الفصل الثامن

هايدجر

مسألة «الوجود»

إن فكرة الأزمة في العلوم الحديثة غالبًا ما يُشكَّك فيها على أساس أنه على الرغم من أن هيروشيما ومعسكر أوشفيتز وغيرهما من الكوارث التي ولَّدتها التكنولوجيا ما كانت لتحدث دون العلم الحديث؛ فهي نتاج تطبيق العلم وليست نتاج «العلم نفسه»، وعادةً ما يصاحب هذه الدعوى المُحاجَّةُ بأن «القِيَم» — أي معايير الفعل — لا يمكن أن تكون مستمَدة من «حقائق». وترجع أهمية وصف هوسرل فيما يتعلق بترييض الكون إلى ما يقترحه من طرق لتجاوز البديل المجرد الناتج لشيء «خاطئ»، سواء بالعلم أو بتطبيقه، حيث يؤدي الدفاع الحصري عن أيٍّ من البديلين إلى وصف غير معقول لمكان العلم في العالم الحديث. والفكرة هي أن العلوم ممارسات متصلة على نحو معقَّد بأنواع أخرى من الممارسة، والتي تتطلب جميعها تقييمًا لما «يستحقُّ» القيام به، وهذا يعني — كما ذكر ماكس فيبر — أن العلوم لا يمكن أن تكون مشرعنة لذاتها؛ لأنها لا تقدِّم معايير موضوعية لتطبيقها، ومن ثَمَّ فالتبرئة غير المتأملة ﻟ «العلم» ربما تكون استجابةً غير ملائمة لفهم دور العلم الحديث. وفكرة أن العلوم لها قيمة لأنها تتيح ما لا يمكن لغيرها أن يتيحه هي أمر لا يرقى إليه الشك، لكن ما تتيحه العلوم يمكن أيضًا أن يكون ضارًّا ومدمِّرًا. وبدلًا من الافتراض ببساطة أن القيمة الأساسية للعلوم هي أنها تقدِّم «رؤية من لا مكان»، وهو وصف نظري موضوعي بحت، فإن السؤال الأولى هو: لماذا يجب النظر إلى تلك الرؤية على أنها الهدف الجوهري للعلوم؟ وكما يرى هوسرل، فإن هيمنة نموذج الموضوعية الخالصة القائم على الرياضيات هو ظاهرة تاريخية حديثة.

fig7
شكل ٨-١: مارتن هايدجر.1
fig8
شكل ٨-٢: معسكر أوشفيتز.2

إن انتقال هوسرل من عمله الأكثر تخصُّصًا عن المنطق والإدراك إلى تساؤلاته عن طبيعة العلم والثقافة الحديثة هو في المقام الأول نتيجة لتأثير أفكار تلميذه مارتن هايدجر (١٨٨٩–١٩٧٦)، وما كان هايدجر بدوره ليصل إلى أفكاره من دون هوسرل، لكنه يحوِّل الأفكارَ التي يتبنَّاها بأساليب مهمة ومثيرة للجدل. ويتضح تعقُّد علاقة الفلسفة بالحداثة على نحو أكبر في حالة هايدجر؛ فقد انضمَّ هايدجر إلى الحزب النازي عام ١٩٣٣، حيث كان ينظر إليه على أنه يقدِّم نُهُجًا جديدة في تناول تحديات العالم المعاصر لألمانيا، وتركه عام ١٩٤٥، ولم يعتذر صراحةً قَطُّ لا عن عضويته ولا عن بعض ما قام به في فترة الحكم النازي، مثل الإبلاغ عن زملائه للسلطات. وعلى الرغم من ذلك، فإن عمله يقدِّم في الوقت نفسه وسائل نقدية مهمة لفهم كيفية ارتباط الفظائع التي ارتكَبَها النازيون بدور التكنولوجيا في الحداثة.

