الأدب والأدباء

الأدب والشعراء

أَوْجَدَتِ العواملُ التي ذَكَرْناها في الفصل السابق نشاطًا عقليًّا غريبًا، وتَنَاحُرًا بين الأديان المختلفة يشبه التناحر على العصبيات المختلفة، وأَخَذَ العلماء يشرحون أنواع الأدب، ويرون أن الأدب والنقد نتيجةٌ لِبِيئَاتٍ مختلفة … فصبها العلماء في العراق كلها صبًّا واحدًا؛ فمثلًا كان أَدَب الحجاز غير أَدَب الشام، غير أَدَب بغداد.

كان أَدَب الحجاز — بحكم تنحية الحجازيين عن السياسة في أيام العهد الأموي، وبحكم كثرة الغنائم وكثرة الفراغ — مجالًا للترف والنعيم، ولذلك كان رافع لواء ذلك الأدب: عمر بن أبي ربيعة، وغزله، ثم ما تبعه من مدرسته تعمل عمله وتنقده.

وكان أدب الشام متأثرًا ببيئته؛ إذ كانت دمشق عاصمة الخلفاء يأتيها الناس مِنْ كُلِّ فَجٍّ عميق للمديح، وفيها التناصُر السياسي، لهذا كان أغلب الشعر فيها مديحًا وسياسةً.

وكان العراق على حدود البادية؛ فكان الشعر فيها امتدادًا للشعر الجاهلي، وأنشأوا فيها المربد يتسابقون فيه إلى الشعر كعكاظ، ويتحلقون حول جرير والفرزدق، فكان أدبهم من جنس الأدب الجاهلي: هجاءً، وفخرًا، واعتدادًا بالعصيان، ونحو ذلك، فلما تحولت الحاضرة من دمشق إلى بغداد في العهد العباسي تغيَّر الأدب؛ فأخذ الأدباء العباسيون يقفون في بغداد موقف الأمويين من دمشق والعكس، وَكُلُّ الأدب الذي نتج من هذه البيئات صُبَّ جميعُه في العراق بفضل ما جمعه العلماء، فكان كلُّ ذلك أدبًا عربيًّا يتولاه النقد.

ثم كانت الحياة الاجتماعية في العصر العباسي حياةً جديدةً تُخالِفُ الحياة في الحجاز والشام والعراق قبْل العباسيين، وكان لا بد من زعماء جدد يشعرون بمواجهة الحياة الاجتماعية الجديدة، وهذا ما قام به بشار بن برد، وأبو نواس، وأمثالهم، وكما تأثروا بالحياة الاجتماعية تأثروا أيضًا بالثقافات المختلفة التي فشت في عصرهم، فرأينا شِعرًا عن الأَدْيِرَةِ، وشِعرًا عن عيد النيروز، وشِعرًا عن يوم الشعانين، وشِعرًا عن الأزهار الجديدة وغيْر ذلك، ولما أَلْبَسَتْ زبيدة بعض الفتيات لبس الشبان أنشد أبو نواس شِعر الغزل في المذكر استجابة لهذه الدعوة.

وحتى البيئات الخاصة كان لها أدب خاص؛ فقد كان جزء من العراق يعيش فيه الخوارج … فشعروا شِعرًا على مَذهبهم، وقال قائلهم:

أيها المادح العبادَ ليُعطي
إنَّ لله ما بأيدي العبادِ
فاسألِ الله ما طَلَبْتَ إليهمْ
وارجُ فَضْلَ الُمَقَسِّمِ العوادِ
لا تَقُل في الجواد ما ليس خَيْرًا
وَتُسَمِّ البخيلَ بِاسم الجوادِ

وسَمَّوا أحد شعرائهم شاعرَ المؤمنين، وشعراء الخليفة العباسي شعراء الكافرين … فشعراء الخوارج يَزِنون الشِّعر بميزان الدِّين والأخلاق، بينما يَزِنُه شعراء الخلفاء والأمراء بالميزان الفني البحت، ويجعلون أمامهم الشِّعر الجاهلي والنزعات الداخلية، كُلُّ هذا صُبَّ في العراق صبًّا، وتعدد المقلدون حسب هذه المذاهب المختلفة، فكان لنا العباس بن الأحنف يشبه عمر بن أبي ربيعة، وأبو نواس يشبه الوليد بن يزيد الأموي، والخوارج الأخيرون يشبهون الخوارج الأولين، وهكذا …

