو يفتتح مكتبًا ويطبع «بطاقات» يُعْلِنُ فيها أنه «محامٍ ومتعهد الجيش»!

وإذا تحت يده حوالي خمسين مخبزًا في مديرية الشرقية لكثرة التعهدات التي نُزِعَتْ من التجار والمتعهدين — سواء في الغلال أو السكر — وأُعْطِيَتْ لحضرته! (وقد تَشَرَّفْتُ بالإشارة إلى ذلك في باب صفقات التموين، وذَكَرْتُ ما تيسر لي من مستندات).

أما وساطاته وشفاعاته فهي محل الحديث في مديرية الشرقية بوجه خاصٍّ، ويَذْكُر أهلها في هذا المقام أسماء تجار بالمديرية صَدَرَتْ عليهم أحكام عسكرية بالسجن ثم أُلْغِيَتْ أو خُفِّفَتْ إلى الغرامات البسيطة بفضل تدخُّله ونفوذه الذي لا يخيب.

وفي هذه الفترة الوجيزة من الزمان استطاع المحامي النابه، صاحب الوساطات والتعهدات أن يشتري قدرًا طيبًا من الأطيان.

(٦-١٠) الأحكام العسكرية

وإذا كُنْتُ قد أَشَرْتُ إشارة عابرة يا مولاي، إلى ما تَلُوكُه الألسنة بشأن بعض الأحكام العسكرية؛ فإني أرى حتمًا عليَّ أن أشير إليها مرة أخرى إزاء ما تفيض به الأحاديث عن تدخُّل بعض ذوي النفوذ من المحامين النواب والشيوخ الوزاريين لدى السلطات المختصة، والوصول من هذا الطريق إلى تعديلها أو إلغائها أو وَقْف تنفيذها إلى حدٍّ أثار اللغط والشكوى حتى بين رجال القضاء أنفسهم.

ومن الوقائع التي تُرْوَى، أن تاجرًا من تجار الجواهر حُوكِمَ لتهريب جواهر قيمتها ألوف من الجنيهات، وبينها خاتم واحد يُقَدَّر بمبلغ ألفين وخمسمائة جنيه، ثم صَدَرَ الحُكْم بحبسه سنة وبغرامة قدرها خمسمائة جنيه ومصادرة الجواهر المهربة، فلم يلبث الحُكْم أن عُدِّلَ لأسباب لا أحب أن يُرَدِّدها قلمي، وإن لم يَمْنَع ذلك من رجاء تحقيق في هذا الشأن، لإزالة ما ذاع هنا وهناك من أثقال القيل والقال!

ويلوك العارفون حكايةَ محامٍ فتًى تَخَرَّج أخيرًا — وهو نجل موظف كبير وكبير جدًّا — قَبَضَ ٤٠٠ جنيه نقدًا وعدًّا لإلغاء حكم عسكري، وقد ساعَدَهُ التوفيق أيما مساعَدة، وفقًا للقاعدة!

ومن هذا القبيل ما يروي الرواة، نقلًا عن الثقات، أن هناك حُكْمَيْن صَدَرَا على اثنين من أهل الفيوم في عهد وزارة صاحب الدولة حسين سري باشا، فامتدت يد العهد الحاضر إليهما بالوقف والتعديل، والأمثلة يا مولاي عديدة مديدة، ولا علاج لمثل هذا العبث الخطير إلا التحقيق الدقيق.

(٦-١١) فصْل العمد وتعيينهم

أما الوساطات بشأن فَصْل العمد وتعيينهم فحديثها يملأ أرجاء البلاد، ولا سيما في بعض مديريات الصعيد، حتى لقد وَصَلَ الأمر إلى فَصْل أكثر من عشرين عمدة في مركز واحد! والناس يذهبون في أنوع الوساطات الخاصة بهذا الموضوع شتى المذاهب، ويقسمونها حسب أهميتها وفئاتها إلى درجات ومراتب!

ومن طريف ما يُذْكَر أن عمدة إحدى القرى عُيِّنَ للعمودية في الوقت والذي قَرَّرَتْ فيه اللجنة المختصة نفيه إلى الطور! وصدر القراران في وقت واحد.

(٦-١٢) قبول الطلبة بالكلية الحربية

وهذه قصص لا تُحْصَى ولا تُسْتَقْصَى، عن قبول الطلبة في المدرسة الحربية، وكيف قَفَزَ العدد السنوي الذي جرت العادة بإلحاقه بهذه المدرسة من ثمانين طالبًا إلى ٢٥٠ قُبِلُوا أولًا من بين حَمَلَةِ الشهادة التوجيهية، ثم قُبِلَ ٢٥٠ آخرون من حملة شهادة الثقافة، بل وَصَلَ الإخلال الفاضح بشروط القبول إلى حدِّ التجاوز حتى عن شهادة الثقافة، كما حَدَثَ في حالة شقيق حرم رئيس الوزراء واسمه «حسين عبد الواحد الوكيل».

وقد كان من شأن هذه الفوضى المحزنة في قبول الطلبة بالكلية الحربية أن يُشَجِّع على رواج شتى الأقاويل عن وساطات الشيوخ والنواب والأقارب والأصحاب، وتفاقَمَت الأقاويل إلى حدِّ الدخول في أدق التفاصيل عن أسعارٍ دُفِعَتْ لأصحاب الوساطات طبقًا لشهادة الطلبة المتقدمين، فقيل: إن هذا السعر ترواح بين مائة وخمسين جنيهًا ومائتين!

(٦-١٣) سمك وسمان

وعلى ذِكْر حكاية القبول في الكلية الحربية بشهادات وبلا شهادات على يد وزارة النحاس باشا، أتشرف بأن أسوق هنا مثالًا من طرائف المصادفات والمفارقات.

فقد عثرْتُ بمحض المصادفة على «بوليصتين» من مصلحة السكك الحديدية (أتشرف بضمها إلى مجموعة الوثائق) إحداهما مؤرخة في ٤ / ١٠ / ١٩٤٢، وهي خاصة بقفص من السمان مرسَل من دمياط إلى صاحب المعالي حمدي سيف النصر باشا وزير الدفاع، والأخرى مؤرخة في ١٣ / ١٠ / ١٩٤٢ وهي خاصة بقفص من السمك، وهو مُرْسَل كذلك إلى معاليه، أما مصدر القفصين، فهو شخص واحد اسمه الدكتور محمود فكري، كان شقيق زوجته «فكري أفندي حامد زاهر» من سعداء الطلبة الذين قُبِلُوا في الكلية الحربية هذا العام!

ومعاذ الله، يا مولاي، أن أذهب إلى أن قفصًا من السمك الطازج أو السمان الفاخر، يُعْتَبر ضربًا من الرشوة لقبول أحد الطلاب في الكلية الحربية، ولكنها على كل حال مصادفة طريفة أن يكون صاحب الهديتين قريبًا لأحد الطلبة المحظوظين بالقبول، وأن يكون تاريخ إرسال الهديتين قريبًا جدًّا من تاريخ القبول في هذا العام.

وهل هناك ما يَمْنَع المجاملة، كمظهر من مظاهر المعاملة؟

ومهما يكن يا مولاي من أَمْر القال والقيل، وسوء التخريج والتأويل، فإن الذي لا شك فيه أن هناك تصرفات خطيرة وَقَعَتْ في قبول الطلبة بالكلية الحربية على عهد الوزارة الحاضرة، وأن في هذه التصرفات خرقًا جريئًا وتجاوزًا فاضحًا لحدود اللوائح والقوانين!

(٦-١٤) حتى المجانية

حتى مجانية القبول في سائر المدارس، وهي محمودة الأثر في ذاتها، لم تتحرج وزارة النحاس باشا من إساءة تطبيقها، فاستغلت محنة الفقر والحاجة لكي تتيح لوزير المعارف نفسه — ومِنْ ورائه أفواج من الشيوخ والنواب — فرصةً جديدة لقبول من يشاء الوزير أو طلاب الحاجات ومعتادو الوساطات، وقد كان الحق والواجب أن تُقَرَّر للنسبة الإضافية قواعد صريحة يستوي أمامها جميع الفقراء، وترتد دونها أيدي المعروفين أو المجهولين من الوسطاء!

(٦-١٥) نتيجة مشئومة على الحياة النيابية

وبهذا الأسلوب الذي ارتضته الوزارة، وشجَّعَتْه، تفتحت أمام بعض الشيوخ والنواب الوزاريين أبواب التدخل والوساطة والشفاعة، في كل صغير وخطير من شئون الدولة، سواء منها صفقات التموين، ومسائل الموظفين، وقبول الطلبة في المدارس، وإعفاؤهم من المصروفات، وتعيين العمد وفَصْلهم، فإذا وَقَفْتُ في مجلس النواب أَطْلُب بيانًا بالرخص التي أُعْطِيَتْ أو بأسماء العمد الذي فُصِلوا أو عُيِّنُوا، وَقَفَ النحاس باشا يُعْلِنُ امتناعه من تقديم البيان المطلوب، محتجًّا بأن تعيين العمد وفَصْلهم حق مُطْلَق للسلطة التنفيذية!

وفي ظل هذه الذريعة وأمثالها يَمْرَح بعض شيوخ العهد الحاضر ونوابه وأنصاره، فلا يَرْتَدُّون عمَّا هم فيه من سعي أو سعاية، بل يزدادون في تيارهم اندفاعًا وانتفاعًا، بينما تبحث لهم الوزارة عن أبواب جديدة لاستعمال نفوذهم، واستغلال مراكزهم الحزبية والنيابية، حتى لقد عُيِّنَ بعضهم في لجان توزيع السكر بصفة رسمية، وكان من وراء ذلك وأمثاله أن تضاعَفَت الوساطات ومن ورائها صنوف الروايات والإشاعات، فانقلبت النيابة من أداة للرقابة والإصلاح إلى شيء آخر هو أبعد الأشياء عن طبيعة العمل النيابي الصحيح!

(٦-١٦) حتى الأملاك الأميرية والأوقاف

بل لقد امتدت الأيدي إلى أملاك الدولة نفسها، ولما كان مُحَرَّمًا على الوزراء أن يشتروا شيئًا من الأملاك الأميرية؛ فلقد اشترى بعض الأقرباء المقربين للوزراء مئات من الفدادين من أملاك الدولة، كما استأجر بعض المحظوظين أطيانًا زراعية من الأوقاف كانت مخصصة لصغار المزارعين، وكانت لها ضجة رَدَّدَتْها الصحف وترتَّب عليها تأجير أكثر من خمسمائة فدان منها.

وأخيرًا، فإن وزارة الأوقاف قد راق لها أن تُخْلِيَ بناءً كان يَشْغَلُه قسم الإحكار، فسكنه أحد الأصهار، مقابل أَجْرٍ زهيد يكاد يكون اسميًّا، وترتَّب على ذلك تنقلات بين الأقسام، فنُقِلَ قسم الأحكار إلى محل القسم الطبي بالوزارة، وطُوِّحَ بالقسم الطبي إلى أحد المستشفيات! وكان الله في عون المرضى والمريضات ما دامت الوزارة في عون المحسوبين والمحسوبيات!

ويكفي يا مولاي مجرد تحقيق بسيط ليكشف من الفضائح أكثر مما كشفنا.

(٦-١٧) الوساطة والتستر على الجرائم

ومن نكد الدنيا يا مولاي أن الوساطة لا تعرف التوسُّط، فهي تذهب إلى أبعد الحدود، ولو إلى التجاوز عن إقامة الحدود.

فقد أبلغني موظف كبير سابق٩ كان قد انْتُدِبَ للعمل في وزارة التموين، أن مطحن الرماني باع كمية كبيرة من الغلال التي وزعتها الحكومة على المطاحن لطحنها، باع هذه الكمية وهي تتراوح بين ألفين وثلاثة آلاف إردب إلى أشخاص معيَّنين بأسعار تزيد على السعر المحدد، وقد ضُبِطَتْ هذه العملية وحُرِّرَ لها محضر تحقيق بواسطة حضرة اليوزباشي عبد المجيد الزميتي المنتدب بمكتب التموين بالمحافظة، كما ضُبِطَتْ أيضًا دفاتر المطحن نفسه وقد أُثْبِتَ فيها أسماء المشترين والأسعار.

عُرِضَ محضر التحقيق على وزير التموين، كما عُرِضَ على الموظف الكبير الذي استقيت منه رواية، ولم يكن أمام الوزير سبيل إلا اعتماد الإحالة على المحاكمة، ولكن معالي الوزير رأى لحكمة ظاهرة أن يَعْرِض الأمر على رفعة رئيس الوزراء.

ومنذ ذلك الحين، نامت المسألة واختفت عن الأنظار، وبارك الله في الأنصار!

أي مولاي، هكذا تجري العدالة في غير مجراها في هذا العهد المشئوم، فمِنْ تستُّرٍ على الأصهار، إلى تستُّرٍ على الأنصار، والحكومة بفضل الرقابة في أمن من النقد والرقابة.

ومن هذا القبيل أن بعض الموظفين في مصلحة الطبيعيات أُسْنِدَ إليهم اختلاس أدوات هندسية تبلغ قيمتها حوالي السبعة عشر ألف جنيه، فقامت الوزارة المختصة بتحقيق هذا الاختلاس، ونوَّهت الصحف عنه منذ عهد قريب.

ولكن يا مولاي — ولَكَمْ نُكِبْنَا في «لكن» وأخواتها من حروف الاستدراك — تَدَخَّلَت الوساطات في الأمر فتبيَّن أن أحد هؤلاء الموظفين — وهو عباس أفندي حلمي رئيس ورشة مصلحة الطبيعيات — يمت بصلة إلى أحد المحسوبين على النحاس باشا، فكان أن نام التحقيق بعد أن سار في طريقه حوالي الشهر ونصف، ونُقِلَ الموظف المذكور من وزارة الأشغال إلى مخازن وزارة الدفاع؛ ومن ثَمَّ تحولت وجهة الاتهام ووجهة الدفاع.

يا صاحب الجلالة

لو أن حادثةً واحدة من حوادث هذا الباب أُسْنِدَتْ إلى أية حكومة متحضرة لَقَضَتْ عليها وعلى الحضارة معًا، فكم يكون الأمر وإلى جانب هذا الباب أبواب فسيحة، تتسع للفضيحة تلو الفضيحة!

ألا حفظ الله مصر، وحفظ الله الملك!

(٦-١٨) الاستغلال الصغير والكبير

يا صاحب الجلالة

لا يكاد ينقضي يوم واحد حتى تكون الحوادث أو المقادير قد ساقت من الوقائع والفجائع، ما يستدعي إضافة فصول جديدة إلى أبواب هذه العريضة المرفوعة إلى مقامكم الكريم، ولقد فَصَّلْتُ في بعض الصفحات الماضية طرفًا من وقائع الانتفاع الشخصي على حساب الدولة واستغلال المرافق الحكومية لمصلحة رئيس الوزراء وزملائه الآخرين.

وهنا أتشرف بإضافة طرف آخر من وقائع هذا الاستغلال بنوعيه: الصغير والكبير!

قصة الزهور

وأبدأ يا مولاي بقصة الزهور التي يحتل المكان البارز فيها وزير الزراعة الحالي معالي فؤاد سراج الدين باشا، وهي قصة تحتوي في مغزاها على مزيج مدهش من الاستهتار بواجبات الوظيفة والتهالك على منافع الدولة، بالغة ما بلغت قيمتها المادية من هوان!

ذلك أنه لما انتقل إلى رحمة الله المغفور له عبد الواحد الوكيل باشا كان رفعة رئيس الوزراء يسكن يومئذ دار وزير الزراعة في «جاردن ستي» قبل استئجار منزله الجديد في ذلك الحي، فما كان من معالي سراج الدين باشا إلا أن أصدر أَمْرَه إلى موظفي وزارته بأن تجمع الزهور من حديقة المتحف الزراعي في صباح الخميس من كل أسبوع وترسل إلى دار معاليه — حيث كان ينزل رفعة رئيس الحكومة — على أن يتولى حَمْلَها إلى هناك عامل خاصٌّ من الموظفين في سيارة «بوكسفورد» من سيارات الوزارة!

ولا تنتهي مهمة العامل والسيارة الحكومية عند هذا الحد، بل يجب أن تُمْلَأ السيارة بالبنزين، حتى إذا رُتِّبَت الزهور ونظمت بعد وصولها إلى دار رئيس الوزراء، حُمِلَتْ مرة أخرى في «البوكسفورد» لتوضع على قبر الفقيد الكريم.

وقد ورد في إحدى المذكرات الرسمية التي صدرت إلى الموظفين للقيام بهذه المهمة تهديد صريح وتحذير من عواقب الإهمال والتأخير.

وهذا هو نص المذكرة (وهي مرفقة مع غيرها بمجموعة الوثائق):

مذكرة
إلى حضرة المحترم رئيس قسم البساتين والحديقة
إلى الأسطى حسن نوفل

عُلِم
إمضاء
حسن نوفل

إلى فهمي العادلي

يراعى أن يصل الورد والزهور إلى منزل حضرة صاحب المعالي وزير الزراعة بشارع أحمد باشا رقم ١٠ بجاردن ستي في تمام الساعة السابعة والنصف من صباح غد الخميس ٣ الجاري.

وعلى فهمي العادلي أن يذهب مع الزهور إلى منزل معاليه بالبوكس.

وعلى الأوسطى حسن نوفل إعداد البنزين الكافي في البوكس ليكون تحت تصرُّف معاليه.

وأي إهمال أو تأخير في تنفيذ هذه الأوامر سيُنْظَر في أَمْر المتسبب.

مدير متحف فؤاد الأول الزراعي
الإمضاء
٣ / ٩ / ١٩٤٢

هذه يا مولاي خلاصة قصة الزهور الأسبوعية، وأقل ما يُذْكَر في مقام التعليق عليها أن المناسبة الأليمة، الكريمة، التي أَوْحَت بها كانت كفيلة بأن تجعل وزير الزراعة يتلمس المجاملة من طريق آخر غير تسخير العمال والموظفين والسيارات الحكومية والبساتين الحكومية على هذا الأسلوب الرسمي، في مسألة بعيدة — ومن الواجب أن تكون بعيدة — عن الرسميات وكلِّ استغلال حكومي كَبُرَ أو صَغُرَ.

فضيحة المتحف الزراعي

وأَمْعَن في باب الصغار والاستهتار هذه القصة التي يَحْمِل وزر تمثيلها وزير الدفاع حمدي سيف النصر باشا بموافقة زميله وزير الزراعة، وقد سَبَقَ أن أشرنا إليها بكلمة مُجْمَلة، وقد وَقَفْنا الآن على معلومات أخرى مفصلة، مؤيَّدة بالمستندات الرسمية.

والوزر في هذه المرة يتخطَّى حدود الاستهتار والصَّغَار إلى حد المخالفة الصريحة لنصٍّ من نصوص الدستور!

وتفصيل هذه القصة أنه يوجد في متحف فؤاد الأول الزراعي منزل مخصص لسُكْنَى مدير المتحف، وقد سَكَنَه بعض المديرين السابقين في مقابل عشرة في المائة من مرتباتهم (وليس في الدستور ما يمنع الموظفين من استئجار المباني الحكومية، كما يمنع الوزراء).

ولما عُيِّنَ حامد سري بك مديرًا للمتحف — وكان حسين سري باشا وزيرًا للزراعة بالنيابة — صَدَرَ قرار وزاري بالعدول عن تخصيص هذا المنزل لسُكْنَى المدير، على أن يُشْغَل بمكاتب الموظفين، ولا سيما بعد أن أُلْغِي قسم الدعاية والنشر بالوزارة وضُمَّ بأعماله وموظفيه إلى المتحف فضاقت بهم غُرَفُه، وقد نُفِّذَ بالفعل ذلك القرار، فأُودِعَ الأثاث الحكومي مخزنًا من مخازن المتحف، وأُخْلِيَ المنزل وحَلَّ الموظفون بمكاتبهم فيه.

حتى إذا كان أحد الأيام — في ديسمبر الماضي — فوجئ الموظفون بزيارة ثلاثة من الوزراء هم حمدي سيف النصر باشا وعثمان محرم باشا وفؤاد سراج الدين باشا، وقد جاءوا بقضهم وقضيضهم، يشاهدون المنزل الذي كان مخصَّصًا لسكنى المدير، عسى أن يصلح لسكنى الوزير، وفي اليوم التالي أَقْبَلَتْ على المنزل المنشود جموع من مهندسي تفتيش مباني الجيزة ومساعديهم وعلى رأسهم مفتش المباني، وانتهت حركة الفحص والطواف، والزحف والالتفاف، إلى النتيجة التي أرادها وزير الدفاع، فصدر الأمر بإخلاء المنزل وإخراج الموظفين بمكاتبهم، وإعادة الأثاث الحكومي المخزون إلى غرف الدار، وما هي إلا أيام حتى تم الإخلاء والجلاء، بفضل الأيدي العاملة الوافرة، على حساب الدولة وخزانتها العامرة!

وتنتهي المهزلة الجريئة بأن يؤجر وزير الزراعة منذ أول يناير سنة ١٩٤٣ هذا المسكن بأثاثه ومفروشاته، إلى زميله وزير الدفاع بإيجار شهريٍّ مؤقت يذهب في التواضع إلى حد لا يكاد يتصوره العقل، وهو سبعة جنيهات وخمسون قرشًا شهريًّا!

وعلى أي أساس بُنِيَ هذا التقدير؟

على أساسٍ طريف، يَشْهَدُ لواضعيه بحسن التفكير والتدبير! فقد قالوا: إن الدار كانت مخصصة لسُكنى مدير المتحف، وهذا صحيح! وإن مدير المتحف الذي سكنها كان يحاسَب على إيجارها بواقع جزء من عشرة من راتبه، وهذا أيضًا صحيح! ولما كان راتب مدير المتحف الحالي يسمح له إذا أراد أن يسكن الدار بأن يدفع إيجارها على أساس عُشر المرتب، فليسكن إذن حمدي سيف النصر باشا هذه الدار على الأساس الذي كان يدفعه معاليه لو كان اسمه حامد سري، ووظيفته مدير المتحف الزراعي، وراتبه راتب المدير، لا الوزير!

وهنا قامت صعوبة فنية فإن حسين سري باشا كان قد ألغى بقرار منه تخصيص بعض هذا المبنى لسكن مدير المتحف، فلم يجد وزير الزراعة مناصًا من إصدار أمر منه بإلغاء هذا الإلغاء، وتلاه بعد قليل أمر آخر يسمح بالسكنى لوزير الدفاع، على اعتبار أنه وزير في حكم المدير!

(٦-١٩) تحايل في الأوراق والقرارات

وشهادة المستندات في هذا الصدد يا مولاي تكشف عن أسلوب غريب من التحايل والتلاعب والعبث المقصود بالأوراق الرسمية والإجراءات الحكومية، وتسخير القرارات الوزارية لتغطية ما يريد الوزراء من أغراض وتحقيق ما ينشدون من صغير المطامع، على حساب الدولة وأموالها الحرام!

ففي تاريخ ٧ ديسمبر سنة ١٩٤٢ يصدر فؤاد سراج الدين باشا أمرًا وزاريًّا رقم ٤٩٦ يقول فيه:

يُعاد إلى صاحب العزة مدير متحص فؤاد الأول الزراعي حق السكن في المبنى المخصص لسكنى المدير بمبنى المتحف، على أن تتبع مع عزته القواعد المقررة لمحاسبة الموظفين على أجرة السكن وتوابعها.

وفي تاريخ ٩ ديسمبر سنة ١٩٤٢ — أي بعد مرور يوم واحد — يُصْدِر معاليه أمرًا وزاريًّا آخر رقم ٥١٥ يقول فيه:

إلحاقًا بالأمر الصادر رقم ٤٩٦ الصادر في ٧ / ١٢ / ١٩٤٢.

بما أن صاحب العزة مدير متحف فؤاد الأول مستغنٍ عن السكنى في المنزل المخصص له بالمتحف.

ونظرًا لأن حضرة صاحب المعالي وزير الدفاع الوطني (معالي أحمد حمدي سيف النصر باشا) قد طَلَبَ تأجير هذا المسكن.

فيُعْتَمَد تأجيره لمعاليه طبقًا للقواعد المقررة.

وهكذا ينكشف التحايل خاليًا حتى من حُسْن السبك وبراعة التلفيق والتنميق! فوزير الزراعة يتظاهر في قرار بتاريخ ٧ ديسمبر بالبراءة التامة في إعادة حق السكني لمدير متحف فؤاد الأول الزراعي، مع أن مدير المتحف قد ظل مستغنيًا عن هذا الحق، راضيًا بمسكنه خارج المتحف أربع سنوات كاملة، منذ ٢٦ ديسمبر سنة ١٩٣٨ إلى ديسمبر سنة ١٩٤٢!

ثم يتبين بعد يوم وليلة أن قرار الحق المردود لم يكن قرارًا «أفلاطونيًّا»، وإنما كان مقدمة لهدف آخر منشود مقصود!

ويتبين في يوم وليلة أن حامد سري بك مدير المتحف الحالي ليس في حاجة إلى الإقامة بالمسكن السعيد، وأنه قد اعتذر فعلًا عن الإقامة فيه وأثبت في مذكرة رسمية تاريخًا ٨ ديسمبر سنة ١٩٤٢ أنه تنحَّى عن استعمال حقه المردود؛ عملًا على تحقيق رغبة معالي أحمد حمدي سيف النصر باشا في الإقامة بهذا المسكن …!

ثم يتلقف وزير الزراعة هذا الاعتذار المرتب المصطنع، فيُصْدِر بعد اليوم والليلة قراره المؤرخ في ٩ ديسمبر اعتمادَ تأجير المسكن لمعالي زميله زير الدفاع!

ويضع مدير المتحف مذكرة يُثْبِت فيها أن المتحف قد أَخْطَر الوزارة بأن معالي وزير الدفاع قد شغل المسكن المنشود في أول يناير سنة ١٩٤٣، وأن مصلحة المباني هي التي تولَّت إعداد المسكن وإجراء الترميمات اللازمة به توطئة لسكن معاليه! وأن هذه المصلحة هي المختصة بتولي المسألة الخاصة بالمياه والنور وغيرها.

فيتحمس وزير الزراعة ويتعجل عمل المصلحة، ويُوَقِّع على المذكرة في ١٤ / ١ / ١٩٤٣ بقوله: «يتحرر لمصلحة المباني اليوم بسرعة وَضْع عدَّاد خاص لسكن معاليه وفصله عن عدَّاد المتحف!»

وهكذا احتل وزير الدفاع الطابق الأعلى من المتحف، مفروشًا مؤثَّثًا، مقابل إيجار نادر، حتى في هذا العهد النادر، وأضيفَ إلى هذه الصفقة أَمْر بتعيين ثلاثة مِنْ خَدَمِ المتحف يتولَّوْنَ أعمال النظافة في مسكن الوزير، على أن تُدْفَع أجورهم — وقَدْرُها ٨٥ مليمًا لكل منهم في اليوم — من ميزانية المتحف بطبيعة الحال!