لماذا إذن لا تزال فلسفة هايدجر تحظى بهذه الدرجة من الأهمية رغم السقوط الأخلاقي والسياسي الفجِّ لواضِعها؟ قضى هايدجر جانبًا كبيرًا من حياته متسائلًا عمَّا يعنيه «الوجود»، ولم يتمكن من إعطاء إجابة فاصلة، ويرجع هذا الأمر في جزءٍ منه إلى عدم وضوح الكيفية التي سيُفهَم بها السؤال، وصعوبة إيضاح السؤال جزءٌ من مغزاه. فالأسئلة عن معنى الوجود Sinn des Seins يجب أن تجيب أولًا على حقيقة أن معاني الألفاظ في تلك الأسئلة ليست بديهية أو واضحة في ذاتها؛ فكلمة Sinn يمكن أن تدل على «معنى» كما في «معنى الحياة»، والذي يحمل دلالة «التوجه» أو «الهدف» أو «الغرض»، أو يمكن أن تدل فقط على ما نشير إليه عندما نشير إلى معنى كلمة. وSein في عنوان كتاب هايدجر الأقوى تأثيرًا «الوجود والزمن» Sein und Zeit عام ١٩٢٧، يمكن أن تكون اسمًا وفعلًا على حدٍّ سواء. وعلاوة على ذلك، فإن معاني «الوجود» ليست مباشِرةً؛ فعلى سبيل المثال: القول بأنه «توجد حياة على الأرض» ينطوي على معنًى مختلف للوجود عن ذلك الذي ينطوي عليه القول بأن محمولًا يخص شيئًا، كما في: «هذا الكتاب أزرق»، أو القول بأن شيئًا ما هو نفسه شيء آخَر، كما في: «نجم الصباح هو نجم الليل»، فهل هذه المعاني بينها قاسم مشترك يمكن إدراجه تحت العنوان الوحدوي «الوجود»، أم ينبغي أن يُفهَم الوجود بدقة على أنه متشعِّب بطبيعته؟

تأثَّرت استكشافات هايدجر بفكرة أن «الوجود» يعني شيئًا من قبيل «كونه معقولًا»، ويمكن أن تكون الأشياء معقولة بطرق كثيرة. ونحن لا ننشأ في عالم خالٍ من المعنى نخلع عليه فيما بعدُ معنًى، فالعالم الذي نعيش فيه هو دومًا ذو معنًى بمفهوم هايدجر، وذلك لأسبابٍ أهمها أننا علينا أن نتوافق معه لنظل على قيد الحياة. ولا يمكن لأسئلة فلسفية من قبيل سؤال لايبنتز: «لماذا يوجد شيء بدلًا من لا شيء؟» والتي كان شيلينج قد بدأ يطوِّرها إلى الفكرة الوجودية بحدوث جميع الوجود؛ أن تنشأ إلا في حالة وجود شيء من الفهم لما ينبغي أن يكون عليه العالم. ومن ثَمَّ، فالمهمة المبدئية هي تحديد ملامح ذلك الفهم، الذي يظن هايدجر أن الفلسفة الغربية قد نسيته. وتتضح أهمية فعل ذلك إذا أمعن المرء النظر في مثال للأساليب المتعارضة التي نرى بها ماهية الأشياء؛ فعندما نعجب بالسماء الزرقاء في يوم صيف صحو، سوف يختلف إدراكنا لزُرقة السماء عن إدراك الفيزيائي الذي يشرح السبب في ظهور السماء زرقاء، ويمكن أن يبدو تفسير الفيزيائي على أنه الأساس الواقعي لما ندركه، وهو كذلك بالفعل، إذا كان هدفنا هو فهمَ الطبيعة باعتبارها نظامًا من القوانين التفسيرية. لكن يتضح من الحقيقة البسيطة، التي مفادها أن الناس عاشوا لألف سنة دون معرفة مبرَّرة لسبب زُرقة السماء، أن فهم الوجود الذي يقدِّم تفسيرًا ليس هو النوع الوحيد من الفهم؛ فلماذا مثلًا لا يمكننا أن نقرَّ بجمال السماء الزرقاء، أو نترجم تجاوبنا معها في لوحة تسعى إلى تسجيل زُرقتها، وهي زُرقة لا يتضمنها اللون كحقيقة موضوعية، بل بالأحرى في موضع الزُّرقة من عالم الدلالات؟ تتجلى تداعيات تلك المواقف المتغايرة عندما يحذر المفكرون الرومانسيون من تداعيات اختزال الطبيعة في كونها مجرد موضوع يشرحه العلم الحديث. وعلى غرار ما ذهب إليه هوسرل في «أزمة العلوم الأوروبية»، يرى هايدجر دورًا فارقًا للفلسفة في فحص الافتراضات والممارسات العامة التي دونها ستكون محاولات الموضعة التي تجلبها العلوم مستحيلةً، ولا أحد منها يتبنى موقفًا «مضادًّا للعلم»، فهي إنما تحاول تفسير العلوم على أنها تقدِّم أسلوبًا واحدًا لفهم الوجود، الأمر الذي لا يُعَدُّ بالضرورة الأساس النهائي لجميع أنواع الفهم الأخرى. وهذه المقاربة هي التي مكَّنت هايدجر من ابتكار أسئلة حيوية بشأن الحداثة، حتى وهو يسيء الحكم على نحو كارثي على بعض تجسيداتها الأكثر هَدمًا.

