مقدمة هذه الطبعة الجديدة

كان لهذا الكتاب قراء كثيرون فقد طُبع خمس عشرة مرة وتُرجم إلى لغاتٍ عدة، ومع ذلك فلم ينته نجاحه بعد، على أن تأثيره في رجال الجامعة ظل ضعيفًا جدًّا، ذلك أن أساتذتنا محصورون في برامج ضيقة شديدة، فهم لا يستطيعون أن يخرجوا بالتعليم عنها، وهم يعلِّمون ما في هذه البرامج بنفس الطرائق التي اتُبعت في تعليمهم.

على أن هناك أسبابًا أخرى تحول دون تغير مذهبنا في التعليم سنجدها في هذا الكتاب، وهي تُظهر السبب في أن الحرص الشديد على الإصلاح يظل عقيمًا، وهناك دليل جديد على هذا العقم تأتَّى لي استكشافه في هذا الظرف الذي سأقصه عليك:

قرأ هذا الكتابَ في إحدى طبعاته القديمة عضوٌ مشهور من أعضاء مجلس الشيوخ لا أعرفه إلا بالشهرة، وهو الأستاذ ليون لابي العضو بالمجمع العلمي والمجمع الطبي، فأقبل يزورني لينبئني بعزمه على أن يُلقي في مجلس الشيوخ خُطبةً قوية يطالب فيها بإصلاح التعليم عندنا، وجاء هذا العالِم مرات يناقشني في هذا الموضوع كما ناقش فيه أصدقاء آخرين، وكانت نتيجة هذه المناقشات أن إصلاح التعليم لن يتأتَّى إلا إذا غُيرت نفوسُ الأساتذة ثم نفوس الآباء ثم نفوس التلاميذ، فاضطر هذا الشيخ النابه إلى أن يعدل عن خطته أمام هذه البداهة القاهرة.

ولقد توخيت في الطبعات القديمة أن أقتصد في ذكر التعليم في البلاد الأجنبية، ثم بدا لي أن من النفع أن أتنزل إلى التفصيل، فخصصت في هذه الطبعة فصولًا لمناهج التعليم في البلاد التي بلغ فيها التعليم أقصى أطوار الكمال الممكن وهي الولايات المتحدة الأمريكية، وهذه الفصول تُظهر بُعد الهوة التي تفصل منهجنا ومنهجهم في تصور التعليم.

ذلك أن الأساتذة الأمريكيين يسترشدون بدرايةٍ صحيحة بعلم النفس، فيعرفون كيف ينمُّون عند التلميذ قوة الملاحظة والتفكير والحكم والخلق، وأثر الكتاب في هذا التعليم ضعيف جدًّا، بينما الاستظهار لا يؤثر فيه أثرًا ما، نقيض هذا بالدقة هو الذي يجري في جامعتنا، فالشاب الفرنسي منذ يدخل المدرسة الابتدائية حتى يصل إلى التعليم العالي لا يعقل إلا استظهار الدروس، وقد تفلِت بعض العقول المستقلة من هذا الأثر السيئ أثر الجامعة، ولكن جمهور الناس يخضع له أبدًا، وهذا هو السبب في أن فرنسا إذا كان فيها نفر قليل ممتاز يحفظ مكانتها في العالم فإن رجال الطبقة الوسطى فيها — أولئك الذين هم عماد الحضارة — يضعفون شيئًا فشيئًا عن القيام بواجبهم الاجتماعي، وكيف يمكن أن يتكونوا إذا كان تعليمنا لا يخلقهم؟

وستُظهر كل صفحة من هذا الكتاب دليلًا يقدمه رجال الجامعة أنفسهم على أن تعليم هؤلاء الناس ينحصر في استظهار الكتب الدراسية، ذلك شأن أشهر مدارسنا وهو مدرسة الهندسة، لا يزيد الطالب فيها على أن يحفظ استعدادًا للامتحان أشياء لم يعرفها إلا بالذاكرة فما أسرع ما تُنسى.

ولقد أحسن الحكم على هذا التعليم الفقير جدًّا الذي يُعطى في هذه المدرسة خريج من خريجيها، هو المسيو بيليطان المفتش العام للمناجم في بحث نشرته المجلة العامة للعلوم في ١٥ أبريل سنة ١٩١٠، وإليك قليلًا مما جاء فيه:

لا يتجه التعليم إلا نحو الامتحان، فيفقد كل صفة علمية ولا ينُمي إلا الذاكرة، وإذ لم يكن يُطلب من طالب الهندسة إلا أن يستظهر درسه دون أن يُكلف بحثًا علميًّا خاصًّا، فليس من سبيلٍ إلى معرفة قيمته الحقيقية، فيفوز أعظم الفوز حتى في الحساب أولئك الذين قويت ذاكرتهم وضعف حظهم من الذكاء، نجدهم دائمًا في أول الصف بعد الامتحان.

