الفصل السادس عشر

الملك ريتشارد يتعشى في غابة شيروود

بعد موت الملك هنري الصالح، آل العرش إلى ابنه ريتشارد، الذي اشتهر باسم ريتشارد قلب الأسد على إثر شجاعته في ميدان المعركة. وقرر الملك ريتشارد أن يقوم بجولة ملكية في أنحاء إنجلترا، كي يعرف البلد ورعاياه معرفة أفضل، وكان الجميع متأكدين من أنه سيعرج على نوتينجهام أثناء جولته.

وعلى الفور بُعث الرسل ذهابًا وإيابًا بين الشريف والملك إلى أن اتُّفق في نهاية الأمر على الموعد الذي سيأتي فيه الملك لزيارة نوتينجهام.

واستعدادًا لمجيء الملك، شُيدت القناطر في الشوارع كي يمر ريتشارد عبرها، وزُين الكثير من هذه الأقواس بالألوية والرايات الحريرية من مختلف الألوان. وفي قاعة المدينة العملاقة، جايلد هول، حيث كانت تُعد العدة لإقامة وليمة عظيمة، كان أفضل النجارين يصنعون كرسيًّا فخم ليجلس عليه الملك عند رأس المائدة والشريف إلى جانبه.

وفي صباح يوم زيارة الملك، أرسلت الشمس أشعتها الذهبية لتسطع على الشوارع الحجرية التي ماجت وهاجت فيها الجماهير التي اجتمعت من كل حدب وصوب، من الريف والمدينة على حد سواء. واحتشدت الجماهير بالقرب من الدرب المزمع أن يمر به الملك حتى إن رجال الشريف كانوا يدفعونهم بشق الأنفس بعيدًا حتى يفسحوا مكانًا للملك. ووسط هذه الجموع الغفيرة من الناس وقف العديد من الرجال يرتدون الملابس ذات اللون الأخضر الزيتي؛ إذ كان روبين ورجاله معجبين أيما إعجاب بملكهم الجديد.

وبعد طول انتظار، سُمعت أصوات أبواق واضحة عبر الشارع، فالتفت الجمع وأخذوا ينظرون في الاتجاه الذي جاءت منه الأصوات.

أخيرًا، عدا رجال الملك المسلحين بخيلهم إلى مركز المدينة حيث بدأ الجميع يتهللون. ولم يسبق لمدينة نوتينجهام أن شهدت مشهدًا أروع من ذلك الذي جاء فيه مئة فارس نبيل، جميعهم يرتدون دروعًا لامعة كانت تتلألأ في ضوء الشمس، يسيرون في زهو عبر شوارعها، وأضاف وقع حوافر خيلهم الحربية العظيمة عند احتكاكها بالأرضية الحجرية روعة إلى الروعة.

وجاء خلف الفرسان البواسل، نبلاء الأرض العظام يرتدون ثيابًا مصنوعة من الحرير والذهب، ويتقلدون السلاسل الذهبية حول أعناقهم. ثم لحق بهم حشد كبير من الجنود المسلحين يمسكون برماح في أيديهم وهم يسيرون خلف الجمع.

وكان في وسط موكبهم اثنان يمتطيان الجياد؛ أحدهما شريف نوتينجهام الذي كان يرتدي الزي الرسمي الفخم، والآخر، الذي كان أطول من الشريف، يرتدي زيًّا نفيسًا لكنه بسيط، ويتقلد سلسلة ثقيلة وعريضة حول عنقه، وشعره ولحيته ذهبيا اللون، وعيناه زرقاوان زرقة سماء الصيف الصافية. وكان يحني رأسه يمنة ويسرة وهو يسير في الطريق، فكان يلحقه صوت هتاف عظيم وهو سائر في الطريق؛ بأن هذا هو الملك ريتشارد، وكان هتاف روبين ورجاله أعظم من الكل.

وكان من المقرر أن يُقدم هذه الليلة عشاء فخم على شرف زيارة الملك ريتشارد في قاعة جايلد هول. وأُضيء ألف مصباح على طول طاولة ضخمة للغاية حيث أُضيف بحفاوة اللوردات والنبلاء والفرسان، وعند رأس الطاولة وعلى مقعد فخم وثير مغطى بأقمشة ذهبية جلس الملك ريتشارد وإلى جانبه مباشرة شريف نوتينجهام.

