الفصل الخامس

جون الصغير يقاتل دبّاغ بلايث

ازداد وزن جون الصغير قليلًا على مدار الشتاء، وكان روبين يوبخه باستمرار وقد مازحه في صبيحة أحد الأيام قائلًا: «لقد ترهلت عضلات بطنك.»

رد عليه جون بالمثل: «ربما صارت عضلات بطني مترهلة قليلًا يا سيد روبين، لكنني لست ضعيفًا إلى حد ألا أستطيع أن أُوقع رجلًا من أعلى جسر الغابة.» ضحك الرجال وتذكروا اللقاء الأول لجون وروبين.

قهقه روبين هود قائلًا: «لعلك على صواب، لكنني ما زلت زعيم هذه الفرقة، وقد تذكرت الآن أنني أحتاجك في مهمة؛ فبعض الرجال بحاجة إلى الملابس الجديدة، وقد كاد ينفد ما لدينا من القماش الأخضر الزيتي، ولا بدّ أن تشتري قماشًا. وأنا واثق من أن المشي إلى منطقة أنكستر سيكون نافعًا لك.» وأعطى روبين جون الصغير المال ثم أطلقه في طريقه.

وعلى الرغم من حجم جون الصغير العملاق، فإنه كان يتصرف أحيانًا كالطفل الصغير، وكان روبين هود يحب جون الصغير، لكنه كان يعلم أن ذراعه الأيمن يميل إلى الكسل أحيانًا، لذا تتبعه روبين عن بعد كي يتأكد من أنه أنجز المهمة في حينها.

وكان اليوم مشرقًا، يسبح في السماء عدد قليل من السحب الصغيرة البيضاء المنتفخة. وكان جون الصغير مسرورًا بالعودة إلى الغابة مرة أخرى. وبينما كان يسير الهوينا، رأى قطيعًا من الغزلان تهرول فوق التل. وقد أعجب هذا المشهد جون الصغير، وكان القانون ينص على أن الغزلان حكر للملك هنري وحده ولا يجوز لأي شخص أن يصطادها بدون تصريح من الملك، لكن جون الصغير شعر أن الغزلان تخص روبين ورجاله تمامًا كما تخص الملك.

ولما بلغ جون القطيع، لمح رجلًا يختبئ بجانب الطريق، فنادى: «من ذا الذي يتجرأ على صيد غزلان الملك؟»

رد عليه الغريب: «اسمي آرثر إيه بلاند من مدينة بلايث، وحرفتي دباغ، ولست ممن يصطادون بدون إذن، ولا أقترف أي أخطاء.»

ولم تكن هذه الحقيقة كاملة؛ حقًّا لم يكن بحوزة بلاند أي أقواس، لكنه قام مرارًا وتكرارًا بصيد غزلان الملك وقتلها. وقد استمتع آرثر إيه بلاند بمذاق لحم الغزلان شأنه في ذلك شأن أي رجل.

أجاب جون الصغير المرتاب في كلام بلاند: «تبدو كالمجرم، يغلبني الظن أنك لص!»

رد آرثر إيه بلاند: «هذا افتراء.»

دمدم جون الصغير: «حقًّا؟ سأضربك ضربًا لن تنساه ما حييت! والآن أمسك بهرواتك لأنني لا أضرب رجلًا أعزل.»

أخذ الرجلان يقترب أحدهما من الآخر بتؤدة، ويحوم أحدهما حول الآخر مثل الكلاب المسعورة قبل أن تشتبك في العراك. ولم يكن بلاند طويلًا مثل جون، لكنه كان محنكًا في استخدام الهراوة.

بعد لحظات معدودة سدد جون ضربةً، فأصدرت الضربة صوتًا عاليًا عندما اصطدمت بهرواة بلاند. رد بلاند الضربة التي صدها جون أيضًا، وبدأ القتال يحتدم بينهما.

وعندئذ فقط أدركهما روبين هود، وتطرقت إلى مسامعه الضربات المدوية كالرعد، فجثم وراء شجرة ليشاهدهما. ضحك روبين وقال في نفسه: «كنت سأدفع ثلاثة جنيهات ذهبية لأرى هذا الرجل يضرب جون الصغير. لعله سيلقنه درسًا لتحوله عن المهمة التي خرج من أجلها.»