وقد يُقال إذا كان تغيير التعليم عندنا مستحيلًا أو قريبًا من المستحيل فما نفع كتاب يُنشر في التعليم؟ أليس من المعروف أن هذه المجموعات التي لا تُحصى من هذه الكتب التي تظهر في كل يوم في التعليم لا يقرأها إلا مؤلفوها؟

كذلك كنت أسأل نفسي منذ عشر سنين حين ساءني هذا الانحطاط الذي تقودنا إليه الجامعة، فأخذت أفكر في تأليف هذا الكتاب، ومع ذلك فقد أكرهت نفسي على كتابته؛ أولًا لأنه لا ينبغي بوجهٍ من الوجوه أن نتردد في إعلان ما نعتقد أنه نافع، ثم لأني كنت مقتنعًا بأن الفكرة الصحيحة لا بد من أن تنبت قريبًا أو بعيدًا، مهما تكن الصخرة التي تُلقى عليها هذه الفكرة يابسة صلبة.

ولم آسف على نشر هذا الكتاب، فقد قرأه قراءٌ كثيرون لم أكن أنتظر أن يقرءوه، وكان له أثر خاص كنت له أقل توقعًا، لم يحدث هذا الأثر في الجامعة التي بلغت منها الشيخوخة أن أصبحت غير قابلة للتغيير، وإنما حدث في طبقة من الناس لم أكن قط قد فكرت فيهم.

ذلك أن مباحثي قد كان لها صدى في مدرسةٍ خطيرة قد خُصصت لتخريج قوادنا العسكريين، أريد المدرسة الحربية التي حماها حسن الحظ من تأثير الجامعة، فقد عني أساتذة علماء كالجنرال بونال والكولونل دي مودوي وآخرين كثيرين بتعليم المبادئ الأساسية المبسوطة في هذا الكتاب بطبقةٍ نابهة من الضباط.

ذلك أن نفع طرائق التعليم التي تسمح بتنمية الحكم والتفكير والملاحظة والإرادة وضبط النفس كان يجب أن يظهر في صناعة الحرب بنوعٍ خاص.

فإن اكتساب هذه الخلال وتحويلها إلى صفاتٍ عادية لا يشعر بها صاحبها حتى تصبح مصدر سيرتنا هو فن التربية، وقد فهم الضباط فهمًا صحيحًا ما لم يستطع رجال الجامعة أن يلموا به إلمامًا، وقد ظهر على ذلك دليل جديد في الكتاب الحديث الذي نشره قومندان أركان الحرب المسيو جوشير بعنوان «بحث في نفسية الجند والقيادة»، فيه نُشرت المحاضرات التي ألقاها على الضباط وفصَّل فيها طرائق التعليم التي بسطها معتمدًا على النتائج الحديثة لعلم النفس، ولعل جامعتنا تخضع لهذا الإصلاح الذي ترفضه بواسطة الجيش.

ثم لم يبدأ رواج أصول التربية المبسوطة في هذا الكتاب في الجيش الفرنسي وحده، فقد قال كاتب في بحث مفيد جدًّا نشرته المجلة البحرية العسكرية في إنجلترا في ٨ مايو سنة ١٩٠٩ ما يأتي:

لم تعرف التربية قط تعريفًا بلغ من الوفاء والدقة ما بلغه تعريف جوستاف لوبون؛ إذ يقول: «إن التربية هي الفن الذي يمكِّن من إدخال الشعوري في اللاشعوري»، وقد قبل رؤساء أركان الحرب الإنجليز هذا الأصل على أنه أساس للوحدة بين العقيدة والعمل في التربية العسكرية، هذه الوحدة التي نحن محتاجون إليها.

ثم يُظهر المؤلف بإتقانٍ تطبيقي هذا المبدأ في التعاليم العسكرية الإنجليزية الجديدة، ذلك أن رؤساء أركان الحرب الإنجليز قد عرفوا أن ليس العقل هو الذي يبعث على العمل في ميدان الحرب وإنما هي الغريزة، ومن هنا وجب الاجتهاد في تحويل الشيء المعقول إلى شيءٍ غريزي بنوعٍ خاص من التربية، فاللاشعوري هو مصدر القرارات السريعة، «يجب أن تصبح المهارة ووحدة المذهب شيئًا غريزيًّا بفضل التربية …» ذلك أحسن ما يمكن أن يُقال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