الفصل العاشر

روبين هود يعثر على راهب البوابة

في صبيحة اليوم التالي، غادر روبين ورجاله الفراش مع أول بارقة ضوء. وكانت المهمة التي بانتظارهم هي العثور على راهب بوابة دير فاونتنز في أسرع وقت ممكن إذا ما أرادوا أن يوقفوا زواج إيلين.

وكان ويل سكارليت يعرف الطريق المؤدي إلى الدير، من ثم قاد بقية الرجال، وكان الطريق الذي سلكوه عبر الغابة جديدًا عليهم. بلغ الرجال بعد الظهر مباشرة نهرًا فسيحًا شديد التدفق. قال ويل: «سنصل بعد قليل إلى بقعة من النهر ضحلة المياه حيث يمكننا أن نخوض فيها.»

هزّ روبين رأسه وقال: «أظن أنه يجدر بي أن أخوض بقية الطريق وحدي، وإذا وقعت في أي متاعب، فسأنفخ في بوقي ثلاث مرات.»

وبعد مرور قرابة عشر دقائق على تركه لرجاله، توقف بغتة وأنصت لحظة، ثم تعجب: «ما أغرب هذا! يبدو وكأنني أسمع صوتين لنفس الشيء تقريبًا! ما الذي يحدث؟»

ولمّا أخذ روبين يحدق عبر الأشجار، رأى راهبًا بدينًا يجلس على ضفة النهر، وكانت عليه سيما المرح، وكان عريض الرقبة، ومتورد الخدين. وكان يضع بين رجليه فطيرة لحم كبيرة، ويمسك بإحدى يديه بزجاجة وباليد الأخرى يقبض على قطعة من الفطيرة.

قال الراهب: «يا أخي العزيز، أنت أفضل صديق لي.» وعندئذ ردّ صوت مختلف: «أشكرك يا أخي، أقدر لك عطفك.» رد الراهب بالصوت الأول: «أشكرك يا أخي. لا بدَّ أن تتذوق هذه الفطيرة.»

كتم روبين ضحكاته.

وعندما انتهى الراهب من تناول وجبته، فرك يديه معًا وعندئذ قال: «لقد استمتعت بالوجبة يا صديقي العزيز، ولسوف يروق لي بشدة أن تغني لي قليلًا.» قال الصوت الثاني: «أنا أيضًا أحب أن أفعل هذا، لكنني لن أغني بمفردي. هل تتفضل وتشاركني الغناء؟» أومأ الراهب برأسه وبدأ يغني بصوت أجش قوي.

أخذ روبين يضحك في هدوء، وكان يعرف النغمة التي كان يتغنى بها الراهب لذا أخذ يغني معه. حاول الراهب المذعور أن يقف على قدميه على نحو أخرق، واستل سيفه العريض من غمده وصاح: «أرني نفسك، وسوف أقطعك مثل اللحم المشوي الذي نتناوله أيام الآحاد!»

ظهر روبين من مخبأه وقال: «يا أخي العزيز، أبعد سيفك، ألم نتشارك الأغنية معًا؟ لِمَ القتال؟ يا صديقي العزيز، لقد جففت الأغنية حلقي، ألا يوجد بحوزتك أي مشروب كي أرطب حلقي؟»

أنزل الراهب سيفه بعبوس وقال: «أنت تقحم نفسك فيما لا يخصك، لكنني مسيحي صالح ولا أستطيع أن أرفض أن أروي ظمأ رجل عطشان.» ثم مدي يده بالزجاجة.

أمسكها روبين، وألقى برأسه إلى الوراء وأخذ يشرب حتى فرغت الزجاجة، خطف الراهب الزجاجة منه وأخذ يحدق فيها، ونكسها وأخذ يهزها، لكن شيئًا لم يخرج منها. وعندئذ عبس وجهه وأخذ يحدق في روبين.

سأل روبين متجاهلًا نظرته: «هل تعرف راهب بوابة دير فاونتنز؟»

رد الراهب: «أجل، أعرفه معرفة غير وثيقة.»

قال روبين: «حسنًا، أيها الأب أو الأخ الصالح، أو أيًّا كنت، أحب أن أعرف هل هو موجود في هذا الجانب من النهر أم في الجانب الآخر.»

أجاب الراهب بطريقة لاذعة: «أنصحك بأن تعبر إلى ذلك الجانب من النهر، وحاول أن تعثر عليه بنفسك.»

أجاب روبين هود: «حسنًا، أيها الأخ الصالح، كما ترى ملابسي مصنوعة من خامات عالية الجودة، ولا أريد أن أبللها، وأنت لديك منكبين عريضين قويين، هل تمانع في أن تحملني وتسير بي عبر النهر؟»

احمر وجه الراهب كالتفاحة من فرط الغيظ وصرخ: «أيها القزم الصغير، هل تجرأ وتطلب مني أن أحملك عبر النهر؟» وعندئذ تلاشى الغضب من على وجه الراهب وأومضت عيناه مرة أخرى وقال: «لكن لِمَ لا أحملك؟ تسلق على ظهري، وسأحملك عبر النهر بأمان.»

