الفصل الأول

(١) مولد ابن يقظان

كان من بين جزائر الهند جزيرة عظيمة، متسعة الأكناف (فسيحة الجوانب)، بعيدة الأرجاء (النواحي)، كثيرة الفوائد، عامرة بالناس؛ يملكها رجل منهم، شديد الأنفة (الترفع والغيرة). وكانت له أخت ذات جمال نادر، وحسن باهر. وكان أخوهما متكبرًا مزهوًا (فخورًا معجبًا بنفسه)، فلم يشأ أن يزوجها بأحد من الرجال لأنها فيما يرى لا يجد كفئًا لمصاهرته، أعني لمن يصبح له صهرًا (زوجًا لأخته).

وكان لهذه الفتاة قريب اسمه يقظان وهو كريم النفس، طيب الخلال (الأخلاق). فلما غاب الملك في بعض حروبه، وطالت غيبته، حسبه أهله قد مات، أو قتل في تلك الحروب، فزوّجوا يقظان تلك الفتاة سرًا. وبعد أشهر قليلة، حملت منه، ثم وضعت طفلًا تلوح عليه مخايل الذكاء (أماراته)، ودلائل النبل. وما وضعت الفتاة طفلها، حتى عاد أخوها من حروبه منتصرًا. ولم يجرؤ أحد من أقارب الملك على الإفضاء إليه (إعلامه وإخباره) بسر الزواج الذي تم في غيبته، خوفًا من غضبه عليهم وانتقامه منهم.

وخشيت الفتاة أن يذيع سرها، فيقتلها أخوها. ولم تر بدًا (لم تجد سعة ولا مفرًا) من كتمان أمرها عنه.

وبعد افتكار طويل، قرّ قرارها على التخلص من الورطة: بإقصاء الطفل التاعس (الساقط الحظ) المسكين عن الجزيرة، حتى لا تسوء العقبى (النتيجة والخاتمة).

(٢) في التابوت

ثم وضعت الأم طفلها بعد أن أروته من الرضاعة — في تابوت (صندوق) أحكمت إغلاقه (إقفاله) وخرجت به سرًا إلى ساحل البحر، وقلبها يكاد يحترق صبابة (حبًا وشوقًا) إليه وحزنًا عليه. ثم ودعته قائلة: «أللهم إنك قد خلقت هذا الطفل — ولم يكن شيئًا مذكورًا — ورزقته في ظلمات أحشائي، وحفظته من كل سوء، وتكفلت به حتى تم واستوى. وأنا قد أسلمته إلى لطفك، ورجوت له فضلك. وسألقيه في اليم (البحر) خوفًا من هذا الملك الظالم الغشوم (الجبار العنيد). فكن له ولا تسلمه إلى من لا يرحمه يا أرحم الراحمين.»

ثم قذفت به في اليم، فصادف ذلك جري الماء، بقوة المد. فاحتمله من ليلته إلى ساحل جزيرة الوقواق التي تحدثنا بها الأساطير. وكان المد ينتهي عادة إلى أقصاه (غايته ونهايته) في برّ هذه الجزيرة، ولا يصل إلى هذا المكان إلا مرة في كل عام.

فأدخله الماء بقوته إلى أجمة (غابة) ملتفة الشجر، طيبة التربة (الأرض)، مستورة عن الرياح والمطر، محجوبة عن الشمس، تنحرف عنها إذا طلعت، وتميل إذا غربت.

ثم أخذ الماء في النقص والجزر (الانقطاع) عن التابوت الذي فيه الطفل وبقي التابوت في ذلك الموضع.

وتوالى هبوب الرياح، فتجمعت الرمال وعلت وتراكمت (تكاثرت)، حتى سدّت باب الأجمة على التابوت، وردمت مدخل الماء إلى تلك الأجمة؛ فكان المد لا ينتهي (لا يصل ولا يجيء) إليها بعد ذلك.

figure

(٣) مرضعة الطفل

وكانت مسامير التابوت قد قلعت، وألواحه قد اضطربت، حين قذفه الموج، ورماه في تلك الأجمة.

فلما اشتد الجوع بذلك الطفل بكى واستغاث، وعالج الحركة (حاولها)، فوقع صوته في أذن ظبية فقدت ولدًا لها. وكان قد خرج من كناسه (بيته الذي يستره) فرأته عقاب، فحملته وطارت به من فورها (والعقاب طائر مفترس، قويّ المخالب، ملتوي المنقار). فخرجت الظبية تبحث عن ولدها، فلما سمعت صراخ الطفل ظنته ولدها المفقود. فتتبعت الصوت، حتى وصلت إلى التابوت. ففحصت (بحثت وحفرت) عنه بأظلافها؛ أعني بحوافرها، وهي الأجزاء الصلبة التي تمشي عليها وتنتهي بها قوائمها (أقدامها).

