الفصل الرابع

الأبعاد الخمسة لثقافة الابتكار والأداء

لقد استمرت فيدكس على مدار تاريخها الممتد لربع قرن في وضع معايير خدمات النقل والخدمات اللوجستية التي يُقيَّم الآخرون وفقًا لها. يعكس ذلك مستوًى عاليًا من القيادة يَعِد بمواصلة الابتكار لعدة سنوات قادمة.

أرون جي جيلمان، حاصل على درجة الدكتوراه ومدير مركز النقل في جامعة نورث ويسترن، من مطبوعة بعنوان «ما أسرع ما يمضي الوقت!» احتفالًا بمرور ٢٥ عامًا على تأسيس شركة فيدكس، ١٩٩٨
على مر التاريخ، اعتمدت المشروعات التي تسعى لتحقيق مستقبل ناجح على اكتشاف «الفكرة العظيمة» التالية، التي غالبًا ما تأتي عقب اكتشاف عَرَضي لفكرة رائعة دفَعتِ الشركة إلى الأمام. لكن كي تنجح الشركات في المنافسة، وكي يستمر نموها في بيئة العمل الحالية الدائمة التغير، لا بد لها أن تتعلم كيفية تطوير ثقافة ابتكار مزدهرة — أي قدرة مستمرة على توليد الأفكار الإبداعية وقبولها وتنفيذها — داخل المؤسسة، كما سنرى في الشكل ٤-١.
fig6
شكل ٤-١: عملية الابتكار ذات الخطوات الثلاث.

كيف تستطيع مؤسسة ما توليد الأفكار الإبداعية؟ يحدث ذلك عبر توليد العديد من الأفكار، ثم اختيار تلك التي تخاطب المشكلة/المشكلات الحالية، أو التي تحقق أفضل استغلال للفرص من أجل تلبية احتياجات العملاء المتغيرة؟ من أين تأتي الأفكار؟ تأتي الأفكار من عقولنا. لا يتعين علينا أن ندفع عقولنا إلى التفكير، فهي مبرمجة طبيعيًّا على ذلك. لكن يتوتر الكثير من الناس عندما يُطلب منهم تقديم أفكار جديدة؛ لأن الظروف المثالية للفكر الإبداعي غير متوافرة. مَن المسئول عن قبول الأفكار الإبداعية (الأولية) وتطويرها؟ إنهم الأفراد الخاضعون لتأثير الفكرة بجانب من لديهم المعرفة اللازمة لتطويرها. أما قبول الفكرة فهي — مثل توليدها — مهمة من مهام العقل، الذي يتقبل الأفكار الجديدة دون تردد عندما يعمل تحت ظروف مناسبة. رجاءً ملاحظة أنني سأستخدم كثيرًا في هذا الفصل — أثناء تطوير نموذج ثقافة الابتكار — كلمة عقول بدلًا من تعبير عقول الأفراد أو الأفراد من أجل إضفاء قدر من العمق على مناقشة الظروف وفهمها.

(١) الإبداع هو أن تسأل نفسك: «ماذا لو …؟»

إن الإبداع في عالم الأعمال يتضمن الاستمرار في طرح السؤال التالي: «ماذا لو …؟» لكن عندما يواجه الأفراد مشكلة فإنهم يميلون إلى الانشغال سريعًا بأسئلة تبدأ ﺑ «كيف» — لإيجاد حل سريع — قبل استكشاف جميع الخيارات. أحد الطرق السهلة لقياس البيئة الإبداعية في أي من المؤسسات هي إحصاء عدد المرات التي يطرح فيها أحد أفراد الشركة الأسئلة التالية: «ماذا لو وضعنا المشكلة في هذا الإطار؟» «ماذا لو نظرنا إلى العلاقة بين تلك المتغيرات؟» «ماذا لو استكشفنا خيارات أخرى؟»

على الرغم من أن توليد الأفكار داخل العقل وبواسطته يبدو حقيقة بديهية، فإن معظم أساليب تطوير القدرات الإبداعية تتجاهله. في وسع أي مدير إخبارك بأنه لكي يتمكن العمال من أداء وظائفهم بكفاءة ينبغي تهيئة بيئة تساعدهم على تنفيذ مهامهم؛ ومن ثم تصبح الراحة الجسدية، والأمان، والكفاءة الوظيفية، وبساطة التصميم مكونات مهمة في مكان العمل المتميز، لكن الأمر لا يقتصر على ذلك.

ورغم تأثير الظروف الجسدية على توقد الذهن، فإن أوضاعًا وظروفًا أخرى هي الأهم غالبًا، ويكمن التحدي في تحديد التصميم المناسب للمجال «العقلي». ما الظروف التي تسهِّل توليد الأفكار الإبداعية وقبولها وتطبيقها؟ تزيد تلك الظروف من احتمالية تحول الإبداع إلى جزء طبيعي من عملية حل المشكلات، فتحديد البيئة العقلية المناسبة يحتم على القادة فهم خصائص تلك البيئة أولًا، ثم تعلُّم كيفية التأثير على الظروف في تلك البيئة. توضِّح القصة التالية أهمية الظروف المناسبة، وتؤكد على حقيقتين مهمتين: (١) يتمتع الموظفون داخل المؤسسة بقدرات وإمكانيات هائلة غير مستغلة، و(٢) يلعب قادة المؤسسة دورًا حيويًّا في خلق الظروف المناسبة لتطوير إمكانيات الموظف وإطلاق العنان لها.

