الفصل الثالث

شرح المذهب وإلمامة بتاريخه

إن تطور البحوث النفسية التي صدها سقراط عن الانبعاث في سبيلها الجدِّي، جدده أرسطبس؛ الذي هو أعظم من سقراط في الدقة المنطقية، ولكنه أقل منه سعة في الأفق، وإحاطة بالطبيعة الإنسانية.

برت

(١) الرسول الجديد

كان أرسطبس رسول الفلسفة الجديد، نشأ في مدينة قورينة من أب تاجر غني، وهبط أثينا، رجلًا من رجال الأعمال مثقفًا تثقيفًا عاليًا.١

ويقال إنه التقى في عيد من الأعياد الأوليمبية بتلميذ من تلاميذ سقراط، وسمع منه أقوال أستاذه، وناقش فيها، فهزته المناقشة من الأعماق، وصمَّم على أن يذهب إلى أثينا، لينضَمَّ إلى الحلقة التي كانت تتلقى وحي الفلسفة عن سقراط.

أما عن بقيَّة حياته، فلا يذكر المؤرِّخون شيئًا ذا قيمة، سوى أنه كان يعلِّم تلقاء أجر، وكان هذا سببًا في أن يلحقه أرسطوطاليس بالسفسطائيين، وأنَّه أقام في بلاط سيراقوز مدة طويلة، كما فعل من قبل أفلاطون وأخنيز،٢ أما جهوده التي بذلها في سبيل الأدب والفلسفة فتكتنفها ظلمات لا يخترقها شعاع واحد من الأشعَّة التي يلقي بها التاريخ على حياة أشخاص أقل من أرسطبس شأنًا في حياة الفلسفة والآداب.

ومما يزيد هذه الظلمات احتلاكًا، ويساقطها على تاريخ هذا الرجل العظيم كسفًا متراكمة؛ أنَّه كثيرًا ما نُسبت إليه مؤلَّفات، وانتحلت عليه كتب لم يؤلفها، ولم يخطَّ فيها حرفًا، أو عزيت إليه أقوال ونظريات كان أولئك المتقولون عليه يؤمنون بها، ويرون في نسبة ما يشابهها من المذاهب والنظريَّات إليه، تأييدًا لما يؤمنون به وتمكينًا لما يحاولون الترويج له بمختلف الأساليب.

غير أنَّنا إذ نرى أنَّ شابًّا من أفذاذ العالم الإنساني لا من أفذاذ اليونان وحدهم، ومن معاصري أرسطبس، درس نظرياته ومبادئه، لا على وجه التعميم، بل على وجه التخصص، وأنَّه ناقش فيها، ونقض بعض الأسس التي تقوم عليها؛ يذهب من روعنا كل شك في أن مذهب أرسطبس ونظرياته قد كُتبت وجُمعت بين دفتي كتاب أو ضمنت صفحات كتب عديدة، وإن ثقتنا بهذا القول تصبح في موطن اليقين، إذا عرفنا أن ذلك الشاب الذي عاصر فيلسوفنا في أخريات أيامه، هو المعلم الأول أرسطوطاليس لا أحد غيره.٣
كذلك ذهب معاصر آخر هو المؤرخ «ثيوفمبوس Theopompus»٤ مذهبًا اتَّهم فيه أفلاطون بأنه نقل عن أرسطبس، وأنه انتحل نظرياته، متوسعًا في شرحها، ولا شبهة مطلقًا في أن هذه التهمة باطلة ولا أساس لها، ولكن مما لا ريبة فيه؛ أن مثل هذه التهمة لم تكن لتخطر في عقل مؤرخ ما لم تكن نظريات أرسطبس قد خُطت في الطروس، وأن مبادئ الفلسفة القورينية، قد حوتها المجلدات.
أما الآن فليس بين أيدينا مما خلَّف هذا الفيلسوف إلا بضع فقرات متناثرة من آثاره الفلسفية، ولم يصلنا حرف واحد من كتابه الذي قيل بأنَّه وضعه في تاريخ «لوبيا». كذلك ضاعت أصول المحاورتين اللَّتين كانتا بعنوان أرسطبس على اسم الفيلسوف، وفيهما يعرضه «استلفون Stilpo»٥ الميغاري، و«فِيُوسيبوس Speusippus»٦ ابن أخت أفلاطون لنَظريَّات الفيلسوف القوريني، ويناقشان فيها.

على أننا مع هذا لم نعدم كل المصادر التي تزوِّدنا بشيء يمكننا من درس شخصيَّته الفذَّة، فإنَّ العالم القديم قد أسلم إلينا، فيما أسلم به من الآثار بوصف موجز، ولكنه بضوابطه وشواهده، يوصلنا إلى عمق غير قليل الغور في استجلاء حقيقة هذا الرجل العظيم.

فالمراجع التي نلمُّ منها بشيء من حقيقة المذهب القوريني مراجع ثانوية، وأهم هذه المراجع «ديوجينيس لايرتيوس Diogenes Laertius» و«قيقرون Cicero» و«سقسطوس Sextus» وأبيقور وكليمان السكندري.

لهذا يقول زلر: «ليس بين أيدينا شيء من كتابات المدرسة القورينية الأولى، حتى لقد شك بعض الباحثين في أول من وضع المبادئ القورينية في صورة مذهب فلسفي أهو أرسطبس الكبير، أم أريطي ابنته، أم أرسطبس الصغير.»

(٢) أرسطبس وعناصر شخصيته

ولد أرسطبس في مدينة قورينة حوالي سنة ٤٣٥ق.م على أنَّ هذا التاريخ مشكوك فيه كثيرًا، وقبل أن ينضم إلى مدرسة سقراط كان قد أحاط بمبادئ السُّفسطائيين من طريق إكبابه على درس ما كتب بروطاغوراس، وبعد أن مات سقراط علَّم أرسطبس في مدائن متفرقة، وقضى أكثر عمره متنقلًا من مكان إلى آخر، من غير أن يتخذ له وطنًا يقيم فيه، غير أن الراجح أنه قفل في أواخر عمره راجعًا إلى مسقط رأسه، وهنالك أسس مذهبه.٧
ويقول آخرون إنه قضى معظم عمره في سيراقوز ببلاط «ذيونسيوس Dionysius» حيث عُرف — خطأً — بأنه فيلسوف شهواني وعاش قليلًا في قورنثية مع لايس الخليعة، ولكنه عاد في أواخر عمره إلى قورينة حيث عهد إلى أريطي ابنته بمفصلات مذهبه، فكانت واسطة نقله إلى الأعقاب.٨
وكان أرسطبس من أولئك الأفذاذ الذين خصُّوا بموهبة الفنان القادر على إخضاع منازع الحياة لأغراضه، القاهر في معالجة الرجال شارك الكلبيين Cynics فيما راموا إليه من المرانة على مواجهة كل التقلبات التي تجري بها يد الأقدار، ولكنَّه كان أقلَّ إيمانًا منهم بحقيقة إنكار الذات إلى الدرجة التي دعوا إليها، وهبط إليها بعضهم وبضرورة البحث عن سلام الروح بالفرار من متاعب الحياة ومخاطرها.

يزعم البعض أنه قال: «إنَّ من يحاول أن يضع نفسه في موضع الفارس من ظهر الجواد أو الرُّبان من دفة السفينة، ليس الرجل الذي يفرُق من استخدامهما، ولكنه الرجل الذي يعرف كيف يقودهما في الطريق المستقيم.» وعلى نفس هذه القاعدة عرف أرسطبس حقيقة «اللذة».

أما كلمته المعروفة «إنَّي أملِكُ ولكن لا أُملَكُ»، فيقال — إن خطأً أم صوابًا — إنه فاه بها أصلًا في درج كلام أومأ فيه إلى «لايس Lais»٩ غير أن تطبيق هذه الكلمة غولي فيه بعد، ورمى لأكثر من هذا، فقال الشاعر «هوراس Horace»١٠ إن مبدأ أرسطبس الأول، ومثله الأعلى في الحياة انحصر في أن يكون الإنسان «سيدًا للأشياء لا عبدًا لها»؛ أي إنه يجب علينا أن نملك لذائذنا من غير أن نجعلها تملكنا،١١ وفي كلمة يتناقلها الأدباء عن حِمَمَة بن رافع الدوسي، تعبير عن هذا المبدأ في إيجاز وإحاطة حيث يقول: «أجود الناس من بذل المجهود، ولم يأس على المفقود.»

أما رصانته ورباطة جأشه فقد حازت إعجاب أرسطوطاليس، الذي روي عنه مرة أن أرسطبس قال له على أثر حديث عن أفلاطون فيه شيء من ريح الاعتداد بالنفس: «ما أبعده عن صاحبنا!» يعني سقراطًا.

كان في أخلاقه عنصر أصيل من تلك العناصر المرحة الطروبة، خلصه من شعور التوجس مما يخفيه المستقبل، ونجاه من الأحزان المُمضَّة، على ما ذهب به الماضي، وكان من صفاته الفريدة قدرته على الجمع بين التلذذ بما بين يديه من الأشياء، مع التحرر من الكثير مما يعده غيره من ضرورات الحياة، ثم رقة حاشيته وهدوء نفسه، في مواقف تثير أشد السخط، وتبعث على أقصى الغضب، تلك الصفات التي خلَّفت أكبر الأثر في كل معاصريه، ممن كان لهم أقل اتصال به.

وبالرغم من أن طبيعته كانت تميل به إلى السلم، وتقيه من أن يزج بنفسه في مضطرم المنازعات والجدل، حتى لقد أقصته عن أن يأخذ بضلع في الحياة العامَّة، فإن الشجاعة لم تكن تنقصه، تلك الشجاعة التي تجلَّت — سلبًا لا إيجابًا — في احتقاره الشديد للمال والحطام والثروة بمفاتنها، وفي عدم اكتراثه بالآلام.

على أن كثيرًا من صفات أرسطبس وميوله، على ما وصل إلينا من تاريخ مذهبه، تظهره في صورة رجل يمكن أن يُتَّخذ مثالًا يحتذيه كثير من الكلبيين والرواقيين.١٢
كان من أثر هذه الصفات في «قيقرون Cicero»١٣ الخطيب، أن قرن أرسطبس بسقراط، وتكلم في «الفضائل القدسية العظيمة» التي عوض بها هذان الرجلان عما يمكن أن يكونا قد أجرما فيه بحملتهما على العادات والتقاليد، ولا شك أن في هذا أثرًا من كلمة أرسطبس؛ إذ كان يقول بأن الرجل الحصيف يطيع شرائع بلاده، ويخضع لعرف الجمعية؛ لأنه يعرف أن الخروج عليها، إنما ينتج رجحانًا للألم على اللذة.
غير أنَّ الأستاذ «برت Brett» يفوِّق أرسطبسَ على سقراط في ناحية، ويفوِّق سقراطَ عليه في ناحية أخرى، قال: «إنَّ تطور البحوث النفسية التي صدّها سقراط عن الانبعاث في سبيلها الجدي، جدده أرسطبس الذي هو أعظم من سقراط في الدقة المنطقية، ولكنه أقل منه سعة في الأفق، وإحاطة بالطبيعة الإنسانية.»١٤

ومن الظاهر أن قيقرون له فيما قضى به أكبر العذر، فإنَّ العلاقة بين سقراط وأرسطبس، ومجمل الرأي الذي ذاع فيهما عند الأقدمين، مبرر من أكبر المبررات التي تحمل خطيبًا من أعظم خطباء رومية، على أن يرميهما بالإجرام، ثم يخصهما — على الرغم من اعتقاده هذا فيهما — بأكبر الاحترام، فإن علاقتهما وصِلَتهما كانت أكبر من صلة تلميذ وأستاذ، بل هي اتصال فكري حمل قيقرون في العصور القديمة أن يقول فيهما ما قال، كما حمل الأستاذ برت في عصرنا هذا أن يوازن بينهما. ويقول ديوجينيس لايرتيوس (ج٢، ص٦٥ و٧٤ و٧٦) بأن أرسطبس لم يهبط أثينا إلا ليسمع سقراط، على الرغم من اختلاف الرأي بينهما، فإنَّ سقراط لم يُجِزْ السعي لتحصيل اللذة، باعتبارها غاية للحياة، وقد شرحنا ذلك فيما كتبنا في هذا الكتاب عن سقراط وأرسطبس، غير أن أرسطبس يزعم بأنه لم يعلم من شيء فيه روح المنابذة والاختلاف مع مبادئ أستاذه الأساسية، ولقوله هذا سبب جوهري، سندلي به في موضعه من الكتاب.

إن طابع أرسطبس طابع أصيل في الخلق الإنساني، وفي القرن الثامن عشر كانت ميول العصر تناصر هذه النماذج من الشخصيات فإن منتسكيو قد قال عن نفسه، من غير أن يدرك أنه يُحيي بما قال فلسفةً قديمة ترددت أصديتها بين جنبات قورينة وفي بلاد اليونان وعلى لسان أرسطبس:

إن دورة عقلي قد كونت — لحسن الحظ — بحيث تجعلني شديد الحساسية، فأتأثر بالأشياء ابتغاء الاستمتاع بها، ولكن لم تبلغ حساسيتي بالأشياء حدًّا، يجعلني أتألم من فواتها.

