الفصل الثاني

تميُّز الزمان عن المكان

انتهينا إلى أن الزمان والمكان متقاطعان بوصفهما إطارًا للوجود، خصوصًا لعالم الظواهر فيه — كما أسماه كانط — وبوصفهما شرطًا قبليًّا للمعرفة به. إنهما بلا شك مترابطان، وقد كان جان بياجيه J. Piaget يملك حيثياته الفلسفية والعلمية والسيكولوجية حين طابق بينهما بواسطة الحركة المكانية والسرعة الزمانية، اللتين هما وجهان لعملة واحدة، بل لعلهما اسمان لمسمى واحد. ومن ثم قال بياجيه إن الزمان مكان متحرك والمكان زمان ثابت.
إنهما بالنسبة للتفكير العقلاني والعلمي، وعلى أخص الخصوص بالنسبة للفيزياء لا ينفصلان البتة؛ فقياس الظواهر يتم بالاعتماد عليهما معًا، وكلاهما نظام ضخم من العلاقات، وبتشابكهما معًا يحويان الأنظمة الأخرى جميعًا «الزمان وحدة والمكان وحدة، وكل نطاق أو حيز معين جزء من المكان، وكل أجزاء المكان ترتبط معًا في وحدة، تمامًا كما أن كل مدة معينة جزء من الزمان، وكل أجزاء الزمان ترتبط معًا في وحدة.»١ ولعلهما من زاوية ما للنظر — خصوصًا إذا كانت العقلانية والعلمية — يبدوان متماثلين ويثيران مشكلات واحدة، حتى إن الطوبولوجيا Topology مثلًا، وهي العلم الذي قام لدراسة أخص خصائص المكان من حيث هو مكان؛ أي: العلاقات المكانية المختلفة؛ كعلاقة الجزء بالكل، وعلاقات الاندماج والانفصال والاتصال، التي تعطينا الشكل الثابت للمكان، الذي لا يتغير بتغير المسافات والمساحات والأحجام — هذا العلم قد ماثله بحث في طوبولوجيا الزمان — كما سنرى. وخير مثال فلسفي يوضح كيف أنهما قد يثيران مشكلات واحدة، ويوضح أيضًا كيف أنهما إطار لا مخرج منه للوجود وللمعرفة هو التساؤل الشهير: إذا كان للزمان بداية ونهاية، فما الذي يوجد قبله وبعده؟ إذ يماثله ذلك التساؤل: إذا كان للمكان بداية ونهاية، فما الذي يوجد قبل المكان وبعده؟ والمثال هنا الأقرب إلى التفكير العلمي هو هذا التساؤل: هل يمكن أن يوجد زمان خالٍ تمامًا؟ ومن ثم هل يمكن التفكير في زمان بمعزل تام عن أية أحداث؟ ويماثله مباشرة تساؤل عن تصور مكان خالٍ تمامًا. وهذه المشكلة تبناها أمير علماء العلم الحديث إسحاق نيوتن في بحثه عن الزمان والمكان المطلقين، فقد أشار في مقدمة كتابه العظيم «مبادئ الفلسفة الطبيعية» (سنة ١٦٨٧)، إلى أن التفكير العادي لا يتناول الزمان والمكان والحركة إلا من حيث علاقتهما بالأشياء المحسوسة، وأنه لا بد من نبذ هذه الطريقة لكي نخرج من معلوماتنا الحسية بتجريد، يمثل أساسًا ولبنة للعلم، فكان أن فعل وخرج بمفهوم للزمان والمكان المستقلين عن كل شيء والثابتين دائمًا أو المطلقين. ويوضح لنا عالم الفلك والفيزياء وفيلسوف العلم جيمس جينز أن العلم يطرح أربعة معانٍ متميزة للمكان يقابلها أربعة معانٍ متميزة للزمان؛ هي: المكان التصوري، والمكان الإدراكي، الحسي، والمكان الفيزيائي، والمكان المطلق. يقابلها: الزمان التصوري، والزمان الإدراكي الحسي، والزمان الفيزيائي، والزمان المطلق.٢ وكقاعدة عامة، يتصور الفيزيائي الزمان بالطريقة نفسها التي يتصور بها المكان؛ فهو يفترض أن كليهما متصل قابل للقياس، وتتخذ كل أحداث الطبيعة موقعًا فيه. وكما تعامل الهندسة — علم قياس المكان — المكان في حدود نقاط وعلاقاتها، يعامل الكرونومتري Chronometry — علم قياس الزمان — الزمان في حدود لحظات وعلاقاتها. وكما أن الوعي لا يتلقى نقاطًا لا امتداد لها، فإنه لا يتلقى لحظات لا ديمومة لها. والعلاقات المكانية تماثل — صوريًّا — العلاقات الزمانية، ولكن المكان فكرة على قدر من البساطة، ويتعامل العلماء معه بسهولة، أما الزمان والحركة فموضوع شديد التعقيد.٣

إن المكان كائن دائمًا في المكان، أما الزمان فيتدفق في قلب الزمان؛ فلا بد إذن أن الزمان يتوغل في مستويات فلسفية وعلمية أبعد، لا يطولها المكان.