كانت الشركة مثقلة بالديون وفي سبيلها إلى الإفلاس؛ ومن ثم عُقد اجتماع لمجلس الإدارة، وبعد انتهائه انعزل رئيس الشركة في مكتبه يائسًا وهو يقول: «يا إلهي، لم يعد أمامي سوى احتساء الخمر حتى الثمالة أو الصلاة. إذا ثملت فسأعاني غدًا أشد المعاناة، وإذا صليت فقد يجد جديد.» وهكذا أخد يصلي في صمت ثم سمع العبارة التالية: «هيئ الظروف التي تتيح للأفراد بلوغ أقصى قدراتهم في إطار الفرص المتاحة.» وبعد ثلاث سنوات، تعافت الشركة وتخلَّصت من ديونها.

قصة حكاها القس مورتون تي كيلسي في منتجع؛ حيث سمعتها آن واتسون من مدينة ماريون بولاية ماساتشوستس. وقد أرسلتها إلى مجلة «أيونز نويتك ساينسيز ريفيو» ونُشرت في عدد مارس-مايو ٢٠٠١
إن تجاربي مع واحدة من أكثر الشركات ابتكارًا في تاريخ الاقتصاد الحر — فيدكس — ونجاحي في مساعدة الشركات الأخرى على أن تصبح شركات مبتكرة حقًّا أثبتا لي الحقائق التالية:
  • لدى الجميع قدرة على الإبداع.

  • الإبداع هو وظيفة عقلية؛ ومن ثم لا بد من فهمه في سياق نموذج عقلي.

  • تنمية عقول مبدعة (أشخاص مبدعين) أمر يتطلب بيئة عقلية مناسبة (نموذج) وممارسات قيادة سليمة.

  • إن مجموعة مؤثرة من العقول المبدعة ستتمكن من تطوير ثقافة ابتكار تشمل المؤسسة بأكملها.

(٢) نموذج ثقافة الابتكار

تتكون ثقافة الابتكار من خمسة أبعاد، أو ظروف يجب تهيئتها. لا بد أن تتوافر جميع هذه الأوضاع كي يسود الابتكار والتفكير الإبداعي داخل المؤسسة. يصف هذا الفصل كل ظرف من تلك الظروف الخمسة، ويوضح كيفية تضافرها من أجل خلق نموذج الابتكار المثالي. كذلك يحدد هذا الفضل مسئوليات المدير القيادية اليومية التي تهدف لتهيئة الظروف المطلوبة.

(٣) البعد الأول: مشاركة الأفراد

باستخدام شرائح برنامج «باوربوينت» الغنية بالألوان والعروض التقديمية الجذابة، يتمكن كبار المديرين من تقديم براهين مقنعة (على الأقل من وجهة نظرهم) تثبت ضرورة لجوء شركاتهم إلى الابتكار. وبعد انتهاء العرض التقديمي، يعود الموظفون إلى مكاتبهم ويواصلون ما كانوا يفعلونه من قبلُ، وتمر أسابيع دون حدوث أي تغييرات؛ لأن الشركة لم تشرك عقولهم في تطويرها، في حين تعد المشاركة عاملًا ضروريًّا لتوليد الأفكار الإبداعية.

عندما نتمكَّن من جذب عقول الموظفين للمشاركة، فإنهم يركزون طاقتهم الذهنية على تطوير استراتيجيات النمو في شركتهم وتنفيذها بنجاح، بينما ينجزون في الوقت نفسه مسئوليات وظيفتهم؛ فالعقل المشارك يكون حاضرًا دومًا وحريصًا على التنبُّؤ ببيئة العمل المتغيرة والظروف الناتجة عن تلك التغيرات واستيعابها. والعقل المشارك يستغل قدراته الإبداعية الطبيعية لتطوير حلول مبتكرة تستطيع الاستفادة من الفرص الجديدة. وعندما يصبح العقل الجمعي للمؤسسة مشاركًا في مشروعها، فإن الناتج الثانوي الطبيعي هو لجوء الموظفين من جميع الأقسام والمجالات إلى العمل الجماعي بهدف تطوير وتنفيذ أفكار إبداعية ستحقق هدفًا مشتركًا (انظر الشكل ٤-٢).
fig7
شكل ٤-٢: البعد الأول لثقافة الابتكار والأداء.

(٣-١) الحاجة لأن تصبح جزءًا من فريق ناجح

إذن ما الذي يؤدي إلى مشاركة الأفراد في العملية الإبداعية؟ يشارك الموظفون بأفكارهم في العملية الإبداعية إذا شعروا أن ما يحدث سيؤثر عليهم؛ فهم يرغبون في أن يصبحوا أعضاء يتلقون التقدير في فريق ناجح يسعى إلى تحقيق إنجازات. يتولى قائد الفريق مسئولية طرح رؤية مشتركة تؤدي إلى مشاركة الموظفين في العملية الإبداعية، لكن هذه المسئولية بجانب مسئوليات القيادة الأخرى عادةً ما تتراجع في الأهمية تحت ضغط تحقيق الأهداف اليومية الملحة في مجال الإنتاجية والمبيعات. يستطيع القادة إشراك الأفراد عبر تخصيص وقت منتظم للإجابة عن الأسئلة التالية:
  • ما هي استراتيجية «نمو» الشركة؟

  • كيف ترتبط استراتيجية الشركة بما أفعله؟

  • ما الذي يتعين عليَّ فعله «تحديدًا» كي أساعد في تحقيق استراتيجية النمو؟

  • ما الفائدة التي ستعود عليَّ؟

(٣-٢) الحاجة إلى إحداث فرق

يوجد على باب مكاتب الإدارة التنفيذية في شركة فيدكس نموذج لسفينة شراعية؛ إذ اعتاد فريد القول بأن طائراتنا هي بديل المراكب الشراعية في عصر أجهزة الكمبيوتر، فهي تصل الأمم بعضها ببعض، وتزيد من حجم التجارة العالمية؛ ومن ثم تساعد على رفع مستويات معيشة الأفراد حول العالم. تُذكِّر إدارة فيدكس موظفيها باستمرار بأنهم يقدمون خدمات توصيل في غاية الأهمية؛ إذ ينقلون إمدادات طبية للمنكوبين، وقطع غيار ضرورية لتشغيل الآلات والمصانع، ووثائق قانونية لا بد من توصيلها في الوقت المناسب، بل هدايا أعياد الميلاد للأطفال؛ فالشركة تتعامل مع جميع أنواع الحمولات القيمة وتنقلها يوميًّا.