مفهوم «الكائن هنا» والتفسير

تنطوي فكرة أشكال الفهم الأساسية التي يجب أن تسبق التفسير العلمي على نوع آخَر من «الحَدْس». وتوضح فكرة هوسرل عن «الحَدْس المقولي» من عمله «أبحاث منطقية» (١٩٠٠-١٩٠١) لماذا يلعب الحَدْس دورًا مهمًّا في هذا السياق، فما كنَّا لنستطيع بحث الموضوعات في العالم لو لم نفهم طرق الوجود التي لا يمكن فهمها كإدراكات للموضوعات، فالمرء لا يميِّز الفرق بين (أ) و(ب)، بل يميِّز (أ) ثم (ب). في «الحَدْس الحسي» يرى الورق الأبيض، و(أ) و(ب)، وفي «الحَدْس المقولي» يفهم المرء الورق «على أنه» أبيض، ويستوعب العلاقة أو «الوضع» «(أ) و(ب)». ولا يمكن إدراك ما تنقله كلمات من قبيل «واحد» و«اﻟ» و«و» و«أو» و«لو» و«ثم» و«هكذا» و«جميع» و«لا شيء»، إلا أننا دونها لا نستطيع فهم ما ندركه. وينطبق الشيء نفسه على «الوجود» الذي «ليس شيئًا في الموضوع، وليس جزءًا منه»؛ فهو «قطعًا ليس شيئًا يمكن إدراكه». ولا يمكن تأويل وصف هوسرل على أنه تأمل متعالٍ في شروط إمكان معرفة الموضوعات، الأمر الذي يؤكِّد على الذات كما في حالة كانط وفيشته. وعلى الرغم من ذلك، فإن هدفه هو الهروب من فكرة عقل يشكِّل عالمًا إلى وصفٍ للكيفية التي تحدِّد معقولية الأشياء ومفهوميتها من الأساس؛ واللغة ضرورية لهذا الهدف.

يتفق هايدجر مع أهداف هوسرل، لكنه يرى أن منهج هوسرل لا يزال ينطوي على الفصل بين العقل والعالم الذي يؤدي بالإبستمولوجيا إلى الانشغال بمحاولة التغلُّب على الشكوكية. ويُعَدُّ كتاب «الوجود والزمن» جدلًا صريحًا ضد الشكوكية، لكن دافع الكتاب أنه استجابة لضغط الظروف التاريخية أكثر منه تمرُّسًا في الإبستمولوجيا؛ فالتخلص من الأوهام التي جلبتها الحرب الصناعية، والانحلال الاقتصادي والاجتماعي أثناء الحرب العالمية الأولى وبعدها، يتطلب نوعًا جديدًا من الفلسفة. وليس الأمر أن الفلسفة الآن ابتكرت حججًا أفضل ضد الميتافيزيقا، بقدر ما أن التاريخ يزيد من قابلية التشكيك في الميتافيزيقا التي تقدِّم فكرة الصورة الحقيقية اللازمنية للعالم؛ ومن ثَمَّ يسعى هايدجر إلى طُرُقٍ جديدة لوصف الكيفية التي عليها الأشياء، ولفعل هذا فإنه يحاول تجنُّب استخدام مفردات فلسفية متلقاة؛ لأنه يعتبرها شديدة التداخل مع فرضيات يريد التشكيك فيها، وهو بذلك يؤسِّس لجانبٍ من الانقسام بين الفلسفة الأوروبية/التحليلية، من النوع الذي رأيناه لدى هامان؛ فلغة «الوجود والزمن» غير منفصلة عن مضمونه، على نحو ما سيكون عليه الوضع لدى جاك دريدا وغيره ممَّن يسعون إلى التشكيك في الأهداف السائدة للفلسفة الغربية.