غير أن هذا الطراز من الفلاسفة قد فقد كل ما كان له من مكانة وأثر في خلال القرن التاسع عشر، فإنَّ أبناء العصر الحديث يرجحون في الحياة طبيعة متقدة، تلتهب بالغيرة، وتفيض بالحماسة على طبيعة تغشاها موازنات الحكيم وثقافة الفنان.

وهذا لا يجب أن ينسينا أن فيلسوف قورينة — فوق ما خصته به الطبيعة من هدوء الطبع، وصفاء الفكر — كان قادرًا كل القدرة على أن يدرس حقائق الطبع البشري بكل ما في إمكان العقل من غيرية واستقلال، ولا ريبة مطلقًا في أن الحذق في التمييز، والعمق في التحليل، والرشد في استخلاص النتائج، صفات كانت من أخص ما امتاز به رجال شيعة قورينة الفلسفية.

وفي مذهب أرسطبس أثر كبير من أخلاقه الشخصيَّة، فإنه كان ثابت العزم شجاعًا، قادرًا على ضبط نفسه، وكان من ناحية أخرى مثالًا يحتذى في لزوم ذلك التقليد السقراطي الذي يدعو الإنسان إلى الخضوع الأعمى في كل أعماله لكل ما يثبت أنَّه «الأحسن والأقوم» مع وضع مبدأ سقراط في ازدراء كل ما هو «وضيع وغير جوهري» موضع التطبيق العملي الصحيح، ومن هنا جاء قول أرسطبس: «لخَيرٌ لي أن أكون مستجديًا من أن أكون أحمق بليدًا، فإن الأول إن كان بلا مال، فإنَّ الثاني بلا رجولة».١٥
ولكن كانت في أخلاقه ناحية أخرى تنزع به إلى التبذل، فإنه لم يأنف أن يأخذ من ذيونسيوس طاغية سيراقوز كل ما استطاع أخذه، فقد نقلت عنه عبارة قالها لذلك الطاغية:
ذهبت إلى سقراط لمَّا شعرت بحاجة إلى المعرفة، وقدمت إليك لما شعرت بحاجة إلى المال.١٦

ولم يكن أرسطبس في هذا إلا كلبيًّا من أعيان الكلبيين، فقد روي عن ديوجينيس الكلبي أنَّه كان يقول بأن الثروة تقاس دائمًا بعدد الأشياء التي يستطيع أن يعيش المرء بدون احتياج إليها، ولكنه كان يحتاج إلى بعض المال، فيطلبه من الناس، فذهب مرة إلى مسرف من المسرفين، وسأله أن يعطيه من المال أضعاف ما يطلب من بقية الناس، على قلة ما كان يطلب، فلمَّا سُئل في هذا قال: أخشى أن لا أجد عنده ما أطلب، إذا استمر في إسرافه وأمعنت في زهدي.

ولا أغالي إذا قلت إن أرسطبس كان فيه ناحية أخرى تنزع إلى الشيوعيَّة، والدليل على هذا أنه لم يكن يفرض على عشيقته أن تكون وفيَّةً له، «فأيَّة غضاضة عليه في أن يسافر غيره من الناس في سفينته».١٧

(٣) أرسطبس وبروطاغوراس

ذكر العلَّامة «وندلبند Windelband» في كتابه «تاريخ الفلسفة» وأيده في ذلك العلَّامة سدجويك في كتابه «تاريخ الأخلاق» أن السبب في اختلاف الرأي بين المذاهب السقراطية، إنما يرجع في أكثر الأمر إلى أنَّ المعلم الكبير (سقراط) لم يحدد «الخير» الذي يجب أن تتجه إلى تحصيله الأعمال الإنسانية، على الرغم من أن مذهبه قد انحصر في أنَّ حياة الإنسانية العقلية ينبغي أن تتجه دائمًا نحو الحصول على ما هو «خير».
ولقد ذهب القورينيون مذهب أستاذهم جملة وتفصيلًا، غير أنهم ابتعدوا عن سقراط في التطبيق، فقالوا بأن ذلك «الخير» الذي عناه سقراط لن تقع عليه في شيء إلا في «اللذة» التي هي الشيء الوحيد الذي نرغب فيه، والذي تنزع إلى الحصول عليه وتنشده كل المخلوقات ما لم يصدها عنه عامل من العوامل.١٨

على أنك بالرغم من وضوح المحجة في استخلاص الآصرة بين مذهب سقراط ومذهب تلميذه العظيم، تستطيع أن ترد فكرة أرسطبس إلى مذهب أساسي قال به الفيلسوف بروطاغوراس، إذ قضى بأن معرفة الإنسان تقف عند الحد الذي تنتهي إليه حواسّه، وأية آصِرَةٍ أقرب، أو وشيجة أمنن، من تلك التي تربط بين الحواس واللذة المباشرة؟

يقول بروطاغوراس: «إنَّ الإنسان لا يستطيع أن يعرف إلا ما يظهر له (أي الظواهر) لا ما هي طبيعة الأشياء في ذاتها (أي الماهيات) وهو لا يعرف على أية صورة تظهر الأشياء لغيره من الناس.»

ومؤدى هذا القول أن ملكاتنا لا تؤهل بنا إلى تحقيق عقلي تحكم من ناحيته في الأشياء، أنبيلة هي أم غير نبيلة، وأنَّ كل ما نعرف عن الخيرية Goodness لا يتعدى معرفة ما هو ملذ.١٩
ويؤيد هذا الأستاذ «برت Brett» في كتابه العظيم «تاريخ علم النفس» (ج١، ص٦٢، ٦٣)، بقوله:
بدأ أرسطبس من حيث قال بروطاغوراس بأنَّ المعرفة إدراك، والإدراك حركة داخلة (في النفس) فأخذ أرسطبس ينمي النزعة الحسية التي تكمن في ثنايا هذا المذهب، ففي حيز الأدرية Sphere of Cognition لا يعترف أرسطبس إلا بالحالة الذاتية Subjective؛ أي الحركة الداخلية (النفسية) التي نشعر بها، ومن هنا يتدرج إلى استنتاج فرضي، بأن كل المعرفة «ذاتية»، فالشيء يظل مجهولًا في ماهيته ولا ندرك إلا آثاره، عند وقوع الفعل، وهذا واضح من حقيقة أن الأشياء الواحدة، قد تظهر مختلفة باختلاف الناس، أو لأناس بعينهم في زمانين مختلفين، ومن هنا نجد أن مذهب بروطاغوراس قد حُور أو بالأحرى عكس إلى ظاهرية Phenomenalism مطلقة، وهي مذهب قائل بأن المعرفة تتعلق بالظواهر لا غير.
وكذلك تجد أن المبدأ الثالث من مذهب «غورغياس Gorgias» قد قضى بأن إنسانًا ما لا يستطيع أن يعرف مشاعر Feelings غيره؛ وعلى هذا لا يمكن للكلمات كما تستعمل في اللغة الدارجة على الألسنة أن تكون واسطة صحيحة لنقل المعرفة من شخص إلى آخر، ففي مجال العمل يدفعنا هذا الشك إلى الاعتقاد بأن «العقل» يحمل كل إنسان على أن يتطلع إلى استحداث «الشيء الوحيد» الذي يستطيع أن يعرفه «تحقيقًا» وما ذلك الشيء إلا شعوره الذاتي.
وربما كانت فكرة غورغياس هذه مصدر الوحي الذي استوحى منه الفيلسوف لوك الإنجليزي فكرته التي بثها في كتابه «الفهم الإنساني» وقضى فيها بأن الإلهام عاجز عن تزويدنا بفكرات بسيطة جديدة، قال:

ليس في مستطاع إنسان أن ينقل إلى الناس، بأي طريق من طرق الإلهام والوحي فكرات بسيطة جديدة، لم يكونوا قد استوعبوها من قبل بحواسهم أو تأملهم؛ لأنه مهما كانت الآثار التي يتلقاها ذلك الإنسان من طريق الإلهام أو الوحي، حتى إذا كانت مجرد فكرات بسيطة جديدة، لا يمكن أن يُنقل إلى الغير، لا من طريق الألفاظ، ولا من طريق الإشارات؛ لأن الكلمات بتأثيرها المباشر فينا، لا يمكن أن تزودنا بأية فكرات جديدة لم تكن تحملها من قبل مدلولاتها الطبيعية، ومن طريق اعتيادنا على استعمال هذه الألفاظ لتدل على إشارات خاصة، تكون قدرتها على أن تبعث، أو تحيي في أذهاننا، فكرات كانت كامنة فيها، ولكن لا بد من أن تكون هذه الفكرات موجودة من قبل؛ لأن الألفاظ سواء أكانت مكتوبة أم ملفوظة، تجر إلى خواطرنا تلك الفكرات التي اعتدنا على أن تكون تلك الألفاظ إشارات لها، أو علامات عليها، بَيْدَ أن الألفاظ تعجز عن أن تستحدث فكرات جديدة لم تكن مستوعَبَة في الذهن من قبل، وهذا يصدق على كل ضروب الإشارات الأخرى التي لا يمكن أن تبين لنا عن أشياء لم نكن قد استوعبنا من قبل أية فكرة عنها.

(٤) أرسطبس والعلم

كانت الدائرة العلميَّة التي انحصرت فيها جهود أرسطبس ضيِّقة، كما كانت دائرة أستاذه سقراط من قبل في البحث العلمي الصرف Pure Science فإنه كان بعيدًا عن البحث في كل ما يتعلق بالطبيعة واستقراء أسرارها بُعْدَ سقراط، وكان بُعده عن دائرة العلم الصرف كبيرًا، حتى إنك لتعجب من أن عقلًا فذًّا كعقل أرسطبس تثقَّف على أخص القواعد التي أتيحت لفلاسفة اليونان، وكان بفطرته فياضًا مؤتلقًا كالنجم الساطع، يحكم في الرياضيات فيقول فيها إنها أدنى منزلة من الصنائع اليدوية؛ لأنها لا تأخذ بضلع في تمييز «ما هو أحسن مما هو أردأ»؛ أي إنها لا تعود بنفع على الإنسان في حياته.
لهذا حصر كل همه في علم الأثيكة Ethica٢٠ أي الأخلاق كما ندعوه الآن، وكان يُقْصَد «بالأثيكة» عند فلاسفة اليونان «علم الحياة السعيدة» وفي هذا يقول تِرْنَر: «وقف القورينيون من المنطق والطبيعيَّات موقف التحفُّظ، بل النفور؛ فإنهم جروا على ما جرى عليه الكلبيون من القول بأن التأمل يبور ولا ينتج، إلا إذا كانت له صلة بالأخلاق التي يصل الإنسان من طريقها إلى السعادة،٢١ فهو في هذا رقعة من سقراط وجزء منه لا يتجزأ، كما كانت تهزه من أعماقه نفْسُ العوامل التي هزَّت سقراط.

أمَّا إكبابه على الاستجلاء، وجَلَده على الاستقصاء، ثم الضبط والتحديد في بحث مبادئ الأخلاق، فصفات لا نكون مخطئين إذا قلنا إنه أخذها في الغالب عن سقراط.»

غير أنَّ هذا الميل قد ظهر في أرسطبس ملابسًا صورة تختلف في جوهرها عن الصورة التي ظهر بها في أستاذه، فإنه في الأسلوب — ويقصد به هنا أسلوب البحث، لا أسلوب النثر والترسل في الإنشاء — يشايع الفيلسوف «أنطثنيز Antisthenes»٢٢ فكلاهما نبذ الخطابيات والبحث وراء التعاريف والحدود، واتخذ من الحقائق الجامدة قاعدة يرتكز عليها في البحث، واستوحش من الفكرات المجردة والفروض.
ذلك في حين أن القورينيين يختلفون عن الكلبيين في تعريف السعادة، فإن الفضيلة عند الكلبيين هي السعادة، فهم في ذلك أقرب ما يكون إلى سقراط، أما القورينيون فيقولون بأن اللذة خير في ذاتها، وأن الفضيلة خير باعتبارها وسيلة للذة.٢٣

ولكن أرسطبس لم يلبث أن انفصل عن صاحبه أيضًا في أن ابن قورينة، كان أوَّل فيلسوف رجع عن كل ما هو خيالي وفرضي إلى البحث فيما تقوم عليه الحياة الإنسانية من الحقائق.

وكان يعتقد — كما اعتقد أستاذه سقراط — أن البحث في السعادة ونيلها بداية علم الأخلاق وغايته، ومن أجل أن يقع على حقيقتها وماهيتها المقومة لعناصرها؛ رجع إلى مناقشة الحقائق واختبارها، وأنف من أن يجعل التحديد التصوري أو الخيالي أو التعاريف لبحوثه في هذه الناحية أساسًا.