التقدم اللغوي

وبلغت اللغة الذروة في عهد الرشيد؛ لنمو الثقافة والحضارة في عهده، وقد كان هارون ظِلَّها الظليل، والمُغْدِق على العلماء والشعراء والموسيقيين، ولقد أخذت علوم العربية في عهده نهضة جديدة اقترنت بأسماء الأصمعي، وأبي عبيدة، وأبي زيد، والفراء، والكسائي، وهؤلاء جميعًا اتخذوا لغة البدو هي المَثَل الأعلى، والنموذج الرفيع، وكانوا دائما يقاومون لغة العامة في لحنهم، حتى أنكروا على الفراء أنه لحن بمحضر الرشيد، وأنه اعتذر عن ذلك بأن اللحن عند سكان المدن لازم لهم كالأعراب عند أهل البادية.

ولقد كان محببًا إلى الخليفة أن يُجالِسَ النُّحَاةَ، ويستمع إلى جدلهم … وكان يَقْدِرُ سلامة اللغة حَقَّ قَدْرها، ويدقق فيما لم يَفْهمه؛ فقد سمع الأصمعي يقول: «ما لاقتني بعدك أرض»؛ أي لم تمسكني، فلم يَرْتَحْ حتى استفسر عنها، وكان مما حبب زبيدةَ إلى الرشيد فصاحتُها وبلاغةُ أسلوبها، كالذي رُؤيَ لها من خِطابها للمأمون عندما قَتَلَ ابنها الأمين مما عُدَّ خيرَ الكتب وأَبْلَغَها.

وكان الرشيد دقيق الفهم للعربية حتى كان يستطيع أنْ يَفْرِق بين ماذا قلت أنا قاتلُ غُلَامِك على سبيل الإضافة بمعنى قتلت غلامك، وبين أنا قاتلٌ غُلَامَك بالتنوين على معنى سأقتل غلامك، وكان يَفْرق بيْن قَوْلِك أنتِ طالقٌ طالقٌ طالق، وقولِكَ أنتِ طالق وطالق وطالق، مما يدل على دقة الذوق.

وكان العلماء إذا اختلفوا في شيء، رجعوا إلى البدو يستفسرونهم، ويحكمون بينهم، وكانوا يُصحِّحُون كثيرًا مما يجري من اللحن على ألسنة العوام، وقد نسبوا إلى الكسائي كِتَابًا في لحن العامة عَمِله لهارون الرشيد، وهو — وإن لم تكُنْ نِسْبَته صحيحةً — فإنه يُعدُّ أقدمَ الآثار الأدبية في تنقية اللغة العربية، وهو يحتوي على نحو ١٠٢ غلطة من الغلطات التي تجري على ألسنة العوامِّ، وقد بلغت تنقية اللغة العربية هذه ذرْوتَها في لغة أبي نواس، نعم، كانت تأتي في شعره صيغ غريبة التصريف كتنوينه سنون وبنون … واستعماله أحيانًا جمْعَ المذكر السالم بكسر النون بدل فتحها، وأَخَذَ النحاة عليه قوله:

يا خيْرَ مَن كان ومَن يكونُ
إلا النبيُّ الطاهرُ الميمونُ

فقالوا: كان من الواجب نصْبُ إلا النبي، وأكثرُ من ذلك ترْكه الإعرابَ أحيانًا، واستعمال صيغ ماضية أحيانًا، وقوله في بعض شعره يأتكْ بسكون الكاف على الوقف، وقوله:

كَأَنَّ صُغْرَى وَكُبْرَى مِنْ فَقَاقِعِهَا
حصباءُ دُرٍّ على أرض من الذهبِ

فانتقدوا صُغْرَى وَكُبْرَى، على أنه — فيما يَظْهَرُ — يأتي بهذه الأشياء لا على أنها لحْن، بل يتعمدها تعمُّدًا استصغارًا لقواعد النحو، وكان في إمكانه تجنبها، ولكنه كان يهزأ بالنحو كما يهزأ بالعرب، وعلى العموم كان من كثرة الاحتكاك بين البدو والحضر في عهد الرشيد، ومجادلات العلماء، والمكافأة عليها بسخاء منه، وما منح من ذوق لغوي دقيق، حتى إن الأدوار الغنائية التي اختيرت له كانت كلها باللغة الفصحى.