إن أفضل مقارَبة لكتاب «الوجود والزمن» هي تناوله من خلال مصطلحه الرئيسي «الكائن هنا» الذي يعني حرفيًّا «الكينونة» بمعنى «الوجود هناك/هنا». فمفهوم «الكائن هنا» يعني ما نحن عليه، لكن إذا افترض المرء أن المصطلح يعني «الإنسان»، فعلى المرء إذن أن يُعرِّف الإنسان، وهو أمر يثير أسئلة أنثروبولوجية خلافية ثانوية بالنسبة للأسئلة الفلسفية الحقيقية. وباستبعاد الفرضيات المسلم بها بشأن الإنسان، يصل هايدجر إلى توصيفٍ تقليصيٍّ على نحوٍ بارعٍ، وهو أن الكائن هنا «معنيٌّ في وجوده» ﺑ «هذا الوجود».

وبدلًا من البداية بذاتٍ واعيةٍ تواجِه عالَمًا من الموضوعات — مما يثير أسئلة إبستمولوجية تتعلق بكيفية ارتباط الاثنين — يشير هايدجر إلى «الوجود في العالم» بوصفه نمطًا لوجود «الكائن هنا». واهتمامنا يكون بالأشياء التي في عالمنا وندرك من خلالها مشاريعنا؛ فعندما أكتب هذه الجملة على الكمبيوتر، أفكِّر في الكمبيوتر على نحوٍ موضوعيٍّ بقدر ما أستخدمه فقط كمثال لتفسير منهج هايدجر، وليس كشيء أستخدمه لكتابة هذه الجملة. وينطوي الاهتمام العملي الأخير على وقتية خاصة؛ لأنه يحمل توجُّهًا إلى المستقبل، ولا داعي إذن أن يكون ارتباطنا بالأشياء قائمًا في الأساس على فكرة ما عليه الأشياء في جوهرها، بل على ما نهدف نحن إلى أن نفعله بها. ويستخدم هايدجر مثال المطرقة، فعندما نستخدم مطرقة فهي تنتمي إلى عالم عملي نضع فيه أرففًا، ونحو ذلك. ولا نفهم المطرقة من حيثية مموضعة، بدلًا من مجرد استخدامها بلا روية، إلا عندما تنكسر المطرقة أو تكون المطرقةَ غيرَ المناسبة لإنجاز المهمة. وعندما نموضعها، فإننا ندرك ما سيكون عليه انتماء المطرقة في سياقاتٍ غالبًا ما لا تتضح إلا عند تعطُّلها؛ وبألفاظ هايدجر تنتقل المطرقة من كونها «جاهزةً للاستخدام» zuhanden إلى كونها «حاضرةً على نحوٍ موضوعيٍّ» vorhanden. وهذا النوع من التحوُّل له علاقة بالكيفية التي نضع بها النهج المموضع للعالم المطلوب للبحث العلمي.
وبإعطاء «أنطولوجيا ظواهرية» ﻟ «الحياة اليومية المتوسطة» يبيِّن هايدجر كيف تُستمَدُّ أشكال الفكر النظرية من طرقٍ عملية للوجود في العالم، فيما يسمِّيه «هيرمونيطيقا الكائن هنا». وطريقتنا في الوجود تفسيرية؛ فبمجرد أن نتعامل مع شيء في العالم بطريقة معينة، نوظِّف «هيكل الفهم». ويشكِّك هذا الهيكل في فكرة أن الأشياء لها ماهيات حاضرة دائمًا عندما يكون الشيء حاضرًا، فما تظهر عليه الأشياء إنما يعتمد على السياقات والممارسات المتغيرة التي تقع فيها. والقضية الأساسية هي الأولوية النسبية المعطاة لأنواع الفهم المختلفة. ويتعامل هايدجر مع هذه القضية بلغة الفرق بين «الوجود» Sein و«الكينونات» Seiendes، والذي يشير إليه على أنه «الفارق الأنطولوجي»، ويمكن لمفهوم «الكائن هنا» ككينونة أن يكون موضوع بحث أنثروبولوجي وبيولوجي وتاريخي وغير ذلك من أنواع بحث أخرى «حقيقية الوجود»، لكن هذه التوصيفات كلها مستمدة من حقيقة «أنطولوجية» مفادها أن وجود «الكائن هنا» يجب أن يكون محل شك بالفعل، فدون تحوُّل «الكائن هنا» إلى قضية في ذاته في المقام الأول، ما كانت لتظهر فكرة أن علم الوراثة — بوصفه مثالًا شائعًا حاليًّا — ينبغي أن يكون المصدر الأساسي لفهم ذواتنا. ولا يُقصَد من البحث الأنطولوجي إبطال نتائج العلوم، بل اكتشاف «شروط إمكانيتها» العملية وغيرها.

