الفصل الثالث عشر

الأسقف «يساعد» روبين والسير ريتشارد

عندما بلغت الزمرة شجرة جرين وود، وجدوا أن رجال جون الصغير قد اصطادوا أسقف هيرفورد ومرافقيه، ورأى روبين الأحصنة المحملة بالبضائع، وقد رأي أيضًا ذلك الحصان المحمل بصندوق خشبي كبير مغلق، فالتمعت عيناه إذ كان يعلم أن مثل هذا الصندوق يحمل كنزًا.

لمح الأسقف روبين، فهجم عليه كالثور، فابتسم روبين وقال له: «مرحبا بقداستك! سأتفرغ لك في غضون لحظات، لا تقلق، ليس هناك ولا في إنجلترا كلها رجل أؤثر الحديث معه غيرك.»

انتفخ وجه الأسقف من شدة الغيظ وصرخ: «هل هذه هي الطريقة التي تتبعها أنت وعصابتك من الرعاع والسوقة في معاملة رجل ذي شأن رفيع للغاية في الكنيسة مثلي؟ كنا أنا وهؤلاء الرهبان مسافرين في طريقنا في سلام عندما باغتنا ذلك الرجل الضخم العملاق الذي يبلغ طوله سبعة أقدام كاملة، وكان بمعيته ثمانون رجلًا، وطلبوا منا أن نتوقف، وقد نعتني بالكاهن السمين، والأسقف آكل لحوم البشر، وشيء آخر من هذا القبيل، وكأني لست إلا شحاذًا!»

قال روبين هود: «وا أسفاه، يا إلهي! أحقًّا أساء رجالي معاملتك. يا جون، تعال هنا لحظة.»

تقدم جون الصغير متظاهرًا بالخجل وكأنه طفل أُمسك يسرق حلوى.

قال روبين للأسقف: «هل هذا هو الرجل الذي تكلم بوقاحة إلى سيادتك؟»

قال الأسقف في سخط: «نعم، هذا هو الوغد.»

التفت روبين نحو جون الصغير وقال: «يا جون، هل نعت فخامته بالكاهن السمين؟»

قال جون الصغير في أسف: «أجل، فعلت.»

– «والأسقف آكل لحوم البشر؟»

رد جون الصغير على نحو أكثر أسفًا: «أجل.»

قال روبين في إقرار: «ويحي! إذن لا بدَّ أن هذه حقيقة؛ فجون الصغير رجل أمين وأعرف أنه ما كان لينطق بأقاويل كاذبة عن أسقف!»

فار الدم في عروق الأسقف حتى إن وجهه احمر وصار كالكرز من فروة رأسه حتى ذقنه، لكنه ابتلع الكلمات وصمت.

استرسل روبين هود: «والآن أيها الأسقف الصالح، نحن رجال فظاظ، لكننا لسنا فظاظًا إلى حد ظنك، الجميع هنا في جرين وود سيان، وكل من يأتون لتناول الطعام معنا هنا لا بدَّ أن يذوقوا حياتنا المليئة بالمرح والجذل، من ثم لا بدَّ أنك أنت أيضًا تشاركنا هذه الحياة.»

وفي الوقت الذي ذهب فيه بعض الرجال لإعداد الطعام، أحضر آخرون هراوات وأقواسًا طويلة، وكان على الأرض جلود حيوانات ناعمة في هيئة مقاعد ليجلس عليها الضيوف. أجلس روبين السير ريتشارد أوف ليا إلى جانب أسقف هيرفورد.

وعندما نال الجميع قسطًا من الراحة، علق بعض الرجال حلقة من فروع الأشجار الخضراء على شجرة بعيدة، وأخذ كل رجل من الرجال يصوب ثلاثة أسهم في منتصف الحلقة، ومع أن قطر الحلقة كان بعرض أربعة أكفّ فحسب، لم يخفق سوى سهمان في إصابة الهدف. صاح الأسقف في تعجب: «لم أر مثل هذا الرمي في حياتي! لطالما سمعت عن مهارتك يا روبين هود في الرماية، هل تريني عينة؟»

وثب روبين بخفة على قدميه، وقطع من إحدى أشجار الصفصاف عصًا رفيعة، ثم دبب أحد طرفيها، وبعدئذ ابتعد روبين في الفضاء الفسيح وغرس العصا المستدقة الطرف في الأرض، ثم رجع إلى المكان حيث يجلس الأسقف. تناول روبين قوسه، واختار سهمًا شديد الاستقامة جيد الريش، ثم وضع طرفه المدبب على الوتر ثم شده للخلف سريعًا وسدد رميته، فكانت الرمية بارعة؛ إذ شقّ سهم روبين العصا الرفيعة وانغرس في منتصفها، فذُهل الأسقف، وهتف رجال روبين له.

وبعد قليل ظهرت أطباق اللحم الحلو المذاق الكبيرة. وبعد أن أكل الجميع إلى أن امتلئوا، طلب روبين إليهم أن يصمتوا، وعندما سكن الجميع، تكلم.

– «عندي قصة أود أن ألقيها على مسامعكم، لذا أنصتوا جيدًا لما سأقوله.» ألقى روبين على مسامعهم قصة السير ريتشارد الحزينة، وقال بنهايتها: «والآن سيستولى رئيس دير إيمت على قلعته وممتلكاته. هل خليق بخادم الله أن يتصرف هكذا؟» حدق الأسقف في الأرض خوفًا من أن تلتقي عيناه عيني روبين هود.

