الفصل الرابع

روبين هود يعمل جزارًا

لم يبرح روبين هود ورجاله غابة شيروود طيلة عام كامل بعد إنقاذ حياة ويل ستوتلي. وكلما التقوا بأحد الكهنة أو ملاك الأراضي الأُثرياء في الطريق عبر شيروود، كانوا يأخذونه إلى مكان إقامتهم تحت شجرة جرين وود الضخمة، وهناك يقيمون وليمة كبيرة للرجل الذي يأسرونه، وبعد تناول الطعام كانوا يحملونه عادة على دفع كل ما معه من مال.

وفي صبيحة أحد الأيام، خرج روبين بحثًا عن مغامرة جديدة، ولما بلغ حافة الغابة لمح جزارًا وعربته التي يجرها خيل محملة باللحوم، وكان الجزار يصفر في نشوة وطرب وهو يسوق عربته.

قال روبين: «مرحبًا يا رفيقي العزيز، من المؤكد أنك سعيد.»

رد الجزار: «نعم، هذا حقيقي، أنا سعيد، وأتمتع بوافر الصحة، واليوم مبهج. أيضًا أنا واقع في غرام أجمل فتاة في نوتينجهامشير، وسأتزوج منها يوم الخميس المقبل في مدينة لوكسلي.»

أجابه روبين: «لقد وُلدت وترعرعت في مدينة لوكسلي، وأعرفها معرفة جيدة. إلى أين تنوي الذهاب في هذا الصباح المشرق؟»

– «أنا ذاهب إلى مدينة نوتينجهام كي أبيع اللحم البقري واللحم الضأن. ومن أنت أيها القادم من مدينة لوكسلي؟»

ابتسم روبين وانحنى انحناءة خفيفة قائلًا: «أنا اسمي روبين هود.»

صرخ الرجل قائلًا: «يا إلهي! أعرف هذا الاسم تمام المعرفة. أستحلفك ألا تأخذ مني أي شيء، فأنا رجل أمين، ولم أؤذِ أي شخص.»

ضحك روبين هود قائلًا: «ما كنت لآخذ بنسًا واحدًا من رجل أمين مثلك، ولا سيما أنك وُلدت في مدينة لوكسلي! لكن أخبرني بكم تبيع عربتك، وحصانك، ولحمك؟»

فكر الجزار لحظة وقال: «حسنًا، قيمة العربة والحصان واللحم معًا أربعة جنيهات.»

مدّ روبين يده في جرابه وأخرج ستة جنيهات وقال: «أرغب في أن أشتري عربتك، وأصير جزارًا مدة يومٍ واحد، فهل تبيعها لي؟»

صرخ الجزار: «لتحل عليك بركة جميع القديسين!» ثم قفز سريعًا من على العربة وخطف بسرعة النقود التي كان يلوح بها روبين في وجهه.

قهقه روبين بشدة وقال: «والآن ارجع إلى حبيبتك وقبلها نيابة عني.» ثم قفز روبين إلى مقعد السائق، وضرب الحصان باللجام، فهرول الفرس عبر الغابة.

وعندما بلغ روبين سوق نوتينجهام، نصب طاولة البيع وسط الجزارين الآخرين. وبعدما أخذ يسن ساطوره بسكينه، بدأ يغني قائلًا:

أقبلن يا صبايا، أقبلن يا نساء،
ابتعن اللحم مني، كأرخص الأشياء،
بثلث قدره، واشتر ما تشاء.

وعندما انتهى من أغنيته، أخذ ينادي بصوت مرتفع: «والآن من سيشتري مني؟ سأبيع اللحم الذي قيمته ثلاثة بنسات بستة بنسات للراهب البدين لأنني لا أريد التعامل معه، وسأبيع اللحم الذي قيمته ثلاثة بنسات ببنس واحد فقط للنساء الجميلات، لأنني «أحبذ التعامل معهن»، وسأبيعه للصبية الجميلة التي تحب الجزار الطيب، مقابل لا شيء سوى قبلة لأنني أحب التعامل معهن أكثر من الجميع.»

احتشد الجمع الضاحك حوله، وكان اللحم عالي الجودة، وسعره رائعًا للغاية كما رأت نساء وصبايا مدينة نوتينجهام. ولم يكن روبين يأخذ أي نقود من الأرامل أو النساء الفقيرات مطلقًا، وإن جاءته فتاة صغيرة جميلة، كان يأخذ منها قبلة فقط.

