الباب الثاني

القسم السياسي

الاعتداء المنقطع النظير على الحريات الدستورية وديمقراطية الحكم

يا صاحب الجلالة

إذا كان رفعة رئيس الوزراء وزملاؤه قد استحلُّوا كلَّ ما تشرفْتُ ببيان بعضه في الباب الأول ممَّا تأباه أبسط مبادئ العدالة القانونية والوضعية ونزاهة الحكم، فأيُّ عجب إذا رأيناهم ينهجون تلك الخطة نفسها فيما يتعلق بحريات البلاد العامة ومبادئ الديمقراطية؟

لقد تشرفْتُ فيما سلف، يا مولاي، فجعلت للوقائع الكلمة الفاصلة، وسَتَرَوْنُ يا صاحب الجلالة أن الوقائع هنا كذلك أقْطَعُ وأفْجَعُ!

وينطوي تحت هذا الباب ما يلي من الموضوعات:
  • (أ)

    العبث بالحكم النيابي وتقاليده.

  • (ب)

    خَنْق حرية الصحافة.

  • (جـ)

    إهدار حرية الأفراد.

  • (د)

    العبث بحرية الجماعات.

  • (هـ)

    العبث بحرية الانتخابات ونزاهتها.

  • (و)

    التفريط في حقوق البلاد السياسية.

(١) العبث بالحكم النيابي وتقاليده

أما عبث النحاس باشا وزملائه بالحكم النيابي وتقاليده في هذه الفترة القصيرة من الزمان، فقد بلغ حدًّا لم تشهده مصر في أي عهد من العهود، حتى التي شَهِدَتْها مصر قبل أن تظفر بدستورها الحديث، وإنما يقع الوزر في ذلك على الوزارة الحاضرة وسلطانها الباطش الطائش؛ سواء على نوابها، أو على رئيس مجلس نوابها، بحيث أصبحت مشيئة الحكومة وحدها هي النافذة، وكلمتها وحدها هي المسموعة دون أن يُتَاحَ لصوت مُعَارِضٍ أن يرتفع بكلمة واحدة في سبيل الله والحق والدستور.

وقد اتخذ هذا العبث الدستوري المُحْزِن أشكالًا شتى أتشرف بأن أَذْكُرَ منها:

(١-١) طغيان الحكم العسكري على الحكم الدستوري

وقد بدأ هذا الطغيان في صورته الملموسة في أول جلسة من جلسات الدورة البرلمانية الأخيرة، التي استهلها النحاس باشا ووزراؤه استهلالًا مشئوم الطالع بسلب البرلمان حقَّ مناقشة الحاكم العسكري فيما يَتَّخِذ من إجراءات وما يَصْدُر من أوامر القبض حتى على أعضاء البرلمان، وإيداعهم غياهب السجون أو نفيهم إلى أقاصي البلاد، بلا اتهام ولا تحقيقٍ ولا مناقشة ولا سؤال؛ وهو ما حدا بالمعارضة على اختلاف نزعاتها إلى الانسحاب من الجلسة التي جرت فيها هذه المأساة الدستورية، ومن نكد الأقدار أن يجيء رئيس مجلس النواب في تلك الجلسة نفسها فلا يكتفي بما قَدَّمَتْ يداه من مساهَمة في إقرار هذا الوضع الدستوري المهين، بل يستبيح لنفسه أن يتكلم من منصة الرياسة فيصف احتجاجَ المعارضة على ذلك وانسحابها بأنه «سبة للحياة البرلمانية»!١

وهكذا سار النحاس باشا في استغلال السلطة العسكرية إلى مدًى لم يَصِلْ إليه أحدٌ قَبْلَه، فالواقع المسجَّل أن رِفْعَة علي ماهر باشا — وهو الذي أعلن قيام الأحكام العرفية وتولى سلطة الحاكم العسكري — قَدْ وَعَدَ — ثم حقق ما وعد — بأن لا يُصْدِرَ أمرًا عسكريًّا دون عَرْضه على البرلمان، وقد كانت أوامره العسكرية تتعرض للتعديل والتبديل في معظم الأحيان طبقًا لما يراه أعضاء البرلمان وبينهم رجال المعارضة الوفدية إذ ذاك، ولم يكن الوفد رغم ذلك يخفي قلقه واعتراضه على الأحكام العرفية حتى في دائرة تلك الوعود والقيود!

ولكن النحاس باشا لم يكد يلي الحكم حتى أُلْقِيَ القبض على رفعة على ماهر باشا دون تحقيق ولا محاكمة، ولكنه على كل حال سمح بالمناقشة البرلمانية في مسألة اعتقاله.

ثم تقدم رفعة النحاس باشا في استغلال سلطة الاعتقال خطوة ثانية، فأباح لنفسه أن يعتقل من أعضاء البرلمان من يشاء دون أن يبعث إلى المجلس الذي ينتسب إليه العضو المعتقل حتى بمجرد الإخطار، كما حدث في شأن صاحب السعادة محمد طاهر باشا عضو مجلس الشيوخ، وقد اعْتُقِلَ سعادته مع حضرة صاحب السمو الأمير عباس حليم دون أن يُسْمَحَ بنشر شيء عن اعتقالهما أو تقديم استجواب عنه في البرلمان!

ثم تَلَتْ هذه الخطوة ثالثة الأثافي، إذ أَلْقَى النحاس باشا القبضَ على أحد أعضاء مجلس النواب وهو الدكتور فهمي سليمان، وأبى على المجلس أن يناقشه في ذلك الحسابَ، متذرعًا بأن المجلس حين أَقَرَّ سلطته العسكرية قد أعطاه في الوقت عينه تفويضًا يفعل بمقتضاه ما يشاء، وأن له من سلطة الاعتقال ما يسمح له كل يوم بالقبض على من يشاء من النواب وغير النواب،٢ دون أن يكون للبرلمان أن يناقشه فيما فَعَلَ أو يَفْعَل في الماضي أو في الحاضر، في المستقبل!

