مقدمة

الأستاذ «جون تيودور مرتز» أشهر من أن نُعرِّف به مُلمًّا بالأدب الإنكليزي في العصر الحاضر، على أنه إن كان تعريف القراء بمؤلفٍ أوروبي أمرًا واجبًا، فحسبنا أن نقول في ذلك الأستاذ: إن مؤلفه في تاريخ الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر ينزل من مؤلفات هذا العصر في التأريخ العلمي منزلةَ كتاب «غيبون» في سقوط الدولة الرومانية، أو مؤلَّف «مومزن» في تاريخ روما، من حيث الأثر والقيمة، على ما بين التأريخ العلمي والتأريخ العام من الفوارق التي لا تغيب عن المشتغلين بالعلوم الحديثة.

أنفقت وقتًا غير قصيرٍ في الإكباب على دراسة كتاب «مرتز»: تاريخ الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر، فثبت في يقيني أن نقل هذا الكتاب إلى اللغة العربية يكون بمثابة حلقة وصل بين عهدين: بين العهد القديم، والعهد الحديث في تاريخ العلم والفلسفة، وأيقنت من جهةٍ أخرى، أن وقوف الناشئين من أبناء العربية على آخر ما جادت به عقول النبغاء في أوروبا من ثمرات العلم والفلسفة حتى ختام القرن التاسع عشر تمهيدٌ ضروريٌّ لمن يريد أن يتابع حركة النشوء الفكري في القرن العشرين.

فروع العلم الحديثة واسعة النطاق، وهي على تباين مراميها ووجهاتها متحدة الغاية؛ فإن الغاية منها تثقيف العقل الإنساني، فهي مرقاة يتعلق بأسبابها الإنسان لكي يصل إلى أبعد حد مستطاع من الرقي الاجتماعي؛ لهذا رأيت أن لا أقسر القراء على قراءة كتاب في تاريخ الفكر الأوروبي، علميًّا وفلسفيًّا، يقع في أربعة مجلدات ضخام، في حين أن كلًّا منهم قد يُعنى بمقال واحد فيه؛ فإن المؤلف قد قسم الكتاب إلى شطرين عظيمين: خص الشطر الأول بالعلم، والثاني بالفلسفة، ولم يترك في كلا الشطرين من علم أو مبحث فلسفي لم يكتب فيه مقالًا رائعًا يصح أن يكون في ذاته رسالة مستقلة عن الكتاب في مجموعه؛ لهذا فضلت أن أنشر الكتاب في رسائل ملخصة تلخيصًا هو أقرب الأشياء شبهًا بالترجمة الحرفية، بما تقضيه من أمانة في تحري الألفاظ التي تعبر عن حقيقة الفكرة الخفية في موضوعات العلم والفلسفة.

ولست بِمُقَيِّدٍ نفسي بترتيب أبواب الكتاب، فقد أنشر رسالة من رسائله الفلسفية لأعقب عليها برسالة في العلم أو أخرى في الأدب، وسوف أبذل جهدي لأجعل ظهور الرسائل متتاليًا في فترات تكفي لامتصاص الفكرة المنبثة في تضاعيف كل منها.

إن تلك الملخصات سوف تكون تاريخًا ومرجعًا لبحث الفكرتين العلمية والفلسفية في القرن الماضي، سوف تُرضي مقترَحَ الكثيرين من الأصدقاء الذين طلبوا إليَّ أن أُخرج في العربية رسائل مختصرة توقف الناشئين على ما وصل إليه العلم، وما بلغت إليه الفلسفة في العصور الحديثة، على أني بعد التفكير الطويل قد اقتنعت بأننا في عصر أحوج ما نكون فيه إلى الترجمة والنقل، فإذا أضفنا إلى ذلك أن صوغ المبادئ العلمية والفكرات الفلسفية في قالب تاريخي أدبي، أروح على نفوس الناشئين والطلاب والباحثين من الإكباب على المصطلحات الفنية الصرفة، عرفنا إلى أي حد تذهب الفائدة في نشر هذا الكتاب في رسائل مستقلة تخرج من ثلاث جهات نورًا ساطعًا: من جهة العلم، ومن جهة الأدب، ومن جهة الفلسفة.

•••

كذلك قد حرَّرتُ نفسي من التقيد بنشر كتاب «مرتز» وحده؛ فإن في عالم المؤلفات الحديثة كُتبًا قيمة في مختلف الموضوعات العلمية والفلسفية قد أخص الكثير من فصولها بالتلخيص، وإن كان أغلب هَمِّنَا سوف يُصرف إلى كتاب «مرتز» بادئ ذي بدء، على أني سأخُصُّ كتاب العلَّامة «جون ديكسون وايت» في «تاريخ تنازع البقاء بين اللاهوت والعلم في عصور النصرانية» بقسط من العناية لا يضارعه إلا عنايتي بكتاب «مرتز»؛ فإن شباب هذا العصر وباحثيه إن وقفوا على تاريخ تحرير العقل من أَسْرِ الأوهام التي سطت عليه في القرون الوسطى، وعرفوا تاريخ الجِلاد الذي وقع بين اللاهوت والعلم حتى أواخر القرن الثامن عشر، ووجدوا بين أيديهم تاريخًا كاملًا في كل ما أنتج العقل والفكر في القرن التاسع عشر. أتموا بذلك رحلة يستقر بهم نواها على منتجات العقل في القرن العشرين.

على أنني إن حررت نفسي من التقيُّد بموضوعات الكتابينِ، ومما سوف أنتقي من فصول المؤلفات الحديثة التي آنس فيها إتمامًا لغرضي هذا؛ فإني سأعمل على أن أحتفظ بأوجه العلاقة الواقعة بين ما أنتقي من موضوع الرسائل؛ ليُحدث تسلسلها في ذهن متتبعيها كفاءة خاصة يدركون بها مقدار الفرق بين القديم والحديث.

إسماعيل مظهر
القاهرة، أغسطس سنة ١٩٢٣

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