هذه هي الصفقة الجائرة، المستهترة، التي لم يَتَوَرَّع وزير الدفاع الحالي عن أَخْذِها بالاتفاق مع زميليه فؤاد سراج الدين باشا وزير الزراعة وعثمان محرم باشا وزير الأشغال، ومن ورائهم بقية وزراء العهد الحاضر، وأعوانه، وعلى رأسهم رئيسهم، ولَكَأنهم قد تواضعوا جميعًا على الاستغلال، بكل معاني الاستغلال، ولو جاء من طريق التحايل والعبث بالأوراق الرسمية، فيرد الحق باسم المدير، لكي يُخْلَع على الوزير، وكل ذلك في سبيل استغلال منافع الدولة، وهو مع الأسف استغلال من النوع الصغير!

هذه هي الصفقة التي تشهد عليها المستندات الرسمية، وبينها صورة خطاب من مدير المتحف إلى وكيل وزارة الزراعة تاريخه (٩ / ١٢ / ١٩٤٢) — وهو مرفق ضمن الوثائق — وفي هذا الخطاب يشير حامد سري بك بصريح العبارة إلى تأجير الدار مع أثاثها الحكومي لوزير الدفاع فيقول بالحرف الواحد:

وتعلمون عِزَّتُكم أن هذه المفروشات قد استُعْمِلَتْ فعلًا الآن بعد تأجير السكن إلى حضرة صاحب المعالي وزير الدفاع …

والمخالفة هنا — يا مولاي — من النوع الذي لا يُنْكَر، ولا يُغْتَفَر، ففيها خروج صريح على نص الدستور الذي يُحَرِّم على الوزير أن يشتري أو يستأجر شيئًا من أملاك الدولة، ولقد حاوَل وزير المواصلات أن يتخلص مِنْ ظاهِرِ هذه المخالفة بعد الاتفاق فعلًا على تأجير الباخرة «كريم»، واعترض قسم القضايا على فكرة التأجير لمخالفتها للدستور، حاوَل ذلك وإن كان قد وَقَعَ في مخالفة مضاعفة إذ استعمل الباخرة بلا إيجار، فأخذ لنفسه كل الانتفاع، وحَرَمَ الدولة من كل مقابِلٍ لهذا الانتفاع، كما بَيَّنْتُ ذلك في موضعه من هذه العريضة، كما بَيَّنْتُ أن رفعة رئيس الوزراء قد نحا هذا النحو أيضًا باحتلاله الباخرة محاسن فترة من الزمن جعلها مسكنًا لأنسبائه من بعده فترة أخرى من الزمن.

وها هو ذا وزير الدفاع يرتكب هذه المخالفة التي يُحَرِّمُها نص الدستور، والتي نبَّه إليها قسم قضايا الحكومة في هذا العهد نفسه، يوم وَقَعَ وزير المواصلات في مثل هذه الهوة، خضوعًا لمثل هذه الشهوة، شهوة استغلال مرافق الدولة، والانتفاع الشخصي على حساب الدولة وأموال الدولة!

فأيَّةُ نزاهة هذه التي تنزل بالوزير إلى هذا المستوى المتواضع الوضيع؟

وبأي مقاييس الذمَّة يستطيع وزير مثل حمدي سيف النصر باشا، أن يستحل لنفسه. ويستحل له زملاؤه، أن يستأجر دارًا من أملاك الدولة — وهي جريمة دستورية في ذاتها — وأن يستأجرها بمبانيها وأثاثها ومعداتها، في الوقت الحاضر، على الأساس المضحك الذي استأجرها به، وهو سبعة جنيهات وخمسون قرشًا صاغًا في الشهر؟!

إن الفضيحة هنا — يا مولاي — فوق مستوى التعليل والتحليل.

فضيحة الورق

وأعني بها فضيحة التلاعب بورق الصحف، وقد كانت موضع اللغط الذي وَصَلَ إلى حدِّ تراشُقِ اثنين من الصحفيين الحكوميين (هما محرر «آخر ساعة» وصاحب جريدة «المصري») بمقالات علنية يؤخَذُ منها أن الأخير قد عمد على إلغاء قرار الاستيلاء على ورق الصحف وإخراجه من التسعيرة؛ لكي يكسب مبالغ طائلة من ارتفاع الأسعار وبيع المخزون عنده أو عند شركائه من التجار وغير التجار.

والواقعة المؤكَّدة في هذا الصدد يا مولاي هي أن سعر الطن من ورق الصحف كان محدَّدًا في التسعيرة بما لا يزيد عن ستين جنيهًا في الشهر، ثم ذَهَبَ حضرة الأستاذ محمود أبو الفتوح، وهو شيخ وفدي وثيق الصلة بوزير التموين ووزير التجارة فضلًا عن صلته برفعة رئيس الوزراء، ذَهَبَ حضرته إلى مجلس نقابة الصحافة، فعَرَضَ على أعضائه اقتراحًا وَصَفَهُ بأنه حكومي، مؤدَّاه إخراج ورق الصحف من التسعيرة، ورَفْع الاستيلاء عليه، بحجة أن في ذلك تشجيعًا للتجار المختزنين على إظهار ما لديهم من ورق، وبذلك تجد الصحف حاجتها من الورق وتستطيع أن تدفع فيه ثمنًا معتدلًا بعد أن تظهر الكميات الكبيرة المختفية عند المختزنين والتجار.

صندوق البريد رقم ٥١٢

وكان حضرة الشيخ الحصيف قد مهَّد لذلك الإجراء بإعلانات في جريدته يقول فيها إنه على استعداد لشراء الورق بأسعار عالية، والمخابرة مع صندوق البريد رقم ٥١٢! والصندوق المذكور هو رقم صندوق جريدة المصري التي يملكها حضرة الصحافي الحصيف!

ولم يكد الاستيلاء يُرْفَعُ عن الورق، ولم تكد أسعاره تُرْفَعُ من التسعير الجبري حتى ارتفع الطن الواحد إلى مائتي جنيه فقط لا غير!

وفي هذه الفرصة الذهبية، تروي بعض المصادر العليمة أن كَمِّيَّةً من الورق وصلت إلى أحد الأنسباء المحظوظين، وأن كَسْبَه فيها بَلَغَ ألوفًا عديدة من الجنيهات.

وفي هذه الفرصة الذهبية أيضًا قيل: إن صحفيًّا حكوميًّا حصيفًا باع كميات وفيرة من الورق وجنى من بيعها ألوفًا أخرى من الجنيهات.

وقد بلغ الأمر يا مولاي — كما قلت — إلى حد التراشق بالمقالات، وقيل: إن نقيب الصحافة في هذا البلد يستنجد بالرقابة والرقباء والوزارة الوزراء، ليَحُولوا بين صاحب آخر ساعة وبين متابَعة حملته الشعواء!

وسيط

هو موظف في إدارة جريدة المصري، يختلف عن الاستاذ حنا فوزي في أن هذا الأخير شريك مكشوف للأستاذ أحمد الوكيل، بينما الأول همزة وصْل خفية بين تجار الورق وصاحب المصري الذي يقوم صاحبنا الوسيط المستور عنده بدور الوكيل!

والصحفيون يتحدثون عن صفقات ضخمة، دسمة، عُقِدَتْ في سوق الورق باسم العميل المستور، ويتساءلون: أنى له — وهو مجرد موظف بجريدة المصري — ذلك الثراء الطائل الحائل، الذي يجعله يبيع ورقًا يُقَدَّرُ بآلاف الجنيهات، بينما يتناول من جريدة المصري أجرًا متواضعًا ومعدودًا من الجنيهات!

ومِمَّا هو جدير بالذكر في هذا الصدد، أن مجلس نقابة الصحافة أصدر — كما علمت — قرارًا إجماعيًّا بتوجيه خطاب إلى صاحب مجلة «آخر ساعة» لسؤاله عمَّا لديه من معلومات بنى عليها هجومه ضد نقيب الصحفيين بصدد الورق، والتلاعب بأسعار الورق، وقد انْقَضَتْ أسابيع وما زال قرار مجلس النقابة حِبْرًا على ورق!

حتى الخدم

ومن مظاهر الاستغلال الصغير — والحقير — أن الخدم يوظَّفون في الحكومة إبان الوزارة، فإذا سقطت الوزارة خرج الوزير ومعه خادمه، وتكون الدولة قد تحملتْ مرتبه طوال مدة الوزارة، ومن ذلك القبيل سواق رفعة النحاس باشا الخاص، وسواق حمدي باشا سيف النصر، وجنايني النحاس باشا، فقد أَلْحَقَ النحاس باشا سواقَه بخدمة الحكومة بمرتب ١٠ جنيهات شهريًّا، وجناينيَّه بمرتب ٢٠ قرشًا يوميًّا، فإذا ما خرج رئيس الوزراء من الوزارة خرج معه سائقه وجناينيه، وكَسَبَ من هذه العملية تحميل الدولة مرتبات خدمه إبان خدمته هو للدولة، وليس بين الخيرين حساب!

(٧) الفرع السابع: فضائح المحسوبيات والاستثناءات

يا صاحب الجلالة

إن كلمة الاستثناءات هينة لينة، إذا أُرِيدَ بها التعبير عمَّا ترتكبه الوزارة الحالية من فضائح المحسوبية بين الموظفين، وأُسَمِّيها يا مولاي بالفضائح لأنها تجاوزتْ حدود الاستثناء المألوف، بحيث لا يكاد يُذكر إلى جانبها كل ما سبق في أي عهد آخر، من ناحية النوع أو من ناحية العدد على السواء.

وحسبي يا مولاي أن أبين هنا كيف تتنافى هذه الاستثناءات:
  • أولًا: مع القانون.
  • ثانيًا: مع الأمانة للعهد.
  • ثالثًا: مع الذمة والنزاهة.

(٧-١) مخالفة القانون

يدَّعي النحاس باشا في جرأة لا يُحْسَد عليها، أن في استطاعته أن يُقْدِم على ما يشاء من ضروب الاستثناء، بحجة أن ذلك حقٌّ مقرَّر لمجلس الوزراء!

فهل هذه حجة تقوم على قدميها وتثبت لحظة واحدة أمام التحليل القانوني والمنطقي البسيط؟!

لنسأل أنفسنا أو ليسأل النحاس باشا ما هو الحق في ذاته؟ أهو سلاح يُستعاذ به على تأييد الباطل وتدعيمه وتعميمه؟! إن كان هذا هو المقصود بالحق فإنه يكون مرادفًا للقوة الغاشمة الظالمة!

الاستثناء الحق

ونسأل مرة أخرى: ما هو حق الاستثناء الذي أُعْطِيَ لمجلس الوزراء؟

إن حَقَّ الاستثناء الوحيد الذي يملكه مجلس الوزراء هو الاستثناء الحق، الاستثناء الذي يُقْصَد من ورائه إلى تحقيق عدالة خاصة أوفى من عدالة القانون العام الذي وُضِعَ لِيَسْرِيَ على الجميع، فإذا تبيَّنَ أن تطبيق القانون العادي لا يرقى إلى مستوى العدالة الواجبة في بعض الحالات، تدخَّلَ مجلس الوزراء في الأمر لتحقيق هذا الغرض النبيل من طريق الاستثناء الحق.

وللتدليل على ذلك نفرض أن موظفًا تُوُفِّيَ في سبيل عمله وفي أثناء أداء واجبه، فإذا تُرِكَ أهله وأبناؤه لحكم القانون العادي لَهَلكوا في بعض الحالات من آلام الفاقة والجوع، وهنا تتجلَّى حكمة الاستثناء ظاهرةً سافرة، إذ يتدخل مجلس الوزراء لاستعمال حقه بإعطاء أبناء الموظف وعائلته معاشًا مناسبًا من طريق الاستثناء.

وعلى هذا القياس وأمثاله تكون النظرة السليمة الكريمة إلى حق الاستثناء، من ناحية مداه ومقتضاه، سواء فيما يتعلق بالتعيين أو الترقية أو تعديل المعاش، توخِّيًا لإنصاف أولئك الذين يُظْلَمون ويُحْرَمون إذا أُخْضِعَتْ حالاتهم للقواعد العامة والقوانين العادية.

إساءة استعمال الحق

هذه هي الحكمة النبيلة الجليلة التي مِنْ أَجْلِها شَرَعَ القانونُ الاستثناءَ ووَضَعَ حقَّ استعماله في عنق مجلس الوزراء.

أما الذي فعله النحاس باشا وجماعته، وما زالوا ماضين فيه من ضروب الاستثناءات، فليس من الحق في كثير ولا قليل، ولكنه إساءة صريحة قبيحة لاستعمال حق الاستثناء، وانحراف شنيع عن الأهداف السامية التي من أجْلها أَقَرَّ الشارع مبدأ الاستثناء، وإذا كان في الاستثناء تعارُضٌ مع العدالة كان باطلًا حتمًا؛ لأن القانون — وهو مظهر العدالة — لا يُقِرُّ شيئًا يتنافى معها.

بيت القصيد

وإلى هذه الحقيقة المحزنة يا مولاي، وَجَّهْتُ نظر النحاس باشا، عندما أُثِيرَ استجواب الاستثناءات في مجلس النواب، فوقف يلقي بيانًا تضمَّن استشهادًا بما قُلْتُه في ١٩٣٧، حتى إذا وصل إلى الفقرة الخاصة بإساءة استعمال الحق، قلت له: «هذا هو بيت القصيد …» فإذا هذه الكلمة البسيطة الصادقة، تقع على رأس رفعته كالصاعقة، وإذا به يثور ثائره، وتأخذه نوبة قاسية من الهياج ويقول: إنني لم أعد سكرتيرًا للوفد … إلى آخر ما حدث ليلتئذٍ بما تشرفتُ بسرده في صدر هذه العريضة.

وأعود يا مولاي إلى حق الاستثناء فأقول: إنَّه شتان بين الأغراض التي شُرِعَ من أجلها هذا الحق، وبين انتحال هذا الحق لتعيين أناس في الوظائف الحكومية، أو في وزارة الأوقاف، أو في ديوان المحاسبة، أو في غيرها من الوظائف العامة بلا مؤهلاتٍ ولا صفات تُرَشِّحهم لهذه الوظائف، أو تُبَرِّر إقحامهم في مختلف الدرجات وتَخَطِّيهم رقاب الموظفين الآخرين، لا لشيء سوى إرضاء شيطان المحسوبية وإشباع شهوة الاحتساب!

فإذا كان هذا الذي يجري في العهد الحاضر حقًّا يباح، فلا كان الحق ولا استحق المجاهدون في سبيل العدالة شَرَفَ المناضلة والكفاح!

(٧-٢) نكث العهد

وأَدَعُ النظريات العامة، والقوانين العامة، يا مولاي، وهي قاسية في حُكْمها على محسوبيات النحاس باشا وبطانته، لأنتقل إلى ما هو أشد نكرًا وشرًّا، من تخطي القانون أو سوء استعماله، بقصد استغلاله، وأعني به التلبس بنكث الوعد وخيانة العهد المسطور، المسئول!

فلقد كان النحاس باشا، وأنا معه بوصفي وزير المالية، مسئولَيْن أمام جلالتكم، وأمام الأمة، وأمام البرلمان، وأمام أنفسنا، وأمام الله سبحانه وتعالى من فوقنا، عن عهدنا الذي سجلناه في كتاب التشكيل الوزراي إلى جلالتكم، وقد جاء فيه بالحرف الواحد:

… وتيسيرًا لعوامل الطمأنينة والعدل والمساواة، حتى يستظل بظلها الكبير والصغير والغني والفقير، من غير ما مَيْل ولا محاباة أو محسوبية أو مراعاة للوجوه إلا وجه ربك ذي الجلال.

دستورنا الخاص

هذا هو العهد العظيم الذي سجلناه يا مولاي في كتاب تشكيل الوزراة، وقَيَّدْنا أنفسنا به، وجعلنا منه دستورنا الخاص، في سياسة الحكم منذ اليوم الأول، وقد أتيح لي بعد ذلك أن أُذَكِّر النحاس باشا وإخوانه بهذا العهد الخطير، وقلت في تفسيره، كما جاء في محضر جلسة الوزراء الذي أذاع النحاس باشا خلاصة منه، ما يأتي: «لست أبغي من موقفي هذا إلا مصلحتنا جميعًا، تلك المصلحة التي أصابها ضرر كبير من جراء الاستثناءات في سنة ١٩٣٧، حتى لقد أسقطتْنا وكانت نقطة سوداء ضدنا …»

قلت هذا يا مولاي رغم أن الاستثناءات التي تمَّتْ إذ ذاك لم تكن إلا قطرة من بحر الاستثناءات الفاحشة الطائشة التي وقعت منذ خروجي من الوزارة حتى الآن!

فهل للنحاس باشا أن يتفضَّل فيبين لجلالتكم وللأمة كيف سوَّلَتْ له نفسه أن يرتكب هذه الجناية المخزية لذلك العهد الكتابي المقطوع؟!

ولعل النحاس باشا لا يتخبط في هذه المرة، كما فعل في بيانه أمام البرلمان، إذ قال: إننا أقدمنا على الاستثناءات في سنة ١٩٣٧، وخصَّني بسبعة من تلك الاستثناءات.

عود على بدء

وليس لي يا مولاي أن أَرُدَّ على هذا التخبُّط بمثله، فأقول: إنني حتى إذا سَلَّمْتُ بسبع استثناءات في ذلك العهد، أستطيع أن أُحْصِيَ للنحاس باشا بدل السبعة سبعين بل مائين، ولكنني أعيد إلى ذاكرة رفعته وجماعته ما يحاولون أن ينسوه أو يتناسوه، وهو أنني تقدمت في سنة ١٩٣٧ بمذكرة رسمية لمنع الاستثناءات، وقد وافق عليها يومئذٍ مجلس الوزراء!

فليست مذكرتي التي قدمْتُها إلى مجلس الوزراء في سنة ١٩٤٢ إلا عودًا على بدء واستئنافًا للخطة وللمبدأ وللسياسة التي دعوت إليها في مذكرتي سنة ١٩٣٧، وإن كنت قد وجدتُ من ناحية أخرى تأييدًا وتعزيزًا للمذكرة الجديدة بالعهد الكبير الخطير الذي قطعناه على أنفسنا في كتاب التشكيل الوزاري، فموضوع البحث إذن هو عهدنا الذي قطعناه على أنفسنا في سنة ١٩٤٢، وعلى يديكم الكريمتين.

(٧-٣) مخالفة الذمة والنزاهة

يهمني — يا مولاي — أن أُبْرِزَ هذا المعنى على حقيقته في هذه الكلمات الموجزة، ليتبين بوضوح مُطْلَقٍ كيف تنطوي الاستثناءات الحاضرة على أسوأ صور الخروج على أبسط مقتضيات الذمة والأمانة ونزاهة الحكم.

وذلك أن النحاس باشا وجماعته يرتكبون أوزار الاستثناء التي يرتكبونها في هذا العهد مستعينين على كتمانها بخنق الصحافة، وتجريد البرلمان من رقابته على نحو لم تَرَ البلاد مثله في يوم من الأيام.

أما الصحافة فمحظور عليها بحكم الرقابة أن تنشر عن مسائل الموظفين واستثناءاتهم خبرًا ولا إشارة، فإذا أغضينا عن ذلك استنادًا إلى حجة من الحجج المتعلقة بالنظام أو غير النظام فكيف يمكن الإغضاء عن تمزيق الرقابة الدستورية، بحرمان أعضاء البرلمان من حقهم في طلب البيانات والإحصائيات، وقد كان هذا هو الضمان العملي الوحيد لمحاسبة السلطة التنفيذية على إساءة استعمال حقها فيما تقرر من استثناءات؟!

وبهذا كفل النحاس باشا وأصحابه لأنفسهم سبل الخلاص من رقابة الأمة، سواء من طريق الصحافة، أو من طريق البرلمان، وانطلقوا في شَرَهٍ ظاهرٍ يغترفون من مال الدولة ما يشاءون لأقاربهم وأصهارهم وأنسبائهم ومقرَّبيهم، بلا خجلٍ، ولا تورُّع، ولا تقوى ولا رعايةٍ لمصلحة الخزانة، أو مصلحة البلاد، أو مصلحة سائر الموظفين.

نتائج خطيرة

وكان أن ترتبت على هذه الجرأة الخارقة نتائج في الدرجة القصوى من الخطورة، بعضها يَمَسُّ معنى العدالة بين الموظفين ويَتَناول بالتالي روح الأداة الحكومية بأذًى جسيم، فضلًا عن مساسها بالنزاهة في ذاتها:
  • أولًا: «مليون جنيه ونصف لزيادة المرتبات»: ومن النتائج التي تَمَسُّ خزانة الدولة يا مولاي إرهاق الميزانية، بإضافة مليون ونصف مليون من الجنيهات إلى الباب الأول من أبواب الميزانية الجديدة، وهو باب الأجور والمرتبات، ولم يسبق أن نُكِبَتْ أي ميزانية سابقة بمثل هذه الزيادة الفاحشة مرة واحدة في باب الأجور والمرتبات، بل لقد أُنْقِصَ من هذا الباب في ميزانية صاحب الدولة سري باشا الأخيرة حوالي ٤٨ ألف جنيه عن السنة السابقة، ولم يُضَفْ إلى هذا الباب نفسه في الميزانية التي تشرفتُ بإعدادها سوى ٦٠ ألف جنيه تقريبًا زيادة على الميزانية التي سَبَقَتْها، وذلك سدًّا للحاجات وللضرورات التي لم يكن بُدٌّ من مواجهتها، بعد التخفيض السابق.

    ولكن أين ستون ألف جنيه يا مولاي من مليون ونصف مليون تزاد دفعة واحدة في باب واحد، وهو باب الأجور والمرتبات؟!

    ومن العجيب أنهم خصصوا ربع مليون جنيه لإنشاء وظائف جديدة في وزارتي التموين والوقاية، وكلا الوزارتين مؤقتة تزول بزوال الحرب، فماذا يكون مصير هذا الجيش العرمرم الجديد بعد الحرب؟! وإذا قيل إن هناك منشآت جديدة تستلزم موظفين جديدين، فأين طريقة الندب والنقل من سائر الوزارات التي جرى عليها العمل حتى الآن؟ ولماذا لم تقتَضِ المنشآت الجديدة كل هذه الأموال الطائلة زيادة على مرتبات الموظفين في أي عهد من العهود السابقة؟!

    لا جواب على ذلك سوى طغيان روح المحسوبية والاستثناء وحشر المقربين والأقرباء في وظائف الدولة، ولا بد لمجاراة هذا الطغيان من تفتيح الأبواب على مصاريعها في ميزانية المرتبات والأجور للسنة القادمة! وسيكون لهذه الزيادة بطبيعة الحال أثرُها المتزايد في المرتبات وتضخُّم المعاشات في السنين المقبلة، كان الله لنا ولميزانيتنا حين تنتهي الحرب وينتهي معها الرواج الوهمي!

    هذا عن المستقبل يا مولاي، أما عن الماضي وما صُرِفَ فيه بالفعل تنفيذًا لما تَمَّ من استثناءات فحسابه كله عند الله!

  • ثانيًا: «تضخم المعاشات»: على أن هناك نتيجة من أخطر النتائج التي تواجِه خزانة الدولة بسبب الإسراف الفاضح الذي جَعَلَتْه الوزارة الحاضرة دينها وديدنها فيما يتعلق بطائفة المحظوظين والمقربين من الموظفين، وهي تضخيم المعاشات، على نحو يزيد عبئها على الميزانية زيادة مرهقة، وقد نَبَّهْتُ إلى هذا الخطر بالفعل قبل خروجي من الوزارة، وقُلْتُ بالحرف الواحد نقلًا عن خلاصة محضر مجلس الوزراء الذي أذاعه النحاس باشا على الصحف:

    هذه الاستثناءات لا تؤثِّر على المرتبات وحدها، بل أيضًا على المعاشات التي تعمل قدر الإمكان على تخفيف عبئها عن الميزانية، وذلك في حين أننا ذكرنا بصريح العبارة في برنامج الوزارة ألَّا استثناء ولا محسوبية!

    ولكن النحاس باشا وجماعته مضوا في استثناءاتهم، وغرقوا إلى الآذان في محسوبياتهم، وانصرفوا بتفكيرهم وتدبيرهم إلى تفتيح موصَد الأبواب، لإشباع شهوة الاستثناء والاحتساب، غير عابئين بما يصيب المرتبات والمعاشات من تضخُّم، وما يقع على الميزانية من فادح الأعباء.

عروض سخية

ولهذا هرعَت الوزارة إلى باب المعاشات تفتحه على مصراعيه لمن يشاء الخروج، وأسرعَتْ إلى المترددين تستحثهم وتستهويهم إلى اعتزال مناصبهم لقاء استعدادها لتلبية ما يطلبون من تسويات ومكافآت.

فمن بقي له في خدمة الحكومة عامان أو بضعه أعوام زِيدَ له مرتبه، وزِيدَ بالتالي معاشه، وأُعطي في أكثر الحالات فرقًا بين المرتب والمعاش!

وفي أي مقابل كل هذا؟

في مقابل إخلاء الوظائف للأقارب والمحسوبين، سواء منهم الطامعون في الترقية وأصحاب الحظوة من طالبي التعيين!

والأمثلة على ذلك، يا مولاي، كثيرة وفيرة، بحمد الله الذي لا يُحمد على مكروه سواه!

معاش ومكافأة وعقد

ومن هذه الأمثلة الصارخة وما أَغْدَقَهُ النحاس باشا — ومن ورائه مجلس وزرائه — على حضرة جورج دوماني بك مراقب الإدارة الأوروبية بمجلس الوزراء.

ويظهر أن الوزارة رأت من البر أن تشمل بنظرتها أمين صندوق مشروع البر، وهو دوماني بك، فأقر مجلس الوزراء مذكرة فريدة في بابها، وفي أسلوبها، وطريقة حسابها، وقد تضمنتْ:
  • أولًا: ترتيب معاش استثنائي لجورج دوماني بك قدره ٧٨ جنيهًا شهريًّا خصم منه مبلغ الثلاثة جنيهات التي استبدلها فيكون صافي المعاش الذي يقبضه ٧٥ جنيهًا شهريًّا، في حين أن معاشه حين بلوغه الستين لا يزيد على ٤٤ جنيهًا، وبعبارة أخرى فقد زِيدَ معاشه ٣٤ جنيهًا في الشهر فقط لا غير!
  • ثانيًا: منحه مبلغ ٣٠٠٠ جنيه يستعين بها على الوفاء بالتزاماته الناشئة عن مدة فصله السياسي.
  • ثالثًا: مد خدمته ثلاث سنوات أخرى نظير مكافأة شهرية توازي الفرق بين مرتبه الحالي وبين معاشه المشار إليه.
أما الأسباب التي انْتُحِلَتْ لإقرار هذه الصفقة الثلاثية السخية، فهي:
  • (١)

    أن النحاس باشا اكتشف في ديسمبر سنة ١٩٤٢، ما كان غائبًا عنه منذ سنة ١٩٣٦، وهو أن جورج دوماني بك فُصِلَ من وظيفته لأسباب سياسية في أول فبراير سنة ١٩٣١، واستمر مفصولًا حتى أُعِيدَ إلى الخدمة في ٣٠ يناير سنة ١٩٣٥، أي مدة أربع سنوات كاملة!