وبعد وقت قليل التفت الملك إلى الشريف وقال له: «سمعت عن وجود عصابة من الخارجين على القانون بقيادة رجل اسمه روبين هود في هذه البقاع. هل يمكنك أن تخبرني بشيء عنه؟»

وما إن سمع الشريف تلك الكلمات حتى عبس وجهه، ثم قال: «لا أعرف الكثير عن أولئك الأوغاد الأشرار سوى أنهم أكثر منتهكي القانون وقاحة على وجه البسيطة.»

وعندئذ تكلم أحد الرجال المفضلين لدى الملك، السير هنري أوف ليا: «إذا سمحت لي يا جلالة الملك بالحديث؛ لطالما كنت أسمع عنه من والدي عندما كنت في فرنسا، إذ كان يخبرني معظم الوقت عن هذا الرجل بالتحديد، روبين هود. إذا أذنت ليّ يا جلالة الملك، سأخبرك عن مغامرة معينة قام بها هذا الخارج على القانون.»

عندئذ أذن الملك بابتسامة منه للسير هنري بالمضي قدمًا في حديثه، عندئذ حكي السير هنري كيف أغاث روبين هود والده السير ريتشارد أوف ليا. وضحك الملك ريتشارد بشدة عندما سمع أن روبين هود قد استخدم مال أسقف هيرفورد، لسداد دين السير ريتشارد، وكان وجه الأسقف الذي كان يجلس إلى جانب الملك يحمر أكثر فأكثر مع كل جملة ينطق بها السير هنري.

ولما رأى بعض الرجال الآخرين الجالسين حول المائدة كيف أن الملك استمتع من كل قلبه بمثل هذه القصة المبهجة، بدءوا يخبرون أيضًا بالقصص التي تدور حول روبين هود. أعلن الملك بعد الاستماع إلى قصصهم: «أقسم أن هذا أجرأ محتال سمعت عنه.»

وفي وقت متأخر من هذه الليلة، أطال الملك السهر وهو يتسامر مع السير هنري وبعض الفرسان الآخرين، وكان عقله لا يزال مأخوذًا بروبين هود، فقال: «أعطي مائة جنيه كي ألتقي هذا الذي يُدعى روبين هود وأرى بعضًا من أفعاله في غابة شيروود.»

ضحك سير هوبيرت وقال: «إن كان يروق لجلالتك أن تلتقي روبين هود عن جدّ، يمكنني أن أرتب هذا. وإذا كنت جلالتك مستعدًا أن تخسر مائة جنيه، فلن يمكنك أن تراه فحسب بل وتتعشى معه أيضًا في غابة شيروود.»

سأل الملك: «كيف هذا؟»

– «نتنكر في زيّ رهبان، وجلالتك تحمل كيس نقود يحوي مئة جنيه، وعندئذ نشق طريقنا غدًا عبر غابة شيروود إلى مدينة مانسفيلد. وقبل أن ينتهي اليوم، سنلتقي روبين هود ونتعشى معه.»

قال الملك في ابتهاج: «تروق لي خطتك! سنرحل غدًا.»

وفي صباح اليوم التالي، وبينما كان يستعد الملك ريتشارد وحاشيته للرحيل، وإذ بشريف نوتينجهام يزورهم. وبعدما أخبره الملك عن خطته للالتقاء بروبين هود، طلب الشريف أن ينفرد بالملك في حديث خاص وحذره: «أنت تتخذ خطى واسعة صوب الخطر يا مولاي. يا سيدي وملكي العظيم، هذا الوغد روبين هود لا يعبأ بالملك ولا بقوانين الملك.»

ردّ الملك: «لكن روبين هود لم يرق الدماء منذ أن بات خارجًا على القانون فيما عدا، أو كما تناهى إلى مسامعي، هذا الرجل الذي يُدعى جاي أوف جيسبورن. وقد كان جاي أوف جيسبورن وغدًا شريرًا حتى إنه يجدر بكل الرجال الأمناء أن يشكروا روبين من أجل هذا الصنيع.»

أجاب الشريف: «أجل يا جلالة الملك، ما سمعته كان كلام حق، بيد أن ….»

سأل الملك الشريف مقاطعًا إياه: «مما أخاف إذن؟ فأنا لم أؤذه، في واقع الأمر لا يوجد أي خطر بالمرة في هذا، لكن يمكنك أن تأتي معنا أيها الشريف.»

شحب وجه الشريف عند سماعه فكرة الالتقاء بروبين هود، وصرخ قائلًا: «أعوذ بالله!»