الأكذوبة الكبرى

وقد رأى نواب المعارضة أن ينسحبوا بعد احتجاجهم على هذه الدكتاتورية العسكرية، التي تجعل الحياة النيابية أثرًا بعد عين، فانتهز أحد الوزراء — وهو وزير العدل — فرصةَ خُلُوِّ الجو، كما فَعَلَ رئيسه من قبل، وراح يحذو حَذْو رئيسه في قلب الحقائق التي لا تكذب، وزعم أنني وافقت على اعتقال رفعة ماهر باشا، ولكن من سوء حظ الوزير والوزارة التي يمثل معاليه مَبْلغ أمانتها للحق والواقع، أن المناقشات التي دارت في هذا الشأن بيني وبين رفعة النحاس باشا ومعنا بعض الوزراء قد أتيح حضورها حينئذٍ لبعض الكبراء، وكلهم بحمد الله أحياء، ففي إحدى المناقشات كان صاحب العزة محمد محمود خليل بك رئيس الشيوخ إذ ذاك وصاحب السعادة عبد القوي أحمد باشا من شهود المناقشة والجدل، وقد شَهِدَ الأخيران مشادة جَرَتْ بيني وبين رفعة النحاس باشا، حينما اقترح سعادة عبد القوي أحمد باشا بالنيابة عن علي ماهر باشا بقاء رفعته في عزبته بقبول منه، فوافقْتُ أنا على هذا الحل الذي ارتضاه علي ماهر باشا واعترضْتُ على إصرار النحاس باشا علي الأخذ بقرار الاعتقال، وكان يحتج في إصراره بأن المسألة من اختصاص الحاكم العسكري دون سواه، بينما أصررت من جانبي على أن المسألة ليست عسكرية بحتة، ولكن لها ناحيتها السياسية والدستورية، وأبى النحاس باشا مع ذلك إلا أن يتمسك برأيه وقراره، وفيما يلي نص خطاب أرسله إلى شاهد عدل هو حضرة صاحب السعادة عبد القوي باشا أحمد، وفيه فصل الخطاب في هذه الأكذوبة الكبرى:

حضرة صاحب السعادة مكرم عبيد باشا
عزيزي الباشا

بعد التحية، ردًّا على خطاب سعادتكم أَذْكُر جيدًا أنني عندما رَجَوْتُ رفعة النحاس باشا بمكتبه بمجلس الوزراء — بحضوركم وحضرات أصحاب المعالي زكي العرابي باشا وزير المواصلات يومئذٍ ونجيب الهلالي باشا وصبري أبو علم باشا وسعادة محمد محمود خليل بك رئيس الشيوخ السابق — أن لا يقبض على رفعة علي ماهر باشا، وأن يسمح له بالبقاء بداره بمصر، أو بالعودة إلى عزبته، تفضَّلْتُم سعادتكم وقلتم «إني موافق عبد القوي باشا على رأيه فهو يقول كلامًا معقولًا، وإذا سمح هو ومحمد بك محمود خليل بالانتظار قليلًا بمكتب السكرتير فإننا نبحث الأمر سويًّا مع رفعتكم وحضرات الزملاء الوزراء» فأجاب رفعته: اسكت أنت يا مكرم؛ لأني الحاكم العسكري والمسئول عن هذه الشئون فما كان من سعادتكم إلا أن طلبتم من رفعته بأن يستمع لرأيك، وفي نهاية الأمر التفَتَ إليَّ رفعة النحاس باشا وقال: أنا مُصِرٌّ على رأيي، وسأعيد النظر في الأمر باكِرَ إذا سَلَّمَ علي باشا نَفْسَه بلا قيد ولا شرط.

هذا ما وَقَعَ، أسجله ردًّا على خطاب سعادتكم راجيًا التفضل بقبول تحياتي واحتراماتي.

إمضاء
المخلص
عبد القوي أحمد
٩ / ١٢ / ١٩٤٢

ومما هو جدير بالذكر أن النحاس باشا كان قد اتخذ إجراءاته الأولى لإلزام رفعة علي ماهر باشا بالسفر إلى عزبته دون أن يُطْلِعَني أو يُطْلِع الوزارة على ما فَعَلَ، فلما عَلِمْتُ بما حدث سألْتُه كيف اتَّخَذَ مثل هذه الخطوة الخطيرة دون أن يستشيرنا! فكان جوابه أن هذه من السياسة العليا التي يختص بها دون الوزراء! فأعلنْتُ لرفعته أنني أرفض أن تكون السياسية الدنيا وحدها هي التي تدخل في اختصاص الوزراء، واحتججت على مواجهتنا بسياسة الأمر الواقع دون مناقشة ولا مشاورة!

ومع هذا كله، يأبى وزير العدل إلا أن ينهج نهج رئيسه، حينما تكلم في غيبتي بمجلس النواب، وروى من الوقائع ما بيَّنْتُ في الباب الأول مجافاته للصدق والحق، ولا يتحرج وزير القضاء أن يلقي من منبر البرلمان أكذوبة صريحة في مسألة كهذه كان موقفي بشأنها معروفًا في حينه، لجميع الجهات وللكثيرين من الشيوخ والنواب على اختلاف أحزابهم.٣

وليس يعنيني في هذا المقام أن أكذِّبَ قومًا ثَبَتَ عليهم الكذب بالأدلة والشهود، إنما يعنيني أن أبيِّن أن النحاس باشا تدرَّج في طغيانه العسكري على حساب الحياة الدستورية، حتى وصل إلى حرمان البرلمان من حق مناقشة تصرفاته العسكرية على الإطلاق! فاختفى الحكم الدستوري في ظلال الحكم العسكري.

العقلية العسكرية

ومن سوء حظ النحاس باشا وحظ البلد معه أن الحكم العسكري طغى أول ما طغى على الحاكم العسكري نفسه! فحَكَمَتْه العقليةُ العسكرية قبل أن يَحْكُمَ بها غيرَه، شأنه في ذلك شأن كل ضعيف يقوى، وإن الإنسان ليطغى.

صاحب العلم

وليس أدل على هذه العقلية ممَّا بدا للناس من بعض الصغائر إلى جانب ما سيأتي بيانُه من الكبائر، فبلغ برفعته الأمر أن يتَّخِذَ لنفسه من مظاهر الحكم والسلطان، عَلَمًا يرتفع وينخفض على سطح داره إشعارًا بوجوده أو بغيبته عن البنيان!

وعلى إثر الضجة التي أثيرت أخيرًا حول «صاحب العَلَم» وترتَّبَ عليها إغلاق مجلة روز اليوسف لمدة ثلاثة شهور، اختفى العَلَم عن الأنظار، وقد رأيته ورآه غيري، لأننا أَبَيْنَا أن نُصَدِّق قبل أن نُحَقِّق!