  • (٢)

    أن الفرق شاسع بين المرتب الذي يتقاضاه الآن — وهو ١٢٥ جنيهًا شهريًّا — وبين صافي المعاش الذي يقبضه عند بلوغ سن الستين وهو ٤٤ جنيهًا!

    وهذا سبب خطير جدير يدعو حقًّا إلى رَفْع المعاشات، وتقريب ما بيْن الأرقام من مسافات!

    والسؤال الذي يُلِحُّ على الخاطر: هو لماذا لم يَفْطِن النحاس باشا في وزارته السابقة إلى حكاية الفصل السياسي، وضرورة تعويض الالتزامات، ومنح دوماني بك هذه الألوف من الجنيهات؟!

    لعلَّ السر أو بعض السر، يرجع إلى العبء الذي يضطلع به حضرته في هذه المرة فوق أعباء وظيفته، وهو أمانة صندوق البر؟

    أو لعلَّهَا موجة الاغتراف من أموال الدولة، لم يكن من الذوق أن تمر دون أن ينال الرجل كما نال غيره بعض الغنائم والتسويات!

    (ونصُّ المذكرة الطريفة التي تمت بها هذه الصفقة ملحق بالوثائق والمستندات.)

  • (٣)

    وهناك أيضًا صفقة الدكتور فريد رفاعي بك، ولم يكن حضرته فيها بأقل حظًّا من جورج دوماني بك.

    زِيدَ مرتبه من ١٠٢٠ جنيهًا في الدرجة الأولى إلى ١٥٠٠ جنيه درجة وزير مفوَّض، وأحيل إلى المعاش على أساس هذا المرتب، وضُمَّتْ سنتان لمدة خدمته، وأُعْطِيَ فوق ذلك ٢٠٠٠ جنيه مكافأة.

    وزيادة على ذلك فقد عُيِّنَ ابنه في وزارة الأوقاف وأُعْطِيَ درجة استثنائية.

  • (٤)

    وإلى جانب هذين المَثَلَين أتشرف يا مولاي بتقديم مثل ثالث، يرجع الفضل فيه أولًا وآخرًا إلى صاحب السعادة عبد السلام فهمي جمعة باشا رئيس مجلس النواب.

    عندما تولت الوزارة الحاضرة الحكم وعُيِّنَ عبد السلام جمعة باشا وزيرًا للزراعة أَصْدَرَ قرارًا بتعيين الأستاذ علي محمود طه وكيلًا لمتحف فؤاد الأول الزراعي، ورُقِّيَ إلى الدرجة الرابعة مع نَدْبه سكرتيرًا برلمانيًّا، ولم يَمْضِ شهران حتى انْتُخِبَ عبد السلام باشا رئيسًا لمجلس النواب، فأصدر قراره بنقل الأستاذ علي محمود طه مديرًا لمكتبه في مجلس النواب وترقيته إلى الثالثة ولما يَمْضِ على ترقيته من الخامسة إلى الرابعة شهران، مع أن كادر الموظفين يحرم الترقية للذين لا يحملون شهادات عليا لأكثر من الرابعة، «وحضرته لا يحمل شهادة عليا ولو أنه أديب نابه».

    الأعجب من هذا أن عُمِلَتْ له تسوية تُعْتَبَر — مع تسوية دوماني بك — فذة في نوعها، وهي أنه أحيل على المعاش بعد ترقيته إلى الدرجة الثالثة مع ضم مدة إلى خدمته ليزيد بذلك معاشه زيادة كبيرة، ثم مُنِحَ مكافأة مالية قدرها ألفا جنيه تقريبًا، ليكون الكسب عاجلًا وآجلًا معًا.

    وليت الأمر اقتصر على هذا؛ بل بقي حضرته شاغلًا لوظيفة مدير مكتب عبد السلام باشا ولكن بعقد! ففيم كانت الإحالة على المعاش، وفيم كانت التسوية؟ إلا أن يكون ذلك ليستفيد منها فائدة لم يكن يحلم بها؛ لأن جميع زملائه لا يزالون في الدرجة الثامنة والسابعة، وأسعدهم حظًّا في السادسة.

  • (٥)

    وأخيرًا وليس آخرًا، يأتي مَثَل فريد في بابه، هو الخاص بحضرة مأمون أفندي الريدي أمين ضريح المغفور له الزعيم الخالد سعد زغلول، فقد كان مرتبه حوالي ٣٠ جنيهًا فزيد إلى ٤١ جنيهًا في الدرجة الرابعة، ولكنه استثناء متواضع إذا قِيسَ إلى ما صَحِبَهُ من استثناء نادر حتى بين الاستثناءات الحاضرة النادرة.

ذلك أن الأستاذ مأمون كان قد عُيِّنَ أمينًا للضريح حين تم بناء الضريح في سنة ١٩٣٧، ولكن النحاس باشا رأى — ورأى وزراؤه المساكين لأنه رأى — أن يرجع تاريخ تعيينه إلى تاريخ وفاة الزعيم الراحل؛ أي إلى سنة ١٩٢٧، وبذلك أضاف إلى معاشه عشرًا من السنين!

هل سَمِعَ أحد يا مولاي أن شخصًا يُعَيَّن في سنة ١٩٣٧، ويُحْتَسَب معاشه من سنة ١٩٢٧؟ وهل سمع أحد أن ضريحًا أنشئ في سنة ١٩٣٧ يُرْجَع به إلى سنة ١٩٢٧، فيوجد الأمين قبل أن يوجد الضريح؟!

وقد طَلَبَ مني النحاس باشا قبل خروجي من الوزارة أن أُقِرَّ هذا الاستثناء العجيب فضحكْتُ في وجهه ورفضتُ!

إرغام لا إكرام

هذه يا مولاي أمثلة معدودات من حالات الموظفين الذين أُحِيلوا إلى المعاش، أو رُتِّبَتْ لهم معاشاتهم طبقًا لما يشاءون، ووفقًا لما يشتهون.

ولكن هناك أناسًا آخرين أُخْرِجوا إلى المعاش من طريق التحكُّكِ والإرغام، لا من طريق التدليل والإكرام.

ومن هؤلاء صاحب العزة علي عبد الهادي بك مدير المنيا سابقًا، وأحد الموظفين الأكفاء الشرفاء الذي شاء لهم سوء الحظ أن يتعاونوا معي يومًا من الأيام في شئون التموين!

وقد فوجئ الرجل بإحالته إلى المعاش في سبتمبر سنة ١٩٤٢، دون أن يعلم لذلك سببًا، أو يُقَدِّم به طلبًا، ومع ذلك ادَّعَت الوزارة أنها أَحَالَتْه إلى المعاش «بناء على طلبه»!

ويظهر أن الوزارة رأت أن إحالته على المعاش تتيح لها فرصة سانحة لإخلاء وظيفة كبيرة تفتح لها باب الترقية والتعيين على طريقتها في المفاضلة وتفضيل الأقربين!

أساليب من التحايل

وليس أدل على إحساس النحاس باشا وجماعته بالشذوذ الذي يرتكبونه، وأكاد أقول: بالجُرْم الذي يقترفونه، من لجوئهم إلى التحايل الفاضح في حالات صارخة من حالات الاستثناء.

ومن أمثلة هذا التحايل ما يَلْجَئون إليه من نقل أقاربهم أو محسوبيهم من وزارة إلى أخرى أو إلى البرلمان أو ديوان المحاسبة، أو التدخل لمنحهم مرتبات عالية في بعض الشركات ليتذرَّعوا بذلك في تعيينهم على أساس تلك المرتبات أو زيادة عنها في الحكومة، والأمثلة عديدة نكتفي بالبعض منها كنموذج.

فتوفيق أبو علم أفندي، ابن أخي وزير العدل، وزوج كريمته، ينقل من وزارة العدل إلى وزارة الأوقاف، وهنالك رُقِّيَ درجة استثنائية بقرار من مجلس الأوقاف الأعلى، ثم سنراه يعود إلى قاعدته في وزارة العدل مزوَّدًا بما تيسر من الدرجات والعلاوات! ولأنه الآن وكيل حسابات في وزارة الأوقاف فقد قيل: إن معالي شقيقه سينشئ له وظفية خاصة للإشراف على الخبراء المحاسبين في وزارة العدل.

والأستاذ علي أبو علم، شقيق وزير العدل يُنْقَل إلى المحاكم المختلطة، ثم يتبين أن الحكمة هي أن يعود إلى المحاكم الأهلية رئيسًا لمحكمة المنصورة بعد أن يكون قد تخطَّى دوره وتحدى أقرانه وإخوانه، وقفز قفزة خاطفة إلى أرفع المناصب القضائية! وهكذا قَطَعَ حضرته مرحله من وكيل نيابة إلى رئيس محكمة في بضعة شهور يقطعها غيره في سنوات عديدات، ولِمَ لا؟ أليست له أَشْرف المؤهلات؟

والأستاذ عبد السلام عثمان، شقيق محمد صلاح الدين بك يُنْقَلُ من وزارة الأشغال إلى ديوان المحاسبة حيث يقفز إلى الدرجة الثانية من الرابعة بعلاوة قدرها ٣٩ جنيهًا في الشهر ثم لا يلبث أن يظفر بالدرجة الأولى ويُنْقَل مراقبًا للإيرادات والمصروفات ببلدية الإسكندرية!

ومحمود شوقي أفندي ابن شقيقة النحاس باشا يُرَقَّى ترقية وهمية في شركة قنال السويس لكي يُعَيِّنه خاله — النحاس باشا — في الدرجة الرابعة بمرتب قَدْرُه ٤٥ جنيهًا في وظيفة مدير مكتب رئيس الوزراء، وهو من المتخرجين في ملحق كلية الحقوق سنة ١٩٤٠! وأما زملاؤه — بل بعض أساتذته في كلية الحقوق — فمرتباتهم تتراوح من العشرة جنيهات وقد تبلغ العشرين!

وهكذا تُتَّخَذ دواوين الحكومة ووزاراتها قناطر يجتازها الموظفون المحظوظون للتحايل على ترقيتهم، وتمكينًا لهم ولأصحاب الحكم الحاضر من تنفيذ خطة المحسوبية والاستثناء من غير تورُّع ولا حياء، على قاعدة «القربى للأقرباء»!

العوامل والوسائل

وأية غرابة إزاء هذه المهازل كلها — يا مولاي — إذا استقر في أذهان الموظفين عامة أن عوامل الترقية والحظوة كلها، أو فجُلُّها على الأقل، تنحصر في القرابة أو النسب، إما للنحاس باشا، أو لوزير من وزرائه، أو لنائب من نوابه، أو لشيخ من شيوخه المقربين!

وإني أترفع يا مولاي عن الإشارة إلى ما يُدفع من متفاوت المَبالغ إلى بعض الوسطاء، وأكتفي بما هنالك من الواقع الثابت الذي يكاد يتجاوز حدود التصور والخيال.

وفيما يلي مَثَلٌ واحد أضربه للتدليل على الروح التي سيطرت على الموظفين في هذا العهد، فجعلتهم يعتقدون اعتقادًا لا يتزعزع، بأن السبيل إلى تحقيق أعسر الأمور هي سبيل القرابة أو المصاهرة والارتباط بصلة النسب المبارك الثمرات والخيرات!

استيداع، فاستجماع، فاسترجاع

وهذا المثل يا مولاي لا تنقصه الأسانيد الرسمية المفصلة الدامغة.

فقد جاء في النسخة الرسمية من «الأوامر العمومية» التي تصدرها وزارة الداخلية، بتاريخ ١٠ سبتمبر سنة ١٩٤٢ نص الأمر رقم ٣٥٠ تحت عنوان «إحالة للاستيداع» وهو كما يلي:

يحال حضرة القائمقام محمود حسن راشد بك قومندان بلوكات نظام الأقاليم إلى الاستيداع اعتبارًا من أول سبتمبر سنة ١٩٤٢.

فماذا حدث بعد ذلك؟

راح الموظف المستبعَد يَسْتَجْمِعُ شتات ذهنه باحثًا عن سبيل العودة إلى وظيفته الكبيرة، ولم يلبث أن اهتدى إلى أقصر السبل المؤدية إلى الوظيفة في العهد الحاضر، وهي صلة الجمع بينه وبين رفعة رئيس الوزراء برباط النسب أو المصاهرة.

وفي يوم ١٧ سبتمبر سنة ١٩٤٢ تزوجَتْ حضرة الآنسة زينب محمود الهمشري — وهي أخت حضرة السيدة خديجة الهمشري زوجة القائمقام المحال إلى الاستيداع — من حضرة الوجيه محمد بدوي شعير — وهو خال حرم رفعة النحاس باشا — وذلك بمقتضى عقد زواج «رقم ٥ دفتر ١٥٢٣».

وبهذا أصبح القائمقام محمود حسن راشد بك عديلًا لخال حرم رفعة رئيس الوزراء.

وسرعان ما تعادَلَت الحظوظ، بفضل الصلة الجديدة الجامعة النافعة، وصدَرَ أمْر جديد أُذِيعَ في أوامر وزارة الداخلية، وهو الأمر رقم ٤٢٠ تحت عنوان: «إعادة للخدمة العاملة»، وقد جاء فيه ما نصُّه:

يعاد حضرة القائمقام محمود حسن راشد بك الضابط بالاستيداع إلى الخدمة العاملة، ويُلحق بوظفية قومندان بلوكات نظام الأقاليم اعتبارًا من ٨ أكتوبر سنة ٤٢!

وهكذا تم الاستيداع، ثم الاستجماع، ثم الاسترجاع، في ثمانٍ وثلاثين يومًا لا تزيد، وعاد الموظف الكبير إلى نفس الوظيفة التي صَدَرَ الأمر بفصله منها، وتنحيته عنها!

أين المصلحة العامة يا مولاي في هذا؟ وأي لعب واستهتار بها أكثر من هذا؟

(ومرفق بمجموعة الوثائق نسختان من الأوامر اليومية التي تَنْطِق بأدوار هذه المأساة الفذة في تاريخ الإدارة المصرية)!

(٧-٤) الانتساب والاحتساب

وعلى هذا المثال نفسه، وبهذه الروح نفسها، يحتذي الوزراء نهج رئيسهم في تقدير المصاهرة والانتساب، كعنصر حيوي من عناصر الاستثناء والاحتساب!

والأمثلة على ذلك متعددة، ومتجددة، وحسبي أن أذكر منها بعض الحالات القليلة:
  • الأستاذ محمد أبو الفتح: شقيق الأستاذ محمود أبو الفتح صاحب (المصري)، ارتبط بصلة النسب مع النحاس باشا بزواجه من كريمة عبد العزيز النحاس بك، فصدر الأمر رقم ٢٥٦ في ١٩ / ١٠ / ١٩٤٢ بتعيينه رئيسًا لقسم المجموعة الحشرية بالمتحف الزراعي في الدرجة الخامسة!
  • والدكتور محمد فطين: زوج كريمة عبد الفتاح الطويل باشا وزير المواصلات، رأت اللجنة المالية حساب أقدميته في الدرجة الخامسة، من أول يناير سنة ١٩٣٥، بعد انقضاء أربع سنوات على تعيينه في الطب الشرعي، فأبى مجلس الوزراء إلا أن يجعل هذه الأقدمية من سنة ١٩٣١، وعُيِّنَ في مصلحة السكك الحديدية، وفي يوم زفافه انتدبه صهره وزير المواصلات للعمل بالقسم الطبي في السكك الحديد مقابل مكافأة — أو هدية زفاف — مقدارها ١٢ جنيهًا شهريًّا.
  • وعبد السلام الزقم أفندي: كان مدرسًا في الدرجة السادسة بمدرسة القبة الثانوية، ثم خَطَبَ كريمة شقيق عبد الفتاح الطويل باشا، فخطب ود الدرجة الخامسة معها، وذلك أنه عقب الخطبة نقله معالي وزير المواصلات إلى البوستة في الدرجة الخامسة، وقيل إنه طُلبت له الرابعة حتى لا يترك زيادة لمستزيد.
  • وعبد الفتاح أفندي العريف: عديل عبد الفتاح باشا الطويل — كان مدرسًا في طنطا الثانوية في الدرجة الثانية، فنُقِلَ إلى البريد أسوة بنسيبه، وصدر قرار مجلس الوزراء في ٢٥ أغسطس باعتبار أقدميته في الخامسة من نوفمبر سنة ١٩٣٤ — تمهيدًا لمنحه الرابعة — ومنْحه علاوتين استثنائيتين!
  • والدكتور محمد نصر: طبيب النحاس باشا الخاص — تزوَّج من كريمة سعادة حفني الطرزي باشا، وكان قد عُيِّنَ في سنة ١٩٣٦ في الدرجة السادسة بماهية ١٢ جنيهًا، ورقي إلى الخامسة في أغسطس سنة ١٩٤٠ بماهية قدرها ١٩ جنيهًا، ثم قَرَّرَ مجلس الوزراء اعتباره في الدرجة الخامسة منذ سنة ١٩٣٦ وزِيد مرتبه إلى ٤١ جنيهًا في الدرجة الرابعة في جلسة ١٥ سبتمبر سنة ١٩٤٢، ثم عُيِّنَ أستاذًا مساعدًا بجامعة فاروق الأول بالإسكندرية، ثم طُلِبَ تعيينه أستاذًا بجامعة فؤاد الأول!

وكان لهذا التصرف ضجة، عقبتها رجة، بين أساتذة الجامعة.

أطباء النحاس باشا

ويشارك الدكتور محمد نصر في معالجة النحاس باشا أطباء آخرون، فرأى رفعته أن يكافئهم من مال الدولة ومناصبها، وقد كادت هذه الحركة تؤدي إلى أزمة جامعية حادة، وأثارت احتجاجًا وتهديدًا بالإضراب من بعض أساتذة كلية الطب بالقاهرة.

وقد عُيِّنَ أحد هؤلاء الأطباء — وهو الدكتور محمد محفوظ بك — عميدًا لكلية الطب بجامعة فاروق الأول، مع أن بين أطباء الجامعة غيره ممَّن يمتازون بالخبرة الجامعية، وليس في ذلك ما يغضُّ من شهرة الدكتور محفوظ بك ومهارته كطبيب؛ ولكنه لم يَسْبِق له أي مران في التدريس، وقد زاد مرتبه دفعة واحدة إلى ١٤٠٠ جنيه سنويًّا.

وهناك طبيب آخر من أطباء الإسكندرية أخصائي في أمراض الجلد (هو الدكتور إبراهيم صبري)، خَلَقَ له النحاس باشا كرسيًّا في جامعة فاروق الأول لا نظير له في إنجلترا نفسها ولا في جامعة فؤاد الأول، فلما ثار أساتذة القاهرة أنشأ كرسيًّا ثانيًا بجامعة فؤاد الأول! وقد رُقِّيَ حضرته ترقية استثنائية وثابة إلى درجة أستاذ.

وكذلك يعامل الأطباء الآخرين في الإسكندرية والقاهرة ممَّن قفز بهم النحاس باشا إلى درجاتٍ أو ميزات استثنائية، ولو أني لست أعرف مداها بالضبط، ومن ثَمَّ أكتفي بالإشارة إليهم.

العمادة بالقرعة

ولهذه قصة يا لها من قصة! فإن لوزير المعارف صديقين مقربَيْن إليه من أساتذة كلية الحقوق — هما حضرتا الأستاذين زكي عبد المتعال وحامد زكي — وشاءت عقلية الاستثناء أن يرقي معاليه أحد الأستاذين الفاضلين عميدًا لكلية الحقوق بجامعة فاروق من الدرجة الثالثة إلى الأولى، ولكن الاثنين متعادلان في درجة القربى لدى الوزير الخطير، فماذا يفعل لحل هذا الإشكال الصغير الكبير؟

فتقت الحيلة لوزير المعارف أن يلجأ إلى وسيلة لم يفطن لها أحد قبله من رجال العلم، رفعًا لمستوى العلم، فعمد إلى القرعة لتقول كلمتها الفاصلة، في المفاضَلة، بين الكفايتين العمليتين، أيهما أَلْيَق بالعمادة، من غير إخلال بصلات الصداقة والمودة.

وفعلًا اجتمع وزير المعارف بمدير الجامعة وسكرتيرها العام وألقى ورقتين في طربوشه، ثم التقط إحداهما، فإذا بالعمادة الرفيعة العماد من نصيب الأستاذ زكي عبد المتعال، وبناء عليه كانت له العمادة، في غير إبطاء ولا هوادة!

ولكن للمحظوظين بدل الرزق أرزاق ولو في العراق، فقد تبيَّن أن هذا البلد الشقيق في حاجة إلى عميد لكلية الحقوق، بحيث لا يختلف في فرض الكفاية عن زميله في جامعة فاروق، فعَيَّنَ الوزير لتلك العمادة ثانيَ الاثنين الذي بقي، هو حضرة الأستاذ حامد زكي! وهكذا أسعفه النصيب، رغم اليانصيب!

الأستاذ علي بك بدوي

هو ذلك العميد الحق، والرجل الحق، الذي جردته الوزارة من العمادة ودفعته دفعًا إلى الاستقالة؛ لأنه اجترأ أن يناقشها الحساب في نظام الاحتساب! فلقد اعترض حضرته على تخطي بقية الأساتذة في الكلية، مستندًا في اعتراضه إلى أن خمسة من الأساتذة هم أسبق في الأقدمية من الأستاذين اللذين وَقَعَتْ عليهما «القرعة» فرُقِّيَا إلى الدرجة الأولى من طريق الاستثناء، وطَلَبَ حضْرتُه كعميد للكلية أن يتساوى الأساتذة الأقدمون مع زميليهم المحظوظين؛ إن لم يكن في المرتبة ففي المُرَتَّب، ووعده بعضهم خيرًا، ولكن الوزارة التي تحتفظ بالخير لمحسوبيها من أهل الخير رفضت أن تُنْصِفَ بقية الأساتذة، وأُخْطِرَ العميد علي بك بدوي بهذا الرفض، فاحتج عليه مصرًّا على المساواة في الحقوق، على الأقل بين أساتذة الحقوق.

يا للمسكين! أيعترض على المحسوبية في عهد وزارةٍ رأس مالها المحسوبية؟ وهل فات هذا المعلم أن يتعلم، من المثل الذي ضربه فضرب به مكرم؟ ثار الوزير وثارت الوزارة فنُقِلَ العميد علي بك بدوي رغم اللوائح والقوانين إلى جامعة فاروق ليكون أستاذًا — وأستاذًا فقط — بكلية الحقوق فيها، والويل لاستقلال الجامعة والتقاليد الجامعية، من مخالفة قانون المحسوبية، فإنه لقانون فوق كل قانون، ذلك الذي يقول له الحاكم العسكري كن فيكون!

استقال الأستاذ علي بك بدوي احتجاجًا على هذا العبث بكرامته وباستقلال الجامعة، وأضرب الطلاب، واحتج الأساتذة متضامنين مع عميدهم المستقيل، ولكنهم فيما يظهر لم يقدروا مقدرة الوزارة على التنكيل، فلقد أَخَذَتْ وزير المعارف العزة بالإثم، فعمل على فصل أحد الأساتذة المحتجين الجريئين (هو الدكتور محمد هاشم) واعتقل — أي والله اعتقل — أستاذ آخر (هو الأستاذ بدر) لا لسبب إلا لأنه في نزق الشباب لم يَحْسِبْ ولو بعض الحساب، لقانون الاحتساب!١٠

التحايل!

ومن مظاهر العبث الصارخ بوظائف الدولة، وأموال الدولة، أن الوزارة إذا لم تجد لمحسوبيها القدر المتوفر من المال عمدت إلى التحايل على إيجاده، والأمثلة على ذلك كثيرة موفورة، فللنحاس باشا ابن أخٍ هو محمد بك سالم النحاس كان قاضيًا وكان مرتبه في الدرجة الثالثة، فرُقِّيَ إلى الثانية، ولكن النحاس باشا يريد أن يثب به إلى الأولى! فليعين إِذَنْ حضرة القاضي وكيلًا عامًّا لمصلحة البوستة في الدرجة الأولى، جريًا على القاعدة المتَّبَعة في هذا العهد، وهي أن تنتقل الدرجة إلى الموظف إذا لم ينتقل الموظف إلى الدرجة!

ووزير العدل له أخٌ في وزارة العدل في الدرجة الخامسة! فليُنْقَل إلى وزارة الأوقاف ولتنتقل إليه الدرجة الرابعة!

ووزير الدفاع له ابن في الجيش هو ضابط حربي، أريدَ نقلُه من الميدان الشرقي إلى الميدان الغربي، أو على حد تعبيرنا نحن المدنين، قد تَقَرَّرَ نقله من وزارة الدفاع إلى ديوان المحاسبة، ليكون محاسبًا بعد أن كان محاربًا، واشترط أن يقبض ثمنًا لهذا التنازل مرتبًا في الدرجة الرابعة قدره خمسة فوق الأربعين، بعد أن كان في الجيش أقل من العشرين، ولقد تقرَّرَ أخيرًا نَقْل حضرته إلى وزارة الخارجية، لاعتبارات هي — ولا شك — دولية خارجية.

وكذلك رأت الوزارة لاعتبارات دبلوماسية، أن تُرَقِّي من طريق الاستثناء نجْل الأستاذ محمود بسيوني إلى درجة سكرتير ثالث بوزارة الخارجية، في الوقت الذي كانت تشجعه فيه على ترشيح نفسه نقيبًا للمحامين، والحقُّ أنه كان في حاجة إلى كثير من التشجيع، لتكون له تلك الشجاعة!

ولوزير المواصلات أنسباء كانوا مدرسين في وزارة المعارف، نُقِلُوا إلى المواصلات (في مصلحة البوستة) لتنتقل إليهم الدرجة، أما أخوه زكي أفندي الطويل، فله حديث طويل، فقد نُقِلَ من مهندس مبانٍ في الأوقاف، إلى وكيل لمصلحة الطرق، ثم إلى مدير لتلك المصلحة، وترتَّبَ على نقله تنقُّلات، فعلاوات فدرجات!

والأمثلة يا مولاي على هذا التحايل المفضوح عديدة مديدة، وسنشير إليها في خلال إحصاء ما وَقَفْنا عليه من استثناءات، وسنرى من هذا الإحصاء أن ديوان المحاسبة ووزارة الأوقاف وسكرتارية مجلس الشيوخ والنواب قد اتُّخِذَتْ جمعيها محطات أو «منطات» للوثوب إلى مختلف الوظائف في مختلف الوزارات!

(٧-٥) ديوان للمحسوبية

هو يا مولاي ديوان المحاسبة، وإني لأعترف أنه كانت لي اليد الطُّولَى في إنشائه، ولقد حَسِبْتُ في جهالةٍ أنني سأوفَّقُ إلى إيجاد نظامٍ ماليٍّ دقيق للرقابة على أموال الدولة، فإذا بي أصطدم أول ما أصطدم بؤامرة على وظائف الدولة.