•••

فعلى الرغم من كل ما رأيناه من ارتباط الزمان والمكان، فإنهما ليسا البتة على قدم المساواة، وليسا متساويين أو متكافئين، بل كان الزمان دائمًا — من وجهات النظر المختلفة — متميزًا عن المكان ومتقدمًا عليه، حتى إن صمويل ألكسندر الذي رأى أنهما ندان لا ينفصلان، وأكد فلسفيًّا ما أكدته النظرية النسبية علميًّا من أنه لا يوجد مكان مستقل أو زمان مستقل، بل ثمة فحسب زمانيات مكانية تستلزم زمانًا-مكانًا أوليًّا تنبثق عنه كل الأشياء؛ عاد بعد هذا ليعلي من شأن الزمان بوصفه مبدأ تنظيم، لولاه لكان المكان كتلة مصمتة. وبتعبير مجازي يقول إن المكان جسد الكون والزمان عقله، وليس هذا ببعيد عن الثنائية التي أرساها أبو الفلسفة الحديثة ديكارت بتفرقته الحاسمة بين المادة أو الجوهر الممتد، والعقل أو الجوهر المفكر.

وإيمانويل كانط أيضًا، وهو من أكثر الفلاسفة عناية بالربط بينهما، وقد ذهب إلى أن الفارق الوحيد بينهما هو أن الزمان يقوم على التوالي بمعنى التعاقب بين الأحداث وفقًا للسببية، أما المكان فيقوم على التتالي بمعنى التجاور وفقًا لعلم الهندسة. نقول إن كانط أوضح أن المكان هو شكل تجربتنا الخارجية، أما الزمان فهو شكل تجربتنا الداخلية. ولكن العالم الخارجي — كما تنص فلسفة كانط النقدية — لا ينفصل البتة عن الشروط الداخلية في العقل الذي يتصوره. لذا عاد كانط في نقد العقل الخالص ليقدم الزمان على المكان ويعتبره الأعم والأشمل؛ لأن المكان مقصور على الظواهر الخارجية وحدها، أما الزمان فهو الشرط الصوري القبلي لجميع الظواهر بوجه عام، ومن ثم فإن له — دون المكان — «علاقته الوثيقة بالعالم الداخلي للانطباعات والانفعالات والأفكار. والزمان بهذا الوصف هو معطى من معطيات الوعي المباشر، وهو أكثر حضورًا من المكان، بل من أي تصور آخر كالسببية أو الجوهر، فكأنه لا خبرة هناك إلا إذا كانت تتسم بطابع زماني.»٤ وليس من الضروري بطبيعة الحال أن تتسم كل خبرة بطابع مكاني، بل إن الخبرة بغير عالم الظواهر الخارجية لا يمكن أن تتسم بالطابع المكاني.
وإذا كان الفيلسوف الألماني كانط شيخ الفلسفة الحديثة بأسرها، فإن أهم ما أخرجته الفلسفة الألمانية المعاصرة في القرن العشرين كتابان؛ الأول: هو كتاب مؤسس الفينومينولوجيا إدموند هوسرل E. Husserl (١٨٩١–١٩٣٨) دراسات منطقية Logische Untersuchungen وقد اعتنى هوسرل بالوعي الباطني والتوصيف الفينومينولوجي له، والثاني: كتاب مارتن هيدجر M. Heidegger (١٨٨٩–١٩٧٦) الوجود والزمان Sein Und Zeit (١٩٢٧) وقد اكتسب هذا الكتاب أهمية فلسفية فائقة، حتى عُدَّ إنجيل فلسفات الوجود والفلسفة الوجودية المعاصرة؛ وذلك لأنه نظر إلى الوجود أخيرًا نظرة كانت مجدية حقًّا، نظر إليه من خلال الزمان. وفي القسم الأول من الكتاب اعتبر هيدجر أن الزمان هو الأفق الترانسندنتالي المتعالي الذي ننظر منه إلى السؤال عن الوجود؛ إذ إنه بالزمان والزمانية يفسر «الدازين» Dasein (الموجود ثمة أو الكائن الملقى به هناك والتي تُرجِمَتْ بالآنية)، «أما في القسم الثاني من الكتاب، فيشرح المعالم الرئيسية لما يسميه «التحطيم الفينومينولوجي» لتاريخ الأنطولوجيا على هدى من مشكلة الزمانية.»٥ وقد وضع هيدجر مصطلحات معقدة وجهازًا فلسفيًّا مهيبًا وفعالًا؛ لينجز هذه المهمة التي كانت ضرورية، مهمة التفسير الزماني للوجود والتفسير الوجودي للزمان، واعتبار الزمان الأفق الذي نطل منه على الوجود.
فقد ارتبط الزمان دائمًا بالوجود، ونحن لا نفكر في أحدهما دون أن نفكر في الآخر و«الوجود منذ فجر الفكر الفلسفي مرادف للحضور، والحضور يكون في أفق الحاضر ويتكلم بصوته، والحاضر في التصور الشائع بُعْدٌ من الأبعاد الثلاثة التي تلازم تصوُّرنا للزمن الذي يسير على طريق لا رجوع فيه من ماضٍ إلى حاضر إلى مستقبل. والماضي في تصورنا الشائع أيضًا هو الذي لم يَعُدْ له وجود، كما أن المستقبل هو الذي لم يوجد بَعْدُ.»٦ إن ثمة علاقة عكسية وتحديدًا متبادلًا بين الزمان والوجود؛ لذا فربما بدا المكان أقدر من الزمان على البقاء، إلا أن وجودنا يرتبط ويتحدد بالزمان المنقضي المتلاشي، أكثر كثيرًا من ارتباطه بالمكان.