وفي عصر الرشيد رُويَتْ لنا بعض القوالب الشعبية كالتي تسمي المزدوجة، وهو قالب شعري يؤلَّف فيه بيتان قصيران متحدا القافية … وقد نظم عليه أبو العتاهية أرجوزته المشهورة في ذات الأمثال، قالوا: إنها تشتمل على أربعة آلاف حكمة ومثل، لم يصلنا منها إلا جزء صغير، واختار أبان بن عبد الحميد اللاحقي — معاصر أبي العتاهية — نفس القالب المطابق للمثنوي الفارسي، عندما نظم كليلة ودمنة، وافتتحه بقوله:

هذا كتاب أدب ومحنهْ
وَهْوَ الذي يُدعى كليلةً ودمنهْ
فيه احتيالاتٌ وفيه رُشْدُ
وَهْوَ كتاب وَضَعَتْهُ الهِنْدُ

وفي عهد الرشيد ظهر شاعر ثالث … هو بشر بن المعتمر المعتزلي الذي زَجَّ به الرشيد في السجن بعضَ الوقت لتَشَيُّعه … إذ نَهَجَ نهجًا لم يُسبَقْ إليه في وَضْعِهِ قصيدتين، قالهما في الإشادة بحكمة الله المتجلية في الحيوان، وقد رواهما الجاحظ في كتاب الحيوان، إلى غير ذلك … كما ظهر في عصر المأمون المواويل كما سنَذْكُر …

على كل حالٍ اختَلَطَتْ هذه الثقافات كلها، وصُبَّت في بغداد، وتأثر بهما المسلمون إلى حَدٍّ كبير، وكانت الزينة العقلية في بغداد في عصر الرشيد، واختلف الناس في الاستفادة منها بمقدار عقولهم وظروفهم، هذا يميل إلى الفرس، وهذا يميل إلى الهند، وهذا يميل إلى اليونان، وهذا يميل إلى الرومان.

دروس وتجارب

وبعد هذه المرحلة كان هناك من المسلمين من يصح أن يُسَمُّوه كُتَّاب دوائر المعارف مثل الجاحظ وأمثاله، وكانت هذه الثقافات سببًا كبيرًا من أسباب ازدهار الحضارة الإسلامية، وحسن سمعة الرشيد، على أن للرشيد بجانب هذه الدروس العربية التي كان يتلقاها دروسًا أخرى من النظام الفارسي، كان يتلقاها باللغة العربية من يحيى بن خالد البرمكي، والفضل بن يحيى، وجعفر، وأمثالهم، وكان يتلقى بالعربية من اليونانية عن جبريل بن بختيشوع طبه وفلسفته، إذ كان الطب ملونًا باللون اليوناني.

وكانت هناك ثقافة تفوق ذلك كله، وهي تجاربه في الحياة مما كان يَرى في قصر أبيه، وما كان يراه من الجواري المختلفة الأجناس حولَهُ، ومن حروبه المختلفة، ومما كان يشاهده من أبيه المهدي أيام حروبه للزنادقة، وامتحانه لهم، وتوجيه التهم إليهم ومحاكمتهم، ومن الأيام القاسية التي قاساها أيام كان أخوه الهادي يريد حرمانه من ولاية العهد، وتولية ابنه.

•••

وإذا كانت الحياة كلُّها دروسًا؛ فقد كانت دروسه كثيرة من كثرة ما لاقى، وما شاهد، وما سمع، وتمت تجاربه بعد أن نكل بالبرامكة، وتولى هو ما كان لهم من سلطان، وما كانوا يحملون من تبعات، وكان له ذوق في الشعر حادٌّ شديد، وكان ذوَّاقًا يطرب للشِّعر، فيجلس من اتِّكاءٍ، أو يقف من جلوس، وإذا كره شاعرًا غَضِب منه غضبًا شديدًا، وكان له مذهب خاص في الشِّعر؛ يقول أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني: إنَّ منصورًا النمري ظفر بحظوته عند الرشيد؛ لأنه عَرَفَ مذهبه في الشِّعر، وهو أنْ يَصِل مدحه إياه بنفي الإمامة عن ولد علِيٍّ، والطعن عليهم، وقد تعلم ذلك مما كان يبلغه من تقديم الرشيد لمروان بن أبي حفصة، وتفضيله إياه على الشعراء في الجوائز، فسلك في ذلك مسلك مروان، ونحا نحوه، وذلك مثل قوله:

خَلُّوا الطريقَ لِمَعْشَرٍ عَادَاتُهُمْ
حَطْمُ المناكبِ كلَّ يومِ زِحَامِ
ارْضَوْا بما قَسَمَ الإله لَكُمْ بِهِ
ودعوا وراثة كُلَّ أَصْيَدِ حَامِ
أنَّى يكون وليس ذاك بكائنٍ
لِبَنِي النبي وراثة الأعمامِ