ذلك أن النحاس باشا ومعه أمين باشا عثمان — أو هذا ومعه ذاك — أصر على اعتماد مبلغ مائة وثمانية آلاف جنيه مصري لهذا الديوان ووظائفه الجديدة، وقد اعترضت على هذا المبلغ الضخم إذ كان تقديري للاعتماد اللازم لا يزيد على ثلاثين ألفًا من الجنيهات، يدخل في ذلك اعتماد مراقبة المراجعة في وزارة المالية وهو يبلغ حوالي ١٧٠٠٠ جنيه، وكان تقدير الفنيين المختصين في وزارة المالية يبلغ حوالي الخمسين ألفًا من الجنيهات — مع السخاء في التقدير — ولكن النحاس باشا أَصَرَّ على أن يكون الاعتماد تسعين ألفًا من الجنيهات، وعلى أن يجرد مجلس الوزراء من حق التدخُّل في تعيينات الديوان أو ترقياته، لكي يضمن له استقلاله على حد تعبيره، ولو أنه صرَّح بعد نقاشٍ حادٍّ بيني وبينه أن الفكرة الحقيقة التي يرمي إليها هي أن يضْمَنَ للأنصار وظائف لا تستطيع الوزارات غير الوفدية المساس بها!

ولقد بينت له خطل هذا الرأي واستحالة تحقيقه، ولكنه أَصَرَّ على موقفه، ووافقه بطبيعة الحال بقية الوزراء ومعهم أمين باشا عثمان، الذي هدَّد وتوعَّدَ إذا ما أُنْقِصَتْ ميزانية الديوان مليمًا واحدًا عن تسعين ألفًا من الجنيهات! ومن ناحيتي فقد أَخْطَرْتُه أنني كوزير للمالية سأعترض على هذا الاعتماد في البرلمان، ولكن ماذا يستطيع البرلمان ضد مصطفى النحاس زائدًا أمين عثمان؟

وها هي ذي الخطة المرسومة المشئومة قد تحققتْ، فتحققتْ معها فضيحة كبرى من فضائح هذا العهد! فإن الديوان الذي أنشئ لمراقبة تنفيذ اللوائح المالية صيانة لمال الدولة من كل عبث، هذا الديوان بالذات قد أصبح الأداة الممقوتة للعبث بالأموال المدخرة وإغداقها في غير حساب على المحسوبين، حتى رأينا رئيسه يتحدَّث في جرأة قَلَّ نظيرها عن «محسوبياته» وينشره على الجمهور المصري كحسنة أولى من حسناته!

أي مولاي، إنها لَفضيحة للنظام المالي — بل وللنظام الحكومي كله — في مصر أن ينقلب ديوان المحاسبة إلى ديوان للمحسوبية، وأن تتحمل الدولة نفقات هذا العبث المجسم في نظام، ولا نظام!

فضائح مزرية

وفيما يلي بيان موجز لبعض الفضائح التي أَسْفَرَ عنها نظام المحاسبة في هذا العهد السعيد:
  • أولًا: حُشِرَ في الديوان المحسوبون على الوزراء والمحسوبون على المحسوبين على اختلاف مؤهلاتهم، فمنهم الضابط، والصيدلي، والمهندس، والصحافي، والكاتب، وعضو النيابة، وابن الجنايني، وابن المرضعة … إلخ، هذا فضلًا عن موظفي الوزارات المختلفة، وسكرتارية البرلمان، والخدم السايرة.

    ومعدل المنحة لحضرات المحسوبين درجة وأربعة علاوات استثنائية، ومُنِحَ أحدهم ستة علاوات استثنائية، والبعض درجتان … إلخ إلخ (وسيأتي التفصيل).

  • ثانيًا: زادت الترقيات والعلاوات الاستثنائية الممنوحة والمطلوب مَنْحها عن الاعتماد المقرر، فتقرر لها في الميزانية الحالية مبلغٌ يزيد على الاعتماد السابق بحوالي ثلاثين ألفًا من الجنيهات، ولم لا؟ أليست أموال الدولة المعتصرة من عَرَق الفقير وقوت الفقير وقْفًا على شهوات الحاكمين والمتحكمين في هذا الشعب المستضعَف الحلوب، ولماذا لا تختل الميزانية وتختل الموازين جميعًا في مصلحة ذلك الرئيس أو ذلك الوزير، أو ذلك المحسوب؟
  • ثالثًا: لإخلاء درجات لموظفي ديوان المحاسبة وللذين حَلُّوا محلهم في الوزارات المختلفة من المحسوبين والمحظوظين، لجأت الوزارة الحاضرة إلى وسيلة أَرْهَقَت الميزانية فوق إرهاق، وهي إحالة الموظفين في مختلف الوزارات على المعاش مع صَرْف الفَرْق نقدًا بين مرتبهم كما كان (أو كما زيد) عند الإحالة، وبين معاشهم، وذلك عن جميع المدة الباقية لهم في الخدمة، وفي هذا ما فيه من عبء للخزانة المثقلة، وأَذْكُرُ من باب التمثيل لا الحصر أن الوزارة الحاضرة أحالت لهذا الغرض:
    ٣٥ موظفًا في وزارة الأشغال
    ٣٣ موظفًا في وزارة المواصلات (منهم ١٩ في مصلحة البريد)
    ١٧ موظفًا في وزارة الصحة
    ١٦ من رجال القضاء
    ١٢ موظفًا في السكة الحديد
    ٥ في وزراة الزراعة

    ولهذا الجدول بقية، وبواقي.

  • رابعًا: ممَّا يذكر — ولا يُسْتَكْثَر — أنه أقيم أخيرًا امتحان لحضرات موظفي ديوان المحاسبة لمعرفة إلمامهم بأعمال المحاسبة وواجبات الوظائف التي عُيِّنُوا لها، فبلغت نسبة النجاح عشرة في المائة فقط!١١

وهل مِنْ عَجَبٍ في ذلك يا مولاي، بل لعل العجب في العشرة في المائة! إذ المعروف المشهور في جميع الأوساط الفنية المختصة أن الديوان قد فشل فشلًا ذريعًا في مهمة المراقبة التي وُجِدَ لها، فلم يحقِّق عملًا ولا أملًا، بل كل ما أفلح فيه أنه عطل الأعمال، وضرب أسوأ الأمثال في الإسراف والإسفاف، من غير حساب ولا محاسَبة.

يا للمأساة! فقد أصبحنا بفضل الوزارة الحالية في حاجة إلى مَنْ يحاسِب المحاسبين! بل غفر الله لي، فإني أخشى أن تتلقف الحكومة هذا الاقتراح فتبادر إلى إنشاء ديوان آخر تحشر فيه محسوبي المحسوبين، لمحاسبة الحاسبين!

محسوبياتي

أَشَرْتُ إلى مقال محسوبياتي الذي نشره أمين باشا عثمان في مجلة «الاثنين»، وقد تحدث معاليه عن السياسة العليا في محسوبياته، وإني لأسمح لنفسي بأن أتحدث عن السياسة الدنيا فيها، ضاربًا فيما يلي بعض الأمثلة عليها:

(أ) سكرتيرو أمين باشا عثمان

يتكون مكتب معاليه من ١٧ سكرتيرًا أَذْكُر منهم للتمثيل حضرات (مع حفظ الألقاب):
  • (١)

    عزيز عابد — رُقِّيَ من الرابعة إلى الثالثة — مُنِحَ درجة وأربع علاوات.

  • (٢)

    فكري أباظة — رُقِّيَ من السادسة إلى الرابعة — مُنِحَ درجتين وأربع علاوات.

  • (٣)

    فؤاد حمدي سيف النصر — ضابط عمره ٢٣ سنة — مُنِحَ الرابعة بصفة استثنائية وأربع علاوات.

  • (٤)

    مدحت شرارة — ملازم أول — مُنِحَ الخامسة وأربع علاوات.

  • (٥)

    موريس فهمي — زوج سيدة أجنبية صديقة للأسرة — كان موظفًا بمرتب شهري يبلغ ستة جنيهات في مصلحة الأملاك، فنُقِلَ إلى المحاسبة بمرتب شهري ٣٠ جنيهًا في الدرجة الخامسة.

  • (٦)

    قاسم أحمد فرحات — صيدلي — مُنِحَ الدرجة الخامسة وأربع علاوات.

  • (٧)

    أمين شعير — نسيب النحاس باشا — مُنِحَ السادسة وأربع علاوات.

  • (٨)

    و(٩) حسن وحسين شريف، رُفِعَ مُرَتَّبُهما من ٦ إلى ١٥ جنيهًا … إلخ إلخ.

(ب) أقرباء ومحسوبو أمين باشا عثمان

  • (١)

    الأستاذ سني اللقاني: عُيِّنَ في درجة وكيل وزارة، ورُفِعَ مرتبه من ١٠٢٠ جنيهًا إلى ١٥٠٠ جنيه، (وحضْرتُه زوج شقيقة أمين باشا).

  • (٢)

    الأستاذ نظمي العلايلي: رُقِّيَ من الرابعة إلى الثالثة ومعها أربع علاوات استثنائية (وحضْرتُه زوج شقيقة أمين باشا الثانية).

  • (٣)

    الأستاذ حسين سامي: مُنِحَ درجة استثنائية وأربع علاوات (وحضْرتُه زوْج الشقيقة الثالثة).

  • (٤)

    زوج ابنة مرضعته «أحمد خير الله»: لا يحمل شهادات، فرُفِعَ مُرَتَّبه من ٦ جنيهات إلى ١٥ جنيهًا.

  • (٥)

    أخو زوج بنت المرضعة، مُنِحَ درجة وأربع علاوات.

  • (٦)

    أخو زوج بنت المرضعة (رقم ٢)، مُنِحَ درجة وأربع علاوات.

  • (٧)

    سعيد صابر أفندي «ابن أخت الأستاذ سني اللقاني»: مُنِحَ الخامسة وأربع علاوات.

  • (٨)

    الأستاذ محمد حشمت — وهو المحسوب الأعظم للمحتسب الأعظم — كان في الدرجة الرابعة بمرتب سنوي ٣٦٦ جنيهًا في بدء العهد الحاضر، وكان قد رُقِّيَ إلى الرابعة في أغسطس سنة ١٩٤٠، فرقَّته الوزارة الحالية إلى الثالثة وزاد مرتبه السنوي من ٣٦٦ جنيهًا إلى ٦٣٠ جنيهًا، وعُيِّنَ وكيلًا لمحافظة إسكندرية، وبعد حوالي شهرين نُقِلَ إلى ديوان المحاسبة مع ترقيته إلى الدرجة الثانية، ورُفِعَ مرتبه السنوي إلى ٨٤٠ جنيهًا؛ أي إنَّ مرتبه وَثَبَ في بضعة شهور من حوالي ثلاثين جنيهًا إلى سبعين جنيهًا في الشهر!

    ومما هو جدير بالذكر أن حضرته لا يحمل شهادة عليا، ولا يسمح الكادر بترقيته لأكثر من الدرجة الثالثة، ولذلك لم توافق اللجنة المالية على مَنْحه أكثر من ٥٤٠ جنيهًا حينما عُيِّنَ وكيلًا لمحافظة الإسكندرية، ولكن لعله من الإنصاف لفلسفة العهد الحاضر أن نقول: إن اللجنة المالية والقوانين المالية إن هي إلا مُخَلَّفَات فانية، لعهود فانية، أكَلَ العهد الحاضر وشرب عليها، ومنها.

  • (٩)

    عبد الهادي أفندي سيف النصر — نسيب الأستاذ حشمت — مُنِحَ درجة استثنائية وأربع علاوات.

  • (١٠)

    الأستاذ أمين عبد الرحمن: مُنِحَ الدرجة الثانية بصفة استثنائية ورُفِعَ مرتبه من ٣٧ جنيهًا إلى ٥٢٫٥ جنيهًا.

  • (١١)

    الأستاذ عبد العظيم أباظة: رُقِّيَ إلى الدرجة الأولى بصفة استثنائية ومُنِحَ أربع علاوات.

  • (١٢)

    الأستاذ الشافعي اللبان: مُنِحَ درجة وأربع علاوات.

  • (١٣)

    الأستاذ حسين خشبة: مُنِحَ الدرجة الخامسة وأربع علاوات.

  • (١٤)

    حبيب أفندي نجار: مُنِحَ الدرجة السادسة وأربع علاوات.

  • (١٥)

    أحمد حلمي حجاج أفندي: الدرجة السادسة وأربع علاوات.

  • (١٦)

    سيد أباظة أفندي: درجة وأربع علاوات.

  • (١٧)

    حسن أفندي نجيب: مُنِحَ درجة استثنائية ليُحال على المعاش بعد ثلاثة شهور.

  • (١٨)

    عبد الرزاق أفندي محمود: «كان في الأصل ساعيًا بالإسكندرية» مُنِحَ الخامسة وأربع علاوات.

  • (١٩)

    السيد أحمد زندو: الخامسة وعلاوات.

  • (٢٠)

    هنري عطار: الخامسة وعلاوات استثنائية.

  • (٢١)

    الأستاذ جمال جبر: الخامسة زائدًا أربع علاوات.

  • (٢٢)

    ميشيل طبيه: الخامسة وعلاوات استثنائية.

هذا يا مولاي بعضٌ من كل، وقطرةٌ من بَحْر، وأمامي كشف يتضمن ٤٣ موظفًا مُنِحُوا الدرجة السادسة وعلاوات استثنائية من علاوتين إلى أربعة، و٣٨ موظفًا مُنِحوا الدرجة الخامسة من العلاوات الاستثنائية، هذا فضلًا عن الذين عُيِّنُوا ورُقُّوا إلى الدرجات العليا ولم أَقِفْ إلا على القليلين منهم، وكلهم أقرباء أو أنسباء أو محسوبون.

وإني أتشرف بإرفاق الكشفين مع هذه العريضة.

المحسوبيات الوزارية في الديوان

يختص رئيس الوزراء باثني عشر موظفًا من أنسبائه ومحاسيبه في ديوان المحاسبة، ويَدْخُل ضِمْن هؤلاء — محاسبجي أو محسوب — مشروع البر عبد المقصود أفندي حمزة الذي رُقِّيَ ترقية استثنائية هائلة ومُنِحَ من الامتيازات ما سيأتي ذِكْرُه، وكذلك الأستاذ عبد السلام أحمد عثمان المهندس (شقيق محمد بك صلاح الدين) الذي رُقِّيَ إلى الدرجة الأولى من الثالثة ورُفِعَ مرتبه من ٤٩٢ جنيهًا إلى ٨٣٤ جنيهًا في الثانية ولا أدري كم بَلَغَ في الأولى، وسيأتي الكلام عنه وعن بقية محسوبي النحاس باشا فيما بعد عند الكلام عن محسوبيات النحاس باشا عامة في سائر الوزارات.

وللوزراء الآخرين نصيبهم في محسوبيات الديوان، ومن بينهم وزراء الأشغال والمعارف والعدل والمالية والمواصلات والزراعة والشئون الاجتماعية والتموين، وحتى رئيس مجلس النواب لم يشأ إلا أن يقتسم الغنيمة مع المغتنمين — ففي الديوان متَّسع للجميع — وذلك رغم حَشْد محسوبيه في وظائف مجلس النواب كما سنرى، وسنتناول فيما بَعْدَ محسوبيات كل وزير في مختلف المصالح، ومعها محسوبيات المحسوبين أنفسهم، أو في القليل ما وَقَفْنا عليه منها، فالخير كثير، والمال وفير.

«الشهية مع الأكل» ما أصدق هذا المثل الإفرنجي! فقد تَذَوَّقَت الوزارة مزايا الديوان فقَرَّرَ مجلس الوزراء أخيرًا — بحجة الهيئات الخارجة عن الميزانية — إنشاء خمسين وظيفة جديدة، منها ٢ ثالثة و٥ رابعة و١١ خامسة و٢٨ سادسة و٤ درجة سابعة … هنيئًا مريئًا!

محسوبيات النحاس باشا

وهي تتفرع إلى عدة فروع:

(١) الأنسباء والأقرباء. (٢) المحسوبون من الموظفين. (٣) محسوبو مشروع البر. (٤) الموظفون الذين أدَّوْا خدمات خاصة هم أو أقرباؤهم، بصدد وقفي عبد العال والبدراوي. (٥) الأطباء الذين يعالجونه. (٦) خَدَم المنزل. (٧) محسوبو الصدفة. (٨) محسوبو المحسوبين.

ولست أزعم يا مولاي حَصْر ما لا يُحْصَر، بل حسبي أن أبين أن الاستثناءات التي كانت مَحَلَّ نِقاش أو تَنَازُع بيننا أثناء الوزارة (وهي لم تَزِدْ على اثنتي عشرة) قد بلغت بعد خروجي من الوزارة فوق الألف حتمًا، وعَلِمْتُ أنها تبلغ في مجموعها حوالي ١٥٠٠ حالة، ولما كانت هذه الاستثناءات الضخمة النهمة محل تكتُّم يُشْعَر بخوف أصحابها، من افتضاح الغنيمة وأسلابها، فلست أدَّعِي أن البيان الذي استطعت الحصول عليه وافٍ شامل، ولكن الأمثلة التي وَقَفْتُ عليها هي وحدها قاطعة في أنه لم تَقُمْ بمصر — في أي عهد من العهود — وزارة كالوزارة الحاضرة، مستهترة في جرأتها، مستسلمة لشهوتها، لا يردعها من الناس رادع، أو من الضمير وازع في توزيع الوظائف كبيرها وصغيرها على الأقرباء والأنسباء والمقربين، عاملين كانوا أو عاطلين أو خاملين، بل إن بعضهم أُعِيدَ إلى الخدمة وكانوا قد أُبْعِدُوا عنها لأسباب قذرة لا تُشَرِّف حتى المحسوبين.

وفيما يلي بيانٌ بالقدر الذي وَقَفْتُ عليه من محسوبيات النحاس باشا وحده، الذي له في هذا المضمار نصيب الأسد.

(أ) الأنسباء والأقرباء

  • (١)

    معالي الدكتور عبد الواحد الوكيل — نسيب النحاس باشا — وهو الموظف الوحيد الذي عُيِّنَ وزيرًا، لاعتبارات تتعلق بصِلَته أكثر منها بوظيفته أو كفايته، ولم يَكْتَفِ النحاس باشا بتعيين معاليه وزيرًا وعضوًا في الشيوخ (ولهذا التعيين قصة ذَكَرْتُها في المقدمة)، بل إن معاليه لا يزال حتى الآن محتفظًا بوظيفته السابقة كأستاذ بجامعة فؤاد الأول وكمراقب للصحة المدرسية بوزارة المعارف، بل لا يزال معاليه يوقِّع بإمضائه كموظف مرءوس لوزير المعارف على الأوراق الخاصة بالصحة المدرسية! ولا تزال أستاذية علم الصحة بالجامعة خالية عسى أن يَشْغَلَهَا بعد خروجه من الوزارة! فهو إذن وزير من باب أصلي، وموظف من باب الاحتياط الكلي!

  • (٢)

    محمد بك شعير: عُيِّنَ وكيلًا للوزارة بحجة المرض، وأنه سيطلب إحالته على المعاش بعد أسبوع أو اثنين، وقد شفاه الله منذ تعيينه، فنُقِلَ من التموين إلى وزارة المالية، وحضْرَتُه كما هو ظاهر نسيب للنحاس باشا، وكان خصمًا عنيدًا للوفديين! ولكنه الآن أصبح يمتُّ إلى الوفديين بنسب، وإن كان لا يمتُّ إليهم بسبب!

  • (٣)
    عبد العزيز النحاس بك — شقيق النحاس باشا — حضْرته مدير إدارة التفتيش بوزارة الداخلية، وقد رُقِّيَ من الدرجة الأولى، وكان مرتبه فيها ١٠٢٠ جنيهًا إلى درجة مدير عام (أ) بمرتب ١٣٠٠ سنويًا،١٢ ومُنِحَ اختصاصات واسعة جدًّا نُشِرَتْ في الصحف منها الإشراف على ترقيات وتعيينات الموظفين، والإشراف على كشوف التماس الرتب والنياشين، وتأديب الموظفين … إلخ.
  • (٤)

    الأستاذ محمد سالم النحاس (ابن أخي النحاس باشا): رُقِّيَ حضْرته إلى الدرجة الثانية في ٢٠ أبريل سنة ١٩٤٢ واعْتُبِرَتْ ماهيته ٧٩٢ جنيهًا من أول أكتوبر سنة ١٩٤٢، ولكن مجلس الوزراء قرَّر بعد ذلك تعيينه وكيلًا لمدير عام مصلحة البريد وترقيته إلى الدرجة الأولى بمرتب ٩٠٠ جنيه! وكان حضْرته قاضيًا من قبل، وجاء في مذكرة اللجنة المالية تبريرًا لترقيته إلى الدرجة الأولى في ظرْفِ بضعةِ شهور أن «أعباء المنصب الذي أُسْنِدَ إليه مع ما يتحمله من مسئوليات كثيرة تبرِّر مَنْحه الدرجة المقررة مع التجاوز عن شرط مضي أربع سنوات.»

    والمنتظر أن تخلو وظيفة مدير عام البوستة قريبًا، وأن يجد النحاس باشا مبررات جديدة للترقية الجديدة!

  • (٥)

    محمود أفندي النحاس (شقيق النحاس باشا): وحضْرته موظف بالأملاك الأميرية وليست له مؤهلات علمية، وبلغ مرتبه ٥٠٤ جنيه سنويًّا، ولكن مجلس الوزراء قرَّرَ إبلاغ مرتبه إلى ٦٠٠ جنيه سنويًّا، ومن طريف ما يُذْكَر أن المذكرة بترقيته جاء فيها بالحرف الواحد: «إن حضرته قد كُلِّفَ بأعمال جديدة ذات صفة خاصة تستلزم الأمانة والإخلاص، وترى المصلحةُ رَفْع مستواه إلى حدٍّ يتمشَّى مع أهمية تلك الأعمال.»

    ومعنى ذلك أن للأمانة والإخلاص ثمنًا معينًا، أو في القليل أن وظيفته الأولى كانت لا تستلزم من الأمانة والإخلاص ما تستلزمه الثانية!

  • (٦)

    عبد المنعم سالم النحاس أفندي (ابن أخ النحاس باشا): رُقِّيَ إلى الدرجة السادسة ترقية استثنائية مع تثبيته بقرار مجلس الوزراء بتاريخ ٤ أكتوبر سنة ٤٢.

  • (٧)

    توفيق سالم النحاس أفندي، شقيق عبد المنعم: رُقِّيَ في نفس الجلسة إلى السادسة مع تثبيته، وعُيِّنَ الشقيقان في وزارة المواصلات.

  • (٨)

    الأستاذ بهاء الدين عبد العزيز النحاس، ابن أخٍ رابعٍ للنحاس باشا: جُعِلَتْ أقدميته في الخامسة من أول ديسمبر سنة ١٩٣٧ — تمهيدًا للرابعة — ومُنِحَ آخر مربوط الدرجة مع تثبيته وإعفائه من الكشف الطبي (قرار ٦ سبتمبر سنة ١٩٤٢).

  • (٩)

    الأستاذ عبد المنعم عبد العزيز النحاس (ابن أخٍ خامسٍ للنحاس باشا): كان معاونًا للإدارة وعُيِّنَ في النيابة، ثم عُيِّنَ أخيرًا مأمورًا للضبط بمديرية القليوبية، وهي درجة يصل إليها الموظفون غير المحسوبين، في عدة سنين!

  • (١٠)

    الأستاذ محمود شوقي (ابن شقيقة النحاس باشا): عُيِّنَ مديرًا لمكتب رئيس الوزراء في الدرجة الرابعة آخر مربوطها ٤٥ جنيهًا شهريًّا، مع أنه حاصل على ليسانس الحقوق في الدور الثاني سنة ١٩٤٠، ولا يزال أوَّلُ دُفْعَتِه يتقاضى ١٢ جنيهًا شهريًّا، بل لا يزال بعضُ حضرات مدرسيه الذين امتحنوه يتقاضون مرتبًا أقل من نصف مرتبه!

    ولحضرته فوق المرتب سيارة حكومية فخمة من نوع باكار، وله كما يقال مرتب خاص في الحراسة.

    ولعل الحكومة المصرية منذ أن كانت في مصر حكومة لم تَشْهَد مثلًا صارخًا على المحسوبية السافرة المستهترة كهذا المثل، اللهم إلا إذا استثنينا نجل سعادة رئيس مجلس النواب الذي عُيِّنَ أوَّلَ ما عُيِّنَ بمثل هذا المرتب مع فارقٍ بسيط وهو أنه يحمل شهادة دكتوراه.

  • (١١)

    الأستاذ مصطفى شوقي (ابن شقيقة النحاس باشا أيضًا): صَدَرَ بصدده قراران استثنائيان من مجلس الوزراء، الأول في ٨ يوليو سنة ١٩٤٢ باعتبار أقدميته في الدرجة الخامسة من ٨ يوليو سنة ١٩٤٠ رغم أنه رُقِّيَ إلى الخامسة في فبراير سنة ١٩٤٢، وجُعِلَ مرتبه ٣١٢ جنيهًا، والقرار الثاني صدر في ٧ أكتوبر سنة ١٩٤٢ بترقية إلى الدرجة الرابعة وجُعِلَ مرتبه ٤٢٠ جنيهًا سنويًّا، ورأت اللجنة المالية أن الوثبة واسعة فاقْتَرَحَتْ جَعْل المرتب ٣٢ جنيه شهريًّا، ولكن مجلس الوزراء قرَّرَ له ٣٥ جنيهًا، ومؤهلاته البكالوريا.

  • (١٢)

    الأستاذ وحيد شوقي (ابن شقيقة النحاس باشا): مُنِحَ حضْرَتُه استثنائيًّا رُتْبَة بكباشي في إدارة خفر السواحل.

  • (١٣)

    محمد خيري عثمان بك (زوج بنت شقيقة النحاس باشا): وحضْرته أحد الثلاثة الذين كانوا موضوع مذكرة اللجنة المالية التي قدمتها قبل خروجي من الوزارة برفْض الاستثناءات، ولكن مجلس الوزراء قَرَّرَ رَغْمَ ذلك ترقيته إلى الدرجة الثالثة بمرتب ٧٢٠ جنيهًا سنويًّا أي زيادة ١٧ جنيهًا شهريًّا في مرتبه.

    فهل اكتفى النحاس باشا بهذه الوثبة الاستثنائية الخاطفة؟ كلا، فإنه لم تَمْضِ بضعة شهور على خروجي من الوزارة حتى قرَّر له مجلس الوزراء ترقية أخرى إلى الدرجة الثانية ومنحه علاوتين من علاواتها مقدارهما ٩٦ جنيهًا لإبلاغ ماهيته ٨١٦ جنيهًا!

    وهكذا بلغ الاستهتار بالمناصب وبأموال الدولة مبلغًا يدعو لا إلى مجرد التساؤل والدهشة، بل إلى التحقيق والمؤاخذة.