ومن أجل مساعدة الموظفين على فهم مكانهم المناسب وكيفية الاستفادة من نجاح المؤسسة، يجب على المديرين الإجابة عن السؤال التالي: «ما الفائدة التي ستعود عليَّ من ذلك؟» ومن أجل الإجابة عن هذا السؤال لا بد أن يفهموا أولًا ما الذي يحفز معظم الموظفين؛ فقد أثبتت الدراسات وجود حاجتين تتربعان تقريبًا على قمة قائمة الأهداف المهمة:
  • (١)

    الرغبة في إحداث فارق.

  • (٢)

    الرغبة في الارتقاء المهني وتحقيق الطموحات.

بالطبع تلعب العوامل الاقتصادية دورًا مهمًّا؛ إذ يحتاج الموظفون إلى تقاضي أجور لائقة لإعالة أنفسهم وعائلاتهم. ثبت كذلك أن المشاركة في النجاح المالي للشركة من المحفزات الجيدة؛ إذ تحتل خطة المشاركة في الأرباح لدى فيدكس جزءًا مهمًّا من فلسفتها التي تضع الأفراد أولًا. وفي ظل الظروف المناسبة، سيشعر الموظفون أنه يتعين عليهم محاولة إحداث فرق.

لم أساعدها رغبةً في تلقي الثناء، بل فعلت ما في وسعي لمساعدة عميل في موقف صعب ليس إلا. عليك بتقديم المساعدة المناسبة للناس. عليك أن تضع نفسك في موضعهم وكأنك أنت من تطلب المساعدة. إن جزءًا من خدمة العملاء هو الشعور الرائع الذي ينتابك عندما ترى أنك أحدثت فارقًا.

جيمس بريسكو، مسئول التوصيل بفيدكس، بوسطن، ماساتشوستس، مجلة «فاست كومباني»، عدد مارس ٢٠٠٠

إن مشاركة الموظفين في العملية الإبداعية على نحو كامل يتطلب مشاركتهم بقلوبهم وعقولهم؛ فالموظف المشارك يساعد المؤسسة على تحقيق أهدافها، لكن الموظفين يرغبون كذلك في الشعور بأن عملهم يفيد المجتمع ككل، ويرتبط بهدف أكبر من الربح؛ لذا من المهم للغاية أن يراعي المديرون جعل مهمة الشركة تتمحور حول هدف نبيل وراقٍ، والتأكُّد من أن الموظفين يدركون دورهم في المخطط العام للأحداث.

تتحقق هذه المشاركة عبر تهيئة أجواء من الحماس وإحساس بالانتماء بين الموظفين كي يشعروا بأنهم يلعبون دورًا مهمًّا في نجاح المؤسسة. من العوامل الحاسمة في عملية مشاركة عقول الموظفين ما يبديه مديروهم من حماس؛ فمشاعر القائد مُعْدية، وما يظهره من حماس وعزيمة يحرك قلوب الموظفين.

(٤) البعد الثاني: تطوير الموظفين

بعدما أصبح الموظفون مهتمين بأمر شركتهم يتطلعون إلى تقديم إسهامات في الشركة، لكن توليد أفكار إبداعية وجديدة ليس سهلًا كما قد يبدو.

عندما نبحث عن تلك الأفكار الإبداعية والحلول المبتكرة، عادةً ما يقال إنه يتعين على المرء «التفكير خارج الصندوق.» لكن ما هو تحديدًا هذا «الصندوق» الشهير؟ يمكنك تخيله، إنه عبارة عن حيز من المخ يضم جميع المعلومات والروابط التي كوَّنها المرء وجمعها حتى الآن؛ فالنقطة هي معلومة صغيرة في القاعدة المعرفية. وبعد حل مشكلة ما — بنفس الطريقة مرارًا وتكرارًا — تصبح عملية الربط عملية آلية. إذن عندما يواجه المرء نفس المشكلة، فإن العقل يقدم الحل القديم المعروف دون أن يبذل أي جهد واعٍ. من نواحٍ عدة، يعمل العقل مثل جهاز الكمبيوتر؛ إذ يفحص القاعدة المعرفية في الذاكرة كي يتوصل إلى حلول إبداعية، وإذا كانت القاعدة المعرفية قديمة؛ فقد يولد العقل أفكارًا بالية. أما إذا كانت القاعدة المعرفية تقتصر على جزء صغير جدًّا من إجراءات العمل أو التشغيل الكلية، فإن الحل لن يأخذ في الاعتبار سوى هذا الجزء.

إن الحلول المستقاة من نفس عمليات التفكير التي أجراها العقل على مدار سنوات لا يُرجح أن تتسم بالابتكار؛ فالشرط اللازم للتفكير خارج الصندوق هو القدرة على خلق روابط جديدة. من الممكن خلق روابط جديدة بإحدى طريقتين: (١) إما عبر تجميع المزيد من النقاط (المعلومات) كي يربط العقل بينها (قاعدة معرفية جديدة أو معدلة) جنبًا إلى جنب مع خيال خصب، أو (٢) عبر ربط النقاط القديمة بطرق جديدة إبداعية.