•••

والتقابل بين المكان والزمان يمكن وضعه وتصعيده على النحو التالي:

المكان الزمان
النقطة اللحظة
الامتداد الديمومة
التجاور التعاقب
التتالي التوالي
السكونية الحركية
الثبات التغير
الكينونة الصيرورة
هكذا ننتهي إلى أن الزمان — دون المكان — هو الكائن الصائر السيال المنقضي دائمًا: ماضٍ لم يَعُد ومستقبل لم يأتِ وحاضر لا يكون أبدًا، ينفلت من بين فروج الأصابع دائمًا. ومجرد الإمساك باللحظة الراهنة يعني انفلاتها وإتيان اللحظة التالية لتنفلت هي كذلك في توالٍ لا يتوقف أبدًا، أو لم نبدأ من اللحظة، واللحظة آن، و«الزمان مكون من آنات يرفع كل منها الآخر، فهو تغاير مستمر، موجود بوصفه غير موجود، وغير موجود بوصفه موجودًا.»٧

هذه الطبيعة الانزلاقية المتحركة، بل الدافقة الجارفة والمروعة للزمان، هي التي جعلته يتحد بالوجود ثم العدم، بالحضور ثم الفناء. والزمان هو الذي ينبئ الإنسان بموته وزواله وعبثية كل جهوده، كما يبشره بانتظار الجديد الوافد، الميلاد الذي سوف يحدث والجديد الذي سوف يطرأ، مثلما أن الموت سوف يحدث والطارئ سوف يبلى. إن الزمان هو الذي يحمل أمل الإنسان ويأسه، مجده وتفاهة شأنه، إنه الكيان الموجد الفاني.