وكان الطفل يئن من داخله — حينئذ — حتى طار عن التابوت لوحه الأعلى.

فرقّت (أم عزة) له، وعطفت عليه وألقمته حلمتها، وأروته لبنًا سائغًا. وما زالت به تتعهده (تربيه)، وتدفع عنه الأذى، منذ ذلك اليوم.

وكانت هذه الظبية التي تكفلت به قد وافقت مكانًا خصبًا ومرعى أثيثًا (كثير النبات)؛ فكثر لحمها، ودرّ لبنها (سال وكثر)، حتى قام بغذاء الطفل أحسن قيام.

وكانت أم عزة تظل بجواره ولا تبعد عنه إلا لضرورة الرعي.

(٤) بعد حولين

وألف الطفل أم عزة، حتى أصبح لا يستطيع فراقها؛ فكلما أبطأت عنه يشتد بكاؤه فتطير إليه الظبية الحنون.

ولم يكن بالجزيرة أحد من السباع العادية (المفترسة)، فتربى الطفل ونما، واغتذى بلبن الظبية، إلى أن تم له حولان (عامان).

figure

وتدرج الطفل في المشي، وأثغر (نبتت أسنانه). فكان يتبع الظبية. وكانت هي ترفق به وترحمه، وتحمله إلى مواضع فيها شجر مثمر. فكانت تطعمه ما تساقط من ثمراتها الحلوة النضيجة (التي طابت).

وما كان منها صلب القشر، كسرته له بطواحنها (أضراسها).

ومتى عاد الطفل إلى اللبن أروته، ومتى ظمئ إلى الماء أوردته (سقته). ومتى ضحى (أصابته الشمس) ظللته. ومتى برد أدفأته. إذا جنّ الليل (أظلم) صرفته إلى مكانه الأول، وجللته (سترته) بنفسها، وغطته بريش كان مملوءًا به التابوت الذي وضعته فيه أمه.

وكانا في غدوّهما ورواحهما (في خروجهما صباحًا وعودتهما مساءً) قد ألفهما ربرب.

أتعرف الربرب أيها القارئ الصغير؟ ما أظنك تعرفه، لأن هذه الكلمة فيما أعلم جديدة لم يألفها سمعك. فلتعلم أن الربرب هو: جماعة من بقر الوحش.

وقد ألفت هذه الجماعة الظبية والطفل، فكانت تسرح معهما، وتبيت حيث مبيتهما.

فما زال الطفل مع الظبية على تلك الحال، يحكي نغمتها بصوتها حتى لا يوجد بينهما فرق، ويقلد نغمات ذلك الربرب الذي ألفه وحنا عليه بطبعه.

وكان كذلك يحكي جميع ما يسمعه من أصوات الطير وأنوع سائر الحيوان: محاكاته لصوت الظبية، في الاستصراخ (صوت الاستغاثة)، والاستئلاف (التحبب والتودد)، والاستدعاء (النداء والصياح)، والاستدفاع (طلب النصرة)؛ إذ للحيوانات في هذه الأحوال المختلفة أصوات مختلفة.

فألفته الوحوش وألفها، ولم تنكره ولا أنكرها!

وقد مثلت في خلده (صوّرت في خاطره)، صور هذه الحيوانات، وثبتت في نفسه أمثلة ما يراه من الأشياء، فكان يتخيلها بعد مغيبها عن مشاهدته. وكان يحدث له شوق إلى رؤية بعضها وكراهية بعضها.

(٥) قوة الحيوان وضعف الانسان

وكان في ذلك كله ينظر إلى جميع الحيوانات، فيراها كاسية بالأوبار (مكسوّة بالأصواف)، والأشعار وأنواع الريش على اختلاف ألوانها، وتباين أجناسها وتنوع أشكالها.

وكان يرى ما لها من سرعة العدو (الجري)، وقوة البطش والفتك، وما لها من الأسلحة المعدة لمدافعة من ينازعها، مثل الأنياب والحوافر والصياصي (قرون الظباء)، والمخالب (أظفار الحيوان والطير).