بما أن الإبداع هو القدرة على الربط بين متغيرات تبدو غير ذات صلة ظاهريًّا (وهي النقاط التي نخزنها في عقولنا) بطريقة إبداعية، فلا بد إذن أن يواصل الموظفون تعديل قواعدهم المعرفية من أجل مواكبة الإيقاع السريع للتغير التكنولوجي (انظر الشكل ٤-٣).
fig8
شكل ٤-٣: البعد الثاني لثقافة الابتكار والأداء.

إن مديري التشغيل الذين لا يألفون سوى مهام عملهم ولا يمتلكون معرفة بإجراءات العمل الكلية لن يتوصلوا إلا لأفكار وحلول محدودة وغير مكتملة، فلن يصبح في وسعهم تقييم التأثير الكلي لأيٍّ من التغييرات المقترحة في إداراتهم على باقي المؤسسة. ينطبق الشيء ذاته على الاطلاع المستمر على المعلومات الجديدة في مجال محدد. ربما كان المهندسون الذين تخرجوا منذ عدة سنوات مطَّلعين على أحدث التقنيات في مجالهم وقت تخرُّجهم، لكنهم لم يتابعوا التطورات التي طرأت عليه، لا سيما التطورات التكنولوجية.

لسنوات عدة أثناء عملي في فيدكس، كنت عضوًا في الفريق الإداري المسئول عن تطوير خطط طويلة المدى لإنشاء مراكز عالمية، مثل مراكز الفرز الرئيسية ومراكز عمليات المطارات، في شتى أنحاء العالم. استغرقت عملية التخطيط — التي بدأت بتوقعات السوق التي قدَّمها قسم التسويق وانتهت بوضع شروط ومواصفات المراكز — في إحدى المرات ستة أشهر. وبحلول الوقت الذي جهزنا فيه خططنا، كانت توقعات السوق قد تغيرت. بناءً على ذلك، وضع نائب الرئيس الأول لخدمات الدعم المركزية هدفًا يقضي بتقليل إجمالي الوقت المستغرق في هذه العملية إلى النصف؛ ومن ثم احتجنا إلى التوصُّل لطريقة تمكننا من الاستجابة لأوضاع السوق المتغيرة بمعدل أسرع.

حققنا هذا الهدف عبر توسيع قاعدة الفريق المعرفية بضم بيل ويلكينسون — خبير إدارة قواعد البيانات وتصميم النماذج — إلينا. تمكن بيل من وضع أنظمة آلية لمعالجة بيانات الإدارات، وعلاوة على ذلك صمَّم نماذج لتحويل العمليات الرقمية المستنزفة للوقت إلى عمليات أوتوماتيكية، ثم درَّب مهندسي التخطيط للمرافق على استخدام هذا النظام. ونتيجة لاتساع قاعدة المهارات لدى المهندسين وامتلاكهم لأدوات جديدة، تمكنوا من تقييم سيناريوهات تشغيل تتسم بمزيد من الإبداع. إن تحديث هذه القاعدة المعرفية لم يساعد فحسب على تقليل إجمالي الوقت المستغرق في العملية إلى أقل من النصف، بل أضاف تحسينات واسعة إلى مستوى العمل، وقلل كثيرًا من متطلبات رأس المال، وأدت إضافةُ مجموعة جديدة من المهارات لفريق ذي هدفٍ إلى توسيع قاعدته المعرفية وقدراته كوحدة كاملة. وبالإضافة إلى ذلك، فقد ساعد التدريبُ والأدواتُ التي قدَّمها بيلُ للمهندسين على توسيع معرفتهم وقاعدة مهاراتهم الفردية.

ينبغي على المؤسسات — على مستوى الإدارة والموظفين على حد سواء — التطلع إلى تحديث القاعدة المعرفية الجمعية بمعلومات عن التغييرات/العمليات الداخلية والتطورات الخارجية وضمان تحقيق ذلك. ولا بد أن تدعم الأنظمة والموارد هذا التطلع.

(٤-١) استخدام جانب المخ الأيمن: الخيال

يتطلب الإبداع في عالم الأعمال النظر إلى الصورة الكبرى — أي العلاقة بين متغيرات لا تجمعها صلة ظاهريًّا — وتجميع الأجزاء المنفصلة. تعتمد تلك العمليات الحدسية والإبداعية على الجانب الأيمن من المخ — الجانب الحدسي والخيالي — أكثر مما تعتمد على الجانب الأيسر التحليلي (انظر الشكل ٤-٤).
كان أينشتاين يقول إنه لم يكتشف شيئًا قط بالتفكير العقلاني، وإن الخيال أهم من المعرفة.

فيما يتعلق بالابتكار، يكون التركيز على الكيفية التي نحفز بها الأفكار أكثر من الكيفية التي نبتكرها بها، أو بعبارة أخرى: كيف يُحفَّز المخ للتوصل إلى أفكار لم يكن ليتوصل إليها في المعتاد؟ يترك المبدعون عقولهم تشرد، ويمزجون الأفكار دون قيود، وغالبًا ما يَنتُج الابتكارُ عن مقارنات غير متوقعة على أثر الربط بين موضوعات لا تجمعها علاقة بالضرورة. كذلك يمكن توليد الأفكار بطريقة أخرى عبر التعامل مع المشكلة كما لو كانت مشكلة عامةً. إذا كنت تواجه مشكلة ما، فإن الاحتمال الأكبر أن الآخرين يواجهونها كذلك. قدِّم حلًّا فربما تصل حينها إلى فكرة مبتكرة.

فينتون سيرف مبتكر «بروتوكول مراقبة الإرسال TCP/ بروتوكول الإنترنت IP»، بالتعاون مع روبرت خان؛ وهي مجموعة من البروتوكولات النموذجية التي تعمل بمنزلة لغة مشتركة في شبكة الإنترنت، مجلة «فاست كومباني»، عدد أبريل ٢٠٠٠
fig9
شكل ٤-٤: الخيال: من قدرات الجانب الأيمن من المخ.