حث روبين الأسقف بطريقة لطيفة: «أنت أغنى أسقف في إنجلترا بأسرها، هل يمكنك أن تساعد هذا الأخ المعوز؟»

لم ينطق الأسقف ببنت شفة.

التفت روبين نحو جون الصغير وقال: «أحضر الصُرر التي كان يحملها الأسقف ورجاله.»

بسط جون الصغير وويل ستوتلي الصُرر على العشب أمام الجميع. وسلم جون الصغير روبين هود قائمة بالبضائع فطلب من ويل سكارليت أن يقرأها على مسامع الجميع. وسمح روبين للأسقف أن يحتفظ ببعض السلع المدرجة في القائمة مثل الشموع التي ستذهب إلى بيعة القديس توماس، أما بعض السلع الأخرى مثل صُرر الحرير فسوف تُباع من أجل الأعمال الخيرية. أخيرًا وصلوا إلى البند الأخير في القائمة؛ قرأ ويل سكارليت: «صندوق يخُص نيافة أسقف هيروفورد.»

اقشعر بدن الأسقف.

سأله روبين: «هل معك مفتاح هذا الصندوق؟»

هزّ الأسقف رأسه بالنفي.

أمر روبين ويل سكارليت أن يكسر الصندوق، فاستل ويل سيفه وضربه في الصندوق بقوة، فتطايرت الشظايا، وانكسرت مقدمة الصندوق فانسكبت منه العملات الذهبية كالماء الذي ينسكب من الإناء المكسور.

طلب روبين إلى ويل سكارليت، وجون الصغير، وألان إيه ديل أن يعدوا المال. وقد قضوا وقتًا طويلًا في عده، والجميع في انتظارهم.

أخيرًا قال ويل بصوت عظيم: «ألف وخمسمائة جنيه ذهبي.»

قال روبين: «سيدي الأسقف، سأجعلك تحتفظ بثلث هذا المال، وتدفع خمسمائة جنيه من أجل التسلية التي حظيت بها في هذه الأمسية، والخمسمائة جنيه الأخيرة تُخصص من أجل عمل خير من اختياري أنا.»

أشار روبين هود إلى السير ريتشارد وقال: «سير ريتشارد، سوف تأخذ الخمسمائة جنيه لتسدد دينك لرئيس دير إيمت؛ من المنصف أن يستخدم الفائض من مال الكنيسة في مساعدتك.»

قال السير ريتشارد في امتنان: «أشكرك يا صديقي من أجل ما فعلته من أجلي، لكني لا أستطيع أن أخذ هذا المال على سبيل الهبة؛ بل على سبيل القرض ولسوف أسدده إما لك أو إلى الأسقف بعد سنة ويوم من الآن، وأنا أقسم بشرف الفارس.»

ردّ روبين: «في الواقع لا أفهم يا سيدي الفارس لماذا أنت مُصر على ذلك، لكن كما يروق لك، وربما يجدر بك أن تحضر المال إليّ، أنا متأكد من أنني سأحسن استخدامه عن الأسقف.»

نهض سير ريتشارد من مكانه وقال: «لا أستطيع المكوث أكثر من ذلك يا أصدقائي الصالحين؛ إذ سيستبد القلق بزوجتي ما لم أرجع البيت فورًا، من ثم أنا متلهف للرحيل.»

قال روبين: «لا يمكننا أن نتركك وحدك بلا حراسة مسلحة.»

وثب جون الصغير على قدميه وقال: «يا سيدي العزيز، دعني أنتخب عشرين رجلًا، ولسوف نتسلح ونصطحب السير ريتشارد إلى أن يجد خدامه.»

وافق روبين هود: «ليكن ما قلت.»

قال ويل سكارليت: «ينبغي أن نمنح السير ريتشارد سلسلة ذهبية ومهمازًا ذهبيًّا.»

قال روبين: «وليكن هذا أيضًا.»

وعندئذ صاح ويل ستوتلي: «ولنعط السير ريتشارد صُرّة من القماش المخملي الناعم ولفة من الحرير الذهبي اللون هدية تليق بزوجته.»

تهلل الجميع وضحك روبين وقال: «أحسنت الكلام يا ويل ستوتلي، وليكن كقولك أيضًا.»

شعر السير ريتشارد أوف ليا بدموع الامتنان والعرفان بالجميل تترقرق في عينيه وقال: «أيها الأصدقاء الصالحون، لن أنسى ما حييت المعروف الذي صنعتموه بي. إذا عانيتم أي صعوبات في حياتكم، يمكنكم المجيء إلى قلعة ليا؛ لن يلحق بكم أي ضرر ما دامت القلعة قائمة.»

وكان رئيس دير إيمت ممتعضًا حينما سدد السير ريتشارد دينه؛ إذ كان يتحين الفرصة للاستيلاء على قلعة الفارس لأن قيمتها تفوق كثيرًا الأربعمائة جنيه التي يدين بها السير ريتشارد.

وبالفعل بعد مرور سنة ويوم عاد السير ريتشارد أوف ليا إلى غابة شيروود ليوفي كلمته، وأعطى روبين هود خمسمائة جنيه ذهبي، وقد أحضر معه أيضًا هدايا لروبين هود وكل رجاله؛ أقواسًا رائعة من إسبانيا مزخرفة بالفضة، ومعها جعب سهام مزخرفة بالذهب.

ولم تكن هذه هي المرة الأخيرة التي سيرى الرجال فيها سير ريتشارد أوف ليا؛ إذ سيرد عما قريب الدين إلى روبين هود مرة أخرى.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