ويبدو «الوجود والزمن» أقل إقناعًا عندما يسعى إلى إعطاء تصانيف نهائية لطرق وجود «الكائن هنا»، مثل «الخوف» و«الوجود من أجل الموت». وهنا يُخفِق هايدجر في إيلاء اهتمام كافٍ للتنوعات في الاستجابات الثقافية والتاريخية للوجود والفناء البشري، ويتبنَّى مواقف يمكن النظر إليها على أنها خاصة بجمهورية فايمار المضطربة، لا على أنها طرق كلية للوجود. ويقدِّم «الوجود والزمن» مواردَ أكثر إنتاجيةً من خلال استكشافاته لكيفية ارتباط فهم الوجود بالزمن، وتتعلق أفكاره الفلسفية الأشد خلافيةً هنا بمفهوم الحقيقة. فهل تستلزم الحقيقة، التي تظهر في وقت معين عن شيء ما، أنَّ ما يُرَى الآن على أنه حقيقي كان دومًا حقيقيًّا، حتى على الرغم من أن الوصول إليه لم يكن ممكنًا في السابق؟ وبقدر ما أن «الحقيقي» بالمعنى الدلالي لا يعني «حقيقي للآن، لكن لم يكن حقيقيًّا قبل الآن، وربما يُراجَع لاحقًا»، فمن غير المعقول القول بأن قوانين نيوتن لم تكن حقيقيةً قبل اكتشافها، لكن إصرار هايدجر أن الحقيقة تحدث في الزمن من خلال تفاعلاتنا مع العالم، ومن ثَمَّ لا يمكن افتراض كَوْنها شيئًا لازمانيًّا تتوافق عباراتنا معه في النهاية، يثير قضايا حيوية تتعلق بكيفية «وقوع» الحقيقة بالفعل في العالم. وكما يقترح الفيلسوف الألماني المعاصر ألبريشت فيلمر، فالحقيقة فيما يبدو تُستكشَف (مما يدل على أنها كانت موجودة بالفعل) وتُنتَج (مما يدل على أنها لا يمكن أن توجد حتى تُنتَج). وتخاطر المحاولة الفلسفية لحلِّ هذا التضارب وحسمه نهائيًّا بالسماح للفلسفة بحجب استحالة اختزال مفاهيم الحقيقة في عالم يتغير بسرعة إلى منظور دلالي محض. ويكمن مغزى هذا السؤال عن الوجود في فكرة أن الدعاوى الخاصة بالحقيقة التي يمكن أن تكون موافقة ممنوحة أو مجحودة لا يكون لها معنًى إلا فيما يتعلق بخلفية سابقة من الممارسات اللغوية وغيرها، والتي «تكشف» جوانب العالم. ودون تصانيف مولدة اجتماعيًّا من الاستجابات التي تنشأ حول الاعتبارات التي يتعلق بها «الكائن هنا» بصورة ملموسة، تبقى الممارسة الجزئية لعرض الأسباب وتقييمها تجريديةً فحسب.