وعندئذ رحل الملك ريتشارد ورجاله من نوتينجهام، وغطوا وجوههم حتى لا يعرفهم أحد. وبعد مرور بعض الوقت على خروجهم، اشتد ظمأ الملك فصرخ: «أعطي خمسين جنيهًا مقابل شيء يرطب حلقي الجاف.»

وفي الحال ظهر فجأة في الطريق رجل أشقر ذو عينين زرقاوين متلألئتين، وأمسك بلجام حصان الملك وقال: «في الواقع لا يصح أن نحرمك من أمنيتك أيها الأخ الورع، لدينا حانة هنا، وسنقدم لك طيب الشراب ووليمة فاخرة مقابل خمسين جنيهًا.» ثم بوق روبين في بوقه. فأخذت الآجام تصدر صوت حفيف، وظهر على نحو غير متوقع ستون رجلًا يرتدون ثيابًا لونها أخضر زيتي يصطفون على جانبي الطريق.

سأل الملك ريتشارد: «من أنتم أيها العفاريت؟ ألا تكنون أي احترام لرجال الدين؟»

أجابه روبين: «كلَّا البتة. أما بالنسبة لمن أنا، فاسمي روبين هود، لعلك سمعت عني.»

أجاب الملك ريتشارد: «عار عليك، أنت رجل وقح وبذيء، وهمجي أيضًا. والآن دعني أمر أنا وإخوتي في سلام.»

اعترض روبين قائلًا: «لا يمكننا أن ندع رجال الدين أولئك يسافرون بمعدة خاوية. أرني كيس نقودك يا جناب الأخ الورع، وإلا سأجردك من ملابسك لأبحث بنفسي.»

ردّ الملك في صرامة: «لا. لا داعي لاستخدام القوة. هاك كيس نقودي، لا تلمسني بيديك الآثمتين.»

عنفه روبين هود قائلًا: «أف! من تظن نفسك؟ هل أنت ملك إنجلترا حتى تتحدث إليّ هكذا؟» ثم ألقى روبين بكيس النقود إلى ويل سكارليت كي يعده.

وعندما انتهى ويل من عدّ خمسين جنيهًا وضعها في جيبه، أعاد الخمسين جنيهًا الأخرى إلى الملك وقال: «تفضل يا أخي، إليك نصف نقودك. هل يمكنك أن ترجع قلنسوتك إلى الوراء؟ أود أن أرى وجهك.»

قال الملك: «لا. لن أرجع قلنسوتي إلى الوراء؛ لقد أقسمنا نحن السبع ألا نظهر وجوهنا مدة أربع وعشرين ساعة.»

قال روبين: «إذن لتبق وجهك محجوبًا عن النظر كما تشاء. حاشاني أن أطلب منك أن تحنث بقسمك.»

وعندما بلغوا شجرة جرين وود، أمر روبين رجاله بأن يحضروا أقداحًا من الشراب، وعندئذ رفعوا أقداحهم ليشربوا نخب الملك فقال روبين: «لنشرب نخب الملك ريتشارد الصالح، وليسقط جميع أعدائه.»

شرب الجميع نخب صحة الملك، حتى الملك ريتشارد نفسه، وقال الملك: «أظن يا أخي العزيز أنك شربت نخب سقوطك أنت نفسك.»

أجاب روبين: «لا، نحن هنا في غابة شيروود موالين لسيدنا الملك، ونحن على أتم استعداد أن نضحي بحياتنا من أجله.»

ضحك الملك وقال: «لعل صحة الملك ريتشارد وسعادته تعني لي أكثر مما تدرك أنت. لكن كفى كلام بهذا الصدد. لقد دفعنا لك أجرة جيدة لقاء أتعابك، لهذا ألا يمكنك أن ترينا بعض الألعاب؟»

قال روبين في امتنان: «يسعدنا دائمًا أن نسر ضيوفنا. يا غلمان! ثبتوا حلقة عشبية في طرف المنطقة الفسيحة.»

علَّق الرجال في الحال إكليلًا من أوراق الشجر والورود من غصن شجرة ضخمة ثم شرح بصوت مرتفع قواعد اللعبة: «هناك علامة واضحة يا غلمان، وكل واحد منكم سوف يصوب ثلاثة أسهم. وإذا أخفق أي منكم، فلسوف يحصل على لكمة عنيفة من قبضة ويل سكارليت.»

صرخ الراهب تاك: «أنصتوا له جيدًا، سيضرب سكارليت الضخم كل من يخفق في إصابة الهدف.»