يقول دراپر: «كان أرسطبس القوريني من تلاميذ سقراط، وقد أسس مدرسة قورينة الفلسفية، إحدى فروع المذهب الهيدوني، ومن الظاهر أنه لم يأبه للاهوت، وكان كأستاذه سقراط يحتقر التأمل في الطبيعة، وينزع إلى التأمل في الأخلاق.»٢٤
أما الأستاذ إردمان٢٥ فيقول: إن أرسطبس جرى على القاعدة التي جرى عليها كل الفلاسفة منذ عهد أنكساغوراس فأكب على البحث في الغاية التي من أجلها وُجدت الأشياء، وهو كأستاذه سقراط لم يُعنَ إلا بالإنسان؛ ولذلك تراه قد وجَّه كل همه نحو «الغاية العليا» التي ينشدها الإنسان؛ أي «الخير» أو «السعادة.» لهذا نفر أرِسُطبُّس من كلِّ البحوث الفلسفية التي لا تؤدي إلى «قصد» أو «غاية» وأخرجها من مجال بحثه، وقضى بأن الرياضيات والمنطق والطبيعة ليس لها من قيمة ذاتية، ولكن قيمتها إنما توزن من ناحية خضوعها للأغراض الأدبية؛ لأن الفضيلة كما قال سقراط هي: «المعرفة» وما دامت الفضيلة هي «المعرفة» فيترتب على هذا أن يكون البحث فيها هو الناحية المنطقية من الفلسفة، أما ما عدا هذا من الأشياء التي تَجُرُّ العقل إلى الخطأ، فإنها تبعدنا عن الغايات العليا.

(٥) شروح في بعض اصطلاحات

بدأنا الآن ندخل في المفَاوز التي لا بدَّ لنا من أن نجتازها حتى نستطيع أن نشرح مذهب أرسطبس، وبدأنا نحتاج إلى استعمال بعض المصطلحات، لهذا نمضي في شرح بعض الاصطلاحات الفلسفية، توطئة للفحص عن مفصلات المذهب.

(٥-١) ما هي الهيدونية؟

الهيدونية Hedonism كلمة أصلها يوناني مشتقة من Hédoné أي جذَل أو سرور، ومعناها الأوسع «اللذة»، وهي في مبادئ الآداب اصطلاح يشمل كلَّ نظريات السلوك التي تَتَّخذ صورة من اللذة أساسًا لدستورها. ولقد ظهرت النظريات الهيدونيَّة في الأخلاق منذ أبعد الأزمان، ولو أنها لم تكن جميعًا من طابع واحد. وأول ما أطلق هذا الاصطلاح؛ في الفلسفة القديمة على مذهب الحلقة القورينية، وكان طابعها أن اللذة هي الغاية من الحياة، وأن واجب كل عاقل ينحصر في نشدان اللذة، من غير أن تستحكم اللذة فيه وتستبد به، وأن القوة التي تمكِّن الإنسان من التحرر من أواصر اللذة الجامحة، وتجعله سيدًا لها لا عبدًا؛ إنما تُنال من طريق الثقافة والمعرفة.٢٦

ولا شبهة في أنَّ هذا الاستطراد ضروري في هذا الموطن، فإن كلمة «هيدونيَّة» سوف تتكرَّر في سياق هذا البحث، ولا بد من أن يقف الباحث على اشتقاقها ومدلولها، ليعلم بأنها قد تستعمل حينًا باعتبارها مذهبًا، وحينًا آخر باعتبارها اصطلاحًا مرادفًا لاصطلاح اللذة.

ويمكن تقسيم هذه النظريَّة، كما أنها قسِّمت بالفعل إلى ثلاث صور مختلفة هي:
  • (١)
    الهيدونية المنطقية: وهي نظرية تقول بأن كل إنسان إنما يعمل دائمًا وعلى صورة قياسية مطردة، ونصب عينيه الحصول على اللذة.
  • (٢)
    الهيدونية الأخلاقية: وهي النظرية التي تؤيد الوجهة المنطقية، وتقضي بأن من حق الإنسان — طبيعةً وعقلًا — أنْ يعمل للحصول على اللذة، وأن الواجب على كل فرد ينْحَصِرُ في العمل للحصول على أكبر قسط من اللذة، أو من رُجْحَان اللذة على الألم، سواء ألنفسه أم لغيره من بني الإنسان عامة.
  • (٣)
    الهيدونية النفسيَّة: من الممكن أن تكون هيدونيًا من وجهة نفسية صرفة، من غير أن تعتنق الهيدونيَّة باعتبارها قاعدة. والحق في الظاهر مع الذين يقولون بأن الهيدونية النفسية كاملة غير محوَّرة ولا ملطفة، لا تترك معها مجالًا لأي وازع أخلاقي آخر، فما دام كل إنسان يعمل للحصول على أكبر قسط من اللذة الشخصية، فإن ذلك وحده لا يترك مجالًا لأن تقول له إنَّ واجبك يحتم عليك أن تفعل ما أنت فاعل، وترى من جهة أخرى أن الهيدونية الأخلاقية يمكن أن يعتنقها أشخاص لا يؤمنون بالهيدونية النفسية التي يرفض الباحثون في الآداب على القواعد الهيدونية قبولها، وإذا قبلوها فإنّما يقبلونها مسيَّجة بكثير من التحفُّظات ضيقة الحدود.٢٧

(٥-٢) ما هي الأودومونيَّة؟

الأودومونية Eudomonism مذهب فلسفي قائل بأن أفضل الأعمال، ما آل إلى سعادة الغير، أو المبدأ الذي يرمي إلى ترقية الغير وإسعاده، وفي القاموس الإنسيكلوبيذي (ص٣٩٢، ج٣) أنه مذهب فلسفي يحصر فعل الخير في العمل على سعادة الإنسانية، ومن تعاليمه أن أسمى الأعمال الفاضلة التي يمكن لفرد أن يأتي بها؛ هو أن يسعد الغير.

(٥-٣) ما هي الذَّاتيَّة أو الأنانية؟

«الذاتية أو الأنانيَّة Egoism إغراق أو شهوة جامحة في حب الذات، أو مغالاة في تقديرها، ومنها الاعتياد على نسبة كل شيء إلى الذات أو «أنا» وقياس كل القيم من ناحية صلتها بالنفع الذاتي.٢٨

(٥-٤) ما هي سعادة الذات؟

إن سعادة الذَّات Egoistic Eudomonism مذهب له كثير من الألوان على مقتضى طبيعة الغرض الذي يسعى الفرد في سبيل الحصول عليه، فهي في أبسط صورها عبارة عن مباشرة المحسوسات أو اللذائذ الجسمية، التي قد تسمو الفكرة فيها بحيث تعتبر «الخير الأسمى» وهذه هي نظرية الهيدونيين التي يعتبر أرسطبس أعظم مروجيها في العصور القديمة.
ولقد جُدِّدت هذه النظرية في العصور الحديثة فصُبغت بألوان أخرى، منها اللون الذي صبغها به «لامِتْري Lamettrie» فأفسد ما كان فيها من نزعة طبيعية، وحوَّرها إلى صورة ممسوخة من الفسق، لا يمكن أن يُتَجاوز عمَّا فيها من النقائص، إلا إذا اعتبرناها بمثابة ركسٍ عقلي، وُجِّه إلى مذهب النسك، وهي نظرية لا تقل من حيث البعد عن الطبيعة الإنسانية؛ عن الصورة التي صبغ بها لامتري نظرية اللذَّة.
وبجانب اللذة الحسيَّة — بل وفي موضعها — حلَّت نظرية المتعة العقلية Mental Enjoyment أي الاستمتاع بالعلم والفن والصداقة، وكلُّ ما يجري هذا المجرى من منازع الحياة السامية. وكان أبيقُور أول روَّاد هذه النزعة الفلسفيَّة من الأقدمين.
ولقد مزج أبيقور ورجال مدرسته بين العنصرين: عنصر اللذَّة الحسيَّة، وعنصر المتعة العقلية، على أن العنصر الثاني يرجح الأول عندهم منزلة.٢٩
ولعلَّ السبب في تعاقب الصور التي صوِّرت بها التعاليم السقراطية، راجع إلى ما قال به تِرْنَر إذ قضى بأنَّ المذاهب السقراطية قد نشأ بعضها بجانب بعض، من غير أن تثبت بنوَّتها لأب واحد، وأنها جميعها كانت مستقلة استقلالًا نسبيًّا، على الرغم من أن كلًّا منها كان له صلة بناحية معينة من نواحي التعاليم السقراطية، وقيام كل منها على ناحية بعينها من نواحي التعاليم السقراطية يثبت أنها جميعًا كانت ناقصة؛ لأنها قامت على فهم غير كامل للروح التي ذاعت في فلسفة سقراط، غير أنَّ هذا لم يمنع من أن تَترك هذه المذاهب أثرها العميق في الحياة الإنسانيَّة، وأقرب مثَل على هذا؛ مذهب المدرسة الميغارية في الصور اللاجسمية Bodiless Forms وتأثيره في أفلاطون عند قوله بنظرية الفكرات Theory of Ideas.

(٦) محور فلسفة أرسطبس الأخلاقية

العنصر المكوِّن للسعادة عند أرسطبس هو الحصول على «اللذَّة الحسيَّة» على أن تكون السعادة تصورًا يتوسَّط بين السعادة كما نفهمها، وبين الخير الأسمى The Highest Good فالأطفال والحيوانات يكدُّون بقاسر فطري، ليحصلوا على اللذة، كما يجاهدون ليتقوا الألم، وفي هذه الظاهرة تتجلى الحقيقة الجوهرية التي لا تقبل الجدل، ولا تتسع للمناقشة، والتي يجب أن تراعى في كل محاولة يقصد بها وضع مجموعة من القواعد، يسلك على مقتضاها الإنسان في حياته.

لا بد لنا إذا أردنا أن نتتبع أسلوب التفكير الذي انتحاه أرسطبس وشيعته في الفلسفة، من أن نكبَّ على درس النظريَّات التي انتحلها أصحاب اللذة — «الهيدونيون» — في العصر الحديث وطرق تأملهم الفلسفي فيها، فمن هذه السبيل وحدها، نستطيع أن نفقه حقيقة تلك الفقرات الغامضة المبهمة المهزولة التي تكوِّن ما وصل إلينا من فلسفة القورينيين الأدبية، وأن نجعل المذاهب الميتة تنطق بلسان حي طليق.

أما الأستاذ دراپر فيقول بأنَّ السعادة عند أرسطبس تنحصر في تحصيل اللذة، وأنَّ اللذة والألم يكونان دستور الحياة الإنسانية، وكان لا يعتقد بأن في مستطاع الإنسان أن يعرف شيئًا معرفة تحقيق؛ لأن الحواس قد تخدعه، غير أن الإنسان بالرغم من عجزه عن أن يدرك الأشياء على حقيقتها، فلا شك أن فيه قدرة على الإدراك، ومن هنا قام اعتقاد القورينيين بأن اللذة أسمى الغايات التي ننشدها في الحياة.٣٠

والواضح من هذا أن الأستاذ دراپر إنما أقام رأيه هذا على قشور المذهب دون لبابه، ولعلنا نستطيع بقليل من الصبر أن نستقرئ مما وصل إلينا من مخلفات المذهب الهيدوني، شيئًا يجعل فهمنا لحقيقة المذهب أقرب إلى الواقع.

ويقول الأستاذ تِرْنَر: إن مبدأ الهيدونيَّة الأساسي ينحصر في أنَّ اللذَّة وحدها هي العنصر الذي يكوِّن سعادة الإنسان، ولقد اتَّبع القورينيون في تدليلهم على هذا، نمط بروطاغوراس، فقالوا: «إن كل ما يظهر أنه حق يجب أن نعتقد بأنه حق، وأننا لا نستطيع أن ندرك إلا المشاعر والآثار التي تولدها الأشياء فينا، أما الأشياء ذاتها فلا نعرف منها شيئًا، والنتائج التي تترتب على هذا بسيطة، فإن استحداث مشاعر بعينها هو كل ما في مقدورنا أن ننتج بالعمل Action وعلى هذا يترتب القول بأن كل ما يُحْدِث فينا أسمى المشاعر الملذَّة يكون خيرًا.»٣١

وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل المشاعر الملذة واحدة عند كل الناس، وفي كل الظروف؟ وهل ما يكون ملذًّا في ساعة بعينها يكون ملذًّا في أخرى؟

ومن هنا يكون تطبيق هذه النظرية راجعًا إلى الاستعداد الطبيعي الذي يختص به كل فرد، أو حكم العادة المؤصلة التي يعكف عليها الإنسان، وبهذا يكون إدراك السعادة نسبيًّا صرفًا. لهذا يعتقد أرسطبس أن اللذة المطلقة هي الخير الأوحد، وأننا إنما نرغب في المعرفة والثقافة، حتى وفي الفضيلة باعتبارها وسائط (لا غايات) نصل من طريقها إلى اللذة، أما فائدة الفضيلة، فتنحصر في أنها تقمعنا عن الإفراط في الانفعال، الذي هو شهوة ولما كانت الشهوة «عنيفة» كيفما كانت فهي إذن مؤلمة، وعلى هذا يجب أن نتنكبها.٣٢

(٧) تجدد الهيدونية في العصر الحديث

تجدد المذهب الهيدوني في العصر الحديث خلال القرن السابع عشر وبعده، والضرورة تقضي علينا أن نُلمع إلماعًا إلى بعض أعلام المدرسة الحديثة، وأن نشير إلى مبادئهم الأساسية؛ استكمالًا لمناحي البحث من ناحية، ولأننا سوف نشير في سياق الكلام إليهم عند الحاجة.