«التحوُّل» عن مفهوم «الكائن هنا»

مبدئيًّا إن أفضل مقارَبَةٍ للكيفية التي وضع بها هايدجر فلسفته بعد «الوجود والزمن» إنما تكون من خلال مقال «أصل العمل الفني» عام ١٩٣٥. يعنى المقال أساسًا بالحقيقة من حيث علاقتها بالفن، وليس بالعلم، وهو أمر يوضح سبب الانقسام المُعمق بين هذا النوع من مناهج تناول الفلسفة وما كان يحدث حينذاك في الموروث التحليلي؛ ففي «الوجود والزمن» استُمِدَّ «كَشْف العالم» في الأغلب من طرق «الكائن هنا» للتوافق مع العالم، أما في مقال الفن، فإن العمل الفني نفسه هو الذي يجسِّد الأشياء؛ فبدلًا من تمثيل العالم، يضفي الفن معقولية على الأشياء بطرق جديدة، ولنأخذ مثالًا على ذلك بالكيفية التي يمكن بها للرسوم الانطباعية أن تغيِّر الطريقةَ التي يرى بها المرء الانعكاسات في الماء، أو الكيفية التي تضيف بها رواية بروست أبعادًا جديدة إلى طريقة تعايش المرء مع الزمن. وإذا فكَّر المرء في فكرة تجسيد الفن للأشياء من حيث علاقتها باللغة، فستبدأ معالم الموقف الأخير لهايدجر في الوضوح.

يجيب هايدجر عن السؤال الحديث المألوف حول كيفية التأسيس لكون الشيء فنًّا أو لا، بأن الفن «يقع» عندما يكشف عمل ما عن عالَم أو جانب من عالَم. ويستخدم هايدجر مثال المعبد اليوناني الذي يعطي معنًى لعالم المجتمع الذي يقع فيه؛ فالمعبد يؤسس لعالم الحقيقة عن طريق تركيز أنشطة المجتمع على نحوٍ يسمو على أي نوايا فردية لِبنَّائِيه. وعلى نحو مماثل، يرى هايدجر اللغة على أنها «بيت الوجود»؛ فلا بد أن تؤوي اللغة الأشياء وتعطيها مكانًا في العالم، وهو ما يسمح لها أن تكون ظاهرةً في حقيقتها. لكن ما الذي يميِّز كشف الحقيقة عن الإخفاق في كشف الحقيقة، في ضوء الطرق المتغايرة الكثيرة التي يمكننا بها التحدث عن الكيفية التي عليها الأشياء؟ ويتضح مكمن الخطر هنا في ملاحظته أن «العلم ليس وقوعًا أصيلًا للحقيقة، بل إنه في كل حالة امتداد لعالم الحقيقة المكشوف بالفعل.» والسؤال هو: كيف نفسِّر فكرة عالم الحقيقة؟