ظن بعض المتفرجين أنه لص سرق العربة واللحم، بيد أن اللص ما كان ليهب اللحم بالمجان. أخيرًا خلص الجميع إلى أن روبين لا بدَّ أن يكون ابن لأحد الأثرياء رأى متعة في توزيع ماله.

سار بعض من الجزارين الآخرين الذين تملكهم الفضول نحو طاولة روبين ودعوه للعشاء معهم: «هيا يا أخانا، ندعوك للعشاء معنا، سنقيم وليمة كبيرة لشريف نوتينجهام في القاعة العظيمة جايلد هول.»

أجاب روبين وهو يرفع قبعته معبرًا عن ترحيبه بدعوتهم: «يسرني أن أتناول العشاء معكم.»

كان الشريف متلهفًا لأن يرى ذلك الجزار الذي وزع اللحم بالمجان. فلعله يستطيع أن يحتال عليه في بعض المال. ولم يكن الشريف قد رأى روبين سوى مرتين في عجالة، من ثم لم يستطع أن يتعرف إلى الشاب الصغير عندما دخل القاعة.

وعندما قُدم العشاء، طلب الشريف من روبين أن يبارك الطعام، فصلى روبين قائلًا: «لتحل بركات السماء علينا الآن، وعلى اللحم الجيد والشراب بهذا البيت، وليكن كل الجزارين أمناء مثلي.»

ضحك الجميع ولا سيما الشريف. قال الشريف في نفسه: «لا بدَّ أنه ابن لأحد الأثرياء، لربما أتمكن من الحصول على بعض المال منه.» ثم ربتّ الشريف على كتف روبين وقال: «يا لك من ولد ظريف.»

رد روبين: «أعرف أنك تحب الشباب الظرفاء، ألم تقم مباراة رماية؟ ومنحتَ روبين هود سهمًا ذهبيًّا براقًا جائزة له؟»

ارتد الشريف إلى الوراء ولم ينبس ببنت شفة. عندئذ صرخ روبين بصوت مرتفع: «سأدفع تكاليف هذه الوليمة، لن يلمس أحد؛ لا الشريف ولا أحد من الجزارين كيس نقوده هذه الليلة.»

قال الشريف: «أنت تنفق مالك بلا حساب أيها الشاب؛ لا بدَّ أنك تملك الكثير من الأراضي والمواشي.»

رد روبين: «لدي أكثر من خمسمائة رأس ماشية لا تُقدر بثمن، ولولاها ما صرت جزارًا.»

طرف الشريف بعينيه وقال: «ربما بمقدوري أن أساعدك. كم تريد مقابل حيواناتك؟»

قال روبين: «خمسمائة جنيه.»

قال الشريف مترددًا: «خمسمائة جنيه مبلغ كبير للغاية … سأعطيك ثلاثمائة جنيه.»

ضحك روبين ساخرًا: «أيها المحتال الكبير، خمسمائة رأس ماشية قيمتها سبعمائة جنيه؛ كيف تخدع شابًّا مسكينًا مثلي؟ لا تنظر إليّ باشمئزاز. سأقبل عرضك. أعيش أنا وإخوتي حياة يسودها الطرب والجذل، والحياة المرحة تتطلب وجود المال، سأصطحبك لترى حيواناتي اليوم، لكن لا بدَّ أن تجلب معك المال، فأنا لا أثق في شخص يساوم بشدة هكذا.»

قال الشريف: «سأجلب النقود معي. ما اسمك؟»

أجاب روبين: «اسمي روبرت أوف لوكسلي.»

قال الشريف: «روبرت أوف لوكسلي، سآتي اليوم لأشتري ماشيتك، لكن ليكن في معلومك إنك لن تحصل على النقود قبل أن أحصل على البهائم.»

صدق روبين على كلامه: «كلامك في محله.»

وفي وقت لاحق من بعد ظهر هذا اليوم انطلق روبين والشريف، وبعدما قطعا مسافة صغيرة، رأى الشريف طرف غابة شيروود فدعا قائلًا: «لتحفظنا السماء من روبين هود.»

رد عليه روبين: «لا تقلق أيها الشريف الطيب، فأنا أعرف روبين هود معرفة وثيقة، وأنا لا أقل خطرًا عنه.»