قال «هُبز Hobbes» بأن اللذة هي الرغبة، فكان — على ما يظهر — أول من جمع في النظر بين القول بأنه لا يوجد من خير بعيد عن اللذة، وبين المنزع النفسي الذي يوحي بأن كل الناس إنما ينشدون اللذة.
وعقَّب عليه «لوك Locke» فبينما تراه يدافع عن الهيدونية النفسية، إذا به يرفض الهيدونية كنهج أخلاقي، ووضع مَثله الأخلاقي الأعلى على أساس الطاعة لأوامر الله ونواهيه، وهي طاعة تنظر في أول ما تنظر إليه إلى «السعادة الكاملة» أو «الشقاء الكامل» الذي يناله الإنسان في الحياة الأخرى، تبعًا لسلوكه في هذه الحياة.
أما «پالي Paley» فكتب بعد مائة سنة من لوك، فجدد القول بنفس مذهبه، وصبَّه في كلمات أقل تعرضًا للجدل والمناقشة من كلمات لوك، فقال: «إن اللذة الشخصية هي التي تحركنا، ولكن إرادة الله تحكمنا.»
وفي القرن الثامن عشر كان الاعتراض الوحيد ضد فلسفة الأنانية Selfish Philosophy قائمًا على مذهب «شَفْتزبِرِي Shaftesbury» و«هَتْشِنْسُون Hutchinson» و«هيوم Huame» الذين قالوا بقوة العاطفة في استحداث اللذة، وزادوا إلى هذا أن العاطفة هي الطريق الطبيعي للذة.

ومن الظاهرات العجيبة في تاريخ المذاهب أن تتكرر مظاهرها مع اختلاف حقائقها، فقد قيل بحق إنَّ السبب في اختلاف أوجه النظر بين المذاهب السقراطية، إنما يعود — كما قدمنا — إلى أن سقراط لم يحدد «الخير»، فأدرك أهل كل مذهب من معنى الخير الذي تركه سقراط غيرَ محدد؛ صورة قام عليها مذهب جديد من بعده. وكذلك أرسطبس فإنه لم يستطع أن يحدد اللذة تحديدًا ينجيها من إجمال سقراط لمعنى «الخير»، ومن هنا كان السبب في اختلاف أوجه النظر في العصر الحديث، وقيام مذاهب جديدة تدعي كل منها الأمانة الكاملة للمذهب «الهيدوني» كما كان يدعي كل من أصحاب المذاهب السقراطية، الأمانَةَ الكاملة لمذهب سقراط.

ومن الواجب ألا نغفل ذكر أنه منذ عهد أفلاطون وأرسطوطاليس قام بجانب الفكرة في اللذة Pleasure على أنها غرض ينشد فكرة المنفعة Utility على أنها الغرض الأسمى، وقد اعتنقها كثير من فلاسفة الإنجليز وعلى رأسهم بِنْتَام ومِل، وسوف نعود إلى الكلام في هذا المبحث، كلما اضطررنا إلى الإلماع إلى طرف منه.

(٨) أرسطبس وجرمي بنتام

إذا وجب أن يُتَّخَذَ تحصيل اللذة والسعي وراءها، أساسًا تقوم من فوقه كل القواعد الضرورية التي تخضع لها الحياة الإنسانسة، كان علينا أن نميِّز بين أشياء حتم أرسطبس ضرورة العناية بالتمييز بينهما، كما فعل من بعد جِرِمي بِنْتَام الفيلسوف الإنجليزي المعروف، هذا الشيء هو الاعتقاد بأنَّ «اللذة» يجب أن تؤخذ دائمًا، وحيثما كانت وفي أية صورة كانت على أنها «خير» وأنَّ الصورة التي تلجئنا، في أكثر الحالات، أن تَتَنَكَّب طريق «اللذة» يعضدها دائمًا تفكير عقلي هادئ.

هذا القول إجمالًا، يسوقنا إلى وجوب التفريق بين الشعور باللذة، وبين الظروف التي تحدث اللذَّة أو تصحبها، أو النتائج التي تترتب عليها، وأن الخلط بين هذين الأمرين — أي بين الشعور باللذة وبين نتائجها وبواعثها — يجب الاحتراز منه بكل وسيلة.

على أن أرسطبس — وقد جاراه بنتام في هذا إلى نهاية الشوط — قد قضى بأنه حتى في حالة عدم الاحتراز من الخلط بين الشعور باللذة وبين بواعثها؛ فإنَّ اللذة تنتج خيرًا دائمًا، بصرف النظر عن الحالة التي تحصل فيها اللذة وأسبابها ونتائجها، وقد يكون للأسباب التي تنتج «اللذة» أو النتائج التي تترتب علي تحصيل اللذة نهايات باعثة على أشد الألم، بيد أنك إذا وازنت بين اللذة والألم الناتج عن تحصيلها ألفيت أنَّ كفَّة اللذة ترجح دائمًا.

إذن فالسلوك الواجب ينحصر في الاحتراز من الاسترسال مع بواعث الألم، والتحرر منها جهد المستطاع، وقد نجد في حالات أخرى أن أعمالًا تصحبها مشاعر مؤلمة تكون هي الوسائل الوحيدة للحصول على مشاعر مُلذَّة، وهذا الثمن — أي الألم — الذي نبذله في سبيل الحصول على اللذة يدفعنا إليه «هِسٌّ خَفِيٌ» لا يجب أن نتوجس منه خيفة، أو نشعر منه بوجل ما دام غرضنا الحصول على لذة ترجح الألم.

وعلى هذا يصبح «فن الحياة» عبارة عن ضرب من الأقيسة والاستنتاجات الهادئة على الصورة التي استنتجها أفلاطون في آخر كتابه «بروطاغوراس Protagoros» وهي صورة حقة، تقوم على فلسفة سقراط، ولكن أفلاطون لم يؤمن بما استنتج من فلسفة أستاذه إيمانًا صريحًا كاملًا.

(٩) أرسطبس والكلبيون

في المدارس التي تكونت بعد سقراط والتي ادعت كل منها أنها تقوم على مذهبه، أو بالأحرى على ناحية بعينها من نواحي مذهبه؛ نزعة من أعجب النزعات العقلية، فقد يُخيل إليك وأنت تتصفح تاريخ هذه المذاهب — إذا كنت ممَّن يجلدون على التأمل — أنها عبارة عن جملة أفعال «عكسية» أخذت تتوالى سراعًا وتتطور دراكًا، فيظهر أول ما يظهر الميغاريون وعلى رأسهم «إقليدس»، فيدرسه أرسطبس ثم يظهر أنطِثنيز ويكوِّن مذهب الكلبيين، فيدعو للرجوع إلى الطبيعة، فيعقب عليه أرسطبس ويقول باللذة الراهنة، فيكون مذهبه بمثابة فعل عكسي يخفِّف من حدة المذهب الكلبيِّ، ولا تلبث غير بعيد حتى تجد أبيقور يدعو إلى الناحية السلبية من اللذة، فيقول: إن الخير الأسمى ليس في اللذة بل في التحرر من الألم، وإن اللذة العقلية هي أسمى اللذات جميعًا، ثم يأتي أفلاطون فيقول بأن الخير الأسمى — أي السعادة — إنما ينحصر في «التبصر» ثم تقع في خاتمة المطاف على المعلم الأول أرسطوطاليس، الذي يقول بأنَّ الخير الأعلى الذي يجدر بالإنسان أن ينشده هو فاعلية النفس، على أن تكون هذه الفاعلية مقودة بالفضيلة، فإذا تعددت الفضائل وجب أن تتبع الفاعلية أرفع هذه الفضائل، فكأنك تقرأ في تدرج الفكرة في هذه المدارس تاريخَ علم الأخلاق في مختلف أوضاعه.

وإذن نقول إن أرسطبس ومذهبه وأتباعه كانوا بمثابة فعل عكسي ظهر ليكسر من حدة مذهب الكلبيين، كما يتدخَّل الضمير في الفعل النفسي، فيحدث فيه أثرًا عاكسًا، أو كما تحاول الإرادة أن تقمع شهوة من الشهوات بشهوة أخرى، وهذا يحملنا على أن نعرِّف القارئ بمن هم الكلبيون.

هم أصحاب مذهب فلسفي في الأخلاق أتباعهم قليلو العدد، ولكنَّهم كانوا ذوي أثر عظيم في الفلسفة القديمة، أما اسم المذهب فيقال بأنه مُشتق من اسم بناء في أثينا كان يدعى «القونوسَرغُس Cynosargus»، وبين جدرانه نشأ المذهب أو من الكلمة اليونانية لاسم «الكلب Canis» وهي إشارة سخرية إلى ما انتحل رجال المذهب من صفات الخشونة والخروج على العرف، أما «القونوسَرغُس» تعيينًا فَقَاعة كبيرة كانت تدعى قاعة الهجائن The Hall of The Bastards.
ومهما يكن من أمر هذا الاشتقاق والتساؤل أصحيح هو أم غير صحيح؛ فإن الكلبيين قد اتفقوا على أن يتخذوا الكلب شعارًا ورمزًا،٣٣ ولعل لهم في ذلك مرمى بعيدًا، فالبقرة كانت معبود المصريين، وهي لا تزال مقدسة في الهند، ولعل تقديسها في الهند ذو صلة فكرية بعبادتها في مصر، ففي الهند يعتقدون أنها عماد الزراعة، وصورة مجسمة للطاعة والخضوع والقيام بالواجب، ولهذا قدسوها منذ أقدم الأزمان، وتلاحقت الأجيال على هذه العقيدة، والكلب من أقدم الحيوانات الأليفة التي عاشرت الإنسان منذ فجر التاريخ، وعاونته في الحراسة والصيد، ومقاومة الوحوش الضارية، فكان الكلب أكبر معوان للإنسان في حالاته البُدائية ليضرب بقدمه في معارج المدنية، وفيه فوق ذلك صفة أنه «طبيعي» لم يتمدين كالإنسان، وفيه أنه يكفي حاجاته بنفسه، وفيه أنه أمين وفيٌّ مُسَالِمٌ متحرِّر من كثير من الدنايا الخلقيَّة، فلا يبعد مطلقًا أن تكون اعتبارات كهذه، هي التي حملت الكلبيين على أن يتَّخذوا الكلب شعارًا لهم، وإذا صحَّ هذا كان الكلبيون أفطن من المصريين والهنود على السواء وأقرب إلى الحكمة.

ومن التصور الشائع في خصائص هذا المذهب الفلسفي يُستمدُّ المعنى المدرك، من اسم الكلبيين، وهو معنى يتضمن الشك الشديد المشوب بالاحتقار في كفاية الميول البشرية لحب الخير، والنظر إلى شعور الاستعلاء والكبرياء، نظرة احتقار شديد.

ومن مشهوري أصحاب هذا المذهب أَنْطِثْنِيز مؤسسه و«إقراطس Crates» و«ديوجينيس Diogenes» و«ديمطريوس Demetrius»، والكل مجمعون على اتِّباع وجهة اتخذوها أساسًا لفلسفتهم، وهي «الرجوع إلى الطبيعة.»

ولا عجب إذا وُجه نقد لاذع إلى رواد هذا المذهب عند أول قيامهم ببث تعالميهم، فضلًا عن السخرية منهم، والاستهزاء بهم، على أن ما وجه إليهم من نقد وسخرية، كان على غير حقٍّ في الغالب، أمَّا أساس فلسفتهم فيقوم على «نكران العُرْف»، ويقصد به العادات المرعية للجمعية، وإنه لمن المستحيل أن يعود الإنسان إلى الطبيعة في جمعية درجت على «عُرف» استجمعت عناصره بطريقة إجماعية منظمة، وشاركت هذه العناصر الجمعية في نشوئها وتطورها حتى أعتقت معها، فكسبت مع الزمان احترامًا، ولبست مع القرون ثوبًا من القداسة، من غير أن يصطدم بما غرس في نفوس أهل الجمعية من الإحساسات الرَّسيسة.

ومما هو بعيد عن الإنصاف أن نعتبر أن ما ظهر به بعض فلاسفة هذا المذهب من الخروج على المألوف والعرف، كان من خصائص كل الفلاسفة الذين انتسبوا إليه، أو أن نتخذ هذا وسيلة إلى النيل من الناحية التي انتحاها أهل المذهب في التفكير، والدليل على هذا أن مبادئهم كان لها خطر عظيم في رومية، خلال القرنين الأول والثالث من الميلاد.

وكان لديمطريوس و«ديموناز Demonaze» شأن نوه به «سنيكا Seneca» و«لوقيان Lucian» على الأخص، ولا شبهة في أن رومية في ذلك العهد كانت تقدس العرف ولا تستهين بالتقاليد، وإذن يكون انحراف بعض رجال المذهب وتطرفهم ظاهرة ليست من أصوله في شيء، بل هي نزعة فردية نمَّاها بعض رجاله، تطرفًا في تطبيق بعض المبادئ.