لذلك «لو رجعنا إلى المصطلح اليوناني لكلمة الزمان فسوف نجد أن كلمة كرونوس Chronos تشير إلى الزمان منذ عصر هوميروس»،٨ وكرونوس إله يخشى على ملكه من أبنائه، فيلتهمهم الواحد بعد الآخر، وكذلك الزمان هو الذي ينجب الكائنات، ثم هو الذي يقضي عليهم.٩
لذلك يفر الإنسان دائمًا من كرونوس إلى أيون Aion. وأيون كلمة يونانية تشير إلى الزمان بمعنى الأبدية، التي احتلت موقعًا جوهريًّا في بنية العقل طوال تاريخه. فلكي يواجه الإنسان (الماضي، الحاضر، المستقبل) وضع (الأزلية، السرمدية، الأبدية) في محاولة منه للتغلب على شر الزمان، وتحطيم لأطره وانفلات منه، يتخذ صورًا عدة. فأبو اليزيد البسطامي — مثلًا — يعرف توحيد الشهود الذي هو توحيد الخواص «بأنه الخروج من ضيق الحدود الزمانية إلى سعة فناء السرمدية.»١٠ إن الشعور بالتناهي والزوال الذي يجعله الزمان مسيطرًا على الإنسان هو الذي دفع الفلاسفة اليونان الأولين لأن يقولوا: كل شيء عائد إلى أصله، ولا بد أن يعاني العقاب وذلك تبعًا لقانون الزمان (دورته الأبدية). ثم جاء الإنجيل الرابع يؤكد الحياة الأبدية للمسيح، وتحدَّثَ الصوفي العظيم الميستر إكهارت Eckhart (١٢٦٠–١٣٢٧) عن الآن الأبديِّ داخل «سيلولة» الزمان،١١ مؤكدًا أن الأول — أي الآن الأبدي — هو الحقيقة، أما الزمان فوهم غير حقيقي. والواقع أن الأبدية محض هروب من الزمان الغادر الفاني، الذي هو قدر الإنسان، فإلى أين؟ إلى زمان آخر فحسب نرجوه لا يغدر ولا يفنى، فهل الأبدية تحمل الخلاص من ربقة الزمان أم ينطبق عليها قول أبي العلاء المعري:
وهل يأبق الإنسان من ملك ربه
فيهرب من أرض له وسماء؟!

ومهما يكن الأمر، فإننا نلاحظ أن مفهوم الأبدية الموازي للزمان ليس له مماثل بشأن المكان الذي لا يمس صميم المصير الإنساني. إن المكان مقولة فلسفية لها قضايا محددة أما الزمان فمقولة استحالت إلى إشكالية من أمهات المسائل الفلسفية، التي أرقت لها العقول وتضاربت بشأنها الرؤى واسترعت الاهتمام واستأثرت به، وبزت جميع إشكاليات الفلسفة في ذلك كله منذ وُجِدَ الإنسان. فإذا اعتبرنا الحضارة الفرعونية هي الفجر الناصع لحضارة الإنسان، لاحظنا كيف انصبت جهودها على تأكيد عقيدة الخلود في الحياة الأخرى، تحديًا للزمان، وتقف الأهرامات مصداقًا شامخًا على هذا.

•••

وتميُّز الزمان عن المكان لا يقتصر على أن الزمان له طبيعة تجعله مخاطبًا لعالم الإنسان الداخلي ومسترعيًا لصميم وجوده ووجدانه؛ أي متوغلًا في العالم المقابل لعالم العلم، بل إن الزمان يتميز عن المكان أيضًا في قلب عالم الظواهر — عالم العلم.

لقد ذكرنا أن كل فروع العلم تُسلِّم — كما تُسلِّم الفيزياء — بأن الزمان والمكان إطاران متقاطعان لهذا الوجود أو العالم الذي يبحث كل فرع من فروع العلم في زاوية من زواياه. هذا صحيح، لكن من الصحيح أيضًا أن كل علم له اعتماده الخاص على مفهوم الزمان دون المكان؛ فالحياة العضوية لا توجد إلا بمقدار ما تتطور في زمن، فهي ليست شيئًا بل عملية، تيار مستمر من الأحداث أو الوظائف، يعني ديمومة معينة من الزمان.

وقد تعاظم أمر الزمان في العلوم الحيوية حين ظهر علم البيولوجيا العام — الذي يبحث في نشأة ظاهرة الحياة على سطح الأرض وتطورها — حين تقدم دارون بنظريته عن أصل الأنواع الحيوية ونشوئها وتطورها خلال مراحل زمانية.

والمجموعة الثالثة في نسق العلم، بعد مجموعة العلوم الفيزيائية أو علوم المادة الجامدة، ثم مجموعة العلوم البيولوجية أو علوم المادة الحية؛ هذه المجموعة الثالثة هي مجموعة العلوم الإنسانية التي تعتمد أكثر وأكثر على الزمان. فدراسة الظواهر الإنسانية — من أية زاوية — تتمركز دائمًا حول الزمان.

والزمان معطى مباشر للوعي، ولكنه معطى شديد التعقيد، وهذا ما دفع كاسيرر في مرجعه المذكور «مقال في الإنسان» إلى الإشارة إلى عدة مستويات لإدراك الزمان، أدناها «الزمان العضوي» الموجود لدى الكائنات الحية حتى لدى الأشكال الدنيا منها، وإذا اقتربنا من الحيوانات العليا سنجد شكلًا جديدًا يسميه كاسيرر «الزمان الحسي» وهو ذو طبيعة سيكولوجية معقدة، وفي النهاية نجد الزمان الرمزي الذي يدخل فيه مفهوم الزمان الفيزيائي العلمي الدقيق.