تظهر الفكرة المبدئية لهايدجر في إصرار شلايرماخر أن العلم لا يكون ممكنًا إلا على أساس الفهم السابق على العلم للغة الطبيعة. لكن هل اللغة التي تكشف عالم الحقيقة تشكِّل أفقًا ثابتًا للممكنات، أم هي شيء يمكن أن تغيِّره الممارسات البشرية والتقييمات النقدية؟ ويتحدث هايدجر في أخرياته عن تاريخ كبار الفلاسفة من أفلاطون إلى نيتشه على أنهم يوظِّفون «كلمات الوجود»، بالمعنى الثنائي للكلمات التي تكشف الوجود والكلمات التي تنشأ من الوجود نفسه. وليست النوايا العارضة (التي لا يمكن غالبًا الوصول إليها الآن) لهؤلاء الفلاسفة هي التي تشكِّل الحقيقة الفلسفية للنصوص، بل الطريقة التي يوضِّحون بها الكيفية التي يُفسَّر بها العالم في عصر ما. كما أنه ينظر إلى عمل بعض الشعراء الرئيسيين، أمثال فريدريش هولدرلين صديق هيجل، على أنهم يتكلمون بكلمات الوجود. وينطوي عمل هايدجر اللاحق على «تحوُّل» من «الكائن هنا» كمحل لقابلية العالم للفهم إلى اللغة بالمعنى المناقَش هنا باعتبارها ذلك المحل، وبقدر ما أننا لا نخترع اللغة — التي «تقع» لنا ونحن نخرج إلى العالم — يستطيع المرء أن يعرف ما قد يقصده. ويتحدث هايدجر أيضًا عن «الانفراج» — بمعنى الفرجة أو الممر في الغابة — لينقل فكرة أن العالم يجب أن يكون مكشوفًا لنا على نحوٍ يفوق سيطرتنا قبل أن نتمكَّنَ من التفكير فيه ومن مَوْضَعَتِه. وبالرجوع إلى المشكلة التي رأيناها في الفصل الثاني من أن أية محاولة لفهم اللغة فهمًا كاملًا في الفلسفة ستتطلب منظورًا مستحيلًا خارج نطاق اللغة، يتضح أيضًا السبب في أن يضع هايدجر منهجًا لا تكون فيه العلاقات الجوهرية بالعالم في نطاق قدرة الذات، والمشكلة هي أن فكرته في «وقوع» اللغة باعتبارها كلمات الوجود تميل إلى أن تصبح ذات طبيعةٍ موحَّدةٍ — فهي تساوي تاريخ الفلسفة بالتاريخ بوجه عام — ويبدو أن الواسطة البشرية لا تلعب دورًا جوهريًّا فيها. ويشتهر هايدجر بأنه لم يتحدث عن الأخلاق إلا قليلًا، وأحيانًا يصعب درء الشك في أن موقفه الأخير ربما يكون طريقةً لإبعاد اللوم عن إخفاقاته الأخلاقية والسياسية.

لكن من الخطأ أن نشطب عمل هايدجر المتأخر، رغم أوجه قصوره الواضحة؛ لأنه يطرح أسئلةً جادةً عن اتجاه الفلسفة الحديثة. وقد تحدثنا عن فكرة «نهاية الفلسفة» عند الحديث عن ماركس. ويطور هايدجر الفكرة على نحوٍ يربط الكثير من موضوعات الفصول السابقة. والأساس مرة أخرى هو العلاقة بين الفلسفة والعلوم؛ «فتطوُّر العلوم يعني في الوقت نفسه فَصْلها عن الفلسفة وتأسيس استقلالها. وتخص هذه العملية نهاية/كمال الفلسفة»، والطريقة التي تؤدي بها الأسئلة المتعلقة بالميتافيزيقا إلى هذه الاتجاهات المتعارضة تمامًا هي أحد الجوانب البارزة للفلسفة الألمانية في القرن العشرين؛ فبالنسبة لدائرة فيينا يكشف تقدُّم التفسير العلمي عن تفاهة الميتافيزيقا وخلوِّها من المعنى، الأمر الذي يتفق مع ملاحظات موريتس شليك الوارد ذكرها في الفصل السابع، التي يرى فيها العلم على أنه يمحو في النهاية الميتافيزيقا. وبالنسبة لهايدجر، فالعلم الحديث هو نفسه ذروة الميتافيزيقا الغربية، وللميتافيزيقا من ثَمَّ المعنى المقابل بالضبط. فكيف يستطيع المرء أن يخرج بمعنًى من ذلك الاختلاف؟