ارتعدت فرائص الشريف وقال في نفسه: «يبدو أن هذا الشاب صديق مقرب من روبين هود.»

رحلَا معًا إلى داخل الغابة عبر طريق متعرجة، وعندما انعطفا عبر منحنى، وجدا قطيعًا من الغزلان يتبختر أمامهما، مال روبين على الشريف وقال: «هذه هي بهائمي يا سيدي، ألا تجدها رائعة؟»

توقف الشريف على حين غرة وقال: «لا أرغب في صحبتك، ابتعد عني.» ثم أخذ الشريف يستدير، بيد أن روبين أوقفه.

قال روبين: «مهلًا، أود أن تلتقي بإخوتي، ثم رفع بوقه ونفخ ثلاث مرات. على الفور كان هناك مئة من رجال روبين يركضون عبر الدرب بقيادة جون الصغير.

قال جون الصغير: «ما الخطب يا سيدي الصغير؟»

أجاب روبين: «لقد دعوت صحبة جيدة إلى وليمتنا. ألا تعرف سيدنا شريف نوتينجهام؟»

رفع الرجال قبعاتهم احترامًا، وازداد الشريف تجهمًا؛ إذ أدرك أن روبين سوف يسلبه الثلاثمائة جنيه التي بحوزته، وخاف أن يسلبه حياته أيضًا؛ لأنه حاول أن يلقي القبض على روبين هود من قبل، كما حاول أن يشنق ويل ستوتلي. قبض جون الصغير على ذراع الشريف برفق لكن بإحكام، وقاده عبر الغابة.

أخيرًا بلغوا مكانًا فسيحًا في الغابة حيث تبسط شجرة بلوط ضخمة أغصانها الكبيرة، وتحت شجرة جرين وود وضع الرجال متكآت من العشب، ورافق روبين الشريف إلى أحد المقاعد. ولم يتفوه أحد بشيء بخصوص المال، ففكر الشريف في نفسه قائلًا: «لعله نسى أمر المال.»

وصل الطعام — لحم غزال طازج وخبز— وأكل الجميع حتى الشبع. ولما أنار القمر ظلام الليل، تثاءب الشريف وقال: «أشكركم على هذه الأمسية الرائعة، لكن الوقت تأخر، وأنا مضطر أن أرحل.»

صافح روبين الشريف وقال: «أرحل إن كنت مضطرًا، لكن فاتك شيء ما؛ نحن ندير حانة الجذل والطرب هنا في الغابة، وأي شخص نستضيفه هنا لا بدَّ أن يسدد فاتورته.

ضحك الشريف ضحكة جوفاء وقال: «حسنًا، لقد أمضينا وقتًا طيبًا. حتى لو لم تطلب لأصررت أن أعطيك عشرين جنيهًا مقابل الطعام.»

قال روبين بجدية: «لا. لا يليق أن أطلب منك أقل من ثلاثمائة جنيه.»

أخذ الشريف يجعجع: «ثلاثمائة عفريت! أتظن أن طعامك النتن يستحق ثلاثة جنيهات، ما بالك بثلاثمائة جنيه؟»

رد روبين على نحو صارم: «انظر حولك، ثمة رجال لا يحبونك مثلي؛ هاك ويل ستوتلي الذي حاولت أن تشنقه، ادفع ما عليك في الحال دون تلكؤ أو ثرثرة وإلا ستندم.»

ازداد وجه الشريف اصفرارًا، وعض على شفته السفلى، ثم بلغ كيس نقوده وأعطاه لروبين الذي مرر الكيس إلى جون الصغير وطلب منه أن يعد النقود. وكان الشريف يجفل مع كل قطعة نقود كما لو كانت قطرة من قطرات دمه.

وعندما انتهى جون من عد النقود قال روبين: «لم يمر علينا ضيف بهذا الكرم من قبل! ولأن الوقت قد تأخر فسأبعث بأحد رجالي ليرشدك في الطريق.»

اعترض الشريف قائلًا: «لا، لا يمكن. أستطيع أن أشق طريقي بنفسي.»

أصر روبين: «سأوصلك بنفسي إلى الطريق الصحيح.» ولما سارا في الطريق حذر روبين الشريف من محاولة خداع الشباب، ثم قال روبين له: «لا تشتر حصانًا قط دون أن تتحقق من عمره أولًا.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