ثم يرجع إلى نفسه، فيرى ما به من العرى، وعدم السلاح، وضعف العدو، وقلة البطش، عندما كانت تنازعه الوحوش أكل الثمرات، وتستبد به (تستأثر بها) دونه، وتتغلب عليه، فلا يستطيع المدافعة عن نفسه، ولا الفرار بشيء من الثمار!

وكان يرى أترابه (من ولد معه) — يعني أشباهه في السن — من أولاد الظباء، قد نبتت لها قرون بعد أن لم تكن؛ وصارت قوية بعد ضعفها في العدو. ولا يرى لنفسه شيئًا من هذا كله.

فكان يفكر في ذلك، ولا يدري ما سببه؟

وكان أيضًا ينظر إلى سائر الحيوان، فيراها مستورة بالأذناب، مكسوة بالأوبار — أو ما شابهها — فكان ذلك كله يكربه (يسوءه ويحزنه).

(٦) في العام السابع

فلما طال همه في ذلك كله — وقد قارب سبعة أعوام — ويئس من أن يكمل له ما قد أضرّ به من النقص: اتخذ من أوراق الشجر العريضة شيئًا جعل بعضه خلفه، وبعضه قدامه. وعمل من الخوص والحلفاء (نبت محدد الأطراف) — شبه حزام على وسطه، فتعلّقت به تلك الأوراق.

فلم يلبث إلا يسيرًا، حتى ذوى ذلك الورق (ذبل ويبس)، وجفّ وتساقط عنه. فما زال يتخذ غيره، ويخصف (يلزق) بعضه ببعض، طاقات مضاعفة (طبقات بعضها فوق بعض)، ويخرز الواحدة في الأخرى، ويلزق الأولى بالثانية، ليستر بها بعض جسمه، وربما كان ذلك أطول لبقاء الستر؛ إلا أنه على كل حال قصير المدة.

واتخذ من أغصان الشجر عصيًا سوّى أطرافها وعدل متونها (ظهورها)، وقوّم من اعوجاجها وتثنّيها. وكان يهش بها على الوحوش المنازعة له، فيحمل على الضعيف فيها، ويقاوم القويّ منها، فأكسبه ذلك النجاح ثقة وتأميلًا، ونبل (عظم) بذلك قدره عند نفسه بعض نبالة. وعلم أن ليده فضلًا كثيرًا على أيدي الحيوان، إذ أمكن له بها ستر جسمه، واتخاذ العصي التي يدافع بها عن حوزته، ويحمي بها نفسه وما يتعلق به من أشيائه، فاستغنى بها عما أراده من الذنب والسلاح الطبيعي.

(٧) الثوب الأول

figure

وفي ذلك ترعرع، وأربى (زاد) على السبع سنين. وطال به العناء في تجديد الأوراق التي كان يستتر بها، فكانت نفسه تنازعه (تشوقه) إلى اتخاذ ذنب من أذناب الوحوش الميتة، ليعلقه على نفسه.

ولكن ابن يقظان رأى أن أحياء الوحوش تتحامى (تتجنب) ميّتها، وتنفر منه. فلم يتأتّ (لم يتيسّر) له الإقدام على تنفيذ رغبته.

ثم صادف في بعض الأيام نسرًا ميتًا؛ فرأى الفرصة سانحة لتحقيق إربته (طلبته وحاجته)، إذ لم ير للوحوش عنه نفورًا. فأقدم عليه وقطّع جناحيه وذنبه صحاحًا (كما هي)، وفتح ريشها وسوّاها. وسلخ عن ذلك النسر سائر جلده، وفصّله على قطعتين، ربط إحداهما على ظهره، والأخرى على سرته وما تحتها. وعلق الذنب من خلفه، وعلّق الجناحين على عضديه (ما بين مرفقيه إلى كتفيه).

فأكسبه ذلك سترًا ودفئًا ومهابة في نفوس جميع الوحوش حتى كانت لا تنازعه (لا تخاصمه) ولا تعارضه، فصار لا يدنو إلى شيء منها سوى أم عزة: تلك الظبية التي كانت أرضعته وربّته. فإنها لم تفارقه ولا فارقها، إلى أن أسنّت (كبر سنها) وضعفت. فكان يرتاد بها المراعي الخصبة، ويجتني لها الثمرات الحلوة، ويطعمها ولا يألو جهدًا (لا يقصر) في برّها، والعناية بأمرها، جزاءً لها على ما أسلفته إليه من صنيع وإحسان.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