وكما ظهرت فكرة التطور في علم الحياة وتوغلت في بنية الفكر المعاصر من زوايا عديدة، ظهرت فكرة التقدم في العلوم الاجتماعية المعاصرة، ونشأ علم النفس الارتقائي لبحث نمو سيكولوجية الطفولة، فيزداد اعتماد العلوم الإنسانية الحديثة جميعًا على الزمان.

وحتى قبل ظهور العلوم الإنسانية الحديثة كان لا بد أن تدور المباحث الإنسانية حول محور الزمان. وخير ما يبرهن على هذا أن أفلاطون عجز عن الاستغناء عن محور الزمان بالرغم من أنه أعدى أعداء مقولة التقدم، «وما كان ليقبل أبدًا الفكرة القائلة بأن مبادئ النظام الاجتماعي الصحي تتغير من عصر لعصر ومن مجتمع لآخر؛ فقد أكد أنها أبدية ثابتة كمبادئ النظام الطبيعي، وإن كان يمكن تشويهها وإفساد المجتمع بألف طريقة.»١٢ وهذا ما دفع أفلاطون إلى تكريس الكتاب الثامن من الجمهورية لبحث مراحل التدهور التي تعقب الحكم المثالي حكم الفلاسفة، وحددها بخمس مراحل من الحكومات الدنيا أو الحكم السيئ؛ هي: الأرستقراطية، ثم التيموقراطية، وهي حكومة الحماسة للحرب، ثم الأوليجارشية، وهي حكم القلة من الأغنياء، تعقبها مرحلة استيلاء الأغلبية الفقيرة الدهماء على الحكم؛ أي مرحلة الديمقراطية التي تفضي إلى حكم الطغيان والاستبداد. هذه الحكومات الخمس متعاقبة، كل منها أسوأ من سابقتها، وهي بطبيعة الحال تتم عبر مراحل زمانية.
ولا غرو أن يكون الزمان محورًا أساسيًّا من محاور فلسفة جيامباتستا فيكو G. Vico (١٦٦٨–١٧٤٤) رائد فلسفة التاريخ. وليس بالنظر فحسب إلى فلسفته في التاريخ، وهي وثيقة الاتصال بالزمان لدرجة تغني عن الذكر، ولكن نظرية فيكو في فلسفة القانون كانت هي أيضًا قائمة على مقولة الزمان، أو بتعبير أدق، على «فكرة تقسيم الأزمنة Sett dei tempi، باعتبارها مبدأ قابلية العملية القانونية للنمو والحياة والتطبيق، كما كانت عند الرومان.»١٣ وعلى ضوئها كانت مجمل فلسفته للقانون فضلًا عن التاريخ.

إن الإنسان أكثر الكائنات طرًّا وعيًا بالزمان وتحددًا بإطاره وتفاعلًا بمساره، فهل يمكن لأي نظر أو دراسة للإنسان، ألا ترتكز على مفهوم الزمان، بصورة أو بأخرى؟!

ويمكن أن ننظر للأمر نظرة أكثر عمومية وشمولية لنجد المعرفة العلمية على إطلاقها تتشابك تشابكًا خاصًّا مع الزمان. ولنستعِرْ قول نيقولاي بيرديائيف: «لقد علمنا أفلاطون أن المعرفة تذكر، أو بتعبير آخر هي انتصار على دولة الزمان.»١٤ ذلك بأن قوة التذكر انفلات من أسر التجربة الحسية المباشرة واقتحام للماضي، لزمان لم يَعُدْ كائنًا. وتقوم المعرفة التاريخية، على وجه الخصوص، سواء التاريخ الجيولوجي أو الطبيعي الحيوي أو الإنساني تقوم بتأكيد قدرة الإنسان على هذا الانفلات، ويتصل بها كذلك قدرة العلم على التنبؤ، التي تتعاظم يومًا بعد يوم وتزداد دقة، فالتنبؤ هو أيضًا اقتحام لآفاق المستقبل؛ أي: آفاق الزمان الذي لم يوجد بعد.

وثمة أيضًا التنبؤ العكسي الذي يقتحم الماضي، كأن يستدل العلماء على أوضاع فلكية أو فيزيقية كانت منذ زمن قريب أو بعيد. وعلى الإجمال، فإن تنامي القدرة على اقتحام آفاق الزمان معيار مهم من معايير التقدم العلمي الذي يحرزه الإنسان.