(١٠) فرق بين أبيقور وأرسطبس

ممَّا يدل أوضح دلالة على الأثر الذي خلفه المذهب القوريني في عالم الفكر، وامتداد أثره فيه؛ أنَّ تأثير المذهب الأبيقوري على الفكرة «المحافظة» ظل قائمًا خلال أجيال عديدة، حتى لقد ظهر أثره في الحياة العقلية التي كانت تتجه نحو الجمود في العالم الإغريقي، ومن المعلوم أن المذهب الأبيقوري ليس إلَّا صورة محوَّرة من المذهب القوريني.

ففي العصر الذي ظهر فيه متأخِّرو القورينيين، كان أبيقُور يضع أساس صورة جديدة من المذهب أكثر رصانة وأبعد غورًا من الصورة التي تطور إليها المذهب في أخريات أيامه، حتى أنك لا تسمع بعد القرن الثالث بعد الميلاد شيئًا عن المذهب القوريني منفصلًا عن المذهب الأبيقوري.٣٤
أمَّا الأثر الذي ظهر في المذهب الأبيقوري موروثًا عن المذاهب السقراطية التي تقدمت نشوء هذا المذهب، فيرجع إلى الكلبيين والقورينيين معًا، فهما مذهبان تحَرَّرا من كل الأديان، ومن كل السوابق التقليدية التي اصطلحت عليها الجمعية الإنسانية، وابتَعَدا عن التسليم بالمعتقدات العامة اعتباطًا، لذلك تجد أن أنطثنيز مؤسس المدرسة الكلبية (٤٠٠ق.م) إن كان من تلاميذ سقراط، فإنه كان من المنكرين لعقيدة التكثير، ومن النابذين لفكرة الأنثروپومورفية Anthropomorphism؛ أي «التشبيه» كما ترجمها العرب واصطلحوا عليها، ويقصد بها فكرة تزويد الله بالخصائص الإنسانية.٣٥
أما مذهب أبيقور الأخلاقي في مجمله فليس إلَّا تحويرًا في المذهب القوريني، لهذا نجد أن أبيقور عندما أراد أن يعرِّف «اللذة» لم يعرِّفها كما عرَّفها أرسطبس بأنها حركة لطيفة، بل رجع إلى الصورة السلبيَّة من اللذة، فقال بأن اللذَّة هي التحرر من الألم، غير أنه مع هذا لم ينكر ناحية اللذة الإيجابيَّة، ولكنه جزم بأن الناحية السلبية — وقصد بها راحة العقل — أساسية في الأخلاق، في حين أن «الحركة اللطيفة» التي تتكون منها اللذة الإيجابية أمر ثانوي يأتي عفوًا،٣٦ فالرغبة غير المكفِيَّة ألم، والألم يحطم هدوء العقل، ولهذا السبب وحده يجب أن نقنع رغباتنا، ومن هذه الطريق تصبح اللذة الإيجابية جزءًا من الخير الأسمى.

على أنَّ الفروق بين الأبيقورية والقورينية إنما تكون أظهر وأجلى في نظرية أبيقور التي قال فيها «بدرجات اللذة»، فعنده أنَّ أسمى اللذات هي اللذة العقلية؛ أي المعرفة والذكاء وغيرهما من الأشياء التي تحرر النفس من الحقد والخوف، وتساعد على هدوء العقل والبال، لهذا يجب على الرجل العاقل — أي (الحكيم) — أن لا يجعل أمله في السعادة محصورًا في لذائذ الحس، بل ينبغي له أن يتسامى ليصل إلى أفق اللذة العقلية.

وهنا نجد أن أبيقور لم يستطع أن يسلم من التناقض، فإنَّه لم يتسن له أن يفرِّق منطقيًّا بين الحس والعقل، غير أنَّ «ديُوجينيس لايرتيوس» (ص٦، ج١٠) قد نقل عن أبيقور قولًا يدل على أنه كان يعتقد بأنه لا يوجد خير منفصل عن الحواس، في حين أن «فلوطرخوس Plutarch» وغيره من الكتَّاب ينقلون عن «مطروذورس Metrodorus»٣٧ قول أبيقور: «إن كل شيء لا بد من أن يكون ذا علاقة بالمَعِدة.»٣٨
وقد انحصر وجه الخلاف بين القورينيين وأبيقور إجمالًا، في أن أبيقور على الرغم من أنه علَّم أن اللذة ليست أسمى الخير لا غير، بل إنها الخير الوحيد للآلهة والناس، فإنَّه خالف القورينيين فيما يلي:
  • (١)

    أنَّ لذة العقل والصداقة والمخالطة أسمى من اللذائذ البدنية.

  • (٢)

    أن اللذة الكاملة أو بالأحرى أسمى الحالات المرغوب فيها، حالة يتحرر فيها الإنسان من الألم والهم.

على أن هذه الصورة السلبية من اللذة أو بالأحرى «تصور اللذة السلبي» بالرغم من أن أتباع أبيقور لم يحاولوا مطلقًا أن ينتقصوه، فإنه لم يوضع موضع التطبيق العملي باعتباره مثلًا أعلى للسلوك يحتذيه أتباع المذهب.٣٩

وكان هذا أكبر ما وجِّه إلى المذهب الأبيقوري من نقد الناقدين.

(١١) أبيقور وشروح في فلسفة أرسطبس

ما هي المبررات المنطقية التي يقوم عليها مذهب أرسطبس؟

هذا سؤال يحتاج، في الجواب عليه، إلى شروح يجب أن نمضي فيها قليلًا، قبل أن نعمد إلى الكلام في تطبيق المذهب عمليًّا.

إن اللذة التي يجدر بأن يسعى الإنسان لها لم تكن لدى أرسطبس كما كانت من بعده عند أبيقور، مجرد التحرر من الألم، بل إن أرسطبس كان بعيدًا عن أن يضع اللذات الجامحة أو اللذات التي يباشرها الإنسان إرضاء لشهوة ثائرة في المكانة الأولى من الخطر، على أن اصطلاح «اللذَّة» لم يؤدِّ عند أرسطبس أدنى ما تصل إليه الانفعالات عند أبيقور كما ذهب البعض، بل عبَّر عنده عن حدٍّ ليس بالأدنى ولا بالأعلى في قياس الانفعالات من طريق إيجابي صرف، ذلك بأنه اعتبر أن مجرد التحرر من الألم ومن اللذة معًا حالة سلبية لا إلى هذه ولا إلى تلك.

أما الشرح الذي نلجأ إليه في توضيح هذه النظرية فيجب أن نرجع فيه إلى نظريَّة نفسية تُعرف عن علماء النفس بنظريَّة الوعي Theory of Consciousness فإنهم يمثلون للوعي بموجة تبدأ من القاعدة ثم ترتفع منتهية عند القمة، ومن ثم تعود هابطة إلى مستوى القاعدة، ومَثَلُها في العقل الباطن كمثل موجة الماء تمامًا، فإذا أردنا أن نمثل لنظرية أرسطبس في قياس اللذَّة، وجب علينا أن نعود إلى هذه النظرية وأن نمثل بالشكل الذي يمثل به النفسيون للوعي، ونتخذه سبيلًا لشرح درجات اللذة في هذا المذهب، وإليك البيان:

ولا شك في أنَّ فهم هذا ضروري لاستيعاب العناصر التي يتكون منها مذهب أرسطبس.

ولقد لخَّص الأستاذ إردمان هذه النظريَّة في كتابه «تاريخ الفلسفة» تلخيصًا آثرنا نقله هنا، فقال بأنَّ النتيجة التي تترتب على القول بأن كل «المعرفة» إدراك بالحس Sense Perception، وأن كل إدراك بالحس إنما «ندرك» به كيف أثَّر فينا ذلك الإدراك، تَحْصِر «معرفتنا» في الوقوف على حالات «الوعي» أو الشعور Cousciousness الكائن في تضاعيفنا، وعلى هذا يكون إدراك حالات الوعي النفسي وأسبابها، كل ما في مذهب أرسطبس من علاقة بالطبيعة.

وكل حالات الوعي أو الشُّعُور إنما ترجع إلى ثلاث صور: فإمَّا عنف، وإما اعتدال، وإما لا حركة البتة، والصورتان الأولى والثالثة تُضادان الثانية، ومثال ذلك حالتا الألم والجمود وتَضادهما مع اللذة.

فأيَّة حالة من حالات هذا الوعي يجب علينا أن ننشد، وأيها يجب أن نتنكب؟ ولقد نجد الجواب على هذا السؤال صريحًا في القسم الأدبي من مذهب أرسطبس، فإنَّه قضى «للذَّة» التي قال بأنها «الخير» الصرف الذي ينشده الإنسان.

وعلى الرغم من هذا فليس في مستطاعنا بحال من الأحوال، أن نكتنه الأسلوب الأمثل الذي اتبعه أرسطبس في تحديد اللذة وتعريفها، وجلُّ ما نعرف أنَّه نظر في اللذَّة على أنها حركة لطيفة Gentle Motion تقتحم طريقها إلى الشعور أو الوعي Consciousness.
على أننا لا نعدم الشروح، ففي «موسوعة الدين والآداب» (ج٤، ص٣٨٣) نقع على شرح جاء فيه:

إنَّ «الحركة اللطيفة» التي عناها القورينيون، ووضعوا بها حدًّا للذة المرغوب فيها، لا تخرج عن أنها حركةٌ «ما» ولكنها حركة البحر الهادئ الذي لا ينبغي أن ننبه فيها ما يجعلها عاصفة، على أنَّ الظروف قد تَحُول بين الرجل العاقل وبين بلوغ هذا الغرض دائمًا، ذلك في حين أن الرجل العاقل (الحكيم) يكون أقدر من غيره على معالجة هذه الحالة، بحيث ينال من لذائذها، ويتَّقي من عواصفها؛ أكثر من أي شخص آخر.

ولقد عُرِفَ أن أرسطبس كان قادرًا على أن يستعلي بسهولة على كل الظروف مهما كانت طبيعتها أسعيدة أم شقيَّة، نعيمة أم بائسة. وللشاعر «هوراس» بيت من الشعر يقول فيه:

«سعيد في الحاضر، ولكنه يتطلع إلى أشياء أعظم وحالات أسعد»

وهذا أقوم ما توصف به الفلسفة القورينية في أسمى مراتبها، ويدرك الإنسان هذه الحركة اللطيفة بقياسها على الحركات العنيفة، تلك التي نصرف عليها اصطلاح «الألم»، ولا جرم أن أرسطبس لم يتبع في أسلوبه هذا طريق «الملاحظة» يوجهها إلى النواميس الطبيعية الصرفة، ذلك بأنَّ الأطفال والحيوانات، التي كثيرًا ما أشار إليها فيما كُتب، تحاول الحصول على اللذات المحترَّة كما تحاول الحصول على اللذات الهادئة اللطيفة، إن لم يكن ميلها إلى الأولى أشد منه إلى الثانية.

ألا يصح أن تكون قِصَر فترات اللذة الجامحة، أو تخالط الألم واللذة ذلك التخالط الذي يحدث دائمًا من إلحاح الحاجة والرغبات والشهوات، أو أن يكون امتزاج العنصرين، وملابسة بعضهما لبعض؛ قد أثر جُمَّاعُها في حكمه الفلسفي وفي اختياره؟

إن لدينا من الاعتبارات ما نؤيد به هذا الاحتمال.

(١٢) المفاضلة بين اللذات

لستَ تجد من شيء بَعُد عن طريقة التفكير التي عكف عليها أرسطبس بقدر ما بَعُدَ عنها الاستبداد الذي يلازم الأحكام التي تمليها السلطة، في أيما متجه اتجهت، وفي أيَّة صورة ظهرت، ولكن الحكم بأن «اللذات اللطيفة» هي دون غيرها اللذات المنشودة، أمر ينابذ هذا الأسلوب، فإنَّ الحكم الفلسفي الذي يجعل ضربًا من اللذة محدودًا بحدود عقلية، لا بحدود طبيعية هو القدر الذي يجب أن تجرعه الطبيعة البشريَّة؛ أمر لا يتفق مع الأسلوب الذي جرى عليه تفكير أرسطبس.

وإنما نفهم أسلوب أرسطبس في إصداره هذا الحكم الشامل، إذا عرفنا أنَّ الطريقة التي جرى عليها تفكيره في هذه الناحية إنما هي طريقة «التفضيل»، فهو يفضل «اللذَّات اللطيفة» ويدعو إليها ويجعل الحصول عليها أساس السلوك في فلسفته.

وقد تقع على قاعدة عقلية يقيم عليها أرسطبس أساس تفضيله هذا، فقد عزي إليه قوله: «إنَّ لذَّةً ما، لا تختلف عن غيرها من اللذات.» وهذه الفقرة على غموضها يمكن تفسيرها تفسيرًا ينطبق مع مرمى فلسفته، والأسلوب الذي عكف عليه في التعبير عنها.

ذلك بأنَّه لا ينكر الفوارق الكمية Quantitative الكائنة بين ضروب اللذات، من حيث المقدار والاستمرار — أي طول مدتها — والطهر، وهو عنده عدم تخالط اللذات، أما الذي ينكره فالاعتراف بديئةً بوجود فوارق كيفية Qualitative بين اللذات المتفرقة أو فوارق اعتبارية من حيث القيمة.