قره قول سلاح؟

ويتمشى مع العلم الخفاق في أعلى البنيان، وجود عساكر «الحرس» حول الجدران، ولقد كان لكل رئيس وزارة وحاكم عسكري في سالف العهد والأوان، عسكري واحد يحويه «كشك» خشبي واحد أو على الأكثر حارسان.

ولكن حاكمنا العسكري الديمقراطي يأبى أن يكون له من الحراس العسكريين الواقفين بأبواب داره إلا ستة، تحويهم أكشاك ستة! فإذا ما خرج من الدار في المساء أو في الصباح، زُلْزِلَت الأكشاكُ زلزالها، وقال الجيران ما لها، ثم قَعْقَعَ السلاح، وعلا الصياح، قره قول سلاح، قره قول سلاح … ولقد قيل لي: إن بعض موظفي السفارة البريطانية الذين تُطِلُّ مكاتبهم على دار النحاس باشا قد أَزْعَجَهُمْ هذا الصياح المتكرر، حتى كاد هذا الضجر الإنساني، أن يُنْسِيَهُم التحالف المصري البريطاني!

يا لنكبة الديمقراطية في بعض أنصارها من الديمقراطيين!

ولو أن هذه العقلية انحصرت في شخص رئيس الوزراء وفي المظاهر المحيطة به، لهان الأمرُ بعضَ الشيء، ولكنها تعدَّته — ويا للأسف — إلى حُكْم هذا الشعب الأمين، وإلى حرياته المقدسة التي جاهَدَ لها وبَذَلَ في سبيلها «الدم والتعب وعرق الجبين»!

(١-٢) إهدار حق الاستجواب

والاستجواب هو الوسيلة الدستورية التي يستطيع بها النائب أن يزاول عمله في محاسبة الوزارة وطرح الثقة بها على المجلس إذا اقتضى الأمر، وعلى أساس هذا الضمان الدستوري تقوم المسئولية الوزارية أمام البرلمان، فإذا سُلِبَ النائبُ حقَّ الاستجواب فقد انهارت المسئولية الوزارية التي لا قيام للحياة الدستورية بغيرها على أي وجه من الوجوه.

وقد رأت الوزارة أن تسلب المعارضة هذا الحق البديهي، فلجأتْ إلى أغلبيتها العددية من جهة كما لجأتْ إلى رئيس المجلس وهيئة مكتبه من ناحية ثانية، فإذا الناحيتان تتقاسمان مهمة القضاء المبرم على حق الاستجواب بوسائل متعددة، منها: استعمال مقصلة الأغلبية في استبعاد أي استجواب لا تريده الحكومة أو استبعاد ما تشاء الحكومة من فقراته وأبوابه قبل أن يُسْمَح بمناقشة كلمة واحدة منه، ومنها: أن لا يُدْرِج رئيسُ المجلس ما يُقَدَّم إليه من استجوابات، وقد قَدَّمْتُ في الدورة الماضية استجوابات عدة لم تُدْرَج في جدول الأعمال، أحدها عن أسباب الخلاف التي أدت إلى خروجي من الوزارة، وآخر خاصٌّ برُخَص التصدير والاستيراد، وثالث عن الاستثناءات التي وقعَتْ بعد خروجي من وزارة المالية، ورابع عن إساءة تنفيذ المعاهدة، وخامس عن حرية الرأي، وسادس عن المعتقلين، ومع خطورة الموضوعات التي تتناولها هذه الاستجوبات، أو على الأصح لخطورة هذه الموضوعات أبى رئيس النواب أن يُدْرِجَ أحدها في جدول الأعمال، بل عمدت رياسة المجلس إلى مناوَرَةٍ طريفة لتخليص الحكومة من مناقشة ما أُدْرِجَ بالفعل في جدول الأعمال من استجوابات، فكانت مواعيد الجلسات تُحَدَّد في غير الأيام المخصصة للمناقشة أو لاستئناف المناقشة في الاستجوابات، ومِن المُضْحِك المبكي أنه بعد أن ألقى رئيس الوزراء بيانه في استجواب الاستثناءات، أجَّلَ المجلس بياني ورد الزميل المستجوب (النائب المحترم الأستاذ فكري أباظة) إلى جلسة يحددها مكتب المجلس، ومنذ ذلك الحين لم يَجِدْ رئيس المجلس المحترم جلسةً يحدِّدْها لاستكمال هذا الاستجواب القائم، في حين أنه نُظِرَت استجوابات أخرى جديدة، وعديدة!

ولم تَضِقْ الوزارة — ومن ورائها رياسة النواب — ذرعًا بالاستجوابات وحدها، ولكنها لم تُطِقْ كذلك أن تواجِهَ ما هو أخفُّ منه وأهون، ونعني به طَلَبَ المناقشةِ الذي نصَّت علية اللائحة الداخلية، فلم يَكَدْ ستة وثلاثون عضوًا من المجلس — وكلهم من الهيئة التي تَنْتَسِبُ إليها الحكومة — يتقدمون بطلبٍ كتابيٍّ لفتح مناقشة في موضوعات خطيرة حدَّدُوها وعددوها، حتى انتهز رئيس المجلس فرصة انعقاد إحدى الجلسات السرية فتَلَا الطلب الخطير، وأخذ من الأغلبية الوزارية قرارًا باستبعاده من غير مناقَشةٍ في الجلسة السرية حتى لا تتسرب محتويات الطلب إلى أسماع الرأي العام!

وأخيرًا افْتُتِحَت الدورة البرلمانية الحالية، فإذا الحكومة تستعين بنُوَّابها ورياسة نوابها، وتُقَرِّر أخطر المبادئ لكي تخنق في المهد الاستجوابين اللذين قَدَّمَهُمَا أحدُ نواب المعارضة، وهو حضرة النائب المحترم الأستاذ فكري أباظة، حتى لم تجد المعارضة بدًّا من تسجيل احتجاجها على خطة الوزارة والوزارتين بانسحابها في أول جلسة من الجلسات.

مناقشة حوادث الأزهر الشريف وانتخابات جرجا

وحدث منذ أيام أن قدَّمْتُ مع جماعة من إخواني عريضةً لمناقشة الحكومة في حوادث الأزهر الأخيرة التي وقعت في ١٣ فبراير وفي انتخابات جرجا الأخيرة، وهي حوادث أقلُّ ما يقال فيها إنها تَمَسُّ حرية الجماعات والأفراد — فضلًا عن حرية الانتخابات — مساسًا خطيرًا.