يتيح الخيال مسارات جديدة للخلايا العصبية تمكِّنها من التحرك والانخراط في عمليات تفكير تشمل المخ بأكمله. توصل فريد سميث إلى فكرة استخدام نظام المركز – المحاور بهدف شحن الوثائق والطرود؛ لأنه كان يعلم أن تلك هي الطريقة التي يستخدمها البنك المركزي لدفع الشيكات، وهكذا ربط بين هذه المعلومة الصغيرة وبين اعتقاده بأن الصناعات التكنولوجية الحديثة سوف تحتاج إلى خدمة نقل سريعة محددة الوقت. كلما زادت معرفتنا، زادت احتمالية تمكننا من توليد حلول ابتكارية وتطويرها.

(٥) البعد الثالث: إشعار الأفراد بالأمان

قد يتحقق انخراط عقل الموظف في مشروع الشركة، وقد تتكون لديه قاعدة معرفية محدَّثة — نقاط جديدة — تساعده على استخدام قوة الخيال لتوليد أفكار إبداعية. وأي تساؤل إبداعي عن الاحتمالات الممكنة لن يتبلور بالكامل إلا إذا شعر المرء من داخله بالأمان اللازم للتعبير عنه، لا سيما أمام المدير أو كبار المسئولين بالشركة. لدى كلٍّ منا درجة من الغرور، وكلما ارتقينا المناصب في المؤسسة كبر هذا الغرور على ما يبدو؛ ومن ثم إذا اختلفت الفكرة المقترحة عن الحل الذي قدَّمه وفضَّله المدير، ينبغي عندئذٍ أن يشعر المدير بالأمان، ويتحرر من الغرور كي يستطيع قبول الفكرة (انظر الشكل ٤-٥).

(٥-١) العقول المطمئنة تتساءل: «ماذا لو …؟»

تخيل الآن موظفًا يشعر بالانخراط في نشاط الشركة ويملك قاعدة معرفية محدَّثةً يحضُرُ اجتماعًا يتوصَّل فيه إلى بضع أفكار، لكنه لا يشعر بالأمان الكافي للتعبير عنها؛ خوفًا من أن يبدو غير مؤهل أمام رئيسه وزملائه، ومن ثم يحتفظ بأفكاره — التي قد تقدِّم إسهامًا كبيرًا — لنفسه. كيف يستطيع المديرون إخراج تلك الأفكار من عقول مرءوسيهم؟ عليهم اتباع الخطوتين التاليتين: (١) لا بد من تهيئة بيئة يشعر فيها الموظفون بالأمان كي يعرضوا أفكارهم، الجيدة والسيئة على حد سواء، و(٢) لا بد أن يشعر القادة بالثقة الكافية لقبول الأفكار وأساليب الحلول التي قد تختلف عما يرونه، وأن يستعدوا لقبول المخاطرة التي تصحب التغيير.

كلما قل إحساس المرء بالأمان داخليًّا، زادت حاجته إلى التحكم في العوامل الخارجية، وغالبًا ما يظهر ذلك في شكل إبداء الانتقادات، أو عدم الموافقة، واتخاذ جميع القرارات، وخلق عقلية لا تقبل سوى ما يراه المرء مناسبًا. يضعف هذا السلوك من منهج القيادة الفعال المطلوب لخلق ثقافة ابتكار مزدهرة؛ فلكي يكتمل تحقق فكرة إبداعية، لا بد من أن يقبلها المدير والأفراد المعنيون بتطويرها.

fig10
شكل ٤-٥: البعد الثالث من ثقافة الابتكار والأداء.

كيف يستطيع القائد توفير الأمان اللازم لدعم ثقافة ابتكار؟ ما الذي يخلق هذا الشعور؟

ينبع الأمان الداخلي من إيماننا بكفاءتنا المهنية، ومن علاقات الود والمحبة والحضور الروحاني في حياتنا، ومن شبكتنا الاجتماعية الداعمة. يستطيع الأفراد المتمتعون بالأمان التعامل مع رفض أفكارهم في العمل؛ لأن حياتهم المهنية ليست مصدر تقدير الذات الوحيد الذي يعتمدون عليه. إن تطوير علاقات الود والمحبة والحضور الروحاني والشبكة الاجتماعية الداعمة يتطلب وقتًا وطاقة مستمرة، ولا يحدث مصادفة أو بين عشية وضحاها، بل يستلزم تحقيق التوازن بين الحياة المهنية والحياة الشخصية؛ أي توزيع وقتنا وطاقتنا على جميع الجوانب المهمة بحياتنا. قد تمر أيام، أو أسابيع، أو حتى شهور يشغل فيها العمل معظم ساعات يومنا، لكن إذا استمر ذلك لسنوات، فسيحدث أذًى على المستوى الجسماني والعقلي والروحي. وبما أن كلًّا منا يخوض مرحلة مختلفة في رحلة حياته، فإن ما يحقق توازنًا لأحدهم قد يختلف تمامًا عما يحقق الغرض ذاته لشخص آخر في مرحلة حياتية ما.

منذ تقاعدي من فيدكس، ألقيت محاضرات ونظمت ندوات حول موضوعات في مجال الأعمال من بينها التوازن الحياتي، وإنشاء شركات ناجحة ودعمها. أثناء تلك الندوات، عادةً ما يذكر بعض الأفراد أنهم يستمتعون حقًّا بعملهم، وأنهم لا يمانعون العمل ١٦ ساعة في اليوم، وسبعة أيام في الأسبوع. كنت أخبرهم بأن إنشاء شركات ناجحة وثابتة يتطلب قيادة «بعيدة المدى». قد يعمل المديرون والموظفون في إحدى المؤسسات حتى ١٦ ساعة يوميًّا، ويحققون نجاحًا على المدى القصير، لكن على المدى البعيد، سيستنزف العمل طوال هذه المدة طاقة الموظفين، وسيقلل من كفاءتهم؛ ومن ثم من مصلحة الشركة إرساء التوازن بين الحياة المهنية والحياة الشخصية ودعم هذا التوازن.