  • (١٤)
    الأستاذ عبد الرحمن رضا (زوج ابنة شقيقة النحاس باشا): رُقِّيَ من محامٍ من الدرجة الأولى الممتازة بأقلام قضايا الحكومة إلى نائب أول، ومن الدرجة الثالثة إلى الأولى فزاد راتبه من ٧٢٠ جنيهًا إلى ٩٠٠ جنيه سنويًّا، وقد كانت هذه الترقية محلَّ نقاش طويل بيني وبين النحاس باشا، وانتهى الأمر إلى أنَّ اللجنة المالية لم تتحمل مسئولية هذه الترقية، فتركت الأمر فيها لمجلس الوزراء، وقد جاء في ختام مذكرتها ما يأتي حرفيًّا:

    وقد بَحَثَت اللجنة المالية هذا الاقتراح وهي تتشرف برَفْعه إلى مجلس الوزراء ليُقَرِّر فيه ما يراه.

  • (١٥)

    توفيق أفندي مرسي القاضي (زوج خالة حرم النحاس باشا): رُقِّيَ من مأمورٍ إلى وكيل مديرية الجيزة، ومُنِحَ الدرجة الثالثة بمرتب ٧٢٠ جنيهًا سنويًّا، أي بزيادة ٢٤ جنيهًا شهريًّا، وكان حضرته أحد الثلاثة الذين رَفَضَتْ ترقيتهم اللجنةُ المالية، فقرر المجلس ترقيته رغم هذا الرفض.

  • (١٦)

    الأستاذ مسعد السمرة (صهر النحاس باشا وزوج السيدة المستحقة في وقف عبد العال المشمول بنظارته): نُقِلَ من القضاء إلى الداخلية، وزاد مرتبه من ٤٨ جنيهًا إلى ٦٠ جنيهًا شهريًّا، وقد سبقت الإشارة إلى ظروف هذه الترقية المغرضة.

  • (١٧)

    الدكتور عبد الجواد حسين (شقيق زوج خالة حرم النحاس باشا): عُيِّنَ مديرًا عامًّا لقسم الأوبئة بوزارة الصحة، ورُقِّيَ من الثانية إلى الأولى بزيادة ١٥ جنيهًا شهريًّا، مع أنه كان قد رُقِّيَ إلى الثانية في أول أغسطس سنة ١٩٤٠.

  • (١٨)

    حافظ عبد الواحد الوكيل أفندي (شقيق حرم النحاس باشا): مُنِحَ الدرجة السادسة وأربع علاوات بصفة استثنائية في ديوان المحاسبة، وهو يحمل الشهادة الابتدائية.

  • (١٩)

    محمد حافظ الوكيل أفندي (ابن عم حرم النحاس باشا): عُيِّنَ في سكرتارية مجلس النواب بمرتب شهري ٢٠ جنيهًا وخمسمائة مليم، وليست لديه مؤهلات وظيفته.

  • (٢٠)

    أمين أفندي شعير (خال حرم النحاس باشا): مُنِحَ الدرجة السادسة وأربع علاوات بصفة استثنائية بديوان المحاسبة وليس له مؤهلات.

  • (٢١)

    عبد الرحيم همام أفندي (نسيب آل الوكيل): مُنِحَ بصفة استثنائية الدرجة السادسة وأربع علاوات في ديوان المحاسبة.

  • (٢٢)

    عبد المقصود أفندي شاهين (نسيب النحاس باشا): رُقِّيَ إلى الخامسة ومُنِحَ أربع علاوات استثنائية في ديوان المحاسبة.

  • (٢٣)

    مصطفى أفندي كامل شاهين (نسيب النحاس باشا) المهندس بمصلحة الشئون القروية، اعْتُبِرَتْ أقدميته في الدرجة الخامسة من أول أكتوبر سنة ١٩٣٧ بدلًا من سنة ١٩٣٩ ومنحه ثلاث علاوات، ومن طريف ما يُذْكَر هنا أن مذكرة اللجنة المالية أشارت إلى أن اللجنة انقسمت آراؤها بصدد هذه التسوية الاستثنائية، فرأى أربعة من حضرات أعضاء اللجنة مَنْحَه علاوتين فقط، ووافق الثلاثة الباقون على مَنْحه ثلاث علاوات، وأَخَذَ مجلس الوزراء بطبيعة الحال برأي الأقلية؛ لأنه ينطوي على أكثرية نقدية!

  • (٢٤)

    منصور أفندي أحمد (قريب النحاس باشا): عُيِّنَ بتاريخ ١٤ نوفمبر سنة ١٩٤٢ في سكرتارية مجلس النواب بمرتب شهري ٢٠ جنيهًا، ومؤهلاته الشهادة الابتدائية.

  • (٢٥)

    الأستاذ علي راجح (نسيب النحاس باشا): قَرَّرَ مجلس الوزراء بتاريخ ١٩ يوليو سنة ١٩٤٢ ترقيته إلى الدرجة الرابعة بأول مربوطها ٤٢٠ جنيهًا ومنحه فوق ذلك مرتبًا إضافيًّا قدره ١٢٠ جنيهًا في السنة، مع أنه رُقِّيَ إلى الخامسة في ٣٠ سبتمبر سنة ١٩٤١، وكان مرتبه فيها ٣٣٦ جنيهًا سنويًّا، وحضْرته يشغل وظيفة مدير مكتب وزير الداخلية، ومن طريف ما يُذْكَرُ في هذا الصدد أن الأستاذ إبراهيم فرج مُنِحَ ترقيته الاستثنائية الشاذة بحجة أنَّه يشغل وظيفة مدير مكتب وزير الداخلية فوق وظيفة مدير المستخدمين، والآن وقد عُيِّنَ الأستاذ علي راجح مديرًا لهذا المكتب فما قول النحاس باشا في ذلك، وهل من مبرر جديد؟

  • (٢٦)

    الأستاذ عبد الرزاق راجح أفندي «شقيق السابق» عُيِّنَ بقرار استثنائي من مجلس الوزراء بتاريخ ٤ أكتوبر سنة ١٩٤٢.

  • (٢٧)

    الأستاذ محمود مختار مدكور (نسيب آل الوكيل): مُنِحَ الدرجة الخامسة وأربع علاوات استثنائية في ديوان المحاسبة.

  • (٢٨)

    محمد بك محمود مدكور (نسيب آل الوكيل): نُقِلَ من القضايا إلى وظيفة مدير مكتب وزير المالية ورُقِّيَ إلى الدرجة الثانية بصفة استثنائية.

  • (٢٩)

    الشيخ سيد زهران (نسيب النحاس باشا): كان مرتبه ٢١ جنيهًا في الشهر، فنُقِلَ مديرًا للمساجد بوزراة الأوقاف، وقَفَزَ مرتبه إلى خمسين جنيهًا شهريًّا في الدرجة الثالثة.

  • (٣٠)

    زكي أفندي زهران (زوج بنت شقيقة النحاس باشا): نُقِلَ من البوليس إلى حرس البرلمان، ومُنِحَ رتبة اليوزباشي متخبطيًا الكثيرين من مستحقيها، ثم قَفَزَ أخيرًا إلى رتبة صاغ.

  • (٣١)

    محمد حلمي شعير أفندي (ابن خال حرم النحاس باشا): رُقِّيَ إلى رتبة اليوزباشي في غير دَوْرِه، ومُنِحَ آخر مربوط الرتبة، وانْتُدِبَ لحراسة رئيس الوزراء مع إنشاء قسم بوليس سياسي بالرئاسة خصيصًا لحضْرته ومن معه.

  • (٣٢)

    صالح حافظ فكري أفندي (نسيب النحاس باشا): اعْتُبِرَتْ أقدميته من سنة ١٩٣٦، لترقيته إلى السادسة.

  • (٣٣)

    أحمد محمد الحفناوي بك (زوج أخت محمد شعير بك قريب حرم النحاس باشا): مُنِحَ آخر مربوط الأولى ١٠٨٠ جنيهًا وكان مرتبه ٩٨٤ جنيهًا.

  • (٣٤)

    الأستاذ محمد أبو الفتح (زوج كريمة عبد العزيز بك النحاس): مُنِحَ الخامسة استثنائيًّا كما سبقت الإشارة.

  • (٣٥)

    القائمقام محمود حسن راشد بك (النسيب الجديد لآل الوكيل): وهو صاحب حكاية الاستيداع، فالاستجماع، فالاسترجاع!

  • (٣٦)

    الأستاذ صالح حسين (نسيب آل الوكيل): وكيل نيابة وقد رُقِّيَ من مرتب عشرين جنيهًا ونصف إلى ٣٥ جنيهًا في الشهر، وانْتُدِبَ للقسم الخاص بمراجعة الأحكام العسكرية بمكتب الحاكم العسكري.

  • (٣٧)

    حسين النحاس: كان كاتب سركي بيومية ٧ قروش، وعُيِّنَ في سكرتارية مجلس النواب بمرتب ١٠ جنيهات شهريًا.

  • (٣٨)

    مصطفى أفندي رياض عثمان (نسيب النحاس باشا): كان في التجارة ونُقِلَ إلى الزراعة في الدرجة الرابعة، ولم يَمْضِ شهر حتى أَوْجَدُوا له وظيفة في بغداد، وهي وظفية ملحق زراعي لتصريف المنتجات الزراعية في الدول الشرقية، ومُنِحَ الدرجة الثالثة!

  • (٣٩)

    محمد أفندي عبد المنعم عمارة (نسيب آل شعير والوكيل): مُنِحَ السادسة وأربع علاوات بصفة استثنائية في ديوان المحاسبة.

  • (٤٠)

    متولي أفندي قناوي (نسيب النحاس باشا): أُعِيدَ إلى الخدمة بمرتب ٣٠ جنيهًا شهريًّا وهو لا يحمل مؤهلات، وكان لي قريب بمثل مرتبه وفُصِلَ معه في سنة ١٩٣٨ فلم أوافق على إعادته؛ لأن في إعادته — وهو معيَّن على اعتماد مؤقت — استثناء لا مبرر له إلا المحسوبية، وقيل: إن مرتبه رُفِعَ إلى أربعين جنيهًا.

يا صاحب الجلالة

هؤلاء أربعون قريبًا ونسيبًا — وهم الذين أمكنني الوقوف على استثناءاتهم دون غيرهم — وهم أقرباء وأنسباء رجل واحد، وأُغْدِقَتْ عليهم الاستثناءات في سنة واحدة، وتجمعهم كلهم صلة واحدة هي القربى من النحاس باشا وأنسبائه، فما هو معنى ذلك؟ أليس المعنى الظاهر السافر أن الحكومة قد أصبحت ضيعة لرئيس الوزراء وأهله يقتسمون خيراتها وثمراتها دون غيرهم من الموظفين المستحقين؟ وهل هذه الاستثناءات التي لم يَسْبِقْ لها مثيل في الكم وفي النوع، والتي لم يُنْظَر فيها إلى الكفاية والجدارة؛ لأن أغلب أصحابها لا يستحقون حتى الترقية العادية، بل وليست لهم حتى تلك الصبغة الوفدية التي طالما تعلَّل بها النحاس باشا في غير علة، هل هذه مجرد استثناءات يَصِحُّ أن يُطْلَق عليها هذا النعت المتواضع.

وهل اغتراف أموال الدولة في غير تورُّع ولا حساب، وإغداقها على كل من يمتُّ إلى رئيس الوزارة بصلة القرابة أو النسب يُعْتَبَر من الأمانة في شيء من قِبَل حاكِمٍ عُهِدَتْ إليه أموال الدولة أمانة مسئولة يوزعها على الناس بالقسطاس، فكم يكون الأمر وقد قَطَعَ على نفسه عهدًا خاصًّا إلى جانب العهد العامِّ الذي يُفْرَضُ على كل حاكم، أن يرعى وجه ربه ذي الجلال في معاملة الموظفين وغير الموظفين بالإنصاف والمساواة من غير ما محسوبية أو ميل أو مراعاة للوجوه أو استغلال، وهل مثل هذه المحسوبيات الظالمة الآثمة منه ومن وزرائه يصح أن تبقى قائمة في أية حكومة نظامية، بل وهل يمكن الاطمئنان إلى بقاء النظام الحكومي نفسه إذا ما بقيت؟

ولم تقتصر المحسوبية الصارخة على الأقرباء والأنسباء، بل هناك أصدقاء، وللأصدقاء أصدقاء، وفيما يلي بعض المحسوبيات التي وقَفْنا عليها — وهي الخاصة بالنحاس باشا — ويليها محسوبيات حضرات الوزراء الزملاء.

(ب) محسوبو النحاس باشا

أما محسوبوه من الموظفين فنذكر منهم على سبيل التمثيل حضرات الآتية أسماؤهم، مضافين إلى الأربعين السابقين من الأقرباء والأنسباء:
  • (٤١)

    الدكتور أحمد فريد الرفاعي: لم يَكْتَفِ بترقيته من الدرجة الأولى بمرتب ١٠٢٠ إلى درجة وزير مفوض بمرتب ١٥٠٠ جنيه، بل مُنِحَ معاشًا استثنائيًّا فوق مَنْحه نقدية مقدارها ٢٠٠٠ جنيه، هذا فضلًا عن تعيين ابنه نور الدين أفندي خبيرًا لاسلكيًّا في الأوقاف بالدرجة الخامسة، وكانت مؤهلاته لهذه الوظيفة الفنية في وزارة غير فنية أنه كان قبل تعيينه تاجرًا في آلات الراديو، وقد سَبَقَت الإشارة إلى ظروف هذا الاستثناء الصارخ المزدوج.

  • (٤٢)

    الأستاذ عبد السلام أحمد عثمان (شقيق محمد صلاح الدين بك): وقد أشرنا إلى حالته من قبلُ، فقد ارتفع مرتبه في حوالي شهرين من ٤٩٢ جنيهًا إلى ٨٣٤ جنيهًا في الدرجة الثانية، ثم لم تَمْضِ أيام حتى عُيِّنَ في الدرجة الأولى مديرًا لمراقبة البلدية، ولا ندري كم يبلغ مُرَتَّبه فيها الآن، ولعله أخذ أول مربوطها ١٠٢٠ جنيهًا فيكون مرتبه قد زاد أكثر من ٥٠٠ جنيه في بضعة شهور، وحضرته مهندس اكْتُشِفَتْ له مؤهلات حسابية نادرة.

  • (٤٣)

    الأستاذ إبراهيم فرج مسيحة: رُقِّيَ من الرابعة إلى الأولى بمرتب ١٠٢٠ جنيهًا بزيادة ٤٢ جنيهًا شهريًا في مرتبه، وهو أحد الثلاثة الذين قُدِّمَتْ بمناسبة اقتراح ترقيتهم مذكرة اللجنة المالية بمنع الاستثناءات.

  • (٤٤)

    الأستاذ محمد القباني: عُيِّنَ مديرًا للمطبوعات ورقيبًا عامًّا على الصحف، وهو الرقيب الثالث أو الرابع لست أدري، ورُقِّيَ استثنائيًا إلى الدرجة الثالثة، وكان حضرته يعطي دروسًا خصوصية لبعض أبناء شقيقة النحاس باشا.

  • (٤٥)

    الأستاذ أحمد لطفي: نُقِلَ من القضاء إلى الداخلية، ورُقِّيَ إلى الدرجة الأولى مع مَنْحه ٩٠٠ جنيه، رغم رأي أغلبية اللجنة المالية بمَنْحه علاوتين فقط، وكان قد حصل على الدرجة الثانية في يناير سنة ١٩٤٠ بماهية ٧٢٠ جنيهًا فقرر له مجلس الوزراء الحالي في ٧ يونيو سنة ١٩٤٢ هذا الاستثناء الكبير.

  • (٤٦)

    الشيخ محمد البنا: رُقِّيَ فضيلته من الدرجة الثالثة إلى الأولى ورُفِعَ مُرَتَّبُه من ٧١٤ جنيهًا إلى ٩٠٠ جنيه.

  • (٤٧)

    الأستاذ محمد كامل البنا: نال الدرجة الرابعة في ٨ مارس سنة ١٩٤٢ فرُقِّيَ في ٢٢ سبتمبر من نفس السنة ترقية استثنائية إلى الدرجة الثالثة، وجُعِلَ مُرَتَّبه ٥٢ جنيهًا ونصف في الشهر، وكانت اللجنة المالية رأتْ أن تكون الماهية ٤٥ جنيهًا فلم يأخذ مجلس الوزراء برأيها.

  • (٤٨)

    عبد الوهاب أفندي عبد الفتاح البنا: رُقِّيَ إلى الدرجة السادسة في ٢٢ سبتمبر سنة ٤٢ مع أنه كان في السابعة من ١٢ يوليو سنة ٤٢، أي إنه قضى في الدرجة حوالي شهرين فقط.

  • (٤٩)

    إسحق أفندي حلمي: تقررت الدرجة الثالثة بماهية ٥٥ جنيهًا، وليس لدى حضرته شهادات إلا أن المذكرة التي رَفَعَتْها وزارة المعارف إلى مجلس الوزراء أشارت إلى أنه سَبَحَ المانش في عام ١٩٢٧، واقتنع المجلس بهذا الوضع الطريف.

  • (٥٠)

    الصاغ سعيد حلمي أفندي شقيق إسحاق أفندي حلمي: رُقِّيَ استثنائيًّا إلى رتبة صاغ بقرار من مجلس الوزراء.

  • (٥١)

    الأستاذ إبراهيم عز الدين (شقيق آخر لمحمد صلاح الدين بك): رُقِّيَ إلى الخامسة في ٢٤ مارس سنة ١٩٤٢، ثم رُقِّيَ استثنائيًّا بقرار في ٢٢ سبتمبر سنة ٤٢ إلى الدرجة الرابعة، وجُعِلَ مُرَتَّبه فيها أربعين جنيهًا، وكانت اللجنة المالية قد رَأَتْ جَعْل الماهية ٣٥ جنيهًا فلم يأخذ مجلس الوزراء برأيها، وهكذا قَفَزَ مُرَتَّبُه من ٢٠ إلى ٤٠ جنيهًا في بضعة شهور.

  • (٥٢)

    الأستاذ هيكل (شقيق حرم محمد صلاح الدين بك): منح الدرجة الرابعة وأربع علاوات استثنائية في ديوان المحاسبة.

  • (٥٣)

    محمد البسطويسي الطنايحي (محسوب من سمنود): عُيِّنَ بمجلس النواب بمرتبٍ شهريٍّ ٢٠ جنيهًا وليست لديه مؤهلات.

(ﺟ) محسوبيات مشروع البر

  • (٥٤)

    الأستاذ جورج دوماني (أمين صندوق مشروع البر): أَشَرْنا من قبل إلى معاملته الاستثنائية الخارقة للاستثناء نفسه، بحيث تضاعَفَ معاشُه وقبض منحة بضعة آلاف من الجنيهات واستمر في عمله بعقد!

  • (٥٥)

    الأستاذ عبد المقصود حمزة (مراجع حسابات مشروع البر): رُقِّيَ من الدرجة الخامسة إلى الثالثة بقرار من مجلس الوزراء في ١٩ سبتمبر سنة ٤٢، فارتفع مُرَتَّبُه من ٢٩ جنيهًا إلى ٤٥ جنيهًا في الشهر، ثم نُقِلَ إلى ديوان المحاسبة وانْتُدِبَ للعمل في الحراسة مقابل مكافأة تبلغ حوالي نصف مرتبه، وكذلك صُرِّحَ له بمراقبة حسابات هيئات خارجية وفَتْح مكتب محاسبة خاصٍّ.

    والحق أنه برهن على كفاية استثنائية في مراجعة حسابات مشروع البر، ولمثله شُرِعَ الاستثناء فوق الاستثناء.

  • (٥٦)

    محمد أفندي عصر: محسوب دوماني بك ومساعده، وقد مُنِحَ الدرجة الخامسة وعلاوات استثنائية في ديوان المحاسبة.

(د) محسوبية الخدمات الخاصة

  • (٥٧)

    الدكتور محمد نصر: سبقت الإشارة إليه.

  • (٥٨)

    الدكتور محمد بك محفوظ: وقد سبقت الإشارة إليه، فقد رُقِّيَ من الثالثة إلى درجة مدير عام.

  • (٥٩)

    الدكتور إبراهيم صبري، وقد سبقت الإشارة إليه.

  • (٦٠)

    الدكتور أحمد العجاتي، وقد سبقت الإشارة إليه.

    وسنذكر فيما بعد أسماء الأطباء الآخرين، وسيصلني البيان الدقيق باستثناءاتهم بعد يوم أو اثنين.

  • (٦١)

    السيد أحمد صبري أفندي: وحضرته المهندس الذي أَشْرَفَ على أعمال المباني والتأثيث في منزله الخاص بمصر الجديدة، وقد قَرَّرَ مجلس الوزراء بتاريخ ٢٢ سبتمبر سنة ٤٢ اعتباره في الدرجة الرابعة من ١٦ أكتوبر سنة ١٩٣٨ ومنْحه أول مربوطها تمهيدًا لترقيته إلى الثالثة.

  • (٦٢)

    الأستاذ حسين محرم فهيم: وهو نجل الشيخ المحترم الأستاذ محرم فهيم المحامي الشرعي — وكان حضْرته من بين المحامين الذين خدموا النحاس باشا في قضايا تنظُّرِه على الأوقاف — وقد عُيِّنَ نجله بوزارة الداخلية في الدرجة الخامسة بأول مربوطها بمرتب ٣٠٠ جنيه في السنة، بينما ينص الكادر على أن يكون في السادسة بمرتب ١٤٤ جنيهًا.

  • (٦٣)

    شفيق أفندي دميان: قام بعملية إصلاح راديو الرئيس، فمُنِحَ علاوة استثنائية قدْرها ٢٤ جنيهًا في العام.

  • (٦٤)

    الأميرال حسن لطفي قبضايه — ياور الرئيس سابقًا — مُنِحَ معاشًا استثنائيًّا يزيد ١١ جنيهًا و٤٠٠ مليم عن معاشه القانوني.

  • (٦٥)

    الدكتور عمر خيرت: قام بعملية تحليل دم لأحد الأنسباء الأعزاء فرُقِّيَ من الدرجة الخامسة إلى الثالثة، وعُيِّنَ أستاذًا مساعدًا في جامعة فاروق، ولم يَسْبِق له ولا لغيره من الدكاترة السابقِ ذِكْرُهم أيةُ خبرة بتدريس العلم، وإن تكن له خبرة بتحليل الدم.

  • (٦٦)

    الدكتور محمود فرغلي، طبيب أسنان النحاس باشا في الإسكندرية: كان في الدرجة الخامسة فرُقِّيَ إلى الثالثة مباشرةً وعُيِّنَ أستاذًا مساعدًا لقسم جراحة الأسنان بجامعة فاروق الأول، وليس في الجامعة حتى الآن قسم لجراحة الأسنان، بل ولن يَتِمَّ إعداده إلا بعد الحرب!

  • (٦٧)

    حسن عثمان — مراسلة في خدمة النحاس باشا — رُقِّيَ إلى كونستابل فملازمًا ثانيًا! ولعلها الحالة الوحيدة في بابها، الفريدة بين أترابها أن يتحول المراسلة الخادم إلى ضابط!

  • (٦٨)

    حلمي أفندي توفيق (من حرس النحاس باشا): رُقِّيَ من ملازم إلى يوزباشي في بضعة شهور.

(ﻫ) محسوبية لجنة السيدات

  • (٦٩)

    محمد أفندي صلاح الدين (نجل حضرة رئيسة اللجنة): رُقِّيَ إلى الرابعة ولم تَمْضِ عليه المدة المقررة.

  • (٧٠)

    اللواء حسن حمزة باشا (زوج سكرتيرة اللجنة): وقد كان متقاعدًا من قبل فمُنِحَ رتبة اللواء ورُتِّبَ له معاشها.

  • (٧١)

    جاك أفندي ميلاد (زوج إحدى السيدات باللجنة): كان بالدرجة السادسة فوثب إلى الرابعة!

(و) محسوبية الأنصار

  • (٧٢)

    الدكتور عبد المجيد رمزي (شقيق النائب المحترم إسماعيل رمزي باشا): رُقِّيَ إلى الدرجة الأولى بأول مربوطها مع أنه في الدرجة الثانية من أول يناير ١٩٤١ وهو يشغل وظفية مدير عام كمفتش صحة مصر.

  • (٧٣)

    الدكتور رياض محمود بك: اعْتُبِرَ في الدرجة الأولى من ٢٧ أبريل ١٩٣٨.

  • (٧٤)

    الدكتور سيد عبد الواحد: جُعِلَتْ أقدميَّته في الدرجة الثانية من أول يناير سنة ١٩٤٠.

  • (٧٥)

    الأستاذ داود فودة: مُنِحَ الدرجة السادسة بمرتب ١٨ جنيهًا أول تعيين.

  • (٧٦)

    الأستاذ أحمد عبد النبي: رُقِّيَ إلى الدرجة الخامسة بصفة استثنائية بوزارة التموين.

  • (٧٧)

    محمود إبراهيم النمرسي بك: ترقيته إلى مدير عام «ب» وإحالته على المعاش مع منْحه الفرق بين الماهية والمعاش عن سنتين.

  • (٧٨)

    الأستاذ كمال الدين حافظ عوض: رُقِّيَ إلى الدرجة الخامسة بصفة استثنائية ومُنِحَ أربع علاوات في ديوان المحاسبة.

  • (٧٩)

    الأستاذ أحمد نديم (نجل اللواء نديم باشا وقريب سعادة حفني الطرزي باشا): رُقِّيَ إلى الرابعة بصفة استثنائية مع أربع علاوات في ديوان المحاسبة.

  • (٨٠)

    الأستاذ أحمد إسماعيل (صهر النائب المحترم أحمد أبو الفتوح بك): عُيِّنَ بسكرتارية مجلس النواب بمرتب شهري ١٨ جنيهًا بالدرجة الخامسة، ثم نُقِلَ إلى مكتب الحاكم العسكري ومُنِحَ مرتبًا فقط وقدره ٣٥ جنيهًا.

  • (٨١)

    الأستاذ أحمد زكي حسن (شقيق النائب المحترم كامل حسن الأسيوطي): عُيِّن في سكرتارية مجلس النواب بمرتب شهري قدره ٢٥ جنيهًا وهو يحمل الشهادة الابتدائية.

  • (٨٢)

    سامي حنا وهبة أفندي (قريب النائب المحترم الأستاذ كامل يوسف صالح وكيل نقابة العهد): وقد عُيِّنَ في سكرتارية مجلس النواب بمرتب شهري قدره ١٥ جنيهًا.

  • (٨٣)

    الدكتور علي سري (نسيب سعادة حفني الطرزي باشا): جُعِلَتْ أقدميته في الدرجة الخامسة من تاريخ عودته من البعثة وتثبيته بصفة استثنائية تمهيدًا لترقيته إلى الدرجة الرابعة، ورُقِّيَ فعلًا لها وأَخَذَ متوسِّطَ مربوطها.

  • (٨٤)

    الدكتور أحمد حسين (نجل الشيخ المحترم علي باشا حسين وزير الأوقاف السابق): رُقِّيَ إلى الدرجة الثانية ورُفِعَ مرتبه من ٤٥ إلى ٦٠ جنيهًا وكانت اللجنة المالية قد رأت جَعْل الماهية ٥٣ جنيهًا فقط.