فإذا فسرنا هذه الفقرة هذا التفسير تبين لنا أنها ليست بشيء سوى اعتراض يُوجَّه إلى فكرة الذين يفَوِّقون ضربًا من اللذات بعينه على غيره؛ أي يجعلونه في المقدمة ويَخُصُّونَه بالأولية من غير أن يدعِّموا فكرتهم على أي أسلوب عقلي من أساليب التفكير، بل يركنون في ذلك إلى ما يسمونه حكم الفطرة أو الإلهام، وهو عند أرسطبس فاسد عقلًا.

وعلى الرغم من أن القورينيين قد عَرَّفُوا اللذة بأنها حركة لطيفة Gentle Motion فإنَّ قيقرون قد تصوَّر خطأً أنَّهم قالوا بأنَّ اللذة هي الأحاسيس البدنية، وإنك لَتدرك خطأ قيقرون إذا أنت رجعت إلى الوصف الذي حدد به أرسطبس مذهبه في اللذة بقوله: «إنها تَراوح بين الانفعال العقلي، ومباشرة اللذة الحسية.»
ولا شبهة مطلقًا في أن بحثنا هذا يكون ناقصًا إذا لم نأتِ هنا على أمتع شرح سيكولوجي — نفسي — وقعْتُ عليه للأستاذ «برت Brett» في كتابه «تاريخ علم النفس» (ج١، ص٦٢ و٦٣ و١٨٩) حلل فيه فكرة أرسطبس في اللذات قال:
يجب علينا أن نعترف أول شيء بأن أرسطبس قد وقف على حقيقة سيكولوجية (نفسية) كثيرًا ما أُبهم أمرها، فقد رأى أن المشاعر مجردة، ليس فيها القدرة على فصل ما هو أحسن مما هو أردأ، أو ما هو أسمى مما هو أدنى، ولقد ساق هذا الرأي بلغة كانت طبيعية في عصر كانت مباحث السيكولوجية (النفس)، والأنثروبولوجية (الإنسان)، والروح والطبيعة لم يتميز بعضها من بعض، فالمشاعر والإدراكات كانت عنده عبارة عن حركات، إمَّا لطيفة وإما عنيفة، وكذلك من ناحية النظر في الشعور، فهو إما مُلِذُّ وإما مؤلم، وإذن فاللذة والألم يجب أن يُتخذا كتجربة أو كصفة يوصف بها «الزمان» أو «الحاضر» خاصة، أما الماضي والمستقبل، فلا يجب أن يقام لهما أي وزن، أما موضع اللذة — أي الشيء الذي تصدر عنه اللذة — فليس هو عين الصفة التي تكوِّن اللذة، فكل لذة «خير» ولو استمدت من أشياء غير ذات قيمة أو كانت منابعها أفعالًا مكروهة، وكل ألم شر، وكل ما هنالك من فروق بين اللذة والألم، إنما هي فروق تلحق الصفة — أي الكيف Quality — من حيث الجدة أو الكثرة أو القلة.
وقال في ص١٨٩ من كتابه هذا:
هنا نقع على نظرية طبيعية تبدأ بفكرة أنَّ الميول والعواطف عبارة عن حركات (نفسية)، فقد قال القورينيُّون بأنَّ اللذة صورة من الانفعال؛ أي شعور بحالة ملذة، على أن هذا لم يقبله أبيقور، فقد وضع تحليلًا جديدًا لحقيقة العلاقة بين اللذة والإحساس، وسبق أن ألمعنا إلى أن القدماء قد عرَّفوا الحركة باسم «جِنْس» واعتبروا الإحساسات والمشاعر «فصولًا» منه، فالمشاعر التي هي لذة حينًا، وألم حينًا آخر ليست إلا حركات، ويترتب على هذا أن أول ما يجب علينا الحكم فيه؛ النظر في علاقة الصفة بالحركة، أما أرسطبس فاختصر الطريق بأن قضى بأن الحركة إما أن تكون لطيفة أو عنيفة، ولكنه اعترف بجانب هذا بحالة «هدوء» نعدم فيها الحركة، ولكن الحالة الوحيدة المرغوب فيها عنده هي حالة «الحركة اللطيفة»، في حين أن أرسطوطاليس قد اعتبر اللذة علامة رضا لا غير، ولكنه لم يعتبرها غاية البتة، غير أن أبيقور يخالف أرسطوطاليس، ذلك بأنه يقول إن اللذة هي «الخير»، ويبحث فيما هي اللذة غير مقتصر على الكلام فيما تحدث من أثر، وكذلك يرفض أبيقور نظرية أفلاطون في «القصد»، ومن ثم يعود أبيقور إلى أرسطبس؛ لأن النظرية القورينية تقضي بأن اللذة هي الخير، وأن اللذة عبارة عن حالة من حالات الشعور أو الوعي (البدني)، ولكن أبيقور يحوِّر النظرية في موضعين مهمين، فإن أرسطبس قد قال بثلاث حالات:
  • (١)

    الحركة اللطيفة.

  • (٢)

    الحركة العنيفة.

  • (٣)

    اللاحركة أو الهدوء.

وهذه الحالات لا تجدي في فهم ما يريد تمامًا؛ لأن كلًّا من الحركتين الأوليَيْن «مزدوجة»، فقد يمكن أن يكون ألم لطيف وألم عنيف، ما لم تبرهن على أن الحركة اللطيفة وحدها، هي الحركة الملذة، كما أننا يجب أن نعرف ما هو الشيء الملذ في تلك الحركة، على أن أفلاطون قد رأى هذا الرأي قبل أبيقور، ولكن أبيقور قد استعمق في بحث هذا الموضوع إلى أبعد مما وصل أرسطبس، وذلك ما حملته عليه بحوث أفلاطون وأرسطوطاليس، فقال بأن اللذة كشيء له مميزات خاصة هي نوع من التحرر، أو العمل على التخلص من الألم، والحياة تتراوح كمتنوِّح الساعة من طرف إلى طرف؛ أي من طرف اللذة إلى طرف الألم، فالألم حركة واللذة حركة، ولكن أن لا نتحرك أبدًا هي الحالة الحسنى، وفي هذا بعض المماثلة للمذهب الرواقي القائم على نظرية التحرر من الميول والعواطف كلية، ولقد علَّم أرسطوطاليس أن هنالك نوعًا من النشاط لا يترتب عليه تغيير دائم، هو صورة من توازن الحركة، فأخذ أبيقور هذا القول، وقال إن الخير لذة من هذا النوع، وقد ندعوه «التحرر من الانزعاج» أو «الاطمئنان الفلسفي Ataraxy؛ لأنَّها حالة من الاتزان Equipoise منشؤها العقل؛ لأن العقل هو المؤثر الذي ينظم الحياة.

(١٣) تطبيق مذهب أرسطبس

عند أرسطبس ضرب من اللذات المستقلة أو المعزولة Partial or Isolated Pleasures هي التي يعتبرها أول ما يجدر بالإنسان الحصول عليه، وهذه اللذات بعيدة عن ما يدعوه «مجمل الإحساس باللذة» ويعتبر حيازته «السعادة» أو كما يدعوها «الحياة الطيبة» وهنا تقع على حقيقة جديرة بالنظر.
فإن لغة الفلسفة القديمة تقوم في بلاغتها العليا على نفس القاعدة التي تقوم عليها فلسفة النفعي العظيم بنتام إذ يقول:

إنَّ عناصر السعادة منوَّعة جهد التنوُّع، وكل عنصر من عناصرها مرغوب فيه، ولو قام بذاته، كما لو أَلَّف من اندماجه بغيره كُلًّا واحدًا.

ولقد قام في وجه الفيلسوف القديم نفس الاعتراض الذي وُجِّه إلى الفيلسوف الحديث؛ إذ قيل بأنَّ الحياة الإنسانيَّة تؤلف في مجموعها حالة يرجح فيها الألَمُ اللذَّة، غير أنَّه بالرغم من أنَّ قيام مثل هذه النزعة التشاؤمية في أذهان الكثيرين ضروري، فإنَّ قيامها لا يصح أن يقف حائلًا يصدنا عن السعي وراء الحصول على الحد الأقصى من اللذَّة، سواء أنقص هذا «الحد الأقصى» — في مجموعه — عن الألم الذي يقاسيه الإنسان في حياته أو زاد عليه.

قال أرسطبس: إن الحكمة «خير»، ولكنَّها ليست غاية في ذاتها، غير أنها بالرغم من قوله هذا كانت وسيلة للغاية التي رمى إليها أرسطبس على ما شرحنا في العبارات السابقة، فإنَّها قد حمَت «الحكيم» من أنكى أعداء السعادة، حمته من «شهوات تقوم على تصورات خاوية فارغة» غير أن الحكيم مع هذا لا يستطيع أن يظل بعيدًا عن التأثر بكل الانفعالات، فإنه لا يمكنه أن يتخلص فعلًا من انفعالات الحَزَن والإشفاق والخوف؛ لأن هذه الانفعالات وما إليها لها أصولها التي ترتكز عليها في الطبيعة الإنسانية.

ومع هذا فإنَّ «الحكمة» إن قامت على أساس من الاستغراق في الفكر والنظر واستشفاف الحقائق، فإنها لا تكفي وحدها أن تكون ضمينة للسعادة من غير قيد ولا شرط، فإن الحكيم تمنعه الحكمة من أن يتطلع إلى حياة «تكمل» فيها السعادة، كما لا يمكن أن ينتظر نقيضُه — وهو الأحمق — حياة يكمل بها شقاؤه، فإنَّ كلًّا من الحالتين — السعادة والشقاء — يمكن فقط أن تدوم إحداهما «أطول مدى ممكن»، أو بعبارة أخرى: إن «الحكمة» ونقيضها «الحمق» في كل منهما نزعة تُحْدِثُ عن الأولى سعادة، وعن الأخرى شقاء على مقتضى الظروف.

ويعتقد أرسطبس فوق هذا أن «الحكمة» وحدها لا تكفي لخلق هذه النزعة — أي نزعة السعادة — فالتهذيب النفسي وتربية الجسم على الأخص أمران ضروريان لإمكان خلقها، وعلى هذا لا تكون الفضائل أو السعادة وقفًا على الحكماء وحدهم، بل يجوز أن يتحلى بهما بعض الحمقى والسفهاء.

ولقد أجمل العلَّامة إردمان في كتابه «تاريخ الفلسفة» مجمل ما يطبق به مذهب أرسطبس، فقال: إن أرسطبس يَقْصِد باللذَّة السعادة الوقتية أو لذة الساعة، وعلى الأخص ناحية اللذَّة البدنيَّة، ومن هنا جاء القول بأن «رياضة الكفايات الجسميَّة» هي الوسيلة إلى الفضيلة، وأنَّ الرجل العاقل لا يختار الألم إذا خُير، ولا يشتري اللذة بألم يعقبها.

وهذه القاعدة تدعو إلى انتهاز لذة الساعة، أو اللذة الراهنة لا لتستقوي علينا اللذة وتستعبدنا بل لنستقوي عليها ونستعبدها استعباد الفارس للجواد.

غير أن إردمان يدعو هذا طيشًا إذا قيس برصانة أبيقور، فيقول: إن هذا الطيش الذي لا يجعل للمستقبل وزنًا في حساب الحكيم هو الفارق بين هيدونيَّة أرسطبس، ورصانة التفكير وقوة الأقيسة المنطقية، التي نلمسها في مذهب السعادة الإنسانية Eudomonism الذي وضعه أبيقور وأتباعه.
أما الأستاذ ترنر فيلخص رأي أرسطبس في أن السعادة هي الغرض من العمل، ويقصد بها السعادة الإنسانية على الضد مما يرى إردمان، أما المذهب القائل بأن السعادة تتكون عناصرها من اللذة الراهنة، فمذهب سقراط معكوسًا، ودليل ترنر على هذا أن حكمة سقراط أجملت في قوله: «اعْرِفْ نفسك.» فعكَسها أرسطبس قائلًا: «نعم اعرف نفسك، لعلك تعرف إلى أي مدى يمكنك أن تنغمس في لذائذ الحياة، من غير أن تتجاوز الحد الذي تنقلب عنده اللذة ألمًا.» وعلى هذا يذهب ترنر إلى القول بأن تطبيق المذهب كما وضعه أرسطبس كان أميل إلى الفردية المادية Materialistic Individualism منه إلى المبادئ السقراطية، التي يدعي أصحاب الفكرة القورينية أن فكرتهم قد استمدت منها قواعدها.

وقد تظهر لنا الصعوبات العملية في تطبيق المذهب، وبخاصة في كيفية الحصول على أسمى درجات اللذة الفرديَّة، من مجرد النظر في الفروق التي وقعت بين خلفاء أرسطبس.

فإن هِجِسْياس قد أحسَّ آلامَ الحياة إحساسًا عميقًا، حتى لقد شكَّ كل الشكِّ في إمكان الحصول على شيء، أو حالة يجوز لنا أن ندعوها «سعادة»٤٠ فإن أسمى حد من السعادة أمَّلَ هِجِسْياس أن يبلغه الرجل الحكيم عند سعيه وراء منافعه الذاتية التي هي عنده ضالة الحكيم، ومنار الحكمة؛ كان التحرُّر من الآلام، ولذلك رأى أن أقْومَ سبيل يُسْلِم إلى هذه الغاية، إنما ينحصر في الاستهتار بكل الأشياء الخارجية.