أثبتت نظريةُ القيادة البعيدة المدى صحتها في تجربة رئيس مجلس إدارة إحدى الشركات الناجحة في سيلكون فالي، الذي استمع إلى إحدى المحاضرات التي ألقيتها؛ إذ أخبرني أنه عندما أنشأ شركته كان يقضي كل لحظة يقظة منكبًّا على العمل، وكانت الشركة تحقق أرباحًا، لكنه أضاف: «لم أكن أستمتع بوقتي، وقل مستوى الإبداع لدي.» كان يعاني من حالة إنهاك.

لدى العقل (والنفس) احتياجات متعددة يؤدي عدم تلبيتها إلى صراعات داخلية، والسبيل الوحيد لتلبية تلك الاحتياجات هو عيش حياة متوازنة؛ فنمط الحياة المتوازن الذي يحتفي بشتى صور العيش يؤدي إلى التمتع بعقل هادئ ومتوازن. إن الصراعات الحياتية العالقة لا تختفي من تلقاء ذاتها، بل ستستمر في استنزاف قاسم كبير من طاقتنا العقلية، وستقلل من الطاقة المتاحة لعقلنا كي يكوِّن روابط جديدة. إن الصراعات الداخلية العالقة بمنزلة سد يمنع تدفق الذكاء الإبداعي.

(٥-٢) العقول المطمئنة تقبل أفكار الآخرين

ما إن نتمتع بالأمان والتوازن في حياتنا حتى ينعكس ذلك، على الأرجح، على من حولنا وعلى البيئة المحيطة بنا، لكن عندما نعيش حياة غير متوازنة، نميل إلى السلوك الدفاعي لأن الاحتياجات غير المحققة تخلق فراغًا بداخلنا. لذا عندما يطرح الآخرون أفكارًا أفضل، نشعر نحن بالتهديد، ونصبح أميل إلى الجدل، فنحن نلجأ بكامل طاقتنا إلى الجانب الأيسر التحليلي من المخ؛ لأننا عاجزون عن الوصول إلى الجانب الحدسي والخيالي من المخ؛ أي الجانب الأيمن. ومن ثم لا بد أن تطبق الشركات سياسات وأنظمة تدعم التوازن بين العمل والحياة الشخصية. ويحتاج القادة إلى ممارسة هذا التوازن ودعمه في حياتهم الخاصة.

في شركة لِيلي، نثبت وجودنا ونحقق نجاحًا في عالم الأعمال عبر اكتشاف مستحضرات دوائية مبتكرة وتطويرها. ولكي نتمكن من تحقيق ذلك، نعتمد على ذكاء موظفينا وإبداعهم، ومبادرتهم والتزامهم بأهداف الشركة، وهي عوامل نحتاجها على كافة المستويات. إن الشركة لا تستطيع تعيين نصف فرد فحسب، بل عليها تقبُّل الفرد ككلٍّ؛ بمعاناته، ومهاراته، وقلقه، ومستوى تعليمه، وقدراته الإبداعية؛ ومن ثم لن تحقق سياساتنا وبرامجنا غرضها إلا إذا تعاملنا مع هذه الحقيقة، وإذا تقبلنا موظفينا كما هم كأناسٍ حقيقيين. ويجب ألا نكتفي بالسماح لهم بامتلاك حياة خاصة بعيدًا عن العمل، بل علينا تشجيعهم على ذلك.

راندال توبايس؛ رئيس مجلس إدارة شركة «إيلي لِيلي آند كومباني»

إن حياتنا خارج العمل تثري حياتنا العملية. وكلما زادت الخبرات التي نمر بها في حياتنا الشخصية، زادت قاعدتنا المعرفية التي نعتمد عليها في خلق روابط جديدة وتطوير أفكار إبداعية.

(٦) البعد الرابع: تعاون الأفراد

الآن أصبح لدينا موظف مشارك بعقله في شركته، يملك قاعدة معرفية محدَّثة، ويستخدم قوة الخيال لتطوير عدة أفكار إبداعية. يشعر الموظف بالأمان؛ ومن ثم يطرح فكرة جديدة على مديريه وزملائه. تبدو الفكرة جيدة وتلقى قبولًا حسنًا من الجميع، لكنها — مثل أي فكرة أولية — تحتاج إلى تطوير؛ إذ ستؤثر على عدة قطاعات داخل الشركة. ولكي تتطور الفكرة إلى حل عملي قابل للتطبيق، فستحتاج إلى تعاون فعلي بين الأفراد ذوي الخبرة في جميع المجالات الخاضعة لتأثير الفكرة (انظر الشكل ٤-٦).
fig11
شكل ٤-٦: البعد الرابع لثقافة الابتكار والأداء.

(٦-١) التطوير التعاوني

في بيئة الأعمال الحالية السريعة التغير، من المستحيل على الفرد متابعة جميع التغيرات والتطورات. لا بد للأفراد من الاعتماد على الآخرين لمعرفة ما قد غاب عنهم من معلومات؛ فالبيئة التعاونية تضمن تجميع القواعد المعرفية الفردية في قاعدة معرفية أشمل، لكن يوجد عائقان أمام تحقيق هذا الهدف؛ الأول شخصي، والثاني مؤسسي. أحد الشعارات الشهيرة التي يرددها المديرون هو «كسر عزلة الموظفين»، لكن أكبر المعوقات التي تواجه ذلك الجهد هو غالبًا الغرور الفردي وأنظمة المكافآت المؤسسية التي تدعم تلك العزلة في عقول المديرين؛ إذ تنزع أنظمة المكافآت والحوافز في الشركات إلى تشجيع المنافسة بدلًا من التعاون.