  • (٨٥)

    الدكتور محمد سعد الأنصاري (قريب النائب المحترم الأستاذ سعد الأنصاري): جُعِلَتْ أقدميته بصفة استثنائية في الخامسة من ١٠ أكتوبر سنة ١٩٣٨ تمهيدًا لِمنْحه الرابعة.

  • (٨٦)

    الأستاذ إبراهيم الغطريفي (ابن أخت الشيخ المحترم الأستاذ محمود بسيوني): جُعِلَتْ أقدميته في الرابعة من ١٣ يوليو سنة ١٩٤٠ بصفة استثنائية.

  • (٨٧)

    الأستاذ إبراهيم بسيوني (نجل الأستاذ محمود بسيوني): رُقِّيَ بصفة استثنائية سكرتيرًا ثالثًا بوزارة الخارجية في ظروف سبقت الإشارة إليها.

  • (٨٨)

    سليم أفندي رشيد (محسوب منسوب): مُنِحَ السادسة وأربع علاوات استثنائية في ديوان المحاسبة.

  • (٨٩)

    حسين فهمي حسين (محسوب منسوب): مُنِحَ السادسة وأربع علاوات استثنائية في ديوان المحاسبة.

  • (٩٠)

    الدكتور عبد الهادي خليل (محسوب منسوب): رُقِّيَ من السادسة إلى الخامسة إلى الرابعة في جامعة فؤاد الأول فارتفع مرتبه إلى ٣٥ جنيهًا وَثْبَةً واحدة.

  • (٩١)

    نور الدين فريد الرفاعي أفندي: عين خبيرًا لاسلكيًّا في الدرجة الخامسة بوزارة الأوقاف، وقد سبقت الإشارة إليه دون إدخاله في الإحصائية.

  • (٩٢)

    بهي الدين محمود الجمال (ابن نائب دمياط): وقد مُنِحَ — بصفة استثنائية — الدرجة الخامسة وأربع علاوات في ديوان المحاسبة، وهو مهندس فأصبح محاسبًا.

  • (٩٣)

    مصطفى أفندي رشدي: نُقِلَ من وزارة الأشغال إلى الزراعة؛ حيث أنشئ له قسم جديد بمقتضى أمْر إداري رقم ١٧٢ في ٢٣ يونيو سنة ١٩٤٢ أُسْمِيَ «قسم الهندسة»، وأُسْنِدَتْ رياسته إليه في الدرجة الرابعة.

(ز) محسوبية السفاهة

  • (٩٤)

    عباس أفندي حافظ: هو الكاتب السفيه الذي يكتب في جريدة المصري تحت إمضاء «ع» ويهاجِم باسم الوزارة الحاضرة معارضيها الشرفاء، وهو في الوقت نفسه موظف كان في الدرجة الخامسة فرُقِّيَ إلى الرابعة في ٨ مارس سنة ١٩٤٢ بماهية ٣٢ جنيهًا ونصف، فقرر مجلس الوزراء في ٢٩ نوفمبر سنة ١٩٤٢ ترقيتَه استثنائيًّا إلى الدرجة الثالثة بأول مربوطها، أي بمرتب ٤٥ جنيهًا، وذلك «تقديرًا لما قام به من خدمات» على حد تعبير وزارة الداخلية في مذكرتها إلى مجلس الوزراء!

وقد يكون غريبًا أن يُسْمَحَ لموظف بالاشتغال بالسياسة علانية وفي وَضَح النهار، ولكن الأغرب منه أن تُسَخِّرَه حكومة تحترم نفسها لكي يشتغل بالسياسة القذرة السبابة ضد خصومها الكرماء على أنفسهم، وعلى مثل هذا الكاتب بوجه خاص.

ولهذا الكاتب أبناء وأقرباء اختُصُّوا بالحظوة في هذا العهد، واختير أحدهم سكرتيرًا خاصًّا لمعالي وزير المعارف أحمد نجيب الهلالي باشا.

وهناك كتاب آخرون من بين موظفي هذا العهد سُخِّرُوا لنهش الأعراض، وتحقيق ما ينطوي عليه هذا النهش من سامي الأغراض!

(ح) محسوبية المحسوبين

  • (٩٥)

    الدكتور خلف حنا (عديل الأستاذ إبراهيم فرج): كان قد خرج من الحكومة إثر فضيحة شخصية وَصَلَ صداها إلى البوليس، ولكنه أُعِيدَ إلى الخدمة في هذا العهد، وعُيِّنَ طبيبًا أول لإحدى المستشفيات الحكومية! فإذا بصفحته السوداء قد أصبحت بيضاء من غير سوء، ومن طريف ما يُذْكَر هنا أن ملف خدمته الذي كان يتضمن أوراقًا تشير إلى أسباب خروجه من الخدمة أُعِيدَ من حيث أتى خاليًا من تلك الأوراق، وكان ذلك ولا ريب من باب الرحمة والإشفاق؛ حتى تكون أوراق ملفه كصفحة ماضيه بيضاء من غير سوء!

  • (٩٦)

    ثابت رزق الله أفندي (زوج أخت الأستاذ إبراهيم فرج): مُنِحَ الدرجة الخامسة وأربع علاوات استثنائية بديوان المحاسبة، وحضْرته مهندس ومحاسبجي معًا.

  • (٩٧)

    إلياس أفندي رزق الله (زوج أخت أخرى للأستاذ إبراهيم فرج): رُقِّيَ للدرجة السادسة في وزارة الداخلية متخطيًا الكثيرين، ولو أنه يمتاز عليهم لكونه يحمل الشهادة الابتدائية.

  • (٩٨)

    الدكتور عبد الملك رزق الله (عديل الأستاذ إبراهيم فرج): رُقِّيَ إلى الخامسة متخطيًا أقرانه، وارتقى من حكيم إلى حكيمباشي.

  • (٩٩)

    فؤاد أفندي رزق الله (شقيق السابقَيْن): نَجَحَ في مُلْحَق الحقوق وعُيِّنَ في اليوم التالي معاونًا للإدارة، متخطيًا عشرات المتخرجين.

  • (١٠٠)

    سليمان أفندي بطرس (عديل آخر للأستاذ إبراهيم فرج): كان مدرسًا بميت غمر في الدرجة السادسة فنُقِلَ إلى الديوان العام بالمعارف، ثم إلى التموين في الدرجة الخامسة.

هؤلاء يا مولاي ستون من المحسوبين، مضافون إلى الأقرباء والأنسباء وقد حصرْنا منهم أربعين؛ فيكون مجموع الأقرباء والمقربين للنحاس باشا مائة من الموظفين، وهو رقم لا يدل على حقيقة الواقع، ولو أنه يكفي من باب التمثيل على فضائح المحسوبية وما تنطوي عليه من أسباب ودوافع.

وإذا كان من الطبيعي أن يختص رفعة رئيس الحكومة بنصيب الأسد، فمن الطبيعي أيضًا أن يختص الوزراء بنصيبهم في المحسوبيات، مع الاحتفاظ بالنسبة في العدد، وفيما يلي بعض ما وَقَفْنَا عليه من محسوبيات بعض حضرات الوزراء.

محسوبيات عثمان محرم باشا

  • (١٠١)

    الأستاذ عادل يونس (شقيق حرم معاليه): كان وكيلًا للنيابة الأهلية بمرتب عشرين جنيهًا ونصف شهريًّا فرقي دفعة واحدة إلى وكيل نيابة مختلط بمرتب ٣٥ جنيهًا في الشهر.

  • (١٠٢)

    أحمد نبيه يونس أفندي (نسيب معاليه): مُنِحَ الدرجة السادسة وأربع علاوات استثنائية في ديوان المحاسبة.

  • (١٠٣)

    الأستاذ أحمد ممتاز (زوج كريمة معاليه): عُيِّنَ وكيلًا للنيابة في الدرجة الثالثة في الحركة القضائية الأخيرة، ثم عُيِّنَ بعد ذلك بقرار خاصٍّ وكيلًا للنيابة في الدرجة الثانية متخطيًا الكثيرين من أقرانه.

  • (١٠٤)

    الأستاذ إبراهيم ممتاز (شقيق السابق): مُنِحَ أول مربوط الدرجة الرابعة بصفة استثنائية في وزارة المعارف، بقرار من مجلس الوزراء في ٧ أكتوبر ١٩٤٢.

  • (١٠٥)

    محمد أفندي عثمان محرم (نجل معاليه): وله قصة، فقد سُمِحَ له بدخول مدرسة مسطرد العسكرية، رغم أنه لم يحُز دبلوم كلية الهندسة الملكية أو ما يعادله، وكان قد سُمِحَ له من قبل بدخول الكلية الحربية مع التجاوُز عن ضَعْف نظره، وقد عُيِّنَ بعد تخرجه من كلية مسطرد ملازمًا أول.

    ورغم هذه الوقائع المتسلسلة الثابتة في الأوراق الرسمية اجترأ معالي والده أن يقف في البرلمان مكذِّبًا حضرة النائب المحترم الأستاذ محمد عبد الرحمن نصير الذي شاء له سوءُ الحظ أن يَذْكُر في خلال مناقَشةِ الاستجواب الخاص بسياسة الوزارة إزاء الجيش المصري أن ابن أحد الوزراء أو قريبًا له التحقَ بالكلية الحربية وهو يلبس «نظارة»، فلما نوقش في ذلك صَرَّحَ بأن الوزير المعنيَّ بالذات هو معالي عثمان محرم باشا، فوقف معاليه غاضبًا غضبة مضرية متحديًا حضرة النائب أن يَذْكُر اسم الطالب، ومنكرًا أن له ابنًا أو قريبًا التحقَ بالكلية الحربية! وقد وُفِّقَ حضرة النائب إلى الحصول على صورة فوتوغرافية لابن عثمان باشا محرم وهو يلبس نظارة على عينيه، كما حَصَلَ على عدد من الغازتية العسكرية أُثْبِتَ فيه اسم «محمد محرم» ضِمْن طلبة الكلية الحريبة! وحاوَلَ حضرته في جلسة تالية أن يُقَدِّم هذه الأدلة الرسمية الناطقة بصدقه وكَذِبِ الوزير، ولكن رئيس مجلس النواب الحريص جدًّا على كرامة النواب مَنَعَ حضرة النائب المحترم من الثأر لكرامته، فأَمَرَ بعدم إثبات أقواله في المضبطة أو نشْرها في الصحف، حرصًا على مصلحة الوزارة التي يحرص سعادته أشدَّ الحرص عليها.

  • (١٠٦)

    أحمد أفندي شيحة (محسوب معاليه): نُقِلَ من تفتيش الري إلى تفتيش مباني وجه بحري ورقِّي إلى الدرجة الرابعة بصفة استثنائية وهو ينتمي إلى دائرة معاليه الانتخابية.

    وهناك أقرباء ومحسوبون غيره لم نَقِفْ على مدى الاستثناء الذي أفادوا منه.

محسوبو حمدي سيف النصر باشا

  • (١٠٧)

    علي أفندي حمدي سيف النصر (نجل الوزير): مدير المستخدمين بوزارة الدفاع، وقد رُقِّيَ إلى الدرجة الثالثة في ٢٥ أغسطس ١٩٤٢ وغير حائز لشهادة عليا.

  • (١٠٨)

    فؤاد أفندي حمدي سيف النصر (نجل الوزير): وقد سبقت الإشارة إلى ترقيته من ملازم في الجيش إلى آخر مربوط الدرجة الرابعة في ديوان المحاسبة بمرتب ٤٥ جنيهًا.

  • (١٠٩)

    الدكتور محمود حمدي سيف النصر (نجل الوزير): مُنِحَ الدرجة الثالثة بصفة استثنائية، وحضرته وكيل مستشفى الدمرداش.

  • (١١٠)

    محمود بك عبد الرحمن (زوج كريمة معاليه): رُقِّيَ إلى الثانية في ٢٠ أبريل سنة ٤٢ ثم رُقِّيَ بصفة استثنائية إلى الدرجة الأولى في ٢٥ أغسطس سنة ٤٢ وعُيِّنَ مديرًا.

  • (١١١)

    الأستاذ كمال عبد النبي (زوج كريمة معاليه): رُقِّيَ إلى الدرجة الثالثة بصفة استثنائية وعُيِّنَ وكيلًا لمحافظة الإسكندرية، وقد رُفِعَ مع مرتبه بدل الاستقبال من ٩٦ جنيهًا إلى ١٤٤ جنيهًا.

  • (١١٢)

    مصطفى أفندي فهمي السيد (ابن خالة حمدي باشا): رُقِّيَ إلى السابعة في سنة ٤٠ وفي السنة الحالية اعتُبِرَتْ أقدميته في السابعة من سنة ٣٦ ثم رُقِّيَ إلى السادسة بوزارة المواصلات.

  • (١١٣)

    محمد أفندي فهمي المغربي (زوج ابنة أخي الوزير): رُقِّيَ في أول عهد الوزارة الحاضرة إلى الرابعة ثم رُقِّيَ بصفة اسثنائية إلى الثالثة بقرار من مجلس الوزراء في ١٩ يوليو سنة ٤٢.

  • (١١٤)

    محمد أفندي كامل الحديدي: كان ضابطًا في البوليس وفُصِلَ لأسباب خلقية، فأعاده حمدي باشا في وزارة الدفاع، وقَرَّرَ مجلس الوزراء بتاريخ ٢ نوفمبر سنة ٤٢ ترقيته إلى الدرجة الرابعة بصفة استثنائية.

محسوبيات صبري أبو علم باشا

وهي محسوبيات خطيرة لأنها تناولت رجال العدل، وكانت حركته القضائية الأخيرة التي طبل وزمر لها مليئة بالمحسوبيات الفاضحة، فهذا قريب أو محسوب على وزير، وذاك قريب لنائب أو شيخ، وذلك محامٍ غير معروف وكان محل تهم تأديبية طوح به إلى مركز قضائي تطويحًا، وحسبنا أن نذكر هنا أمثلة على أقرباء الوزير نفسه:
  • (١١٥)

    الأستاذ علي أبو علم (شقيق الوزير): عُيِّنَ في بدء عهد الوزارة رئيسًا للنيابة المختلطة، وتبين بعدئذٍ أن هذا التعيين إنما هو وسيلة للوثوب إلى منصب عالٍ في المحاكم الأهلية، فرُقِّيَ في الحركة القضائية الأخيرة إلى رئيسٍ لمحكمة المنصورة الأهلية؛ أي إنه اجتاز في بضعة شهور مرحلة من وكيل نيابة إلى رئيس محكمة يجتازها غيره في عدة سنين، ولا يزال زملاؤه قضاة من الدرجة الثانية بينما هو لم يجلس مرةً كقاضٍ، ولكن عدل وزير العدل قضى بأن يكون أخوه رئيسًا للقضاة جميعًا في محكمة المنصورة، ومن أدرانا ما يأتي به الغد!

  • (١١٦)

    الأستاذ توفيق أبو علم (ابن أخيه وزوج كريمته): نُقِلَ من وزارة الحقانية إلى وزارة الأوقاف للتحايُل على ترقيته، ورُقِّيَ فعلًا إلى الدرجة الرابعة استثنائيًّا.

  • (١١٧)

    الأستاذ حسن أبو علم (ابن عم الوزير): رُقِّيَ أخيرًا إلى رئيس نيابة في المختلطة في الحركة التي عني وزير العدل بإصدارها في سرعة مشهودة، محمودة.

  • (١١٨)

    الدكتور محمد محمود خليل أبو علم: اعتُبِرَتْ أقدميته للدرجة الخامسة من سنة ١٩٣٧ ليتسنى منْحه الدرجة الرابعة، كما أنه ثُبِّتَ بصفة استثنائية.

  • (١١٩)

    الأستاذ وجدي علي علوي (شقيق حرم معاليه): مُنِحَ في ديوان المحاسبة الدرجة السادسة وأربع علاوات استثنائية وحضْرته لم يشتغل يومًا بأعمال المحاسبة، ولكنه نسيب حسيب.

  • (١٢٠)

    الأستاذ محمد خليل الدجوي (قريب معاليه): كان محاميًا بقلم القضايا بمرتب شهري ١٦ جنيهًا ونصف، فعُيِّنَ وكيلًا للنيابة درجة ثانية بمرتب ٢٥ جنيهًا، وعَرَضَ الوزير تعيينه على أنه في دوره في حين أنه تخطى الكثيرين من أقرانه.

  • (١٢١)

    الأستاذ صالح منصور، كان محاميًا في مكتبه فعُيِّنَ في بدء الوزارة وكيلًا للنيابة، ولكن تَبَيَّنَ بعدئذٍ أن هذا التعيين توْطِئةٌ لترقية استثنائية، وقد رُقِّيَ فعلًا إلى الدرجة الخامسة وعُيِّنَ مدرسًا بكلية الحقوق بجامعة فاروق، فارتفع مرتبه في بضعة شهور من ١٧ إلى ٢٥ جنيهًا.

  • (١٢٢)

    الأستاذ عبد المجيد الزناتي، كان محاميًا فعُيِّنَ وكيلًا للنيابة لأنه شقيق العمدة الذي كان وسيطًا لوزير العدل في صفقة أطيان، سيأتي الكلام عن فضيحتها فيما بعد.

محسوبيات نجيب الهلالي باشا

  • (١٢٣)

    الأستاذ أحمد نجيب الهلالي المحامي: هو أول محسوب لأحمد نجيب الهلالي باشا الوزير؛ ذلك أن معاليه أبى إلا أن يبدأ بنفسه في تطيبق قواعد المحسوبية، عملًا بالحديث الشريف: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول»؛ ومن ثَمَّ احتفظ بمكانه في المحاماة، وظل يباشر قضاياه حتى الآن، فتراه في الصباح وزيرًا يتجه بسيارته الحكومية إلى وزارة المعارف، وفي المساء محاميًا يتجه بسيارته الخصوصية إلى مكتبه بشارع قصر النيل، وهناك يباشر قضاياه، ويكتب مذكراته، ويقابِل موكِّليه والمحامين المترافعين في قضاياه، ثم يقفل راجعًا بسيارته الخاصة حتى لا يرى المتطفلون من المارة، محاميًا يستقل سيارة الوزارة!

    وما بي من حاجة إلى القول إن هذه المحسوبية الذاتية المبتكرة تتنافى مع نزاهة الوزارة ونزاهة المحاماة معًا.

  • (١٢٤)

    محمود غزالي بك (نسيب معاليه وموكله في قضيته): رُقِّيَ إلى درجة مدير عام (أ) وقَرَّرَ له مجلس الوزراء مرتبها الثابت ١٣٠٠ جنيهًا سنويًّا، وظروف هذا التعيين تتفق مع ظروف تعيين عبد العزيز بك النحاس، وقد أشير إليها من قبل.

  • (١٢٥)

    الأستاذ عبد الهادي شاكر غزالي (نسيب معاليه): رُقِّيَ إلى الثالثة بصفة استثنائية، مع أنه رُقِّيَ إلى الرابعة في يناير سنة ١٩٤١، ورُفِعَ مرتبه السنوي من ٤٤٠ إلى ٥٤٠ جنيهًا.

  • (١٢٦)

    الأستاذ إسماعيل شاكر غزالي (نسيب معاليه): رُقِّيَ إلى الدرجة الثالثة بصفة استثنائية وعُيِّنَ وكيلًا للإدارة الأهلية بوزارة العدل.

  • (١٢٧)

    الأستاذ حسين خشبة (نسيب معاليه): عُيِّنَ في الدرجة السادسة منذ ثلاثة شهور فرقي في ديوان المحاسبة إلى الدرجة الخامسة مع أربع علاوات استثنائية.

  • (١٢٨)

    الأستاذ حامد زكي: كان في الدرجة الثالثة في فبراير سنة ١٩٤٢، ثم رُقِّيَ إلى الأولى بمتوسط مربوطها في أول نوفمبر سنة ١٩٤٢ وعُيِّنَ عميدًا لكلية الحقوق ببغداد في ظروف سبقت الإشارة إليها.

  • (١٢٩)

    الأستاذ زكي عبد المتعال، رُقِّيَ كزميله إلى الدرجة الأولى، وعُيِّنَ عميدًا لكلية الحقوق بجامعة فاروق من طريق القرعة كما أشرنا سابقًا.

  • (١٣٠)

    الأستاذ عبد العال زيدان، رُقِّيَ إلى الدرجة الثالثة في ديوان المحاسبة مع علاوات استثنائية.

محسوبيات عبد الفتاح الطويل باشا

  • (١٣١)

    زكي أفندي الطويل (شقيق الوزير): كان حضْرته مهندسًا معماريًّا بالأوقاف، وكانت ماهيته سنة ١٩٤١ أربعين جنيهًا و٥٠٠ مليم شهريًّا، ثم رُقِّيَ في عهد الوزارة الحالية في ٢٥ مايو سنة ١٩٤٢ إلى مرتب ٤٨ جنيهًا ونصف بالأوقاف، وفي ٧ يونيو؛ أي بعد ١٢ يومًا، وافَقَ مجلس الوزراء على ترقيته إلى الدرجة الثانية بأول مربوطها، وعُيِّنَ وكيلًا لمصلحة الطرق والكباري بمرتب ٦٠ جنيهًا في الشهر.

    ولم تَمْضِ على هذه الترقية الاستثنائية بضعةُ شهور حتى عُيِّنَ حضرته مديرًا لمصلحة الطرق والكباري، وهي وظفية في الدرجة الأولى؛ أي إن مرتبه ارتفع من أربعين جنيهًا ونصف إلى مائة جنيه في خلال بضعة شهور، وهو استثناء فذ لا يبرره إلا أن شقيق هذا الموظف هو وزير المواصلات نفسه! أما ملف خدمة حضرته فيُسأل عنه معالي عبد الهادي الجندي بك ويُرجع فيه إلى أضابير مجالس التأديب.

    وأما مدير مصلحة الطرق السابق، وهو الرجل الفني في عمله، فقد أُجْلِيَ عن وظيفته وألغيت وظائف كثيرة لكي يُعَيَّن وكيل وزارة مساعد ويُفْسَح المجال لزكي أفندي الطويل شقيق عبد الفتاح باشا الطويل!

  • (١٣٢)

    الدكتور عبد السلام الطويل (شقيق آخر للوزير): جُعِلَتْ أقدميته في الدرجة الخامسة من سنة ٣٧ مع تثبيته بصفة استثنائية؛ وذلك تمهيدًا لِمَنْحه الدرجة الرابعة، ثم عُيِّنَ حكيمباشي مستشفى المحلة الكبرى ليحصل على مكافأة ٢٠ جنيهًا شهريًّا من شركة مصر للغزل والنسيج كمكافأة لمعالجة العمال، مع أنه طبيب متخصص لأمراض النساء.

  • (١٣٣)

    عبد الفتاح أفندي العريف (عديل الطويل باشا): نُقِلَ من مدرس بطنطا الثانوية إلى مصلحة البريد، ورُقِّيَ من السادسة إلى الرابعة مباشرة بعد أن احتسبت له أقدمية في الخامسة من سنة ١٩٣٤.

  • (١٣٤)

    عبد السلام الزقم أفندي (زوج كريمة شقيق الطويل باشا): كان مدرسًا بالقبة الثانوية فنُقِلَ أيضًا إلى مصلحة البريد، مع ترقيته للخامسة وطُلِبَتْ له أخيرًا الرابعة ليتساوى مع زميله المدرس الآخر، لِمَا بَيْنَ أعمال التدريس والبريد من صلة وثيقة.

  • (١٣٥)

    الدكتور محمد فطين (زوج كريمة الطويل باشا): وقد سبقت الإشارة إلى معاملته الاستثنائية في المرتب والمكافأة بعد عقد الزواج، أو بسببه.

محسوبيات عبد الهادي بك الجندي

  • (١٣٦)

    إحسان أفندي حافظ (نجل شقيقة الوزير): تخرج من كلية الزراعة سنة ٣٩ وعُيِّنَ خبيرًا في وزارة العدل بمرتب شهري قدره ١٢ جنيهًا في الدرجة السادسة ثم نقل إلى الأوقاف، فلما تولَّى خاله وزارة الأوقاف رُقِّيَ إلى الرابعة مباشرة ثم إلى الثالثة، حتى وصل مرتبه إلى ٦٠ جنيهًا شهريًّا، (هذا فضلًا عن مكافآت تُمْنَح له كبدل قيافة وقرافة) وليس أروع وأبدع منها وثبة تلك التي تقفز بمرتب ١٢ جنيهًا إلى ٦٠ في بضعة شهور!

  • (١٣٧)

    جميل أفندي حافظ (ابن أخت الوزير): ويحمل شهادة الفنون والصنائع، كان رسامًا في الدرجة السابعة بمرتب شهري ١١ جنيهًا، فوثب به خاله إلى الدرجة الرابعة مباشرة وزيدَ مرتبه إلى ٣٠ جنيهًا.

  • (١٣٨)

    عبد الله أفندي حافظ (قريب الوزير): كان في الدرجة السادسة بمرتب ١٦ جنيهًا، فوثب به الوزير الوثاب إلى الرابعة، وبَلَغَ مرتبه ٣٤ جنيهًا شهريًّا.

  • (١٣٩)

    الدكتور إبراهيم ناجي (قريب ومحسوب الوزير): نُقِلَ من السكة الحديد إلى القسم الطبي بوزارة الأوقاف وعُيِّنَ مديرًا له ومُنِحَ الدرجة الثالثة استثنائية، وعُيِّنَ فورًا على إثر إحالة الدكتور سالم هنداوي على المعاش.

  • (١٤٠)

    محمود أفندي حازم الشيشيني (مشمول بوصاية الوزير): رُقِّيَ إلى السابعة استثنائيًّا.

فؤاد سراج الدين باشا ومحسوبياته

  • (١٤١)

    الأستاذ فؤاد عبد العزيز سراج الدين (ابن عم الوزير): كان مساعد نيابة بمرتب ١٢ جنيهًا، فرُقِّيَ في ديوان المحاسبة إلى الدرجة الخامسة ومُنِحَ ست علاوات ونصف حتى بَلَغَ مرتبه ٢٥ جنيهًا شهريًّا!

  • (١٤٢)

    بدوي أفندي سراج الدين (ابن عم الوزير): كان موظفًا بوزارة الزراعة في الدرجة الخامسة، فرقي إلى الرابعة فالثالثة بصفة استثنائية!

  • (١٤٣)

    الأستاذ مصطفى مرزوق (نسيب الوزير): عُيِّنَ بصفة استثنائية في وظيفة محامٍ في الدرجة الثانية مع التجاوز عن شرط السن.

  • (١٤٤)

    الأستاذ محمد مصطفى كمال الديب (نسيب الوزير): رُقِّيَ إلى الثانية بصفة استثنائية مع أنه في الثالثة من فبراير سنة ٤٢.

  • (١٤٥)

    الأستاذ عبد الغني سيف النصر (سكرتير برلماني للوزير): رُقِّيَ من السادسة إلى الخامسة ثم مُنِحَ الرابعة، وكل ذلك خلال شهور.