•••

وهكذا، نرى صور تميز الزمان على المكان، فضلًا عن انفراده بعالم الوجدان اللامنطقي المنطلق، ولكل ذلك فاق الزمان المكان حيثية وشأوًا في عالم العلم ذاته. إن المكان له — بطبيعة الحال — حيثية، وقد انشغل به نفر من الفلاسفة منذ ما قبل السقراطيين الذين بحثوا في الخلاء والملاء، إلى فلاسفة العلم المعاصرين والمعنيين بالرياضيات البحتة والتطورات الخطيرة التي حدثت لعلم الهندسة في القرنين التاسع عشر والعشرين؛ حيث ظهرت هندسات لا إقليدية كاملة الأنساق، وأصبح لدينا ثلاثة أنساق هندسية متكافئة منطقيًّا؛ الأولى: هندسة إقليدس المعهودة التي تفترض أن المكان أو السطح كما ندركه مستوٍ، وهندسة لوباتشيفسكي التي تفترضه مقعرًا، وهندسة ريمان التي تفترضه محدبًا. ثم أصبحت الأخيرة مع آينشتاين هي الهندسة التطبيقية أو هندسة الواقع الفيزيائي، بعد أن كانت الإقليدية هي السائدة مع نيوتن،١٥ ولكن إذا كان للمكان قضايا معينة انشغل بها نفر من الفلاسفة، فإن الزمان له قضايا لا أول لها ولا آخر، ولا يوجد فيلسوف ذو اعتبار لم يُدْلِ بدلوه في إشكاليات الزمان. إن الزمان هو الذي استرعى انتباه الجميع، وأثار من الدهشة — أم التفلسف — ما لم يُثِرْه سواه، وما لا يضاهي بما أثاره المكان، ولا ما أثارته أية مقولة فلسفية أخرى.
١  W. H. Newton Smith The Structure Of Time, (London: Routledge & Kegan Paul, 1980), p. 79.
٢  جيمس جينز، «الفيزياء والفلسفة»، ترجمة جعفر رجب، (القاهرة: دار المعارف، ١٩٨١)، ص٨١–٨٥.
٣  C. D. Broad, Scientific Thought (New Jersy: Littlefield, Adams & Co., 1959). pp. 53-54.
٤  أميرة مطر، «دراسات في الفلسفة اليونانية»، ص١١٣.
٥  مارتن هيدجر، نداء الحقيقة، ترجمة وتقديم ودراسة عبد الغفار مكاوي، (القاهرة دار الثقافة للطباعة والنشر، ١٩٧٧)
٦  عبد الغفار مكاوي، «الحاضر السرمدي واللحظة الخالدة»، مجلة الحكمة، قسم الفلسفة والاجتماع، كلية التربية، جامعة طرابلس، الجماهيرية العربية الليبية، العدد ٣، السنة الثانية، أكتوبر ١٩٧٨، ص٢٥-٢٦.
٧  عبد الرحمن بدوي، «الزمان الوجودي»، (القاهرة، النهضة المصرية، الطبعة الثانية، ١٩٥٥)، ص٢٠.
٨  أميرة مطر، «دراسات في الفلسفة اليونانية»، ص١٢٦.
٩  المرجع السابق، ص١١٥.
١٠  والتر ستيس، «الزمان والأزل: مقال في فلسفة الدين»، ترجمة زكريا إبراهيم، مراجعة أحمد فؤاد الأهواني، (بيروت: مؤسسة فرانكلين، ١٩٦٧)، من مقدمة بقلم المراجع ص١٩.
١١  Paul Tillich, The shaking of the Foundations (New York, Charles Scribners’s son, 1966), p. 34.
١٢  Stephen Toulmin & June Good Field, The Discovery of Time, (London: Hutchinson, 1967), pp. 43-44.
١٣  The Robert Caponigri, Time And History: The Discovery Of History In Giambatiata Vico, (London University Of Notre Dame Press, 1968), p. 46.
١٤  نيقولاي بيرديائيف، «العزلة والمجتمع»، ترجمة فؤاد كامل عبد العزيز، مراجعة علي أدهم، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٨٢)، ص١٣١.
١٥  انظر في تفصيل هذا: يمنى طريف الخولي، «العلم والاغتراب والحرية: مقال في فلسفة العلم من الحتمية إلى اللاحتمية»، (القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٨٧)، ص٣٥٩–٣٦٤.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١