الترجمة في عهد الرشيد

وفي عهد الرشيد عني العلماء أكثر مما كانوا من قبل بترجمة الكتب؛ ذلك أنه بدأت بشائر قليلة في الترجمة في عهد المنصور، فكان مِنْ جِهة ممعودًا يحتاج إلى أطباء ليعالجوه، ومِنْ جِهة أخرى كان مَيَّالًا إلى التنجيم؛ مِن كثرة ما خالط الشيعة، فلا يكاد يعمل عملًا إلا استشار فيه المُنَجِّمين … لذلك عني بالطب والنجوم، وقد كانت مدينة جنديسابور مشهورة بالطب من عهد كسرى، فاستقدم المنصور أحد أطبائها، وحمله على أن يقيم معهدًا ببغداد كمعهد جنديسابور، كان هذا الطبيب يعرف اللغة اليونانية، والسريانية، والفارسية، والعربية، فَلَمَّا رأى المنصور يقربه نقل له كتبًا طبيةً من اليونانية غير التي ألَّفَها باللغة السريانية، وعكف الناس على هذه الكتب، وقد قالوا: إن ابن المقفع نقل أيضًا من كتب الفرس إلى العربية كُتُبًا في المنطق والطب، كان الفُرس قد نقلوها من اليونان.

فلما جاء المهدي كان الناس قد نضجوا بعض النضج في الترجمة؛ بفضل ما وُضع في عهد المنصور، ولكنه شُغل بحركة الزندقة؛ لأن المترجمين لم يقتصروا على ترجمة كتب الطب والتنجيم وغيرها، بل ترجموا أيضًا كتب الزنادقة.

فلما فشت الزندقة في أيامه تفرغ لها، وقَتَلَ مَن اعتنقها مِنْ جِهة، وأمر المتكلمين مِنْ جِهة أخرى بالرد عليهم، وخصوصًا المعتزلة.

وقد كانت نزعة الرشيد أقوى، وزمنه أهدأ، وماله أكثر، خصوصًا وقد توافد على بغداد كثير من العلماء العارفين باللغات من السريان، والفرس، والهنود، والروم، وكان منهم مَنْ تَعَلَّم اللغة العربية؛ لأنها اللغة الرسمية للدولة، فحملهم على ترجمة الكتب، وقد توسعوا في الترجمة، وترجموا غيرها من فروع الفلسفة … إذ كان الطب والتنجيم يُعدَّان فرعين من فروعها، بجانب المنطق وما وراء الطبيعة، والطبيعة، وغير ذلك.

•••

وكان الرشيد في حروبه الكثيرة مع البيزنطيين يفتح بلادًا ومدنًا تحتوي كُتبًا يونانيةً ورومانيةً كثيرةً، فلم يكُنْ يحرقها أو يُبَدِّدها؛ بل ينقلها إلى بغداد في عناية … من ذلك أنه عَثَر أثناء حروبه في أنقرة وعمورية على كثير من الكتب، فحملها إلى بغداد، وأَمَرَ طبيبه يوحنا بن ماسويه بترجمتها إلى العربية، كما أمر الحَجَّاج بن مطر بترجمة كتاب إقليدس في الهندسة، وكانت ترجمته إلى العربية هذه لأول مرة، ثم تُرجم فيما بَعْد ترجمةً ثانيةً، ومَيَّزوا الأولى بأن أطلقوا عليها الترجمة الهارونية نسبة إلى هارون الرشيد.

وشاركه العظماء في ذلك؛ فيحيى بن خالد البرمكي أَمَر أيضًا بترجمة كتاب المجسطي، ثم جاء بعد ذلك المأمون فاستغل ما تُرجم قبله، وزاد عليه كثيرًا، والناس على دين ملوكهم … فلما رأوا المأمون يميل إلى ترجمة الكتب، وينفق على ترجمتها عن سخاء اتبعوا مذهبه، وقد ساعده على ذلك نضوب الحركة التي بدأت قبْله، كما ساعده أيضًا وجود جماعة من أحرار الفكر من المعتزلة حوله كأبي الهذيل العلاف والنظام.