انحنى الراهب ثم انتصب مرة أخرى على حين غرة وقال: «أظن أن سلاحك سيبتل أيضًا يا سيدي الشاب، دعني أدسه تحت إبطي كي أحفظه لك من البلل.»

اعترض روبين هود قائلًا: «لا، أيها الأب الصالح، لا أريد أن أحملك أكثر من هذا.»

– «ألا تظن أن القديس الصالح كريستوفر يمكنه أن يحمله من أجلك؟ والآن أعطني سلاحك.»

أخرج روبين سيفه ثم تسلق على ظهر الراهب. حمل الراهب القوي روبين عبر نبع المياه بمنتهى السهولة واليسر، وعندما بلغا الجانب الآخر من النهر، نزل روبين وقال: «من فضلك أعطني سيفي بسرعة، فأنا في عجلة من أمري.»

ابتسم الراهب وقال في تملق: «لديك مهمة في «هذا» الجانب من النهر، لكن أنا لدي مهمة خاصة بي يا سيدي الشاب، ومهمتي في الجانب «الآخر» من النهر. وأنا لم أعد شابًّا فتيًّا، لذا فأنا متأكد من أنني إذا خضتُ النهر مرة أخرى، فسأُصاب بتشنج العضلات وآلام في الظهر، من فضلك أسدِ إليَّ خدمة واحملني عبر النهر.»

تأمل روبين هود النهر ثم دمدم: «أنت تغشني.»

حذره الراهب: «هيا أسرع أيها الشاب، إلا إذا كنت تريد أن تشعر بوخز السيف في جسدك.»

قال روبين في هدوء: «أنت تفوز. سأحملك، لكن أعطني سيفي، لن استخدمه ضدك.»

راقب الراهب روبين بحذر وقال: «تفضل سيخك، والآن احملني بسرعة عبر النهر.»

انحنى روبين هود، وقفز الراهب على ظهره، ثم خاض روبين في النهر المتدفق.

ولمّا كان الراهب أكثر بدانة من روبين، كان حمل روبين عبر النهر أكبر من الحمل الذي كان يحمله الراهب، وكان الراهب ينخس عقباه في جانبي روبين وكأنه حمار.

ولم يكن روبين على دراية بالطريق مثل الراهب، من ثم أخذ يتعثر كل بضع خطوات، بيد أنه مع كل خطوة يتعثر فيها كان يمده يده ويرخي الحزام الذي يربط سيف الراهب. وعندما بلغا الجانب المقابل، نزع روبين الحزام عن الراهب دون أن يشعر به. قفز الراهب من على ظهر روبين، وأصبح سيف الراهب بحوزة روبين الآن وكذلك سيفه.

نظر الراهب إلى روبين بجدية وقال: «لم أتوقع منك مثل تلك الشجاعة يا صبي، لقد تفوقت عليّ؛ أعطني سيفي، وأنا سأعيدك مرة أخرى إلى الجانب الآخر من النهر.»

أعاد روبين حزام السيف إلى الراهب الذي ربطه بإحكام حول خصره. قفز روبين في جذل على ظهر الراهب، وأخذ ينخس الراهب بعقبيه عبر الطريق كما فعل الراهب معه قبلًا. وعندما بلغا منتصف النهر، توقف الراهب ليستريح لحظة، ثم انتصب على حين غرة وقلب روبين من على ظهره، وصاح: «ليلطف «هذا» من روحك المضطربة.»

وقع روبين في المياه الباردة وأحدث صوت ارتطام عظيم بالماء. وبعد أن تعثر أخذ يسعل طاردًا المياه من أنفه وفمه وأقسم: «سوف أقطعك إربًا إربًا اليوم أيها الوغد.» ثم صعد إلى ضفة النهر بسرعة، واستل سيفه، ووقف في ثبات بانتظار الراهب.

وكان الراهب لا يزال واقفًا في منتصف النهر عندما قال له: «لا تقلق سألحق بك على الفور، وسأجعلك تتوسل إليّ كي أعفو عنك.»

خرج الراهب من المياه ببطء ثم استل سيفه، تشابك الرجلان تشابكًا عنيفًا، فكان صوت المعادن الحاد الناجم عن اصطكاك سيفيهما يدوي عبر الغابة على مدار ساعة، لكن لم يُجرح أي منهما. توقف الرجلان لالتقاط أنفاسهما، فكانا يضعان أيديهما على ركبهما ويلهثان بشدة. وعندما نظر أحدهما إلى الآخر، هزا رأسيهما وأخذا في العراك من جديد، أخيرًا قال روبين: «هذا يكفي يا أخي العزيز.»