وقد قَصَرْنا العريضة على الناحية العامة من هذه الحوادث من حيث مساسها بالحريات.

وحسِبْنا أنها وقد خلت من الألفاظ التي يَعُدُّها رئيس المجلس «نابية» — والألفاظ النابية في قاموس العهد الحاضر هي الألفاظ الصريحة، والصراحة هي العامية النابية — حسِبْنا أن العريضة ستُنْظَر أو في القليل تُعْرَض، ولكن سعادة رئيس المجلس أبى علينا ذلك؛ لأنه رأى في العريضة اتهامًا للحكومة، وعبثًا حاوَلْنا الاحتكامَ إلى المجلس؛ فإن رئيس المجلس في هذا العهد الديمقراطي هو المجلس، كما أن رئيس الحكومة هو الحكومة!

ولقد ترتب على هذه الحوادث الخطيرة أن أُصِيبَ عددٌ كبير من الجرحى بين طلاب المعاهد، واعْتُقِلَ عدد من الطلبة، بل والأساتذة، بل ومن أصحاب الفضيلة مشايخ المعاهد! ولكن أنى لنائب أن يسأل ولو مجرد السؤال عما يَمَسُّ معاهد العلم وأساتذتها وطلابها، وأنى له أن يُنَاقِش ولو مجرد المناقشة تلك الفضائح الانتخابية المنقطعة النظير التي حدثت في جرجا تأييدًا لمنهج الحكومة فيها، والتي ترتب عليها إرسال أكثر من ألف جندي بمدافعهم ودباباتهم وطياراتهم، وحرمان الناخبين من التذاكر، وضَرْب وجرْح كل معارض لهذا الحكم الزاهر؟

وبَعْدَ لأْيٍ، فقد طَلَبَ مني رئيس المجلس تقديم استجواب في هذين الموضوعين، فقَدَّمْتُه ولكنه لم يُدْرَج حتى الآن، ولعله لن يدرج.

يا مولاي، إذا كان قد جنى على الحياة النيابية القائمة في مصر رجل واحد فهذا الرجل هو مصطفى النحاس باشا، وإذا كانت الجناية من عمل رجلين اثنين، فالثاني بلا مِراء هو عبد السلام فهمي جمعة باشا، الرئيس الحاضر لمجلس النواب الحاضر.٤

(١-٣) إهدار حق طلب البيانات من الحكومة

وهو حق دستوري لم يُنْكَرْ من قبل على أي نائب، مستجوِبًا كان أو غير مستجوِبٍ، ولكنه أُنْكِرَ على النواب جميعًا، وتمسَّكَت الحكومة الحاضرة بإنكاره؛ لأن (مَكْرمًا) طَلَبَ بيانات عن الاستثناءات التي أُغْدِقَتْ، ورُخَص التصدير التي مُنِحَتْ، وكلُّ ما هنالك أن الوزارة تَحْتَمي بهَدْم هذا التقليد وإنكاره لكي تتهرب من تبعة التسليم بما يجري من وراء الستار من محسوبيات واستثناءات في التوظيف والتصدير على السواء!

(١-٤) انتهاك الحصانة البرلمانية

لم تتردد الوزارة في انتهاك الحصانة البرلمانية على وَجْهٍ لم تسبقها إليه وزارة سابقة، ولا يمكن أن تدركها فيه وزارة لاحقة، فمن تفتيش منازِلِ النواب إلى اعتقال أي عضو من أعضاء المجلسين دون استئذان البرلمان في حالتي التفتيش والاعتقال، بل دون مجرد إخطار المجلس المختص، بينما كان ممثلو الوفد في البرلمان الماضي، وبينهم وزيران حاليان، ينعون على صاحب الدولة حسين سري باشا مجرد الأمر بتفتيش ضيعة أحد النواب دون استئذان المجلس في ذلك، وكانوا يرون في ذلك خروجًا صريحًا على الحصانة البرلمانية!

(١-٥) إسقاط عضوية النواب بعد إقرار صحتها

وكما أدَّى طغيان الوزارة على نوابها وإذعان النواب لمشيئتها إلى إهدار الحقوق السالفة كلها على أيدي هؤلاء النواب أنفسهم، كذلك بلغت روح الاستهتار بمبادئ الدستور وأصول الحياة النيابية إلى حد إهدار قرارات البرلمان ذاتها فيما يتعلق بصحة نيابة أعضائه، خلافًا لكل ما يقرره فقهاء الدستور، وما تؤيده أعرق التقاليد الدستورية، فما هو إلا أن اختلفت الوزارة مع أحد النواب، وهو الأستاذ أحمد قاسم جودة، بسبب إصرارها على مهاجمة «مكرم عبيد» وأنصاره والطعن عليهم في جريدة «الوفد المصري» التي كان يدير تحريرها ويكتب فيها الأستاذ أحمد قاسم جودة، في حين رَفَضَ هو أن يقوم بذلك أو يشترك فيه، كما يدل على ذلك الخطاب الذي أرسله إلى وزير العدل، والذي أَتَشَرَّفُ بإرفاق صورة منه وممَّا تلا من مراسلات في هذا الصدد، ما هو إلا أن دَبَّ هذا الخلاف حتى استدعى وزير المعارف في اليوم التالي أحدَ نواب الوزارة، وسَلَّمَ إليه ملف الأستاذ قاسم جودة بالجامعة المصرية — وكان الوزير يعلم بكل ما فيه، كما تَعْلَم به الوزارة ورئيس لجنة الطعون بمجلس النواب، عندما وافَقَ المجلس على صحة نيابته ورَفَضَ الطعنَ المقدَّم في سنه — وسرعان ما طَلَبَت الوزارة بلسان أحد نوابها أن يعاد النظر في الطعن المرفوض على أساس السبب المرفوض! وأَصَرَّ رئيس الوزراء على إهدار المبادئ الدستورية، والتقاليد الدستورية، والحقوق الدستورية التي تجعل لقرار البرلمان في مثل هذا الطعن قوة الحكم الذي لا يُنْقَض، فكل هذا لا يساوي شيئًا عند الوزارة ما دامت تصل من ورائه إلى التنكيل بالنائب الكاتب الذي رَفَضَ أن يجاري كُتَّاب الوزارة في التهجم الباطل على «مكرم عبيد»!