وهنا نقع على مشابهة كبيرة بين الصورة التي أفرغ فيها هِجِسْياس المذهب القوريني وبين المذهب الرواقي من ناحية، وبين المذهب الكلبي من ناحية أخرى.

والأعجب من هذا أنك تجد أن هذا الزعيم الفلسفي الذي حاول أن يضع ناموسًا يرمي إلى تهيئة الحياة الفردية بوجه من السلوك بيِّن واضح، قد كنِّي «رسول الموت» واتهم بأنه يغري الناس بالانتحار.

أما أنِّقْريز فقد صبغ المذهب بصبغة أرق، ولو أنه ضحى في سبيل ذلك بأمانته للمذهب الأصلي،٤١ فمن الظاهر أن البحث في الهيدونية الفردية، والهيدونية الغيرية — أي لذة الفرد ولذة الغير — كان قد بدأ يتطور إلى سؤال معضل يتطلب حلًّا فلسفيًّا مرضيًا، لهذا قال أنِّقْريز بأن هنالك أشياء لا تُنكر، مثل الصداقة والوطنية، وهي أشياء أنكر هِجِسْياس وجودها البتة.
لهذا قضى أنِّقْريز بأنَّ الرجل الحكيم قد يضحي في سبيل وطنه، وفي سبيل صديقه، ويكون في الوقت ذاته سعيدًا، بالرغم من أن لذته من وراء هذه التضحية قد تكون ضئيلة، وبالرغم من أنه لم يطلب من وراء التضحية سوى اللذة، وأن سعادة الغير، إن كانت أقل تلاؤمًا مع منازع العقل من التضحية للوطن، فإنَّ الرَّجُل الحكيم ينبغي له أن يضحي في سبيل أصدقائه.٤٢

(١٤) الكلبيون وتطبيق المذهب

إن روح الاعتدال مشفوعة بالحذر والتَّحَوُّط والحزم دون التورُّط في التطرُّف والمبالغة، مِمَّا نَلْمَس في مقررات هذا الفيلسوف الكبير، تزوِّدنا بما نحتاج إليه من مادة لنمضي في مقارنات نتخذ الآثار التي خلفتها فلسفة الكلبيين بينة الطابع في جبين الفلسفة القديمة وسيلة إليها، فإن أوجه العلاقة والصلة بين فلسفة أرسطبس والكلبيين لجلية واضحة، وكفى بأنهما شعبتين تفرعتا من دوحة سقراط.

وليس من شكٍّ في أن «أنطيثنيز antisthenes» في استعلائه وتساميه في تسوده على الحاجيات، واستقلاله المطلق الذي نلحظه في عدم اعتماده على شيء، وشعوره بأن لا حاجة له إلى شيء، اللَّهم إلَّا ما يُقَوِّم حياة البدن وحياة العقل، ثم بُغضه لما دعاه «استعباد اللذة الحسيَّة» إنما يهوي بمذهبه إلى غَمْرِ المغالاة، وقد نقول «مغالبة الطبيعة» بل الإفراط في العداء والاحتقار العنيف لكل لذة من اللذات.

بَيْدَ أننا نقع في ناحية أخرى على قول يعزى إليه، مجمله أن «اللذة خير»، غير أنها «اللذة التي يمكن للإنسان أن يباشرها من غير أن يكون في حاجة إذا باشرها إلى طلب الغفران.»

وعلى هذا يوافق أرسطبس غير أنَّه ربَّما كان قد حوَّر في هذا القول — لو أنَّه سمعه — تحويرًا يحقق معه «إن اللذة خير، وإنْ شَعَرَ الإنسانُ بعدها إلى ضرورة طلب الغفران، ولكنها في هذه الحالة تكون مرجوحة بالألم الذي يعانيه الإنسان عند شعوره بالحاجة إلى التوبة وطلب المغفرة.»

(١٥) حلقات في انتقال المذهب

مضينا نبحث الفلسفة الهيدونية Hedonistic Philsophy على أنها من إنتاج الفيلسوف أرسطبس وحده، وعرضنا لبعض نواحيها بغير إطناب، فلم نتناول كثيرًا من صورها الرئيسة، والحقيقة أنه من المتعذر أن نحكم بأن كل ما وصلنا من مبادئ هذه الفلسفة كان من وضع منشئها الأول، ذلك بأن المظانَّ التي هي في متناول الباحثين تجعل الفصل في هذا أمرًا خارجًا عن طوق الإمكان.

فقد نَقَع فيما وصل إلينا من آثار هذا المذهب على مناقشات مستفيضة تناولت قواعده الأساسية، وقد نستخلص مفصَّلاتها من المختصرات أو الملخَّصات التي وصلت إلينا، ومنها ندرك أن أكثرها كان في موقف الدفاع إزاء النقد، أضف إلى ذلك ما يبدو في أكثرها من آثار الحذر والحيطة، وتحديد موضوعات البحث تحديدًا دقيقًا، مما يندر أن يكون من صفات الرُّوَّاد، وعامة ذا يدل على أنَّ هنالك ممكنات أخرى، والاحتمال المعقول أن نفرض أن المقطوعات المستفيضة ليست من عمل أرسطبس نفسه، بل من منشآت أفراد اعتنقوا المذهب من بعده.

(١٦) أريطي وأرسطبس الصغير وغيرهما

عهد أرسطبس بكل مخلفات مذهبه إلى ابنته «أَرِيطِي Arété» التي خرَّجت ابنها فيلسوفًا كجدِّه، ولأول مرة في تاريخ الفلسفة خلال كل العصور تلقت يد المرأة مشعل الحكمة والتقاليد من الأسلاف، لتعهد به إلى الأخلاف.
ولقد أورث أرسطبس الصغير مذهب جده العظيم نظرية جديدة زوَّد بها الناحية الأخلاقيَّة منه، ولا يبعد أن يكون إحكام الوضع الذي اتصفت به تعاليم المذهب القوريني، من آثار أريطي وابنها، وهنالك شواهد تؤيد هذا القول، ولكن من غير أن تنزله منزلة اليقين الصرف، فإن أرسطوطاليس عندما ذكر الهيدونية، لم يذكر أرسطبس بل ذكر الفيلسوف «أودوكسس Eudoxus» الذي انصرف إلى الرياضيات والفلك، وخدمهما أجلَّ الخدمات، ذلك فضلًا عن مذهب أخلاقي يمت إلى المذهب القوريني بأكبر الأسباب، ويقوم على نفس القواعد الجوهرية التي يقوم عليها مذهب أرسطبس. أما إذا فرضنا أن أرسطبس قد خلَّف مذهبًا غير كامل؛ أي قواعد أولية يصح أنْ يقوم عليها مذهب فلسفي؛ فإننا بذلك نستطيع أن نفهم السبب في أن أرسطوطاليس لم يعرض لذكر أرسطبس بالذات.
على أن هذا الرأي غير قاطع على كل حال، فإن النظرية القورينية في «المعرفة» — وهي نظرية درسها أفلاطون وحاول نقضها في كتابه «ثياطيطوس Theatetus» — لم يناقش أرسطوطاليس فيها، بل أهملها استصغارًا لشأنها، وليس ببعيد عن الإمكان أن تكون الكراهية والامتعاض اللذين شعر بهما أرسطوطاليس نحو أرسطبس (السفسطائي)، وقد أُثر عن المعلِّم الأول أنه نعته بهذا النعت؛ هما السبب في أن يصمت ابن «أسطاغيرة»٤٣ الأعظم في كلتا الحالتين عن ذكر رأيين تضمنهما مذهب فلسفي من أعظم مذاهب القدماء، وسندلي برأينا في ذلك بعد.

ومن الكتابات التي تعزى إلى أرسطبس قسم كبير لا يبعد أن يكون من آثار أتباعه وخلفائه، والمدرك من هذه المخلفات، يدل على أن أتباعه قد خالفوه في المذهب وشيكًا، ونزعوا إلى اعتناق الصورة الفلسفية التي لابست المذهب الأبيقوري في آخر عصوره.

ولقد أسس كثير من تلاميذ أرسطبس مذاهب عُرف كل منها باسم مؤسسه، فإذا استثنينا أرسطبس الصغير — حفيد مؤسس المذهب — نقع على «ثيوذورس Theodorus» و«ثيوذرياقس Theodoriacis» الذي فضَّل لذَّة التأمُّل على لذة الساعة، كيفما كانت حالتها وصفتها، وحاول أن يُدخل الأساطير الدينية في التاريخ الصرف، ومن هذه الناحية تقدم تلميذه «أوميروس Euhemerus» إلى نهايات لم يبلغها أستاذه.٤٤
وهنالك خلاف على أوميروس أهو تلميذ ثيوذورس أم تلميذ ثيوذرياقس؛ فقد جاءَ في القاموس الإنسيكلوبيدي (ص١٥٥، ج٤) ما يلي:
أمَّا أشهر معتنقي هذا المذهب ففي مقدمتهم أريطي ابنة مؤسسه، وابنها الذي كني بكنية أخذت من تعاليم المدرسة، فدعي «مطروذيدقطوس Metrodidaktos» ومنهم ثيوذورس الملحد وتلميذه «بيون Bios»٤٥ أو «بيوس Bios» وأوميروس.
ويقول العلَّامة زللر: إنَّه من المشكوك فيه كثيرًا، أن يكون أوميروس صديق الملك المقدوني «قصندر Cassander» — والذي كثيرًا ما يذكر مع ثيوذورس الملحد — ذا علاقة بالمذهب القوريني، فإن لهذا الفيلسوف رأيًا دينيًّا ضمنه قصة «أوتوبية» — خيالية — قضى فيها بأن الآلهة ليسوا إلا عباقرة من بني البشر، خُصُّوا بأرقى المواهب ونالوا أعظم السلطان، فأُلِّهوا وعُبدوا، أمَّا ما في هذا الرأي من أثر المصريين من ناحية، ومن أثر السفسطائيين من ناحية أخرى، في تعليله نشوء الأديان على هذه الصورة فأمر لا يمكن أن يُقضى فيه بحكم مقطوع بصحته.٤٦
يقول العلَّامة زللر٤٧ بأن «بَيُون» كان أوَّل رائد لذلك الرأي الفلسفي الذي يطلق عليه الباحثون اسم الهيدونية الكلبيَّة Hedonistic Cynicism وأنه ولد في مدينة «بوروثنيس Borysthenes» من مرافئ البحر الأسود في آسيا الصغرى من أب أصله من الأرقَّاء، وكان نفسه رقيقَ رجلٍ من الخطباء، عُرف بفصاحة اللسان، وبلاغة الأسلوب، فحرره وأوصى له بميراثه حتى يستطيع أن يقف على اتجاهات الفلسفة في أثينا والأكاديمية ومقررات المشائين Peripotetics والكلبيين والقورينيين، ولقد ترك فيه المذهبان الأخيران أثرًا كبيرًا، حتى لقد استطاع أن يوفق بين كثير من أوجه الخلاف بينهما، فكان ذلك سببًا في أن يمضي زمنًا طويلًا في بلاط الملك «أنطيغونس غوناطس Antigonus Gonatus» (٢٤٣–٢٤٠ق.م) وكتب مقالات طويلة، حمل فيها حملات شديدة على الغضب والاستعباد وعادة دفن الموتى وغير ذلك.
أما المظنَّة التي نقف منها على شيء من حقيقة فلسفته وأسلوبه الكتابي، وقد مزج فيه بين قوتي الفكر والسخرية؛ فكتابات «طيليس Teles»٤٨ وكان طيليس من الذين علموا في ميغارة (حوالي ٢٤٠ق.م) ودرس كتابات بَيُون وأرسطبس وإستِلفُون ودِيُوجنِيس وإقْرَاطِس، واستشهد بها في تأملاته التي تناولت بحوثًا عميقة في الظواهر والحقائق والاستقلال والفقر والثروة والغنى وعلاقات الحياة واللذَّة وضبط الانفعالات.