  • (١٤٦)

    علي أفندي الزير — خريج الزراعة هذا العام — عُيِّنَ في السابعة ثم مُنِحَ السادسة في التوزيع، وعُيِّنَ مديرًا لمكتب الصحافة الملحق بمكتب معاليه.

  • (١٤٧)

    وحيد أفندي بهادر — سكرتير خاص الوزير — حديث العهد في الدرجة السابعة فإذا به في التوزيع يُمْنَح السادسة.

  • (١٤٨)

    عبد الرازق البحراوي أفندي — من محاسيب لجنة السيدات — وقد مُنِحَ الدرجة السادسة متخطيًا الكثيرين من أقرانه.

  • (١٤٩)

    مصطفى الجمال أفندي: رُقِّيَ أولًا إلى الدرجة السابعة مع رَفْع مرتبه من ١١ جنيهًا إلى ١٣ جنيهًا، وعُيِّنَ بمكتب الصحافة المُلْحَق بمكتب الوزير، ثم نُقِلَ إلى ديوان المحاسبة ومُنِحَ الدرجة السادسة مع علاوات استثنائية، فوَثَبَ مرتبه من ١١ إلى ٢٥ جنيهًا في بضعة أشهر.

  • (١٥٠)

    الأستاذ أحمد زين الدين (قريب الوزير): كان محاميًا ومن قبل مدرسًا في إحدى مدارس المنصورة، ثم عُيِّنَ قاضيًا في حركة (استقلال القضاء) الأخيرة.

محسوبيات كامل صدقي باشا

  • (١٥١)

    الأستاذ جورجي غبريال: كان محاميًا بمكتب كامل باشا صدقي وهو قريب من أقربائه، فعُيِّنَ حضْرته وكيلًا للنيابة، ولم تَمْضِ بضعة شهور حتى عُيِّنَ قاضيًا.

  • (١٥٢)

    الأستاذ أنيس غبريال: قريب آخر للوزير، وكان محاميًا فعُيِّنَ قاضيًا.

وهناك محسوبيات أخرى لمعاليه في ديوان المحاسبة وفي وزارة المالية لم نَقِفْ على تفصيلاتها الدقيقة فاكتفينا بالإشارة إليها.

الأستاذ عبد الحميد عبد الحق ومحسوبياته

  • (١٥٣)

    عبد العظيم أفندي عبد الحق (شقيق الوزير): عُيِّنَ أولًا موظفًا بسكرتارية مجلس النواب بمرتب ٨ جنيهات، ثم نُقِلَ أخيرًا إلى ديوان المحاسبة ورُقِّيَ إلى الدرجة السادسة بمرتب ٢٠ جنيهًا في الشهر، ومؤهلاته أنه لم يحصل على الشهادة الابتدائية.

  • (١٥٤)

    الدكتور إسماعيل الهنيدي (عديل الوزير): كان طبيب أسنان بالوحدات العلاجية بالمعارف بمرتب ١٢ جنيهًا فعُيِّنَ طبيبًا في الجيش بطريقة استثنائية وتضاعَفَ مرتَّبُه.

  • (١٥٥)

    الأستاذ محمد عبد القادر الشريف: نُقِلَ من سكرتارية مجلس الشيوخ إلى وزارة الشئون الاجتماعية، ورُقِّيَ بصفة استثنائية إلى الدرجة الرابعة ومُنِحَ مرتبًا أربعين جنيهًا شهريًّا، مع أنه في الخامسة من مارس سنة ١٩٤١، وكانت اللجنة المالية قد رأت منْحَه ٣٥ جنيهًا فقط فلم يأخذ مجلس الوزراء برأيها.

محسوبو الصدفة

  • (١٥٦)

    الدكتور محمود رمزي: كان بوزارة المعارف بمرتب ١٢ جنيهًا، وتصادَفَ أن جاوَرَ وزير الشئون في العمارة التي يسْكُنها، فرُقِّيَ إلى الدرجة الخامسة مباشرة بمرتب ٢٥ جنيهًا.

  • (١٥٧)

    كامل أفندي جريس: هو محسوب الصدفة الخاطئة، فقد وَصَلَ إلى أمين عثمان باشا بوساطة أحد أصدقائه الذي كان قد رآه مصادفة مع سعادة الدكتور إبراهيم عبد السيد باشا، فذهب الموظف المذكور إلى ذلك الصديق وأخبره بأن الدكتور عبد السيد باشا يرجوه التوسط لدى أمين باشا عثمان في ترقيته، فما كان من معاليه إلا أن أَمَرَ بتعيينه في الديوان في الدرجة السادسة ومنْحه علاوات استثنائية.

وأخيرًا تبين أن الدكتور عبد السيد باشا لم يبذل أية وساطة لمصلحة هذا الموظف، ولكن سَبَقَ السيف العزل، فقد صَدَرَت الكلمة وأُعْطِيَت المنحة من أمين باشا عثمان، وكان ما كان، جريًا على الخطط المأثورة عن سالف العهد والأوان.

محسوبيات الأستاذ غنام

  • (١٥٨)

    زكريا أفندي قاسم غنام (ابن أخي معالي الوزير): عُيِّنَ بسكرتارية مجلس النواب وليست لديه مؤهلات.

  • (١٥٩)

    محمد أفندي فهمي حكيم (قريب الوزير): احتُسِبَتْ له أقدمية في درجته بصفة استثنائية لترقيته إلى درجة أعلى منها، وهو موظف بوزارة الداخلية.

ولمعاليه محسوبيات أخرى لم نقف على تفصيلاتها بالدقة حتى الآن.

محسوبيات عبد السلام فهمي جمعة باشا

لسعادة رئيس مجلس النواب ميزة على غيره من الوزراء في ميدان المحسوبية، فهو لا يسعى إلى المحسوبية فحسب، بل إنها تسعى إليه سعيًا حثيثًا، وخبيثًا معًا! ذلك أن للوزارة مصلحة في خطب ودِّه، كما أن لسعادته مصلحة في خطب ودها، والأخذ بيدها، ويتمثل هذا المعنى المزدوج في المحسوبيات الآتية:
  • (١٦٠)

    الدكتور عزيز فهمي (ابن عبد السلام باشا فهمي): تخرَّجَ حضْرته من جامعة باريس وعاد إلى مصر في غضون السنة الماضية، وقد رأت الوزارة أنْ تُعَيِّنَه مباشَرة في الدرجة الرابعة بآخر مربوطها، أي بمرتب ٤٥ جنيهًا شهريًا، ولم يأخذ مجلس الوزراء برأي اللجنة المالية التي توخَّت الاعتدال النسبي ورأت أن تكون الماهية ٣٥ جنيهًا فقط، ولكن اللجنة المالية لا تدري شيئًا في سياسة الحكم، وسياسة الغنم.

  • (١٦١)

    الدكتور علي عبد الواحد (زوج كريمة عبد السلام باشا): كان في بدء عهد الوزارة الحالية في الدرجة الرابعة، فرُقِّيَ إلى الثالثة ثم إلى الثانية في خلال بضعة شهور، وعُيِّنَ وكيلًا لمستشفى الحميات!

  • (١٦٢)

    الأستاذ علي محمود طه: سبقت الإشارة إليه فقد بَلَغَ مرتبه ٥٢ جنيهًا ونصف في الثالثة، ومُنِحَ معاشًا استثنائيًّا ومعه ألفين من الجنيهات، وأعيد بعَقْد إلى الخدمة.

  • (١٦٣)

    علي أبو عيطة أفندي: عَيَّنَه عبد السلام باشا في سكرتارية مجلس النواب في الدرجة الخامسة بمرتب ٢٥ جنيهًا.

  • (١٦٤)

    عبد الحميد طه أفندي (شقيق الأستاذ علي محمود طه): عُيِّنَ في مجلس النواب بمرتب ٣٠ جنيهًا شهريًّا في الدرجة الخامسة.

  • (١٦٥)

    سعد الدين أفندي طه (شقيق ثانٍ): مُنِحَ بديوان المحاسبة الدرجة الرابعة وأربع علاوات استثنائية.

  • (١٦٦)

    الأستاذ إمام جمعة (ابن أخي عبد السلام باشا): رُقِّيَ إلى الدرجة الخامسة في وزارة المالية منذ ثلاثة شهور، ثم رقي إلى الدرجة الرابعة فالثالثة زائدًا أربع علاوات استثنائية في ديوان المحاسبة.

  • (١٦٧)

    علي حسين طلعت أفندي: عُيِّنَ بسكرتارية مجلس النواب، ومؤهلاته الشهادة الابتدائية.

  • (١٦٨)

    عبد المنعم حسن أبو حسين: عُيِّنَ بمجلس النواب بمرتب ١٢ جنيهًا شهريًّا.

  • (١٦٩)

    محمود عيسوي راضي: عُيِّنَ كذلك بمرتب ١٢ جنيهًا شهريًّا.

  • (١٧٠)

    محمد فكري سليمان بهجت: عُيِّنَ كذلك بمرتب ١٢ جنيهًا شهريًّا.

    وجميعهم محاسيب وبلديات عبد السلام باشا، وقد اصْطُنِعَتْ لهم الدرجات اصطناعًا.

  • (١٧١)

    محمد عبد المنعم عمر أفندي (قريب الأستاذ عمر عمر) عُيِّنَ بسكرتارية مجلس النواب ومؤهلاته الابتدائية.

محسوبيات الأستاذ أحمد حمزة

  • (١٧٢)

    الأستاذ أحمد خير الدين (محسوب الوزير) عُيِّنَ مديرًا للتحقيقات بوزارة التموين بمرتب ٢٠ جنيهًا شهريًّا في الدرجة الخامسة.

    وبهذه المناسبة نذكر أنه قد صَدَرَ قرارُ مجلس الوزراء بتعيين حضْرته في ٦ يناير سنة ١٩٤٣، وبالرغم من صدور هذا القرار فقد حَضَرَ اجتماعَ الجمعية العمومية للمحامين الذي عُقِدَ بتاريخ ٨ يناير واشترك في انتخاب النقيب والوكيل!

  • (١٧٣)

    الأستاذ محمود سامي (قريب الوزير) رُقِّيَ استثنائيًّا في ديوان المحاسبة من الدرجة الرابعة إلى الثالثة ومُنِحَ أربع علاوات استثنائية.

  • (١٧٤)

    الأستاذ مأمون الريدي — وقد سبقت الإشارة إليه دون أن نُدْخِلَه في إحصاء المحسوبين على النحاس باشا — وقد عومل معاملة فذة في تاريخ المعاشات كما بَيَّنَّا.

وصلتْنَا الآن بقية الاستثناءات الشاذة حتى في باب الاستثناء، الخاصة ببعض حضرات الأطباء، الذين رُقُّوا إما لمحسوبية، أو لتغطية محسوبية، وأكثرهم محسوبو النحاس باشا ونجيب الهلالي باشا، ومن المدهش أن جميعهم مُنِحُوا متوسط الدرجة التي رُقُّوا إليها، فكان استثناء فوق استثناء:
  • (١٧٥)

    الدكتور محمد حسين خيال كان في الرابعة ورقِّي استثنائيًّا إلى الأولى.

  • (١٧٦)

    الدكتور محمد صلاح الدين كان في الثالثة ورُقِّيَ استثنائيًّا إلى الأولى.

  • (١٧٧)

    الدكتور حسن صبحي كان في الرابعة ورُقِّيَ استثنائيًّا إلى الأولى.

  • (١٧٨)

    الدكتور عباس حلمي كان في الرابعة ورُقِّيَ استثنائيًّا إلى الأولى.

  • (١٧٩)

    الدكتور محمد طلعت كان في الخامسة ورُقِّيَ استثنائيًّا إلى الثالثة.

  • (١٨٠)

    الدكتور صدِّيق أبو النجا كان في الخامسة ورُقِّيَ استثنائيًّا إلى الثالثة.

  • (١٨١)

    الدكتور عمر خيرت كان في الخامسة ورُقِّيَ استثنائيًّا إلى الثالثة.

  • (١٨٢)

    الدكتور عبده عباسي كان في الخامسة ورُقِّيَ استثنائيًّا إلى الثالثة.

  • (١٨٣)

    الدكتور أحمد نبيه حَصَلَ على الخامسة سنة ١٩٤٢ فرُقِّيَ استثنائيًّا إلى الرابعة.

  • (١٨٤)

    الدكتور محمود نعيم حَصَلَ على الخامسة سنة ١٩٤٢ فرُقِّيَ استثنائيًّا إلى الرابعة.

  • (١٨٥)

    الدكتور منير الجزايرلي كان في الخامسة فرُقِّيَ استثنائيًّا إلى الثالثة.

  • (١٨٦)

    الدكتور لطفي عبد السميع كان في السادسة فرُقِّيَ استثنائيًّا إلى الرابعة.

  • (١٨٧)

    الدكتور زكي أبو شادي كان في الرابعة فرُقِّيَ استثنائيًّا إلى الأولى.

  • (١٨٨)

    الدكتور عزيز برادة كان في الرابعة فرُقِّيَ استثنائيًّا إلى الثانية.

  • (١٨٩)

    الدكتور حليم زكي كان في الخامسة فرُقِّيَ استثنائيًّا إلى الثالثة.

  • (١٩٠)

    الدكتور عبد الحميد حافظ كان في الخامسة فرُقِّيَ استثنائيًّا إلى الثالثة.

  • (١٩١)

    الدكتور جواده حمادة كان في الرابعة فرُقِّيَ استثنائيًّا إلى الثالثة.

  • (١٩٢)

    الدكتور خليل دري كان في الخامسة فرُقِّيَ استثنائيًّا إلى الرابعة.

  • (١٩٣)

    الدكتور الصدر كان في السادسة فرُقِّيَ استثنائيًّا إلى الخامسة.

  • (١٩٤)

    الدكتور لطفي بيومي كان في السادسة فرُقِّيَ استثنائيًّا إلى الخامسة.

  • (١٩٥)

    الدكتور أحمد شفيق عباس كان في السادسة فرُقِّيَ استثنائيًّا إلى الخامسة.

  • (١٩٦)

    الدكتور يوسف الأعسر كان في الثالثة فرُقِّيَ استثنائيًّا إلى الثانية.

  • (١٩٧)

    الدكتور كامل ميخائيل كان في الرابعة فرُقِّيَ استثنائيًّا إلى الثالثة.

  • (١٩٨)

    الدكتور حسن حلمي سالم كان في الرابعة فرُقِّيَ استثنائيًّا إلى الثالثة.

  • (١٩٩)

    الدكتور أحمد فهمي محمد كان في الخامسة فرُقِّيَ استثنائيًّا إلى الرابعة، ومثله مثل الدكتور محمد نصر، فكل منهما عُيِّنَ في جامعة فاروق بالإسكندرية لكي يبقى في مصر! وذلك لحكمة لا تخفى على الحكماء.

ومما هو جدير بالذكر أن أكثر الذين عُيِّنُوا لكلية الطب بجامعة فاروق لم يمارسوا التدريس أصلًا، فكانت جناية وزير المعارف مزدوجة، فهو كغيره من زملائه يستغل الحكم لمصلحة أقربائه ومحسوبية من أصدقائه، ومن ناحية أخرى فإن له على زملائه تلك الميزة التعسة، هي أن لمحسوبياته أثرًا ممتدًا من الجبل الحاضر إلى الأجيال المقبلة؛ إذ هي تهبط بالمستوى العلمي في البلاد إلى أَجَلٍ غير محدود، حتى يشاء الله لهذا البلد المنكوب خلاصًا من تلك الطفيليات السياسية التي نُكِبَ بها الحُكْم المصري، بل ونُكِبَ بها النحاس باشا فوق نكْبته.

المحسوبيات المشتركة

هي التي يشترك فيها الوزراء في هذا العهد، ويتقاسمون منافعها، على قاعدة (شيلني واشيِّلك).

والأمثلة على هذه المحسوبيات المشتركة بين الوزراء بعضهم ببعض، أو بينهم وبين رئيس ديوان المحاسبة أو رئيس مجلس النواب، هي أمثلة متعددة ذَكَرْنا منها الكثير وبقي منها الأكثر، وقد وقفنا أخيرًا على مَثَل فَذٍّ في دلالته، اشترك فيه وزيرا المالية والأشغال؛ فإن لوزير المالية كامل باشا صدقي صهرًا هو فهيم أفندي زكي مفتاح شقيق حرمه، وقد كان حضرته مهندسًا فاضْطُرَّ إلى الاستقالة من وظيفته منذ حوالي أربعة وعشرين سنة، وراح يشتغل في صناعة الطوب وتجارته، ولكن وزير المالية رأي بحقٍّ أو بغير حق أنه وقد حمل وزارته ولجنته المالية أحمال المحسوبية في جميع الوزارات فمن الإنصاف أن تَحْمِل بعضُ الوزارات أحمالَه هو، ولما كانت وزارة الأشغال أكثر الوزارات احتياجًا إلى وزارة المال فقد لجأ وزير المالية إلى وزير الأشغال راجيًا منه أن يُعِيد قريبه إلى خدمة الحكومة، فلم يتردد عثمان باشا محرم في تعيين حضرة فهيم أفندي مفتاح المهندس المستقيل منذ أربع وعشرين سنة في وظيفة باشمهندس من الدرجة الرابعة!

أي مولاي، فقد عُيِّنَ صهر وزير المالية كبيرًا للمهندسين، وكان من قبل كبيرًا للطوابين، ولو أن الأمر اقتصر على ذلك لهان الخطب بعض الشيء، فإن حضرة الموظف الجديد عُيِّنَ في وظيفته وهو في سن الثامنة والخمسين، وعلى وجه التحديد فقد وُلِدَ حضْرته في اليوم الثالث من يناير سنة ١٨٨٥.

وهكذا تشاء المحسوبية المشتهرة يا مولاي، أنها تحيل على المعاش كبار مهندسي الري ومفتشيه جميعًا إذا بلغوا الثامنة والخمسين، في حين أنها تعيد إلى الخدمة مهندسًا بلغ من العمر الثامنة بعد الخمسين، ولا تكتفي بذلك؛ بل تعيده كبيرًا للمهندسين.

وبهذا المحسوب العريق في المحسوبية نصل إلى رقم ٢٠٠، ويليه غيره.

(٢٠١) حامد أفندي القصبي (نسيب عثمان باشا محرم) كان حضْرته في الدرجة الرابعة ثم رُقِّيَ إلى الثالثة مديرًا لمكتب وزير الأشغال ثم وصل من الثالثة إلى الثانية سكرتيرًا عامًّا للوزارة.

(٢٠٢) صبري بك الكردي، كان مشتركًا بين وزارة الأشغال والبلديات، فاختص به وزير الأشغال وعينه مفتش عموم ري وجه قبلي متخطيًا حوالي العشرين من زملائه المفتشين.

١٥٧ محسوبية إضافية

بقي أن نضيف إلى المحسوبيات المشتركة محسوبيات مجلس النواب وديوان المحاسبة وهي تبلغ حوالي اﻟ ١٥٧ حالة، ففي سكرتارية مجلس النواب بَلَغَ مجموع التعيينات الزائدة عن الحاجة والحالاتِ الاستثنائية التي وَقَفْنَا عليها ٥٧ حالة كلها أو جلها لا تقتضيه حالة العمل، بل كان المفروض أن بعض الوظائف القديمة في سكرتارية المجلس ستوزَّع على مختلف الوزارات بعد أن تَبَيَّنَ أن المجلس في غنًى عنها، ولكن عبد السلام باشا فهمي لم يكتفِ باستبقاء القديم بل زاد عليه حوالي خمسين وظيفة جديدة، فكانت تعبئة عامة للمحسوبين الأقرباء منهم والمقربين، وقد اشترك فيها رئيس مجلس النواب وبعض أعضاء المكتب، فضلًا عن رئيس الوزراء وبعض الوزراء.

وتبلغ محسوبيات ديوان المحاسبة حوالي المائة، منها ٨١ في الدرجتين السادسة والخامسة طبقًا للكشف المُرْفَق والباقون في الدرجات الأخرى.

فإذا أَضَفْنا هذه المحسوبيات إلى محسوبيات الوزارات والرياسة التي أمكننا الوقوف عليها وذَكَرْنا منها ٢٠٢، فيكون لدينا بعد خصم الحالات المشتركة بين الجهات المختلفة حوالي ٣٣٠ استثناء من الاستثناءات الصارخة، الخارقة لكل قاعدة، ولكل عدل ولكل عقل!

وما خفي كان أعظم!

(أ) محسوبيات البنوك

في الوقت الذي تسعى فيه الوزارة جاهدةً لاضطهاد خصومها من أعضاء الكتلة الوفدية وغيرهم من المعارضين وإخراجهم من وظائفهم في البنوك والمؤسسات الأخرى، لا تتورَّع الوزارة عن أن تمد شباك المحسوبية إلى وظائف البنوك ومجالس إدارتها، لتعيين محسوبيها فيها، وفيما يلي بعض الأمثلة على هذه التصرفات الجشعة:
  • (١)

    خليل بك الجزار (عديل النحاس باشا): عُيِّنَ عضوًا في مجلس إدارة بنك مصر بدلًا من الأستاذ عبد الحميد عبد الحق، ثم عضوًا في شركة الغزل والنسيج بكفر الدوار.

    ويتاقضى حضْرته من عضويته في مجلسي الإدارة المشار إليهما حوالي الألفين جنيهًا سنويًّا.

  • (٢)
    النائب المحترم أحمد أبو الفتوح (ابن عمة وزير الزراعة): عُيِّنَ عضوًا في مجلس إدارة البنك العقاري الزراعي المصري بدلًا من حضرة الأستاذ محمد بك أمين يوسف الذي فُصِلَ من هذه العضوية بعد أن عُيِّنَ فيها؛ لا لسبب إلا لإفساح مجالٍ للمحسوبين والمحظوظين.١٣
  • (٣)

    الشيخ المحترم الأستاذ حسين الجندي: عُيِّنَ مندوبًا للحكومة في بنك مصر بدلًا من أمين عثمان باشا، وحضْرته صديق لوزيرَي العدل والمعارف ويباشر قضايا وزير العدل في مكتبه للمحاماه.

  • (٤)

    النائب المحترم إسماعيل رمزي باشا، عُيِّنَ مندوبًا للحكومة في البنك الأهلي، وهو رئيس اللجنة المالية في مجلس النواب، وقد انحطت به المحسوبية إلى هذا الدرك.

حسبي يا مولاي هذه الأمثلة المزعجة المفزعة على حالة تبعث حقًّا على الفزع والانزعاج، فلقد ارتُكِبَت أخطاء المحسوبية في جميع العهود، ولكن عهدًا من العهود لم يصل بالمحسوبية إلى ذلك المستوى الخبيث الشرير — الماسِّ بنزاهة الحكم ونزاهة الضمير — الذي وصلت إليه المحسوبية في هذا العهد، سيما وقد قَطَعْنا على أنفسنا عهدًا مسئولًا، فلم يَرْعَوْا عهدًا، بل ولا قصدًا!

(ب) الناحية الخلفية للصورة

ذلك يا مولاي حظ الموظفين المنتسبين للوزراء والمحسوبين عليهم، ونقيضه حظ المغضوب عليهم، فإن لهم الفصل والتشريد والتنكيل على مختلف أنواعه، ولا عَجَبَ، فالإنعام والانتقام لدى وزراء هذا العهد يجمعهما مطمع واحد في مصدره، وإن ازدوج في مَظْهره، هو الاستغلال الشخصي الممقوت الذي يعمل كل وزير على تحقيقه، وإزالة العقبات القائمة في طريقه.

وهذه العقبات التي يعملون على أن تُزال، يمكن إجمالها في كلمة واحدة هي الرجولة في الرجال، فكل من توافرت فيهم هذه الرجولة من الموظفين فلينكل بهم تنكيلًا في غير استحياء ولا استبقاء، والويل كل الويل لهم إذا كانوا يَمُتُّون بِصِلة ما إلى أحد خصوم الحكومة السياسيين، وبخاصة إلى واحد من هؤلاء الخصوم السياسيين!

ويأبى الذين حظوا بشرف الاضطهاد من إخواني وأصدقائي — فضلًا عن أقربائي — أن أنتقص من هذا الشرف بإعلان أسمائهم، فإن جميع من فَصَلَتْهم الحكومة أو عَمِلَتْ على فصلهم من وظائفهم، أو من مجالس إدارة البنوك والمؤسسات المالية المختلفة، أو من عمدياتهم، أو صادرتْهُم في أرزاقهم أو في حريتهم أو في كرامتهم، أولئك جميعًا لا يرجون إلا أن تزيدهم الحكومة نكالًا، ليزيدها الله خبالًا.

(ﺟ) المحسوبية والانتخابات المزورة

ولست أدري ماذا عسى أن تفعل الحكومة بموظفي دائرة بردين الانتخابية تمهيدًا لانتخاب مرشحها؟ هل هي ستنهج نهجها في جرجا فتُوقِف العمد، وتشرِّد الموظفين الأمناء، وتُوفِد إليها من الموظفين من ترتضي ذممهم الزيف في توزيع التذاكر وأخذ الأصوات، ثم تعززهم جميعًا بألفين من الجنود والخفراء الأشداء المزوَّدين بالمدافع الرشاشة والدبابات والطيارات؟ وهل ستوفد إلى الدائرة حملة نيابية من شيوخ ونواب المديرية بقرار رسمي تُصْدِره «سكرتارية الوفد» ليكون لهذه الحملة أَثَرُها الفعال، لا في الناخبين، بل في الموظفين؟ وهل ستأمر موظفيها بالقبض على المرشحين أنفسهم ومنْعهم من إعطاء أصواتهم، حتى يُضْطَرُّوا إلى الانسحاب في صبيحة يوم الانتخاب كما فَعَلَ مرشَّحو جرجا المساكين في انتخاباتها العسكرية الدموية، حرصًا على دماء من لم يُجْرح من الناخبين؟

هل هي ستفعل، أم هل هي ستخجل؟ سنرى!

بل قد رأينا، فقد علمت الآن أن إجراءات التزييف امتدت إلى انتخابات مجالس المديريات، ففي سنباط صَدَرَت الأوامر إلى الموظفين بتفريق الدوائر الفرعية: بحيث ينتقل أهل القرية ١٠ كيلو أو ١٥ كيلو لكي يتمكنوا من إعطاء أصواتهم، وقد نُقِلَتْ إحدى الدوائر إلى بلدة الخصم فتعذر انتقال الناخبين إليها، إلى آخر إجراءات التزييف المخزية؛ وذلك رَغْم أن الدوائر الفرعية صَدَرَ بها قرار وزاري في انتخابات النواب الأخيرة، ولكن الوزارة منذ انتخابات جرجا قد استساغت التزوير؛ إذ لا رادع لها من صحافة أو نيابة أو ضمير، ولقد كوفئ أخيرًا موظفو جرجا الإداريين فرُقِّيَ الحكمدار إلى ميرالاي، ورُفِعَ مرتب المأمور … إلخ … إلخ.

هذه يا مولاي هي الصورة العكسية للمحسوبية، أو «الناحية الأخرى من المدالية» على حد تعبير الفرنسيين، وهذه هي المعاملة التي تكيلها الحكومة بالكيلَيْن للموظفين المحسوبين عليها، والذين ستحاسَبُ عليهم بإذن الله.