وقد كان للوزارة ما أرادت، وهَدَمَ البرلمان بأيدي أعضائه قيمةَ قراراته بشأن الطعون وتحقيق صحة النيابة، وأُخْرِج الأستاذ قاسم جودة بعد جلسة استَغْرَقَتْ سبع ساعات، ثم رأت الوزارة في عشر دقائق أخرى من الليلة نفسها أن تَصُبَّ جام غضبها على نائب شاب جريء تجرأ على أن يقف في صف مكرم عبيد وهو الأستاذ جلال الحمامصي، فأصدر المجلس في غيبة النائب قرارًا بإخراجه في عشر دقائق لا تزيد، بعد أن مضى على قرار المجلس نفسه بصحة نيابته بضعة شهور!

وكذلك أمْلَتْ شهود الانتقام على الوزارة خطوة جديدة، في طريق العبث بالحياة النيابية على أيدي نوابِ أكثريَّتِها المرغمين! وكانت سابقة لم يسبق لها مثيل.

(١-٦) تحريم نشر الاستجوابات أو ملخصها في الصحف

أخيرًا، وليس آخرًا، عمدت الوزارة إلى التهرب لا من مناقشة الاستجوابات وحسب، بل من إذاعتها بنصها، أو نَشْر خلاصةٍ عنها منقولة من جدول الأعمال، أو حتى مجرد الإشارة إلى موضع استجواباتي في الصحف، قبل يوم مناقشتها، في حين جَرَتْ جميع الوزارات السالفة، بالاتفاق مع البرلمان، على أن تُنْشَر خلاصة لموضوعات الاستجوابات، تُثْبَت في جدول الأعمال ويُصَرَّح بنشرها في الصحف.

ولكن الوزارة التي تتمسح بالشعب اليوم، هي بعينها التي تأبى على هذا الشعب أن يعرف كثيرًا أو قليلًا ممَّا يدور تحت قبة البرلمان من مناقشات بين ممثلي الشعب!

(٢) خنق حرية الصحافة

يا صاحب الجلالة

هذه أمثلة تشرفْتُ بسردها أمام أنظار جلالتكم، لأبين كيف أَعْمَلَت الوزارة الحاضرة مَعَاوِل الهدم في بناء الحياة النيابية ودكَّت قوائمها من الأساس، وما كان مفهومًا، ولا معقولًا، أن يكون هذا مبلغ تنكيل الوزارة بالسلطة التشريعية ثم يكون للسلطة الرابعة، وهي سلطة الصحافة، حظٌّ أسعد من حظ البرلمان في ظلال هذا العهد الغاشم.

وقد بلغ من اشتداد وطأة الأغلال التي تَرْسُف فيها الصحافة على يد النحاس باشا ووزرائه، أن وَجَدَ مجلسُ نقابة الصحفيين نفسه مضطرًّا إلى تقديم الاحتجاج تلو الاحتجاج إلى الحاكم العسكري، مذكِّرًا رِفْعته بما جاء في مذكرة الوفد المصري المؤرخة في أول أبريل سنة ١٩٤٠، من أنه: «… لا معنى لأن تمتد الرقابة على الأخبار العسكرية إلى رقابةٍ على كل الشئون المصرية، حتى أصبح المصريون في عهد الاستقلال وكأنهم آلة عمياء صمَّاء لا يُسمع لهم صوتٌ في شئون بلادهم، ولا يَدْرُون إلى أي مصير هم مسوقون، بل ولا قدرة لهم على الشكوى مما هم إليه مسوقون!»

وقد سَرَدَ مجلس نقابة الصحافة في أحد احتجاجاته هذه صنوفًا من أمثلة الإرهاق التي تتعرض لها الصحف في هذا العهد، مما يجاوِزُ كل ما كان في عهود الوزارات السابقة، ثم اختتم مذكرته بقرار صريح هذا نصه:

من أجل هذا يُقَرِّر مجلس النقابة أَسَفَهُ الشديد لأساليب الرقابة الصحفية، ويَرْفع إلى رِفْعتكم احتجاجه على الإجراءات التي تتَّبعها الرقابة وخروجها عن الحدود المرسومة لها ومخالَفتها النص وروح الأحكام العرفية، وما جرى عليه العمل في العهود السابقة، وما أعلنتموه رِفْعتكم أيضًا في اجتماع الصحفيين، ويقرر أن الصحافة والحالة هذه إزاء استحالة مادية ومعنوية تمنعها من أداء واجبها.

وتلا ذلك الإمضاءات الآتية:

«فكري أباظة، محمد عبد القادر حمزة، إبراهيم عبد القادر المازني، حافظ محمود، محمد خالد، مصطفى أمين، جلال الحمامصي، كامل الشناوي، مصطفى القشاشي».

وفي عبارات هذا القرار الواضح، الذي قدَّمه أعضاء نقابة الصحفيين إلى النحاس باشا بعد طول يأسهم من سماع صيحاتهم المختنقة، خير تصوير لروح الطغيان التي تنشر ظِلَّها على كل أداة من أدوات الرأي والحرية في البلاد.

وقد بَلَغَ من تمادي النحاس باشا في استغلال سلطته العرفية أن اختفت كلمة المعارضة من الصحف ومُحِيَتْ محوًا، وحُرِّمَ على الكُتَّاب أن يَنْقُدوا عملًا من أعمال وزارةٍ، جَلَّ أو هَانَ، وصودر حق الناس الأوَّلِي الذي كفله القانون العادي، في الرد على ما يُكْتَب عنهم وتفنيد ما يفترى عليهم من الأعمال أو الأقوال، وحُرِّمَ على الصحف أن تَنْشُر أسماء أشخاص بعينهم ولو في مناسبة من المناسبات العادية، أو في مناسبة كريمة، كتقييد أسماء مكرم وزملائه من أعضاء الكتلة الوفدية المستقلة في دفتر التشريفات، وإعلان ولائهم لشخصكم المعظم، وحَذَفَت الرقابة كُلَّ ذِكْر لبرقيات ورسائل تلَقَّيْتُها من شخصيات سامية المكانة على أثر خروجي من الوزارة، وبينها رسالتان لصاحب السمو الأمير عمر طوسون وصاحب الفضيلة الشيخ أبو الوفاء الشرقاوي.