صوب ديفيد أوف دينكستر أولًا، فأصابت رمياته الثلاث حلقة الورود، وعندئذ صوب ميدج الطحان، الذي في كل مرة أصاب الهدف أيضًا. تلاه وات السمكري، لكن حظه كان سيئًا؛ إذ أخطأ أحد أسهمه الحلقة بمقدار بوصة.

قال ويل سكارليت في رفق وصوت عذب: «تعال هنا يا أخي، أدين لك بشيء وأحب أن أرده لك.» استعد وات للضرب بأن أحكم غلق عينيه. رجع ويل سكارليت إلى الخلف، ثم لوح بذراعه، وعندئذ صدر صوت شديد إثر صفع وات على رأسه، وعليه وقع السمكري على الأرض العشبية.

وفي الوقت الذي وقف فيه وات يفرك أذنه، أحدث الجميع جلبة عظيمة، وانفجر الملك ريتشارد ضحكًا حتى إن الدموع سالت على خديه. واصل الرجال ألعابهم، وأصاب معظم رجال روبين الهدف، لكن البعض أخفقوا فأصابهم ما أصاب وات.

وكان دور روبين هو الدور الأخير؛ فشقّ سهمه الأول قطعة من العصا الخشبية التي تحمل الحلقة، وضرب السهم الثاني على بعد بوصة من الأول، ففكر الملك في نفسه: «أدفع ألف جنيه ليكون هذا الرجل واحدًا من حرسي الخاص!» غير أن الريش الموجود بسهم روبين الثالث كان سيئًا، وعليه تذبذب السهم في منتصف الهواء وأصاب الشجرة على بعد بوصة من الحلقة.

تلوى الرجال الجالسون على الأرض من فرط الضحك؛ إذ لم يسبق لهم وأن رأوا سيدهم يخفق في إصابة الهدف بمقدار كبير. طرح روبين قوسه في الأرض وقال: «لقد كان الريش الموجود بهذا السهم سيئًا! أعطوني سهمًا غيره ولسوف أشق العصا به.»

ضحك الجميع أكثر من ذي قبل، وقال سكارليت بعذوبة: «لقد مُنحت فرصة عادلة، تعال إلى هنا فأنا مدين لك بشيء ما وأريد أن أرده لك.»

صاح الراهب تاك: «هيا يا سيدي العزيز، ستتعرض للضرب من ويل سكارليت بملء إرادتك، ومن المخزي ألا تحصل على نصيبك منه.»

اعترض روبين قائلًا: «لا يجوز هذا، فأنا الملك هنا، ولا يحق لأحد من الرعية أن يرفع يده ضد ملكه، لكن حتى ملكنا ريتشارد العظيم قد يخضع لرجل الكنيسة بدون الشعور بالعار والخزي، لذا فسوف أخضع لطائلة هذا الراهب الطاهر.» والتفت روبين إلى الملك وقال: «أسألك يا أخي، هل يمكنك أن تنفذ معاقبتي بيديك الطاهرتين؟»

قال الملك ريتشارد: «بكل سرور، فأنا مدين لك بشيء لأنك أخذت خمسين جنيهًا من كيس نقودي.»

قال روبين: «إن أوقعتني على الأرض، فسأعيد لك الخمسين جنيهًا، لكن إن لم تلمس الأعشاب ظهري، فسآخذ كل بنس لديك.»

وافق الملك وقال: «أرغب في المجازفة.» ثم شمر كمه، ورفع ذراعه. وقف روبين قبالته باسمًا، ثابتًا في الأرض مباعدًا ساقيه إحداهما عن الأخرى. أسدى الملك ريتشارد ضربة كالصاعقة أردت روبين على العشب، حتى إن رجاله كادوا يموتون ضحكًا.

نهض روبين، وكان منظره يبدو وكأنه سقط من السحاب، وأخيرًا تكلم: «ويل سكارليت، عدّ خمسين جنيه لهذا الرجل، لا أريد شيئًا آخر منه أو من ماله، كان يجدر بي أن أتلقى عقابي منك، فأنا على يقين من أنني فقدت سمعي الآن.»

أحنى الملك رأسه لروبين وقال: «أشكرك يا أخي، إن أردت أيضًا لكمة أخرى على الأذن، فسأمنحك إياها بدون مقابل.»