وإني يا مولاي لأحمد الله — شاكرًا لا مفاخرًا — أني لم أرتكب — منذ دخولي هذه الوزارة حتى خروجي منها — محسوبيةً واحدة، لمصلحةِ قريبٍ أو صديق أو نصير — رغم ما لاقيته من إغراء بل وتغرير — فما كان الوفاءُ بعهدٍ قطعْتُه على نفسي فضلًا مني أو لي، بل هو من فَضْل الله عليَّ، بل وما كان لي أن أشير إلى ما فعلت أو لم أفعل، لولا أني أخذت على غيري أن فعلوا وأن نكلوا.

آخر فضائح الاستغلال: فضيحة لوزير العدل

يا صاحب الجلالة

لا يكاد يمضي يوم حتى يلاحقه يوم تنكشف فيه فضائح جديدة ومديدة لرجال هذا العهد ووزرائه بوجه خاص، وفيما يلي بعض تلك الفضائح المخزية التي وقفت أخيرًا على بياناتها، وفي مقدمتها فضيحة لوزير العدل.

فلقد أشرت فيما تقدم إلى مد أسلاك الكهرباء إلى عزبة معاليه ببهتيم وإلى إشراف موظفي وزارة الأشغال أنفسهم على تنفيذ هذه العملية بواسطة هيئات لها بالحكومة اتصال وثيق، ولكن وزير العدل ما كان ليَقْنَع بهذا الاستغلال المتواضع للحكم وما يغله من المنافع؛ ومن ثَمَّ فقد انتهزها معاليه فرصة وافدة، غير عائدة، ليجمع لنفسه المال من طريق الاستغلال الحلال.

فقد اشترى صبري باشا أبو علم أخيرًا مائة فدان (١٠٠ فدان) في بلدة ظهر شرب مركز منيا القمح بسعر ١٢٠ جنيهًا الفدان الواحد، اشتراها بهذا السعر من أصحابها المساكين المكبَّلين بالديون، في حين أن القيمة الفعلية للفدان تبلغ ٢٠٠ جنيه — إذا لم تزد.

ومن عجبٍ يا مولاي أن تُبَاع أطيان في هذا الوقت، وبهذا السعر، ولكن المشتري هو وزير من وزراء الحكومة، وللحكومة على أفراد الشعب ألف سبيل وسبيل، ولذلك رأى وزير العدل أنه لا يكون عادلًا مع نفسه إذا ما أضاع هذه الفرصة السانحة الرابحة!

ولكن هل اكتفى وزير العدل بصفته الحكومية للضغط على البائعين المدينين المساكين؟ كلا، فقد استخدم معاليه ممثل الحكومة في القرية — وأعني به العمدة — لكي يسعى لتحقيق هذه الصفقة، وقد سعى فأفلح مسعاه، واشترى لمعاليه الأطيان بالثمن اليسير، وليس مثل العُمَد في المقدرة على تهوين العسير!

(أ) السمسرة النوعية

ولكن لكل صفقة سمسرة، فهل يدفعها وزير العدل، وهل يقبلها منه العمدة، عدًّا ونقدًا؟ كلا، فهناك السمسرة النوعية تدفعها الحكومة من الامتيازات الحكومية، ويدفعها وزير العدل من حساب وزارة العدل، وقد كان!

نعم يا مولاي، ففي الفترة بين العقد الابتدائي والعقد الرسمي لهذه الصفقة استصدر وزير العدل قرارًا بتعيين الأستاذ عبد المجيد زناتي المحامي الحديث العهد بالمحاماة وكيلًا للنائب العمومي، وإذا عَرَفْنا أن حضرة الأستاذ المشار إليه هو شقيق حضرة العمدة الذي سعى فاشترى الأطيان لوزير العدل، أدركْنَا مبْلغ ما أوتيه معاليه من غيرة على استقلالِ ولا أقول استغلال القضاء، وأدْرَكْنا إلى أيِّ حدٍّ تتسع الذمة، في عهد وزارة الأمة.

فضيحة أخرى لوزير العدل

وهناك يا مولاي فضيحة أخرى من فضائح حركة «استقلال القضاء» التي كانت محل دعاية معيبة مريبة من وزير العدل، فلقد رأينا أنه عَيَّنَ محاميًا في النيابة من باب «السمسرة العينية» مكافأةً على خدمة شخصية لمعاليه، وفيما يلي مثل آخر على تعيين معيب آخر لمصلحة الأستاذ أحمد الوكيل.

فإن أحد حضرات المحامين (هو الأستاذ عبد اللطيف صادق) كان قد رَشَّحَ نفْسه في الانتخابات العامة لدائرة باب الشعرية، فلما رُشِّحَ لها الأستاذ أحمد الوكيل امتنع حضرة المحامي من ترشيح نفسه ضده؛ ومن ثَمَّ وَجَبَت المكافأة، فعيَّنَه صبري باشا أبو علم قاضيًا في الحركة القضائية الأخيرة.

ولو أن الأمر اقتصر على ذلك لهانت الفضيحة بعض الشيء، ولكن الفضيحة كل الفضيحة هي أن حضرة المحامي الذي اختير بين الألوف من المحامين لِيُعَيَّنَ قاضيًا كان قد حُكِمَ عليه تأديبيًّا في ٦ يونيو سنة ٣٢ بالإيقاف ستة شهور، لأنه:
  • أولًا: في شهر فبراير سنة ١٩٣١ بصفته وكيلًا عن الست زينب حكيم في قضية رُفِعَتْ منها على زكريا بك فهمي استولى على مبلغ ٣٦ جنيهًا أُودِعَ بخزينة محكمة السيدة من المدعى عليه على ذمة السيدة المذكورة وأَدْخَلَهُ في ذمته ولم يقم بسداده إليها رغمًا عن المطالبة المتكررة.
  • ثانيًا: في شهرَيْ سبتمبر وأكتوبر سنة ١٩٣١ قُدِّمَ لحضرة وكيل النيابة المحقِّق ثلاثةُ شيكات بمبلغ ٣٦ جنيهًا و٣٦٢ مليمًا مسحوبة على بنك مصر وفاءً للمبلغ المبيَّن في التهمة الأولى، وردها البنك بدون دفع قيمتها لعدم وجود رصيد لحضرة المحامي بالبنك المذكور، (القضية التأديبية رقم ٥ / ٢ق ورقم النيابة ١ سنة ١٩٣٢).

وأكثر من ذلك، فقد حُكِمَ على حضرة المحامي نفسه بتاريخ ١٨ مايو سنة ٣٦ في قضية تأديبية أخرى رقم ٥ / ٦ق بالتوبيخ لتصرفه في رسوم قضية تصرفًا رأى المجلس أنه «بذلك يكون قد أخلَّ بواجبه وعرَّضَ سُمْعَتَهُ إلى ما يمسُّ كرامة المحاماة.»

هذا المحامي يا مولاي الذي حُكِمَ عليه تأديبيًّا بدل المرة مرتين في مسائل تمسُّ نزاهة المحامي، هذا المحامي بالذات هو الذي اختاره صبري باشا أبو علم قاضيًا في حركة استقلال القضاء؛ استرضاء للأستاذ أحمد الوكيل ومن إليه ممن يهم الوزير المسكين العطف منهم والرضاء!

حقًّا إنها لفضائح تلوِّث العهد بأكمله، الوزراء وغير الوزراء.

صفقة ٥٣٠ فدانًا من الأملاك الأميرية

هي صفقة حديثة جدًّا تمَّتْ في ٢٤ فبراير سنة ١٩٤٣ لصاحبها، من هو؟

للجواب على هذا السؤال، يجدر بنا أن نبين أنه في خلال شهر فبراير الأخير زار معالي فؤاد باشا سراج الدين منطقة دسوق، وعايَنَ فيها أطيانًا للأملاك الأميرية بجوار منية المرشد، وتساءل الناس عن سر هذا الاهتمام وهذه العناية، سيما وأنهم يعلمون أنْ ليس للوزير — طبقًا لنص الدستور — أن يشتري ملكًا للدولة.

ولقد تَكَشَّفَ بعض هذا السر حينما علموا أن الأستاذ يس سراج الدين شقيق وزير الزراعة قد اشترى الأطيان التي عاينها معاليه، ومقدارها ٥٣٠ فدانًا من أراضي الأملاك الأميرية في شمال الدلتا.

عجبًا هل تباع ٥٣٠ فدانًا صفقةً واحدة لشقيق وزير من الوزراء القائمين بالحكم، ومن أملاك الدولة التي لا يصح لوزير أن يشتريها طبقًا للأحكام الدستورية! ولكن المشتري شقيق الوزير ومن حَقِّه هو ومَن اشترى معهم أو لهم أن يشتروا الأملاك الأميرية بالمظاريف وفقًا للوائح والقواعد المرعية، رغْم الملابسات التي تَرْجِع إلى تخيُّر الزمان والمكان!

أليس مدهشًا يا مولاي أن تتوالى هذه الصفقات في إبان الحكم لمصلحة الحاكمين ومَنْ إلى الحاكمين؟ إنها لفضائح متوالية نكراء لم تُنْكَب بمثلها البلاد، في غير هذا العهد الأسود، والقاتم السواد.

ووزيرا التجارة والشئون أيضًا

ووزير التجارة — والتسعيرة — يعتزم شراءَ عزبةٍ لوزير سابق قريبةٍ من القاهرة، ولمعاليه قريب يشتغل بتجارة «الكسب» نرجو أن يكون قد انتفع مِنْ تضاعُف سعر الكسب في التسعيرة، ولو على حساب الجمهور المسكين.

ولمعالي وزير الشئون الاجتماعية صِهْر يشتغل بتوريد التبن للجهات الرسمية، وقد عومل معاملة خاصة دون غيره من الموردين كَسَبَ مِنْ ورائها الألوف من الجنيهات.

استغلال الأحكام العسكرية

أَشَرْنا إلى فضائحها من قبل، وقد وَصَلَتْ إليَّ بيانات جديدة عن القضايا العسكرية التي وُكِّلَ فيها الأستاذ حسين فهمي صهر عبد العزيز بك النحاس فأفلح مسعاه لدى الحاكم العسكري ولم يصدق على الأحكام الصادرة فيها، وهي:
  • (١)

    قضية عطية غنيم نمرة ١٢٢٨ سنة ١٩٤٢ جلسة ١٧ / ٦ / ١٩٤٢.

  • (٢)

    قضية محمد نجيم جلسة ١٧ / ٦ / ١٩٤٢.

  • (٣)

    قضية الحاج عفيفي بسام جلسة ١٩ / ٨ / ١٩٤٢.

  • (٤)

    قضية داود سليمان جلسة ٢٤ / ٦ / ١٩٤٢.

وهناك محامون آخرون محسوبون أو مقربون قد جَعَلُوا من مسألة التصديق على الأحكام العسكرية مَوْرِدَ رزقٍ لهم، ومصدر فضيحة للعهد بأكمله، وإني أُرْفِقُ مع هذا خطابًا وصلني بالبريد من تاجر بالمحلة الكبرى وَكَّلَ حضرة النائب المحترم الأستاذ إبراهيم مكاوي — وهو الذي اخْتُصَّ بالتهجم على مكرم في جريدة المصري، فاختصته الوزارة بعطفها الأدبي والذهبي — ويقول حضرة التاجر إنه وَكَّلَ الأستاذ المذكور في إلغاء حُكْم عسكري صادر ضده، وقد نَجَحَ حضرته في مهمته فلم يُصَدِّق الحاكم العسكري على الحكم … ولكن التاجر يشكو من إصرار حضرة المحامي على أتعاب يرى التاجر أنه لا يستحقها، ونرى نحن أنه يستحقها!

وهناك فضيحة يتحدث بها أهل المنصورة عن قضية عسكرية صَدَرَ فيها الحكم ضد تاجر كبير هو الحاج علي القاضي بتهمة تخزين آلاف من أرادب القمح، ومع أن القضية تَرْجِع إلى عهد دولة سري باشا فقد نَجَحَ التاجر المحكوم عليه في تعديل الحكم في عهد الوزارة الحالية، وقيل من مصادر عليمة إنه دَفَعَ أولًا ألف جنيه لوسيط وخمسمائة جنيه لوسيط آخر، وبهذا تم له التعديل الذي أراده، وتم للوسطاء ما أرادوه، ولكني لا أجزم — وليس في مقدور إنسان أن يجزم — بقيمة ما دُفِعَ في هذا السبيل، ولكني أجزم بما طرأ على الحكم من التعديل والتبديل!

حريق وتمزيق

شاء الحظ العاثر — أو لعله القدر الماكر! — أن يحترق مخزن لآل سراج الدين باشا منذ عهد قريب، وقد قُدِّرَت الخسائر بآلاف من الجنيهات، ويقول العارفون: إنه قد احترقَتْ داخل المخزن كميات جسيمة من السماد والزيت والغاز؛ فضلًا عن كميات من الكاوتش الجديد … إلخ … إلخ.

ولكن الألسنة الخبيثة تأبى إلا أن تقول: إن المحضر الأول الذي ثبتتْ فيه الكميات الصحيحة الدقيقة قد مُزِّقَ، وأثبتت في محضر آخر كميات غير صحيحة ولا دقيقة.

أما الحكمة من التمزيق، بعد الحريق، فالمرجع فيها إلى رواة هذا النبأ الدقيق.

وأخيرًا

وأخيرًا يا مولاي، فإني لا أكاد أصل إلى المرحلة الأخيرة من مراحل هذا الاستغلال؛ إذ لا آخر له، وقد وَصَلَتْ إليَّ قُبَيْلَ اختتام هذا الفصل أنباءٌ أخرى عن فضائح أخرى من فضائح الاستغلال، فلم يتيسر لي الحصولُ على مستنداتها، ومن ثَمَّ رأيتُ أن أشير إليها مجرد إشارة لتكون محل تحقيق إذا تفضلتم جلالتكم فأمرتم به:
  • (١)

    سيُعَيَّن حضرة النائب المحترم أحمد بك أبو الفتوح مستشارًا زراعيًّا لشركة السكر، بمرتب كبير، تعويضًا له عن عضوية البنك العقاري الزراعي.

  • (٢)

    حصل الأستاذ أحمد الوكيل على تعهُّد بتوريد الخشب للسلطة العسكرية البريطانية، كما احتكَرَ مع آخرين استيراد الويسكي من الخارج.

  • (٣)

    تقرَّر إنشاء كورنيش لسمنود ونزْع ملكية حوالي ٧٦ منزلًا بأسعار سخية من أربعة إلى تسعة جنيهات المتر وأُخِذَ اعتمادها من اعتماد الطوارئ، ومن المصادفات العجيبة في هذا الصدد أن لرفعة رئيس الوزراء أرضًا تفيد الفائدة كلها من إنشاء هذا الكورنيش العجيب، وكان قد اشترى رِفْعته بعضها من وَقْف عبد العال بسعر ٧٠ قرشًا المتر كما بَيَّنَّا من قبل.

  • (٤)

    أُعْطِيَ فريد أفندي المصري مقاولة إنشاء بيوت للعمال بالمحلة الكبرى بمبلغ يربو على المائة ألف جنيه، وكان رسوُّ هذه المقاولة عليه محلَّ تحقيق من وزير الأشغال في بادئ الأمر، ولكن ما أسرع ما انقلب الأمر من النقيض إلى النقيض، فإن الوزارة قد قررتْ له أخيرًا مبلغًا كبيرًا بمثابة التعويض … ومن المصادفات العجيبة هنا أيضًا أن حضرته كان قد رَفَعَ قضية على رفعة رئيس الوزراء يطالب فيها بتكاليف بناء منزل رفعته بسمنود، فتنازَلَ عن هذه القضية وانتهت صلحًا في العهد الأخير.

  • (٥)

    قام وزير الأشغال أخيرًا بعمل مشروعات ريٍّ وصرفٍ، بَلَغَتْ تكاليفها عشرات الألوف من الجنيهات، ومن المصادفات العجيبة هنا أيضًا أن أطيانًا لمعالي كامل باشا صدقي في بلبيس وبني سويف تنتفع الانتفاع كله من هذه المشروعات.

  • (٦)

    وأخيرًا وليس آخرًا اشترى الشوربجي إخوان — فوق ما اشتروا من صفقاتٍ أَشَرْنا إليها من قبل — منزلًا من صاحبة العصمة حرم إسماعيل صدقي باشا بمقتضى عقد مسجَّل في ٣٠ أبريل سنة١٩٤٢ مقابل ثمن ٤٢٥ مليمًا و١٣٤٨٧ جنيهًا، كما اشتروا أرضَ فضاء بشارع الأهرام مساحتها ٥٦٥٩ مترًا … إلخ.

  • (٧)

    ولعل مِنْ مِسْك الختام أن نَذْكُر أن وزارة الزراعة أَصْدَرَتْ أمرًا إلى المتحف الزراعي بأن تُعِدَّ كل يوم كمية من الزهور ترسل لرفعة رئيس الوزراء في سرايه بجاردن سيتي برفقة سائق الموتوسكل الحكومي رقم ٩١٣ واسمه محمد أبو العلا، وفيما يلي نصُّ إيصالٍ بإمضائه أُرْفِقُه مع هذه العريضة:

عدد
٧٥ وردة
٢٥ قرنفلة
٧٥ زهرة بسلة

استلمْتُ الزهور المبيَّنة بعاليه لتسليمها لمنزل رفعة رئيس مجلس الوزراء كالمعتاد.

سائق الموتوسكل رقم ٩١٣
محمد أبو العلا
٢٠ / ٣ / ١٩٤٣

آخر فضيحة فضاحة! سفيرنا بلندن ترسل له برقية بالشفرة لشراء «فرو» لحرم النحاس باشا بمبلغ ثلاثة آلاف جنيه

لقد عنيت يا مولاي في هذه العريضة عناية خاصة بأن لا أعرض لشئون النحاس باشا الخاصة، فهي بعيدة عن نطاق النقد العام، ويجب أن تكون محل الرعاية والاحترام.

ولكن النحاس باشا المسكين لم يعد في حالة تسمح له بأن يفرِّق بين الخاص والعام، فالحكم قد أصبح محل استغلال خاص له ولأهله ووزرائه، فهو يهيئ لهم البيوت يسكنونها، أو يؤجرونها، والأطيان يشترونها، والأوقاف يتنظرون عليها والمحسوبية يوظفونها، والبنوك يحتلونها، والغلال والحبوب ومواد التموين يُصَدِّرُونها، والخمور والبضائع يستوردونها، وأخيرًا وليس آخرًا فها هي ذي الفراء الثمينة تُسْتَحْضَر لأغراض الزينة فلا يجدون إلا وزارة الخارجية في مصر وسفارتنا المصرية بلندن يكلفونها ويحركونها!

ولقد وَصَلَ إلى علمي مِنْ أوثق المصادر — وإني أتحدى الحكومة إذا اجترأت — أنَّ برقية أُرْسِلَتْ أخيرًا بالشفرة من وزارة الخارجية المصرية إلى سعادة سفيرنا بلندن لشراء ٦ قطع من الفراء (فرو الثعلب الأبيض) قيمة كل منها ٥٠٠ جنيه (ومجموع ثمنها ثلاثة آلاف جنيه) لصاحبة العصمة حرم رفعة رئيس الوزراء، وهو في نفس الوقت وزير الخارجية!

أيُّ عبث بعد هذا يا مولاي بكرامة الدولة؟ وأعمال الدولة؟ ووظائف الدولة؟ ثم من أين لك كل هذا يا سيدي النحاس باشا وقد كنت الرجل الفقير إلى وجه الله تعالى!

وإذا ما أنفقْتَ ثلاثة آلاف جنيه على مادة من مواد الترف والزينة، فأنت إذن رجل ثري، وثري جدًّا؟

فهل لي أن أسألك كيف تُنْفِقُ مبلغًا كهذا على شيء كماليٍّ كهذا، ومِثْلَه لشراء سيارة كوتسيكا، وآلافًا أخرى من الجنيهات لشراء النفائس والأثاثات — فضلًا عن شراء المئات من الفدادين — هل لي أن أسألك كما سألنا نسيبك المليونير، من أين جاءك هذا الثراء الطارئ الوفير؟

دعني، دعني أسألك، وأبكي عليك ولك!

١  يروي الراوُون أقاصيصَ مدهشة عمَّا يُنْفِقه حضرته فعلًا، أو يُنْقَل عنه نقلًا بصدد نفقات وصفقات تبلغ الألوف المؤلفة من الجنيهات، ولكني وإن كنت أُصَدِّقها، فلم أُحَقِّقها.
٢  قد يروق لخبيث أن يتساءل في شيء من العجب: كيف هان على النحاس باشا أن يهدم من أساسه منزل الذكريات العزيزة عليه وينقضه حجرًا بعد حجر، بحيث لا يبقى للذكريات من أثر؟ وكيف بنى منزلًا جديدًا بدل القديم فلم يحتفظ بمسقط رأسه ومَقَرِّ أسرته؟
ولكني أرى في هذا التساؤل شيئًا من التعسف، فحسب رفعته ما أبداه من التعفف، فهو قد استعاض بالمنزل الجديد عن المنزل القديم العزيز عليه، ثم استعاض عن المنزل الجديد بشيء جديد بدله هو العشرة آلاف جنيه.
٣  الجزاء من جنس العمل: حسبنا أن نلاحظ هنا أن النحاس باشا بعد إتمام صفقة بيع منزله بناء على طلب السيدة المستحقة (كما سبق أن بيَّنَّا) رأى أن يكافئ حضرة زوجها (وهو الأستاذ مسعد السمرة قريب رفعته) فنقله من القضاء إلى وظيفة كبيرة في الداخلية، ورقَّاه ترقية استثنائية من ٤٨ جنيهًا إلى ٦٠ جنيهًا شهريًّا … ولهذه الترقية فضيحة مزدوجة سيأتي الكلام عنها تحت باب المحسوبيات، ويكفي أن نبرز هنا إحدى ناحيتي هذه الفضيحة وهي أن أموال الدولة أصبحت تُمْنَح «كبقشيش» لمن يخدم النحاس باشا خدمات خاصة!
٤  سألت المحكمة وزارة الأوقاف للمرة الثانية: هل الوزارة تَعْتَبِر نفسها مُتَنَازِلة للنحاس باشا عن النظر، فرَدَّت الوزارة مشيرةً إلى خطابها السابق بأن لا مانع لديها من إقامة رفعة النحاس باشا في النظر على الوقف بدلًا عنها، وأن محامي الوزارة قد قدَّم خطابها للمحكمة بجلسة ٢٢ مارس سنة ١٩٤٢.
٥  أُرْسِل الرد فعلًا في اليوم التالي، كما هو ظاهر من تاريخ جواب النحاس باشا (في يوم ٢٨ مارس) الذي أشرنا إليه فيما سبق.
٦  يُدعى البانسيون Pension Elizabeth وهو مخصص للترفيه، ويَدْخُل ضِمْن الترفيه شرب الخمر الذي استُخْرِجَت له رخصة خاصة ارتفع بسببها الإيجار إلى ألف جنيه، ومن عَجَبٍ أن يَقْبَلَ النحاس باشا هذه الفضيحة على نفسه وهو رجل التُّقى والورَع، ولكنه المال … قاتَلَ الله المال!
٧  لعل رِفْعته أحسَّ ببطلان دعواه، فراح يلتمس مخرجًا جديدًا، مُدَّعِيًا أنه دَفَعَ بعض ثمن أطيان المرج عن حرمه من المبلغ الذي قبضه ثمنًا لمنزله الذي باعه للوقف! وهكذا تضاءلت الجواهر التي قال إنها باقية لشراء صفقة جديدة وحل محلها المبلغ الذي قبضه من مال الوقف! وهو تحايل مكشوف وغير مُجْدٍ؛ لأن هذه المبالغ جميعها لا توازي ثمن الأطيان المشتراة، فما بالك بالسيارات وغير السيارات مما خَفَّ حمْلُه وغلا ثمنه! ولقد فَصَّلْنا فضيحةَ بَيْع المنزل منه وإليه فلا حاجة للعود إليها.
٨  كانت وزارة المالية في عهد حكومة صاحب الدولة حسين سري باشا قد أَذِنَتْ بتصدير ٦٨٢٤ طنًّا من الزيت؛ بناء على طَلَب الغرفة التجارية لشركات الزيوت، ومع أن الحالة وقتئذٍ كانت تَسْمَحُ بالتصدير فقد حرصت الحكومة إذ ذاك على أن يكون التصدير على ثلاث دفعات، بين كل دفعة والأخرى ٤٥ يومًا، وحَلَّت الدفعة الثانية في إبان وزارتنا، ولكني اضْطُرِرْتُ بالنسبة إلى النقص المتزايِدِ في كمية الزيت إلى إصدار الأمر بالاكتفاء بما صُدِّرَ فعلًا، ووقْف التصدير حتى لمن بَقِيَتْ في أيديهم تصاريح الدفعة الثانية، أما الدفعة الثالثة فألغيتها بتاتًا، رَغْم أن أصحاب معامل الزيوت وتجَّاره كانوا يتمسكون بما اعتبروه حقًّا مكتسَبًا في التصدير؛ بناء على ارتباط وزارة دولة سري باشا، ولكني رأيت أن نظرية الحق المكتسَب لا تتفق مع ما للحكومة من سلطةٍ قانونًا في هذا الصدد، وأنها على أي حال ضارَّة بالمصلحة العليا للشعب، سواء من ناحية التموين أو الصناعة، في هذه الأوقات الخطيرة.
٩  إني على استعداد للتصريح باسم حضرته، وقد استأذنته في ذلك فأَذِنَ.
١٠  أُفْرِجَ عن الأستاذ بعد اعتقاله بضعة أيام …
١١  يتولى موظفو مراقبة المراجعة بوزارة المالية (الذين نُقِلُوا إلى الديوان) تعليم الموظفين الجدد من المحسوبين كيف يكونون مراجعين ومحاسبين، ولم يُمْنَح هؤلاء الموظفون الفنيون درجات أو علاوات عدا أربعة منهم، وكل من عداهم من المحسوبين مُنِحَ الدرجات والعلاوات!
١٢  كانت اللجنة المالية حينما كنت وزيرًا للمالية قد وافقتْ على رَفْع درجتي مدير الأمن العام ومدير التفتيش من مدير عام (ب) ودرجة أولى إلى درجتي مدير عام (أ) مقابل تعهُّد وزارة الداخلية بإلغاء أربع وظائف درجة ثامنة ووظيفة ساعٍ، على أن يُعَيَّنَ في الدرجتين مدير الأمن العام ومدير التفتيش بالمرتب الذي كانا يتقاضيانه، ولكن مجلس الوزراء لم يأخذ بهذا الرأي وقرَّرَ لكل منهما مرتبًا قدره ١٣٠٠ سنويًا (ومرفق بهذه العريضة صورة مذكرة اللجنة المالية وقرار مجلس الوزراء).
١٣  علمنا أنَّ حضْرته قد استقال أخيرًا من عضوية البنك المذكور لتعارضٍ في المصلحة.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.