وإني لأكتفي يا مولاي بإضافة أمثلة قليلة أخرى لا تكاد ينقصها التعليق:

(٢-١) مراقبة الوفيات

حَدَثَ أن قَبَضَ الله إلى جواره أحد أعضاء الكتلة الوفدية المستقلة في أواخر شهر ديسمبر سنة ١٩٤٢، وهو المغفور له الأستاذ عبد الوهاب البرعي المحامي، فرأيت واجبًا عليَّ أن أنعاه في جريدة الأهرام، ولكن النعي لم يكد يُنْشَر في الصباح حتى هاج هائج النحاس باشا، وثارت ثورته؛ لأن النعي تضمن ذِكْر الكتلة الوفدية المستقلة!

وتَرَتَّب على هذه الثورة أمران:
  • أولهما: إصدار تعليمات إلى الرقباء بمراجعة إعلانات الوفيات، حتى لا يَقْبِض الله إلى جواره رجلًا آخرًا من رجال الكتلة الوفدية المستقلة فيذاع في نعيه أنه لقي ربه على عقيدته الوفدية المستقلة!
  • وثانيهما: تَرَتَّبَ على هذه الثورة كذلك أن صودِرَتْ برقيات التعزية في الفقيد الذي أهاج نَعْيُه أعصابَ الحاكم العسكري العتيد! وكان من تلك البرقيات المغضوب عليها تعزية من صاحب السمو الأمير الجليل عمر طوسون، فلما تأخَّرَ ردي عليها، تحدث إليَّ حضرة باشكاتب دائرة سمو الأمير، وسألني عما إذا كانت البرقية قد وصلت إليَّ، وعندئذٍ فقط علمت بما كان من مصادرة البرقية، فبادَرْتُ إلى إبلاغ عذري وشكري إلى سمو الأمير، وخَشِيتُ أن تَحُول الرقابة العسكرية مرة أخرى دون وصول هذه البرقية، فبعثْتُ بصورة منها في خطاب بالبريد إلى حضرة باشكاتب دائرة الأمير!

(٢-٢) النعامة!

جَرَتْ بعد ذلك انتخابات تكميلية لعضوية مجلس الشيوخ عن دائرة منشأة سلطان، وتقدم للانتخابات فيها مُرَشَّح للوفد هو حضرة عبد القادر المناسترلي بك، ومرشح مستقل هو حضرة الدكتور فؤاد سلطان بك، ومرشَّح أَعْلَنَ الوفدُ أنه لا يؤيد ترشيحه، هو حضرة عبد الرحمن شادي بك.

واشتدت دعاية الوزارة لمرشحها في هذه الدائرة، إلى حد سَفَر اثنين من الوزراء هما صبري أبو علم باشا وزير العدل، والأستاذ عبد الحميد عبد الحق وزير الشئون الاجتماعية، وقد خَطَبَ أولهما في تأييد مُرَشَّح الوفد وإعلان حِرْص الوفد على انتخابه دون الآخرين.

ثم ظهرت النتيجة فإذا المرشح الوفدي يكاد يفقد التأمين، وإذا المرشح الذي أعلن أنه لا يرشحه، وذُكِرَ اسمه صراحة في بيانٍ أُذِيعَ في الصحف، وهو عبد الرحمن شادي بك يفوز بضِعْف الأصوات التي نالها مرشح الوفد! أما المرشح المستقل الذي أبى أن يَقْبَل الترشح على مبادئ الوفد وهو الدكتور فؤاد سلطان بك فقد فاز بالأغلبية الساحقة، ونال من الأصوات أكثر من ستة أضعاف حضرة المرشح الذي سافر من أجله وزير العدل في أسبوع الانتخاب، فجنى عليه وهو لم يجنِ على أحد.

وكان للنتيجة بطبيعة الحال وقْع الصاعقة على رأس الحاكم العسكري الذي عاجَلَتْه هذه الضربة في ميدان الانتخاب الشعبي بعد الضربة السابقة التي تلقَّاها في انتخابات نقابة المحامين، فإذا هو يلجأ إلى سلاح الرقابة يُشْهِره في وَجْه الصحف حتى لا تُذِيع الأرقام التي أَسْفَرَ عنها الانتخاب، بينما سَمَحَ بنشر أرقام انتخاب فرعي آخر في اليوم نفسه بدائرة شباس الشهداء فاز فيه مرشح الوفد بعضوية مجلس النواب!

بل إن النحاس باشا أبى على الشيخ الفائز أن يقال في مقالٍ في مقامِ تهنئتِه بإحدى الصحف: إن نجاحه لقي ارتياحًا عند الناس، وكل ما سَمَحَتْ به الرقابة النَّحَّاسية في هذا المقام أن يقال: إن فوزه قوبل بالارتياح «من أصدقائه وعارفيه»! ومن هذا القبيل ما نشرَتْه الصحف عن انتخابات جرجا، فقد سُمِحَ لها بأن تشير إلى فوز مرشح الوفد دون أن تشير إلى تنازُل المرشحَيْن الآخرين في ظروف لا تشرف الحكومة في شيء، وهكذا ظن النحاس باشا — كما ظنت النعامة من قبل — أنه خدع الناس إذ خدع نفسه!

(٢-٣) حفلة شاي

وأخيرًا، وليس آخرًا، جاءت الدعوة الاجتماعية المتواضعة التي تشرفْتُ بتوجيهها لتناوُل الشاي في داري يوم ٢١ يناير الماضي، وتفضَّلَ بتلبيتها من تيسَّرَ له الحضور من حضرات المدعوين من الأصدقاء، من كبار رجال السراي الملكية العامرة، والسفارة البريطانية والنواب البريطانيين، ورجال المفوضيات الأجنبية، وزعماء الأحزاب والمستقلين ورجال الشركات والبنوك.

هذه الدعوة المتواضعة طارت بأعصاب الحاكم العسكري، إلى حدٍّ يمنعني الواجب المقدس من أن أَدْخُلَ في تفصيله ضمن هذه العريضة، وإنما أكتفي بأن أشير في صدده إلى تسخير الرقابة في مَنْع المجلات والصحف من كل إشارة إلى الدعوة أو المدعوين، ولم يستحِ النحاس باشا أن يجعل من هذا الموضوع بابًا من أبواب التنبيهات الكتابية للرقباء أجمعين!

(٢-٤) يدين نفسه!