عليك أن تنصت بانتباه إلى جميع الأشخاص الأذكياء بالشركة؛ لهذا السبب يجب على شركة مثل شركتنا اجتذاب عدد كبير من الأفراد ممن يفكرون بطرق مختلفة، والسماح بقدر كبير من الآراء المعارضة، ثم تحديد الأفكار الجيدة وتقديم دعمٍ حقيقي لها.

بيل جيتس؛ رئيس مجلس إدارة شركة مايكروسوفت، مجلة «فورتشن»، ٢٠ يوليو ١٩٩٨

إن السلوكيات اليومية لقادة الشركة هي ما تحدد مستوى التعاون وتقبُّل الأفكار؛ فالعقل المولد للأفكار يحتاج إلى تشجيع ودعم القائد. على سبيل المثال، اشتهر بوب بالمر — نائب رئيس العمليات في مركز فيدكس الإقليمي بإنديانابوليس — بطرحه السؤال التالي على الموظفين: «ما الذي نستطيع فعله على نحو مختلف كي نقدم خدمة أفضل لعملائنا؟» وقد لجأ المديرون في شركة تي إتش كيو لألعاب الفيديو إلى ممارسات قيادية مماثلة لتحفيز قدرات الموظفين الإبداعية.

فمن بين قواعد النمو العشر التي تتبعها شركة تي إتش كيو — إحدى أسرع الشركات نموًّا في أمريكا (وفقًا لمجلة «فاست كومباني»، أكتوبر ٢٠٠٠) — نجد القاعدتين التاليتين:
  • (١)

    «كسر حاجز الصمت»: خلق أكبر عدد ممكن من قنوات التواصل واستخدامها كلما سنحت الفرصة، ومراعاة تكرار الثناء على الآخرين، وتجنُّب التباهي بالنجاحات الشخصية.

  • (٢)

    «التجول في الشركة»: في وسع المديرين كسر الصمت الذي يزحف على المؤسسات الكبيرة عبر التجول في أنحائها والتحدُّث إلى العاملين مباشرة.

إذا كان المديرون يشعرون بالانزعاج عند اختلاف الآخرين معهم، فإنهم يخلقون بيئة عمل تشجع أولئك الآخرين على إخبارهم بما يودُّون سماعه فحسب، ولا تتيح تحفيز قدراتهم الإبداعية. إن مفتاح إطلاق الأفكار الإبداعية هو بذل الجهد لأجل اجتذاب الأفكار من عقول الموظفين على جميع مستويات الشركة.

(٦-٢) الاحتفالات والأنشطة الترفيهية

من الضروري أن يهيئ القادة بيئات عمل لا تكتفي بتحدي الموظفين فحسب، بل تشجعهم على الاستمتاع والتفاعل مع الآخرين على جميع مستويات الشركة؛ فالأنشطة الجماعية الممتعة والترفيهية التي تشمل مستويات متعددة من الإدارة داخل أقسام الشركة وفيما بينها هي أفضل سبيل لتحطيم الحواجز الهرمية؛ فمن الأسهل التعاون مع أفراد تعرفهم شخصيًّا.

(٧) البعد الخامس: التزام الأفراد

لكي تتحول الأفكار المطورة إلى ابتكارات، يجب أن تطبق على مستويات الشركة كافةً؛ فمن الطبيعي أن يتحمس الأفراد المشاركون في عملية قبول الفكرة وتطويرها لتطبيق هذا التغيير، لكن الآخرين الذين لم يشاركوا في خطوتَيْ التوليد والقبول — رغم فهمهم الحاجة إلى التغيير من الناحية المنطقية — قد يشعرون بالخوف من هذا التغيير على المستوى الشخصي. هنا يلعب التزام الأفراد نحو الشركة ونحو مديريهم دورًا محوريًّا في التغلب على هذا الخوف؛ فالموظف المُخلص لشركته سيقول: «رغم أنني لا أستوعب تمامًا طبيعة هذا التغيير، إلا أنني أثق في مديري ومستعد لتجربة هذا الأمر؛ إذ أُدرك أنه في حال فشل هذا التغيير سيدعمني مديري.» أحد العوامل التي لعبت دورًا رئيسيًّا في نجاح فيدكس هو قدرة قادتها على حث الموظفين على بذل جهد اختياري. وهذا هو الاختلاف بين الإذعان للشركة والولاء لها. إن ممارسات القيادة التي هيَّأت الشروط الأربعة السابقة — المشاركة، والتطوير، والأمان، والتعاون — تضع كذلك الأساس اللازم لتكوين علاقة ارتباط بين الموظف والشركة. على سبيل المثال، شرح التغيير في محاولةٍ لتشجيع الموظفين على المشاركة يساعد كذلك على تكوين ذلك الارتباط، لكن على المديرين اتخاذ خطوة أخرى إضافية لتحقيقه؛ وهي تكوين علاقات تسودها المحبة والثقة المتبادلة. في معهد فيدكس للقيادة، نطلق على هذا مبدأ (العلاقة = جهد اختياري)، وهو يوضح الفرق بين الإذعان والالتزام أو الولاء (انظر الشكل ٤-٧).
fig12
شكل ٤-٧: البعد الخامس لثقافة الابتكار والأداء.

سوف يرأس الموظفين على مدار حياتهم المهنية العديدُ من الرؤساء، وبينما سيُبدون استعدادًا لفعل أي شيء في سبيل بعض هؤلاء الرؤساء، لن يقدموا للبعض الآخر سوى الحد الأدنى من المتطلبات اليومية. ماذا يميز المدير الذي يبدي المرء استعدادًا لعمل أي شيء من أجله؟ أجاب أحد المشاركين في ندوة من ندواتي عن هذا السؤال قائلًا: «سأبذل أقصى ما عندي لأجل مديري لأنه يهتم بي كإنسان.»