إن هدف الميتافيزيقا في فلسفة هايدجر هو تفسير الوجود، ويتحقَّق هذا الهدف في الحداثة عن طريق العلوم، فكيف يؤثِّر هذا على مكانة الفلسفة إذن؟ تتضمن الإجابة عنصرًا آخَر في فلسفة هايدجر يتصل بموضوع آخَر تكرَّرَ ذِكْرُه في الفصول السابقة؛ وهو التضارب في تفسير الذاتية، والذي كان واضحًا بالفعل لدى كانط وفيشته، بين الذات باعتبارها فانيةً ومفتقرةً لغيرها، والذات باعتبارها الشرط المطلق لكون العالم قابلًا للفهم من الأساس. يرى هايدجر تاريخ الميتافيزيقا في الحداثة على أنه الهيمنة المتزايدة على الوجود عن طريق الذات، ومن هنا جاءت فكرة أن السيطرة التكنولوجية المتزايدة للعلم الحديث في الطبيعة هي ذروة الميتافيزيقا، والنتيجة هي أنه يظن أن ما يقدِّمه لم يَعُدْ يمكن أن يكون فلسفة؛ نظرًا لما كشفته الفلسفة عن نفسها باعتبارها ما «يُمَوضِع الوجود». وبينما يمكن فهم الفلسفة السابقة على أنها محاولة لإيجاد أساس للذاتية (وهذا ما يشير إليه نيتشه مثلًا ﺑ «إرادة القوة»)، يبحث هايدجر عن بديل لا ينطوي على محاولة للهيمنة على الوجود.

إن بديل هايدجر غير مُعيَّن إلى حدٍّ ما، حيث يعتمد غالبًا على رؤية متكلفة لاحتمالات اللغة الشعرية اللاذرائعية من أجل كشف فهم جديد للوجود «يتيح للأشياء أن توجد» عن طريق «الاستماع» إليها، بدلًا من تحديدها على نحو مفاهيمي، لكنه يمكن أيضًا أن يكون توضيحيًّا كاشفًا. ويلخص عنوان المقال «نهاية الفلسفة ومهمة التفكير» (١٩٦٩) الكيفية التي يرى بها هايدجر البديل؛ فإذا كانت الميتافيزيقا والفلسفة قد صارتا علمًا حديثًا، فما هو نوع التفكير الذي يمكن أن يفهم ما لا تستطيع العلومُ تفسيرَه؛ لأنه يفوق ما تسمح به مناهجها؟ إن العالم الذي تنتجه العلوم من خلال تطبيق التكنولوجيا (التي يصفها هايدجر بأنها «تؤطِّر» الوجود) هو نتاج تخصُّص دائم التزايد. ويعني هذا أنه من المستحيل فهم ما ستكون عليه الآثار المتراكمة للتخصُّص؛ أي مهمة «التفكير» التي ربما تكون مستحيلةً. ويؤكِّد هايدجر على نحوٍ جدليٍّ أن «العلم لا يفكِّر»، وهو يعني بهذا أن الفيزياء — على سبيل المثال — لا يمكنها في النهاية أن تخبرنا بماهية الفيزياء؛ فالفيزياء تعتمد على فهم جزئي للوجود، لا يمكنه شرعنة نفسه بمصطلحاته هو، حيث توجد طرق كثيرة أخرى للارتباط بالطبيعة. وإزاء الأزمة البيئية المتزايدة وإدراك حدود موارد الأرض، يبدو هذا المنظور أقل قابليةً للشك، وهو يجبرنا على رؤية الكيفية التي تتفاعل بها الفهوم المختلفة للوجود لإنتاج شيء لا يمكن لنوع واحد من الفهم إدراكه. وحتى إذا كان هايدجر يقدِّم القليل من الدلالات العملية للكيفية التي يمكن بها تغيير الأشياء للأفضل، فإنه يقدِّم بدائل لنوع الفلسفة المدين بشدة للعلوم لدرجة أنه لم يَعُدْ يطرح أسئلة عن حدود الفهم العلمي للوجود.

هوامش

(1) © Abisag Tüllmann/bpk, Berlin.
(2) © Ira Nowinski/Corbis.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