واصل الرجلان عراكهما حتى إن أقدامهما نحتت أرض الغابة من تحتهما؛ إذ كانا يقتلعان كومات من التربة كلما تصدى أحدهما للآخر لأعلى ولأسفل بهراوتيهما. قال روبين هود في ذهول: «لم يسبق لي أن رأيت أحدًا يقاتل جون الصغير على هذا النحو من قبل.»

استمر القتال ما يقرب من ساعة، ولكن عندئذ أخذ جون الصغير يتخاذل؛ فالوزن الزائذ الذي كان يثقل بطنه جعله يتباطأ وبدأ يشعر بالإنهاك.

أخيرًا سنحت الفرصة لجون الصغير؛ إذ تراجع للخلف قليلًا، ثم أسدى ضربة بكل ما أوُتي من قوة. وكانت الضربة شديدة القوة، لكن آرثر إيه بلاند كان يرتدي قبعة سميكة مصنوعة من جلد البقر. ثم تعثر عندما ضربه جون على رأسه، لكنه لم يغب عن الوعي، ولمّا همّ جون بضربه ثانية، استعاد بلاند توازنه وضرب جون أولًا. طرحت الضربة جون الصغير أرضًا، وطارت هراوته من يده. انقض آرثر إيه بلاند على جون الصغير، وضرب جون الصغير بقوة في ضلوعه.

صرخ جون الصغير لاهثًا: «مهلًا! مهلًا! هل تضرب رجلًا وهو مطروح أرضًا؟»

رد آثر إيه بلاند: «وماذا في هذا، أجل أضربه.» ثم ضربه ثانية.

صرخ جون الصغير: «قلت لك مهلًا! أنا أستسلم!»

قال بلاند على نحو صارم: «أتقر بأنني الأقوى؟»

أجاب جون الصغير في خنوع: «أجل، أجل، أقر بأنك الأقوى.»

لانت عريكة آرثر إيه بلاند وقال: «إذن يمكنك أن تذهب في طريقك وسأذهب أنا أيضًا في طريقي. يجدر بك أن تكون شاكرًا لأنني رحيم.»

أجاب جون الصغير في استنكار: «أتدعو هذه رحمة؟ تبدو كل ضلوعي مهشمة. لم أتخيل قط أنني سأقابل الرجل الذي يستطيع أن ينزل هذا بي.»

وعندئذ قفز روبين هود بغتة من مخبئه وضحك وقال: «ولا أنا أيضًا خلتُ أنني سأرى هذا! لقد أوسعك ضربًا وكأنك فريسة سهلة!» ثم التفت روبين نحو آرثر إيه بلاند وقال: «ما اسمك يا أخي العزيز؟»

– «اسمي آرثر إيه بلاند، وأنت ما اسمك؟»

– «آرثر إيه كلارك، لقد تفوقت على صديق لي في مباريات إيلي، الرجل الذي ضربته لتوك هو جون الصغير. أما اسمي فالناس تناديني بروبين هود.»

تعجب آرثر إيه بلاند: «يا إلهي! أأنت حقًّا روبين هود العظيم وهذا جون الصغير، لو كنت أعلم، ما كنت قط لأرفع هراوتي.» ثم مال آرثر إيه بلاند وأخذ ينفض معطف جون الصغير وقال: «دعني أساعدك يا سيدي.»

نهض جون الصغير من الأرض كما لو كانت عظامه مصنوعة من الزجاج وقال: «لا أحتاج مساعدتك، لو لم تكن ترتدي هذه القبعة الجلدية، لكنت قد رأيت يومًا من أسود أيامك.»

تكلم روبين مرة أخرى: «يا آرثر إيه بلاند، أتريد أن تنضم إلى رجالي؟ فأنت من أقوى الرجال الذين رأيتهم في حياتي.»

تهلل آرثر إيه بلاند: «أأريد أن أنضم إلى فرقتكم؟ لا أطمع في شيء أكثر من أن أحيا هذه الحياة المبهجة!»

ضحك روبين، وانطلق ثلاثتهم في الرحلة إلى أنكستر لابتياع القماش الأخضر الزيتي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