والرجل الذي يسير بالرقابة هذه السيرة، ويستغل سلطانه العسكري على هذه الوتيرة، هو النحاس باشا الذي خَطَبَ في انتقادِ ما هو شبيه بذلك بل دونه، حينما كان في المعارضة، وكان غيره في الحكم، فقال في خطابٍ له برأس البر:

وأخرى لا تقل صغارًا وسخافة … هي مَنْعهم الصحف من أن تَذْكُر أسماء زائريَّ أو تنقل أحاديثي أو تشير إلى انتقالاتي ومقابلاتي، في حين لا مانِعَ مِنْ ذِكْر أخبارهم وأقوالهم والدعاية المغرضة لأشخاصهم وأعمالهم، كأنما كان لهم أن يُسْقِطوا عن مصطفى النحاس ما يتمتع به سائر المصريين من الحقوق، أو كأنما لا تكفيهم هذه الرقابة الغاشمة التي فرَضَتْها الأحكام العرفية على الصحف بحجة الحرص على سلامة الدولة ومقتضيات الأمن والدفاع، فراحوا يستخدمونها في حماية أنفسهم من كل انتقاد، حتى ضاق بهذه الحال بعض الصحفيين المحايدين قبل المعارضين، فتوالت الشكوى ولكن بدون جدوى! نعم هو صَغار لا طَعْم له ولا معنى، وإن كان كبير الدلالة على ما ترزح تحته البلاد في هذا العهد الظالم من عدوان وطغيان، واستهتارٍ صارخ بالحقوق والحريات! صَغار لم تلجأ حكومة من الحكومات المصرية إلى مثله منذ نفْيِ سعد وبعض أصحابه (وكنت وزميلي مكرم من بينهم) إلى جزائر سيشل، وحُرِّمَ على الصحف أن تَذْكُرَ أسماءهم أو أنباءهم أو اسم الجهة التي نُفُوا إليها، فلم تَزْدَدْ مصر إلا ذِكْرًا لهم وحبًّا فيهم وجهادًا تحت لوائهم حتى رَدَّتْهُم سالمين غانمين.

والذي يفعل ذلك يا مولاي هو نفسه الذي قال في الخطبة نفسها:

… ولكن هل يحسب رئيس الوزارة أن الأمر بهذه البساطة المتناهية، وأنه في حِلٍّ من أن يقول ما يشاء ويتهرب من سماع الرد كما يشاء، فيقتنع الناس بأقواله ويبررون جميع أعماله، وكفى الله المؤمنين القتال؟ ألا يعرف دوْلَتُه أن في الناس رءوسًا تفهم، وقلوبًا تعي وعقولًا تميز الخبيث من الطيب وتُدْرِك النافع من الضار! لَعَمْر الحق إنه إذن لفي ضلال بعيد.

بهذا الأسلوب كان النحاس باشا ينتقد الرقابة وامتدادها إلى الشئون الداخلية والمسائل الشخصية، ويندد بإهدار حق الرد على ما يقول الوزراء ونقْد ما يعملون، ولكن أين يوم النحاس باشا من أمسه، وأين هذا الذي يقوله مما يفعله الآن بوطنه وبنفسه؟!

وكأنما لم يكفِ النحاس باشا أن يستعين بسلطان الحكم العسكري ليُسَخِّر الرقابة في كتمان مساوئ حُكْمه بين الموظفين والأهلين، أو في انتقاد إجراءات التصدير والاستيراد والمحاباة في شئون التموين.

ولم يَكْفِه أن يُسَخِّر الرقابة في حماية تصرفاته وتصرفات وزرائه وأقاربه وأصهاره من كل نَقْد أو لَوْم أو مهاجمة.

ولم يكفِهِ أن يستغل الرقابة كيفما شاء هواه في تعقُّب أنباء خصومه ومعارضيه، ولو لم يكن فيها ما يَمَسُّ السياسة من قريب أو بعيد.

لم يَكْفِ النحاس باشا هذا الاستغلال التعس باسم السلطة العسكرية للقضاء على حرية الصحافة وخنْقها، فلجأ إلى استغلال المصروفات السرية يُغْدِق منها ما يشاء على الذين يَقْبَلُون أن يشتركوا في كيل الشتائم والتهجم البذيء بالباطل على مكرم عبيد وأنصار مكرم عبيد! أما الذين أَبَوْا أن يَنْزِلوا بأقلامهم إلى هذا الدرك فجزاؤهم ما حل بالأستاذ جلال الحمامصي أو بالأستاذ قاسم جودة الذي تَبَيَّنَ من صور الرسائل المتبادلة بينه وبين وزير العدل كيف جعلت الوزارة مهاجمة مكرم عبيد حجر الأساس في دعايتها الصحفية المأجورة.

ولم تتحرج الوزارة فوق ذلك من أن تخرق القانون المالي خرقًا صريحًا بالسماح لموظف في الحكومة بكتابة المقالات السياسية المليئة بالشتائم والسباب، تارة باسمه الصريح، وأخرى بتوقيع «ع» في جريدة المصري وبعض الصحف الأسبوعية القليلة الانتشار، وليس هو مع الأسف الوحيد من نوعه.

هذا هو أسلوب الوزارة، يا صاحب الجلالة، في خنق حرية الصحافة، سواء باستغلال الرقابة العسكرية أو بتسخير المتكسبين من كُتَّابِها الموظفين وغير الموظفين، مما كانت نتيجته البديهية تشجيع الفوضى الحكومية، وإخفاء الوقائع الصحيحة عن أنظار الشعب، وتشويه قضية الرأي على مثالٍ ليس له نظير في بلد من بلاد العالم، محاربًا كان أو غير محارب.

ومن طريف ما يُذْكَرُ هنا أن بعض كبار الساسة البريطانيين الذين زاروا مصر أخيرًا كانوا يُعْلِنُون على مَسْمَع من وزرائنا بأن حرية الصحافة والحريات الأخرى ظَلَّتْ في إنجلترا على ما كانت عليه قبل الحرب من غير تعديل ولا تبديل، ويسمع النحاس باشا ووزراؤه ذلك محبذين مهللين، غير خجلين! ولو أن هيرودوتوس قام بإذن ربه من بين الأموات، لتبين صِدْق نظره في مصر بلد المتناقضات!