أنزل الرجلان المنهكان سيفيهما، فقد رأى الراهب أنه من المريع أن يجرح خصمًا قويًّا للغاية، وفكر روبين بالطريقة نفسها.

قال روبين لاهثًا: «دعني أجرب شيئًا واحدًا.»

أجاب الراهب لاهثًا أيضًا: «وما هو هذا الشيء؟»

– «دعني أنفخ في هذا البوق ثلاث مرات.»

قال الراهب وهو يتنفس بصعوبة: «أظنك ستقوم بخدعة، لكنني لا أخشاك. سأدعك تنفخ في بوقك ثلاث مرات إذا جعلتني أنفخ في صفارتي.»

قال روبين: «اتفقنا، لكنني سأنفخ أنا أولًا.» ثم رفع البوق ونفخ فيه ثلاث نفخات طويلة واضحة، وبعدها بلحظة أتى رجال روبين راكضين، وأقواسهم مجهزة في وضع التصويب.

قال الراهب بصوت مرتفع: «إذن، هل هذه هي خدعتك! حسنًا، وهاك خدعتي.» ثم نفخ في صفارته الفضية الصغيرة، فدوى صوت مرتفع حاد في كل الأرجاء، وإذ بأربعة كلاب صيد مسعورة تندفع من بين الآجام، فصرخ الراهب فيها: «اهجموا عليهم، هيا يا سويت ليبس، ويا بيل ثروت، ويا بيوتي، ويا فانج، لتنالوا منهم!»

هجمت الكلاب عليهم، أطلق جميع الرجال سهامهم في الهواء عدا ويل سكارليت، فقفزت الكلاب مبتعدة عنها، ولمّا كانت الأسهم تئز وراء الكلاب، التقطت الكلاب السهام من الهواء بين أنيابها التي يسيل منها اللعاب، وعندئذ هجمت الكلاب مجددًا. خطا ويل سكارليت تجاه الكلاب باسطًا يده، فتوقفت الكلاب، ولما أخذ يربت على رءوسها، أخذت كلاب الصيد المسعورة تلعق كفيه مثل الجراء.

تعجب الراهب قائلًا: «هل أنت ساحر حتى تستطيع أن تحيل هذه الذئاب إلى حملان؟» وعندئذ تفرس الراهب في وجه ويل وصاح: «لا أصدق عيناي! هل يمكن أن أرى الشاب ويل جامويل وسط هذه الزمرة الوضيعة؟»

حياه ويل: «مرحبا، يا تاك، لم يعد اسمي جامويل، يناديني الرجال باسم ويل سكارليت الآن، وهذا عمي العظيم روبين هود، الذي أعيش معه الآن في غابة شيروود.»

فغر الراهب فاه، وبسط يده وقال: «كنت أسمع اسمك من وقت لآخر أيها السيد العظيم، ولم يُخيل لي قط أنني سألتقي بك في معركة، من فضلك سامحني، والآن عرفت لِمَ أنت خصم قوي.» ثم التفت الراهب إلى ويل سكارليت وقال: «ما الذي جعلك تعيش في غابة شيروود الآن؟»

سأله ويل: «ألم تتناه إلى مسامعك الأحداث التي ألمت بي؟»

هز الراهب رأسه في حزن وقال: «أجل، تناهت إلى مسامعي، من العار أن يضطر رجل نبيل إلى أن يختبئ لمجرد حادثة.»

بدأ روبين هود يضيق ذرعًا بطول حديثهما وقال: «ليس لدينا متسع من الوقت، لم أعثر بعد على راهب البوابة.»

انفجر ويل سكارليت ضحكًا، ونظر إلى روبين ثم حول عينيه إلى الراهب وقال: «يا عمي العزيز، لست مضطرًا أن تذهب بعيدًا، فهو يقف إلى جانبك.»

التفت روبين إلى الراهب وقال: «أنت؟ أنت الرجل الذي دأبت على البحث عنه طوال النهار؟»

قال الراهب: «أجل، يطلق عليّ بعض الناس راهب بوابة وادي فاونتن، والبعض الآخر رئيس دير فاونتنز على سبيل المزاح، ويدعوني البعض الراهب تاك بكل بساطة.»

رد روبين: «أفضل الاسم الأخير، ولماذا لم تخبرني بهويتك بدلًا من أن ترسلني في سباق مع الإوز البري؟»

رد الراهب تاك في تواضع: «لأنك لم تسألني يا سيدي العزيز. ماذا تريد مني؟»

نظر روبين نحو الشمس وقال: «لقد بدأ اليوم يتأخر، ولا يمكننا أن نهدر المزيد من الوقت. تعال معنا إلى شيروود، وسأخبرك في الطريق بالقصة.» صفر الراهب للكلاب التي لازمتهم طوال الطريق.

وعادوا جميعهم أدراجهم إلى غابة شيروود، الستة رجال والكلاب في أعقابهم. وكان قد مر وقت طويل على حلول الليل عندما بلغوا شجرة جرين وود.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