(١٧) ثيوذورس

أمَّا «ثيوذورس Theodorus» فمن رجال المذهب المتأخرين، كان على غرار «دياغوراس Diagoras» فوُصف بأنه مُنكِر لله، تلقاء ما أظهر من منابذة للدين، واعتبر في رومية، وفي عصر قيقرون من الملحدين المنكرين لوجود الله Atheists ويقال إن ثيوذورس — وكان له أتباع كثيرون — ترك أثرًا في فلسفة أبيقور وتعاليمه، بالرغم من أن أبيقور نزع إلى فكرة معتدلة في الألوهية، ويزعم البعض أن منكري الألوهية، كانوا ممن يقعون تحت طائلة القانون في أثينا، وفي عصر ديمطريوس فيلاريوس الذي ظلَّل أرسطبس بحمايته، ويقال أيضًا إن ثيوذورس اتُّهم بسبب ذلك، وحكم عليه بأن يشرب الشوكران كسقراط، ولكن لم يكن من طابع أولئك الرجال الذين يضحُّون بأنفسهم، وإن كانوا ممن يذهبون مذهب الدعوة إلى التضحية بالذات، وأخذ بعد ذلك يتنقَّل من بلاط إلى بلاط من غير أن يرائي، أو يمدح نفاقًا أحدًا ممن ضَيَّفوه، حتى قال له أمين بلاط لسيماخوس في تَرَاقيا: «يظهر لي أنَّك الرجل الوحيد الذي ينكر الآلهة والملوك معًا.»٤٩
وكان أقرب رجال المذهب إلى مؤسِّسه الأوَّل قوة عقل وصلابة أخلاق، فلم يعترف بقيمة الصداقة قائلًا: «إنَّ الأحمق لا يستطيع الانتفاع بالأصدقاء، والعاقل لا حاجة له بهم.»٥٠ وعقَّب دِيوجينيس لايرتيوس على هذا بكلمة نسبها إلى ثيوذورس؛ إذ زعم أنه قال: «لا جناح عليك أن تسرق أو تفسق أو تنتهك الحرمات المقدسة، على أن تكون بمأمن من العقاب.»٥١ وظاهر هذا القول يخالف معناه المجمل عند الواقفين على حقيقة المذهب القوريني، فالمعنى المجمل يتضمن ما يصحُّ أن ندعوه «الإباحة المشروطة»؛ كإباحة الزواج بأربعة نساء، مع شروط تجعل هذه الإباحة لغوًا، فإذا تذكرنا أنَّ «العقاب» عند القورينيين يتضمن معنى الألم، وفي «الألم» تحطيم للسعادة ولهدوء العقل؛ كانت إباحة ثيوذورس «مشروطة» بشروط تجعلها لغوًا، أضف إلى ذلك أن الإنسان الذي لا يشعر «بألم نفسي»؛ سواءٌ عنده أباح ثيوذورس المحرمات أم نهى عنها؛ لأنَّ الإباحة لا تجعله أرذل، ولا النهي يجعله أفضل مما هو.

ويختلف ثيوذورس مع أرسطبس، على أنَّ الخِلاف بينهما غير ذي بال، وهو ينحصر في أنَّ ثيوذورس جعل للاتِّجاه العقلي من القيمة أكثر مما للخيرات الخارجية الطارئة في تكوين عناصر الحياة السعيدة، ولهذا قال بأنَّ العناصر الأساسية للحياة الطيبة ليست «اللذة والألم» مباشرة؛ لأنهما من الأشياء التي تُحدث أثرًا في النفس معها أو ضدها، بل العبرة بما يحدثان من «فرح أو حَزَن» وهما شيئان يتوقف حيازة أوَّلهما على «الحكمة»، وثانيهما على «الحمق»، وهذا هو التفسير الذي فسر به زللر بعض عبارات غامضة أثبتها ديوجينيس لايرتيوس في كتابه (ج٢، ص٩٨).

هوامش

(١) عن إردمان «تاريخ الفلسفة».
(٢) «أخنيز Æchinez» (٣٨٩–٣١٤ق.م) سياسي وخطيب يوناني ولد بأثينا، وفي سنة ٣٥٤ كان عضوًا في وفد الصلح إلى فيلبس المقدوني، ويظهر أن فيلبس استطاع أن يضمه إلى جانبه، وفي خلال البعث الثاني في سنة ٣٤٦ق.م اتهمه ديموسطين وطيمرخوس بالخيانة العظمى، وكان قد وفد على أثينا ليصادق على مواد الصلح، ولكن أطلق سراحه عقب خطبة قوية دافع بها عن نفسه.
(٣) راجع شروحنا وتعليقاتنا على مناقشة أرسطوطاليس لبعض وجوه فلسفة أرسطبس في هذا الكتاب تحت عنوان أرسطبس وأرسطوطاليس.
(٤) ثيموفمبوس: مؤرخ يوناني وخطيب معروف، ولد في خيوس حوالي سنة ٣٨٠ق.م، وكان من تلاميذ «إيزوقراطس» وما لبث أن نبغ في الخطابة نبوغًا عظيمًا. أما مؤلفاته فأكثرها تاريخية، وقد ذكرها كثير من المؤرخين الذين أتوا من بعده.
(٥) استلفون ظهر حوالي سنة ٤٠٠ق.م، وكان من أحرار الفكر الذين ظهروا في ميغارة، وينسب إلى المذهب الميغاري، ومن شعبة إقليدس الميغاري، قيل إنه مَثُل أمام «الأريوفاغس» — هيئة محكمة — بتهمة أنه قال إنه تمثال فدياس الذي نحته لاثيني ليس إلهًا، فلما وجهت إليه التهمة، دفعها عن نفسه بفكاهة قائلًا: إنها ليست إلهًا بل إلهة، فنُفي. والروايات المروية عنه تدل على أنه من اللادينيين Deists أحرار الفكر، ولكنه كان حذرًا، لا يصارح بآرائه.
(٦) فيوسيبوس فيلسوف يوناني عاش في القرن الرابع قبل الميلاد، أبوه «أوروميدون Eurymedon»، وأمه «فوطونه potone» شقيقة أفلاطون، ويرجح أنه ولد في سنة ٤٠٧ق.م، ونشأ في مدرسة «إيزوقراطس»، فلما رجع أفلاطون إلى أثينا حوالي سنة ٣٨٧ق.م، انضم إلى جماعته، واعتنق تعاليمه وأصبح عضوًا في الأكاديمية، ولما رحل أفلاطون سنة ٣٦١ق.م رحلته الثالثة إلى صقلية — وهي آخر رحلاته — رافقه فيوسيبوس، وفي سنة ٣٤٧ق.م أوصى أفلاطون وهو في أصيل حياته، أن يكون فيوسيبوس خليفته في رياسة الأكاديمية، ووافق أعضاء المدرسة على اختياره، فبقي بها ثماني سنوات، ثم توفي سنة ٣٣٩ق.م.
(٧) راجع «ترنر Tuner» في كتابه «تاريخ الفلسفة» ص٨٩–٩٣.
(٨) عن قاموس تشامبرس للتراجم Biographical Dict. Chambers.
(٩) «لايس Lais» اسم لخليعتين، أما المقصودة بالكلام هنا فمن أهل قورنثية، ولدت في سنة ٤٨٠ق.م — وإني أشك في صحة هذا التاريخ — وقد عرفت بالجشع والطمع وقسوة القلب حتى كنيت «أكسينا Axinae» وهي باليونانية «بلطة أو فأس»، تنويهًا بما عرف عنها من الجرأة، وكان أرسطبس وديوجنيس لايرتيوس من محبيها ومن أشد المغرمين بها المتفانين في إرضائها، وقد شاركهما في حبها شخص يدعى «أوباطس Eubates» وكان عداءً معروفًا من أهل قورينة، فلما ماتت دُفنت في مكان يدعى «الكرانقيون Carncion بمقربة من قورنثية، ووضع على قبرها تمثال لبؤة تمزق حملًا، إشارة إلى صفة القسوة التي عُرفت بها.
(١٠) هوراس «كونتوس هوراثيوس فلاكوس Quitus Horatius Flaccus» شاعر روماني، ولد في ٨ ديسمبر سنة ٥٦ بعد الميلاد في «فميسيا Vamisia» على حدود «لوقانية وأپوليا Lucania Apolia».
(١١) ترنر في: «تاريخ الفلسفة» ص٨٩، ٩٣.
(١٢) عن إردمان في كتابه «تاريخ الفلسفة».
(١٣) قيقرون، المعروف عند كتابنا خطأ باسم شيشرون «مركوس تلليوس قيقرون Marcus Tulluis Cicero» (١٠٦–٤٣ق.م) خطيب وسياسي روماني، ولد في ٣ من يناير سنة ١٠٦ق.م، أعجب بتعاليم «فيدروس Phaedrus» الأبيقوري، ودرس علم الجدل على ديوذورس الرواقي، وفي سنة ٨٨ق.م حضر على «فيلون Philo» ودرس عليه، وكان فيلون على رأس الأكاديمية، فأصبح من أخص تلاميذه.
(١٤) «تاريخ علم النفس» للأستاذ «برت Brett» ج١، ص٦٢، ٦٣.
(١٥) «موسوعة الدين والآداب» ج٤، ص٣٨٣.
(١٦) «ديوجنيس لايرتيوس» ج٢، ص٧٨.
(١٧) «ديوجنيس لايرتيوس» ج٢، ص٧٤.
(١٨) «ديوجنيس لايرتيوس» ج٢، ص٨٧، ٨٨، ٨٩.
(١٩) «ديوجنيس لايرتيوس» ج٢، ص٩٢، ٩٣، و«سقطوس أمبريقوس» ج٧، ص١٩١.
(٢٠) لم نوفق حتى الآن إلى وضع كلمة تقابل Ethics وترجمتها بأخلاق ليس خطأ وليس صوابًا.
(٢١) ترنر: «تاريخ الفلسفة» ص٨٩، ٩٣.
(٢٢) «أنطثنيز Antisthenes» (٤٤٤ق.م) ويلاحظ مبدئيًا أن أكثر هذه الأرقام مشكوك فيها، وهو مؤسس المذهب الكلبي في الفلسفة القديمة، درس في شبابه على غورغياس وربما يكون قد حضر أيضًا على «هفياس Hippias» و«فروديقوس Prodicus» ثم أدركه نفوذ سقراط، فأصبح من تلاميذه المعجبين به، وقد أثر فيه مذهب سقراط في الفضيلة، فأسس مدرسة خاصة في مكان يدعى «القونوسرغس Cynosargus» أو قاعة الهجائن Hall of The Bastards وقد التفَّت من حوله الطبقات الفقيرة، مأخوذة بتعاليمه وبساطة طرق حياته، ويقول ديوجنيس لايرتيوس إن مؤلفاته تملأ عشرة مجلدات، ولكن لم يصلنا منها غير نتف قليلة.
(٢٣) ترنر في «تاريخ الفلسفة» ص٨٩، ٩٣.
(٢٤) «نشوء أوربا العقلي» ص١٨٣، وص١١٤، ج١.
(٢٥) في كتابه «تاريخ الفلسفة».
(٢٦) «المعجم الإنسيكلوبيدي» ص١٥٥، ج٤.
(٢٧) «موسوعة الدين والآداب» مادة “Hedonism” فلسفة، ص١٥٥، ج٤.
(٢٨) عن «المعجم الإنسيكلوبيدي» ج٣، ص٢٦٩.
(٢٩) «وندلبند Windelband» في كتابه «مقدمة الفلسفة»، ص٢٢٨-٢٢٩.
(٣٠) «نشوء أوربا العقلي» ج١، ص١١٤.
(٣١) ترنر «تاريخ الفلسفة» ص٩٣ و٩٨.
(٣٢) ترنر: «تاريخ الفلسفة» ص٩٣ و٩٨.
(٣٣) ديوجنيس لايرتيوس.
(٣٤) «موسوعة الدين والآداب» ج٤، ص٣٨٣.
(٣٥) الأستاذ روبرتسون في كتابه «تاريخ حرية الفكر» ص١٨٣، ج١.
(٣٦) «ديوجينيس لايرتيوس» ج١٠، ص١٣٦.
(٣٧) «مطروذورس Metrodorus» مسقط رأسه «خيوس Chios» وكان أحد أركان المذهب الذري — أي مذهب القائلين بالذرات — ويحتمل كثيرًا أنه كان من تلاميذ ديمقريطس نفسه، فاعتنق مذهبه في الذرات والخواء وتعدد العوالم، ولكنه قال إن النجوم تتكون بين يوم وآخر من رطوبة الهواء وتأثره بحرارة الشمس، أما ميله إلى الشك والبرهان عليه، فعبارة نقلها قيقرون في كتابه «الأكاديميون» (ج٢، ص٢٣) إذ يقول: «إننا لا نعرف شيئًا بل إننا لا نعرف إن كنا نعرف أو لا نعرف.» وقوله: «إن الإنسان إنما يدرك من الأشياء ظواهرها كما تلوح له.»
(٣٨) ترنر: «تاريخ الفلسفة» ص١٨٠–١٨٢.
(٣٩) «موسوعة الدين والآداب» ج٦، ص٥٦٧.
(٤٠) «ديوجنيس لايرتيوس» ج٢، ص٩٤.
(٤١) «موسوعة الدين والآداب» ج٤، ص٣٨٣.
(٤٢) ديوجنيس لايرتيوس ج٢، ص٩٦، ٩٧.
(٤٣) أي أرسطوطاليس، وأسطاغيرة مسقط رأسه.
(٤٤) إردمان في كتابه «تاريخ الفلسفة».
(٤٥) قد يدعى في بعض المؤلفات «بيوس Bios» فليلاحظ ذلك.
(٤٦) زللر، «خلاصة تاريخ الفلسفة اليونانية»، ص١١٥.
(٤٧) زللر، «خلاصة تاريخ الفلسفة اليونانية»، ص٢٢٨.
(٤٨) «طيليس Teles» غير «طاليس Thales»، واسم الثاني عُرِّب خطأ، والواجب أنه يرسم ثاليس، وهو فيلسوف يوناني آسيوي ومن أول رواد الفكر الإنساني.
(٤٩) روبرتسون «تاريخ حرية الفكر» ص١٨٣، ج١.
(٥٠) «ديوجنيس لايرتيوس» ج٢، ص٩٩.
(٥١) «ديوجنيس لايرتيوس» ج٢، ص٩٩.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