وقد أبلى بلاءً حسنًا في هذه الترجمة السريانيون … فقد كانوا أكثر اتصالًا بالفلسفة مِنْ قَبْل العرب، وكانوا قد نقلوا كثيرًا من الكتب اليونانية إلى اللغة السريانية، وكانوا يُعلِّمون اللغة اليونانية في مدارسهم وأكثرها في العراق، فَلَمَّا انتقل كرسي الخلافة إلى بغداد، ورأوا حاجة المتكلمين بالعربية إلى هذا العلم، حَوَّلوا ما نقلوا من السريانية إلى العربية؛ طلبًا للرزق، وحُبًّا في التقرب إلى الناطقين بالعربية.

حدة مزاج الرشيد

ولقد كان الرشيد مثقفًّا ثقافةً واسعةً، وكان كبير العقل عاليَ الهمة كريم النفْس … ولكنه من ناحيته العاطفية كان حادَّ المزاج؛ يكون في مجلس وعظ ودِين فيتدين، ويفرط في التدين، ويصلي مائة ركعة في اليوم، ويحج ماشيًا، ويكون في مجلس غناء أو شراب فيملكان عليه قلبه، ويرضي عن البرامكة فلا حد لرضاه، ويغضب عليهم فلا حد لغضبه، ويعفو حتى لَيَظُنَّ الظانُّ أنه لا يعاقِب، ويحلم حتى يعفو في مواضع العقاب، ويغضب فيَخاف مَن حَوْلَه من الحديث معه؛ كالذي رُوي أنه لما عاد من حروب الروم بلغه أن نقفور نقض العهد الذي عَهِدَه، فخاف وزيره من إلقاء الخبر عليه، فأوعز للشعراء أن يخبروه بالخبر، فقال عبْد الله بْن يوسف:

نَقَضَ الذي أَعْطَيْتَه نَقْفُورُ
فعليه دائرة البَوَار تَدُورُ
أبْشِر أميرَ المؤمنين فَإِنَّهُ
غُنْمٌ أَتَاكَ به الإلهُ كَبِيرُ
فَتْحٌ يَزِيدُ على الفتوح مؤَيَّدٌ
بالنصر فيه لِوَاؤُكَ الْمَنْشُورُ
فلقد تَبَاشَرَتِ الرعية أنْ أَتَى
بالغَدْرِ منه وَافِدٌ وَبَشِيرُ
وَرَجَتْ يَمِينُكَ أَنْ تُعَجِّلَ غَزْوَةً
تشفي النفوس مَكَانُهَا مذكورُ
نَقْفُورُ إنك حين تَغْدِرُ إنْ نأى
عنك الإمامُ لَجَاهِلٌ مَغْرُورُ
أظننْتَ حين غَدَرْتَ أَنَّكَ مُفْلِتٌ
هَبَلَتْكَ أُمُّكَ ما ظَنَنْتَ غَرُورُ

وقال أبو العتاهية:

تجلبت الدنيا لهارون بالرضى
وأصبح نقفور لهارون ذميًّا

وقال غيره:

لجَّتْ بِنَقْفُورَ أسبابُ الردى عَبَثًا
لَمَّا رَأَتْهُ بغيل الليث قَدْ عَبَثَا

فلما علم عاد من وقته يحاربه، وهكذا العاطفة الحادة تكون كجو أمشير؛ هادئة في لحظة، ثائرة في لحظة …

حظه أكبر من صفاته

وربما كانت شهرته أكبر منه، وحظه أكبر من صفاته، ولكنها الدنيا إذا أَقْبَلَت على أحد وَهَبَتْه محاسن غيْره، وإذا أَدْبَرَتْ عنه سَلَبَتْه محاسن نَفْسه، والحقُّ أنَّ العَشَرة الأولِين مِن الخلفاء العباسيين كانوا كلهم عظامًا إذا استثنينا الأمين.

وكان لكل منهم ميزة في تأسيس الدولة العباسية، ورَفْع شأنها … ولكن لم ينَلْ أحدٌ من الحظ ما نال الرشيد، وحتى الأمين لا نستطيع أنْ نُصَدِّق كل ما رُوي عن بلاهته وغفْلته.

فقد وَضَعَ عليه القصَّاصون حكايات كثيرة لا تتفق مع ترشيحه للخلافة في ذلك العصر، ومع تربيته تربيةً دقيقةً رَبَّاهُ بها الرشيد.

ولكن المؤرخين دائمًا مُولَعُون بالاستهانة بمن سقط في الميدان، وإعلاء شأن مَنْ نَجَحَ فيه، ولو كان الأمين قد تَغَلَّب على المأمون لَانْعَكَسَت الآية مِن عصْرٍ إلى عصْر … خصوصًا وأن التاريخ الأول للأمين وُضِع في عهْد خصمه المأمون، وانتقل بَعْد ذلك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