وفجأة سمع الجميع صوت وقع حوافر حصان عبر الغابة؛ سير ريتشارد أوف ليا كان يعدو بحصانه متجهًا صوب البقعة الفسيحة بالغابة. صرخ السير ريتشارد لاهثًا: «أسرع يا صديقي العزيز! غادر الملك ريتشارد نوتينجهام اليوم بحثًا عنك. اجمع رجالك وتعال معي لتختبئ في قلعتي بليا.» توقف السير ريتشارد لحظة ثم حدق في الرجال الذين يرتدون ثياب الرهبان وقال: «من يكون أولئك الغرباء؟»

أجاب روبين وهو ينهض عن الأرض: «ماذا! هؤلاء بعض الضيوف اللطفاء الذين وجدناهم على الطريق العام، لا أعرف أسماءهم، لكنني صرت آلف كف هذا الوغد.»

حدق السير ريتشارد عن كثب في الراهب الطويل القامة. انتصب الراهب وثبت عينيه في عين السير ريتشارد، وعندئذ شحب وجه السير ريتشارد، وقفز عن جواده، ونزل على ركبتيه. خلع الراهب قلنسوته.

سأل الملك ريتشارد بصرامة: «كيف تجرأت على إيوائهم في قلعتك يا سير ريتشارد؟ هل نويت أن تجعل منها مأوى لأشهر الخارجين على القانون في إنجلترا كلها؟»

رفع السير ريتشارد عينيه إلى الملك وقال: «حاشاني أن أقدُم على فعل شيء من شأنه أن يثير غضب جلالتك، لكنني أؤثر أن ينزل سخطك بي على أن أرى أي أذى يلحق بروبين هود ورجاله؛ فأنا مدين لهم بعمري، وشرفي، وكل شيء؛ أيجدر بي أن أتخلى عنهم في وقت المحنة؟»

ولمّا انتهى الفارس من كلامه، تقدم أحد الرهبان الزائفين للأمام، وركع إلى جانب السير ريتشارد، وألقى بقلنسوته إلى الوراء، فعرف السير ريتشارد السير هنري ابنه. قال السير هنري أوف ليا: «ها أنا أجثو أمامك أيها الملك ريتشارد. لقد خدمتك بعمري، وأنقذت حياتك، لكن لا بدَّ أن أخبرك أنني أيضًا، سآوي روبين هود؛ فشرف والدي عزيز عليّ مثل شرفي تمامًا.»

نظر الملك ريتشارد حوله في تؤدة، وعندئذ انفجرت أسارير وجهه العابس، وقال للسير ريتشارد: «يحذو ابنك حذوك في الأقوال والأفعال. لقد صدق في كلامه؛ فقد أنقذ حياتي بالفعل في معركة من المعارك، لهذا سأعفو عنك يا سير ريتشارد، حتى وإن كنت قد أخطأت. انهضا معًا! فلن ألحق بكما أي ضرر اليوم، من المخزي أنكما أفسدتما هذا الوقت الطيب.»

ثم نادى الملك على روبين: «كيف حالك؟ هل ما زالت أذنك صماء ولا تسمعني؟»

قال روبين: «ليتني أموت قبل أن يأتي اليوم الذي تتوقف فيه أذني عن سماع صوت عظمتك.»

قال الملك ريتشارد وصوته يشوبه بعض الفتور: «لكن فيما يتعلق برحمتي والولاء لي الذي كنت تتحدث عنهما قبلًا، ربما كان من الأفضل أنني صممت أذنيك. لقد زال الخطر؛ منحتك أنت ورجالك العفو غير المشروط؛ ويسرني أن أضمك إلى حرسي الخاص، وأن أجعل جون الصغير، وابن عمك ويل سكارليت، ومطربك ألان إيه ديل حراسًا لغزلاني في غابة شيروود وليس لصوص صيد خارجين على القانون. والآن أعدوا وليمة لأنني أحب أن أرى كيف تعيشون في هذه الغابات.»

في هذه الليلة، نام الملك على فراش من أوراق الشجر الخضراء الندية، وفي الصباح التالي، سار الخارجون على القانون المشهورون نحو المدينة بصحبة الملك، وبعدها بيوم، ودع روبين هود، وجون الصغير، وويل سكارليت أصدقاءهم القدامى. لقد تبادلوا الأحضان وتصافحوا، واعدين إياهم بالعودة من حين لآخر إلى غابة شيروود. وعندئذ امتطى كل رجل منهم جواد وسار مرفوع الهامة كي يخدم ملكه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