(٢-٥) في الهند

وفي الهند يا مولاي — وهي مستعمرة إنجليزية لم يُنْعِم الله عليها بحاكم عسكري كحاكمنا ينفذ معاهدة استقلالٍ كمعاهدتنا — في تلك البلاد يُعْتَقَلُ الزعيم غاندي فتَنْشُر الصحف الخطابات التي يتبادلها في سجنه مع حاكم الهند العام، كما تُنْشَرُ خطبُ الزعماء وآراؤهم بل وتَهَجُّمُهم على الدولة البريطانية في إبان الحرب القاسية التي تُهَدِّد وجودَها … أما نحن — والحرب بعيدة عن أبوابنا، وخَطَرُ الغزو لم يَعُدْ يهددنا — فقد وُجِدَ بيننا رجل مصري يأبى إلا أن يُعْلِنَ الحرب على حرياتنا باسم الحرب، فيعتقل ألسنتنا، وصحافتنا، وأمراءنا وعلماءنا وكبار رجالنا وشُبَّاننا كأنما نحن أسرى الحرب، ولسنا مجرد محايدين أو حتى غير محاربين في هذه الحرب.

إنها لجريمة وطنية يا مولاي أن نحرم أمة ناهضة ناشئة، مما كسبت من حريات أولية، في وقت هي أحوج ما تكون فيه لاستكمال حريتها، ومتابعة نهضتها.

(٢-٦) صورة … وصورة!

راقَ للنحاس باشا يا مولاي في الأيام الأخيرة، أن ينشر على الملأ صورة، هي صورة رجل عالمي كبير (وأعني به جناب المستر تشرشل رئيس الوزارة البريطانية)، هذا ولو أنه قد قَصَدَ بهذا النشر إلى إبراز ناحية عظيمة في الصورة أكثر من إبراز ناحية من نواحي العظمة في صاحب الصورة! ذلك أن الصورة تضمنَتْ إهداءً كريمًا من جناب المستر تشرشل إلى صديقه النحاس باشا، وفي هذا الإهداء تقدير وإطراء يَحْرِص عليه كل الحرص رفعة رئيس الوزراء.

إلى هنا لا بأس.

ولكن يشاء سوء حظ النحاس باشا أن يهدي جناب المستر تشرشل — في نفس الوقت — نفس الصورة، وعليها نفس العبارة، إلى صديقه صاحب الدولة حسين سري باشا، فتبين أن لجنابه من بين المصريين أكثر من صديق واحد!

وظنَّت صحافتنا البسيطة العبيطة، أن لا باس أيضًا من الإشارة إلى الصورة الثانية، وقد انطوى إهداؤها على ذات التقدير والإطراء لصديق آخر كان رئيسًا للوزراء.

وهنا — وهنا فقط — رأت الرقابة النحاسية أن البأس كل البأس، في نشر هذا الخبر على الناس، فمَنَعَتْ حتى مجرد الإشارة، إلى الصورة الشمسية — هي نفس الصورة — وإلى العبارة الخطية وهي نفس العبارة!

قد لا يرى الناس في ذلك حكمة، ولكني يا مولاي أعترف للنحاس باشا بحكمة هي كل الحكمة!

بيد أني إذا رأيت مع النحاس باشا بعض الخطر، في نشر صورتين لرجل كبير له كل الشأن وكل الخطر، فلست أفهم لماذا شَرَّفَنِي النحاس وأنا الصغير بمَنْع صورتي عن الناس، فقد عَنَّ لإحدى المجلات الأدبية — هي مجلة منبر الشرق — أن تنشر مقالًا عن تاريخ حياتي ومعه صورتي، فلم يكن من الرقيب إلا أنْ مَنَعَ المقال، وكان في ذلك طبقًا للمقاييس الحكومية معتدلًا كل الاعتدال، ولكنه أبى على المجلة أن تنشر حتى الصورة من غير تعليق أو تنميق، وكتب الرقيب بخطِّه على مسودة المقال هذه العبارة بنصها:

لا تُنْشَر ولا تُنشر الصورة المشار إليها في الكلام.

وكان في ذلك مسك الختام!٥

(٣) في ملحق خاص

  • (١)

    إهدار حرية الأفراد والجماعات.

    «الاعتقالات بالجملة وفصل الموظفين والعمد … إلخ».

  • (٢)

    العبث بحرية الانتخابات.

    «انتخابات نقابة المحامين – وانتخابات جرجا العسكرية … إلخ».

  • (٣)

    الاضطهاد الصغير والكبير.

    «ضد أعضاء الكتلة الوفدية ومناصريها … إلخ».

  • (٤)

    التفريط في حقوق البلاد.

(تناوَلَت العريضة المقدَّمة إلى حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم هذه الأبواب ولم يتيسر طَبْعُها فستنشر في ملحق خاص).

١  كانت المعارضة الوفدية تنسحب من الجلسات لمناسباتٍ بعضُها أقلُّ خطورة من تلك التي انسحبنا من أجلها، فانسحب الوفديون من جلسة مجلس الشيوخ على رأسهم المغفور له الأستاذ يوسف الجندي احتجاجًا على عدم تمثيل الوفديين في انتخابات المكتب وتدخل الحكومة فيها، بل تطوَّرَ الانسحاب إلى إضراب عن حضور الجلسات أسابيع متوالية بسبب تعيينات الشيوخ، وكان رئيس النواب الحالي من أول المحبِّذين لهذا القرار في الوفد.
٢  قُبِضَ أخيرًا على عدد من طلاب الجامعة والأزهر الشريف من غير ما تهمة إلا مناصرتهم للكتلة الوفدية، ولكي يبرهن النحاس باشا للناس أنه حاكم عسكري بَزَّ أسلافه من الحكام العسكريين البريطانيين حينما قبضوا علينا أَصْدَرَ أمْره إلى البوليس المصري باقتحام المنازل قبيل الفجر، ويا ويل الآمنين الوادعين.
٣  أذكر منهم النائبين المحترمين عبد السلام الشاذلي باشا والأستاذ زهير صبري والشيخ المحترم الدكتور زكي ميخائيل بشارة وهناك آخرون لا تعيهم الذاكرة.
٤  ومن عجبٍ يا مولاي أن سعادته كان إذا اختلى بي أو بأصدقائي على إثر خروجي من الوزارة، يتحدث عن النحاس باشا وصبري أبو علم باشا حديث العدو لا الصديق، وفي ذات يوم أخْبَرَنِي أنه يخشى أن لا يعاد ترشيحه لرياسة المجلس، وبعد ذلك انقلب، وبعد ذلك انتُخِب!
٥  أرفق مع هذا صورة المقال وعليها تأشيرة الرقيب.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن ، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.