يقدم الموظفون أفضل ما لديهم للمديرين الذين يهتمون بهم ويراعون احتياجاتهم. وفي حال وجود ثقة متبادلة بين الموظف والمدير، فسيعمل الموظف جاهدًا كي تنجح الفكرة الجديدة، وسيتبع قائده إلى أراضٍ مجهولة حتى وإن لم يستوعب هدفها تمامًا.

أثناء دورة تطوير القيادة التي نظمتها، كنت أطلب من المشاركين شعارًا خاصًّا بهم؛ أي صورة تمثل قيمهم وأهدافهم الحياتية والتجارب والإنجازات التي يعتزون بها. أحد الأسئلة التي ينبغي أن يجيب هذا الشعار عنها هو: «ما أكثر لحظات حياتك التي شعرت أثناءها بالإنجاز؟» دائمًا ما يجيب المتزوجون بأنها اللحظة التي ولد فيها طفلهم الأول. في إحدى المحاضرات حكى لنا مدير جديد قصة حدثت له في عمله السابق. كانت زوجته حاملًا في طفلهما الأول، وفي أحد الأيام تلقى اتصالًا هاتفيًّا في عمله يخبره بأن زوجته تعاني من آلام المخاض؛ ومن ثم طلب إذنًا من مديره للذهاب إلى المستشفى والبقاء مع زوجته، لكن مديره أخذ يسأله: «أأنت طبيب؟ ماذا ستفعل هناك؟ هل ستجري عملية ولادة الطفل بنفسك؟ لا حاجة إليك بالذهاب إلى هناك.» وفي النهاية سمح له المدير (النموذج المناقض لنموذج المدير المهتم) بالمغادرة على مضض. بسبب هذا الموقف قرر هذا الموظف حديث الأبوَّة البحث عن عمل جديد، وعن قائد أكثر تفهمًا. فالقيادة — لكلٍّ من القائد والتابع — هي علاقة أكثر اعتمادًا على المشاعر منها على العقل.

(٧-١) الصورة كاملة

تدعم أبعادُ ثقافة الابتكار الخمسة بعضَها بعضًا؛ فعند مشاركة الموظفين في العملية الإبداعية تصبح عقولهم أكثر تقبلًا للتعلم والنمو اللذين يعدان حاجة أساسية لديهم. وعندما تبذل الشركة ومديروها جهدًا لدعم الموظفين كي يحققوا حاجتهم للنمو، فسيحظى الموظفون بالتحفيز اللازم للاندماج في مشروع الشركة. كذلك يؤدي التوازن بين الحياة المهنية والحياة الشخصية إلى التمتع بعقل رزين وقلب سعيد. وكما أن العقل هو أداة المعرفة، فإن القلب هو أداة الإلهام، فلن يستطيع المدير التواصل مع موظفيه وبث روح الإلهام في قلوبهم إلا إذا كان يتمتع بقلب ملهم؛ فالقادة الحقيقيون هم من يخلقون الروابط العاطفية، في حين أن العقل المرتبط بالشركة، والذي يلقى تقديرًا إزاء دوره في عملية الابتكار، يجعل الموظف يشعر بالرضا عن ذاته وعن مديره. إن العقل المرتبط بالشركة سوف يذهب إلى أبعد الحدود متجاوزًا المطلوب منه عند تطبيق الأفكار الجديدة لكي يجلب النجاح لمدير وشركة يهتمان به.

(٧-٢) قيادة ترعى الابتكار

إن الابتكار عملية تعتمد على البشر؛ ومن ثم لا بد أن يفي المديرون على جميع مستويات الشركة بمسئوليات القيادة الخمس التالية كي يؤسسوا ثقافة ابتكار مزدهرة:
  • (١)

    «مشاركة الموظفين» في مشروع الشركة وتوقع مشاركتهم الفعالة في عملية الابتكار.

  • (٢)

    توقع ومساعدة الموظفين على «التطوير المستمر» لقواعدهم المعرفية والمهاراتية.

  • (٣)

    تهيئة «بيئة آمنة» تسمح بالتعبير عن الأفكار الإبداعية وقبولها.

  • (٤)

    «تشجيع التطوير التعاوني» للأفكار الإبداعية الأولية.

  • (٥)

    «تعزيز روح الالتزام» لدى الموظفين بهدف التطبيق الناجح للأفكار المطورة.

تناقش الفصول الخمسة التالية مسئوليات القيادة الخمس بالتفصيل عبر عرض ممارسات وسلوكيات القيادة التي ستوضح كيف يستطيع القادة:
  • جعل الابتكار والتفكير الإبداعي جزءًا من تصميم الشركة وبنيتها التحتية بدلًا من العثور على الأفكار مصادفةً.

  • تعلم كيفية طرح نظرية واضحة ومقنعة ومفهومة تثبت أن الابتكار ليس خيارًا، بل في الحقيقة حاجة عاجلة وملحة.

  • إطلاق العنان لميزة الشركة التنافسية عبر تطوير إبداع الموظفين وارتباطهم بالشركة واستغلال تلك الطاقات.

  • البقاء على قمة المنافسة عبر الاستمرار في تقديم وتطوير مقترحات تحسِّن من عروض خدمة العملاء (تلك التي يقدرها العملاء حال الانتقاء من بين عدة خيارات).

  • العمل على مشاركة الموظفين لا في أداء العمل فحسب، بل في تحسين طريقة أدائه أيضًا.

  • إرساء مبادئ التفكير التعاوني بين الأقسام والمجالات المختلفة.

  • وضع خدمة العميل نصب عين كل موظف.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١