الفصل السابع

التوحيد وتحدي نظرية الكم

لم يكد أينشتاين يتوصل إلى النسبية الخاصة عام ١٩٠٥ حتى فقد اهتمامه بها وانصرف عنها إلى لعبة أكبر هي النسبية العامة، ثم عاد ليكرر الأمر نفسه عام ١٩١٥، فبعد أن أكمل نظريته عن الجاذبية بدأ يحول انتباهه إلى طموح أبعد هو نظرية المجال الموحد التي ستجمع بين نظريته عن الجاذبية ونظرية ماكسويل للكهرومغناطيسية، وكان يتوقع أن تكون هذه النظرية تتويجًا لإنجازاته وخلاصة لألفي عام من البحث العلمي في طبيعة الضوء والجاذبية، وأن تمكنه من «قراءة أفكار الرب.»

لم يكن أينشتاين أول من افترض وجود علاقة بين الكهرومغناطيسية والجاذبية، فمايكل فاراداي الذي عمل في المعهد الملكي بلندن في القرن التاسع عشر هو أول من أجرى تجارب بهدف استكشاف العلاقة بين هاتين القوتين المؤثرتين. ومن أمثلة التجارب التي أجراها أنه كان يسقط بعض المغناطيسات من فوق جسر لندن كي يرى هل تختلف سرعة سقوطها عن سرعة سقوط الأحجار العادية، فربما يؤدي وجود تأثير متبادل بين المغناطيسية والجاذبية إلى إعاقة المجال المغناطيسي للجاذبية بعض الشيء، مما يؤدي إلى اختلاف سرعة سقوط المغناطيسات. ومن تجاربه أيضًا أنه كان يلقى قطعًا معدنية من سقف حجرة الدراسة لتقع على وسادة موضوعة على الأرض ليرى هل يستحث السقوط تيارًا كهربيًّا في المعدن. ومع أن كل تجاربه تلك جاءت نتائجها سلبية فقد قال: «هذه التجارب لا تزعزع إيماني بوجود علاقة بين الكهرباء والجاذبية، مع أنها لم تعطني دليلًا على ذلك.»١ واعتقد رايمان، صاحب نظرية المكان المنحني في أي بعد، أيضًا بأنه يمكن اختزال الكهرباء والجاذبية في صيغ هندسية خالصة، لكنه لسوء الحظ لم تكن لديه أي صور فيزيائية أو معادلات مجال تؤيد كلامه، ولهذا ذهبت أفكاره أدراج الرياح.

يتضح فكر أينشتاين المتعلق بالتوحيد من خلال تشبيهه للهندسة ﺑ «الرخام» وللمادة ﺑ «الخشب»، فالرخام في نظره يصف عالم الهندسة الجميل ذا السطح الناعم الصقيل، إذ إن النجوم والمجرات التي تملأ الكون تتخذ أماكنها وتؤدي أدوارها على أسطح الزمكان المصقولة، أما الخشب فهو تمثيل لعالم المادة الفوضوي الذي تنتشر في أدغاله الجسيمات دون الذرية عشوائيًّا وتحكمها قواعد كمية ليس لها من منطق، وهذا الخشب ينمو عشوائيًّا وبلا توقع كما تنمو شجيرات العنب وتتشابك معًا، فالجسيمات الجديدة التي اكتشفت داخل الذرة جعلت نظرية المادة نظرية غاية في التعقيد. ومن هذه الصورة أدرك أينشتاين الخطأ في المعادلة؛ فالخشب هو الذي يحدد بنية الرخام، أي أن مقدار انحناء الزمكان تحدده كمية الخشب عند أي نقطة.

وهكذا اتضح الإجراء المطلوب في ذهن أينشتاين الذي يتلخص فيما يأتي: «لكي نوجد نظرية مقصورة فقط على الرخام لا بد من استبعاد الخشب من خلال إعادة صياغتها بشكل يقوم فقط على الرخام.» وإذا كان من الممكن بناء الخشب نفسه من الرخام فحينها ستوجد لدينا نظرية هندسية خالصة، فمثلًا الجسيمات المتناهية في الصغر ليس لها امتداد في الفضاء، وفي نظرية المجالات تعتبر تلك الجسيمات فريدة من نوعها، فعندها تصير قوى المجالات غير محدودة. لكن أينشتاين رأى أن يستعيض عن هذه الخاصية الفريدة بتغيير شكل الزمان والمكان؛ تخيل مثلًا حبلًا به انثناء أو عقدة، إذا نظرت له من مسافة بعيدة سوف تبدو لك العقدة كالجسيم المنفصل لكنك إذا اقتربت منها لن تجدها إلا عقدة في حبل. وبالمثل أراد أينشتاين أن يوجد نظرية هندسية خالصة دون أي خصائص غريبة مطلقًا، مثل الجسيمات دون الذرية كالإلكترونات التي ستبدو كعقد على سطح الزمكان. لكن المشكلة الأساسية التي واجهت أينشتاين هي أنه لم يكن يملك مبدأ تماثل محكمًا يمكن أن يوحد الجاذبية مع الكهرومغناطيسية، وكما ذكرنا من قبل كان السبيل الوحيد أمام أينشتاين لإثبات نظريته هو تحقيق التوحيد من خلال التماثل. وكما رأينا فهو لم يتوصل إلى النسبية الخاصة إلا من تخيله لنفسه يعدو بجوار شعاع الضوء، وهي الصورة التي كشفت عن التعارض القائم بين قوانين نيوتن ونظرية المجالات لماكسويل، ومن خلالها أيضًا توصل إلى مبدأ ثبات سرعة الضوء واستطاع أن يوجد مبدأ تماثل وحد بين الزمان والمكان تمثل في تحويلات لورنتز.

وكذلك عندما اهتدى للنسبية العامة كان هذا من خلال صورة تخيل فيها أن ما يسبب الجاذبية هو انحناء الزمان والمكان، ولقد وضحت هذه الصورة كذلك التعارض الكبير بين نظرية نيوتن (التي فيها تنتقل الجاذبية انتقالًا فوريًّا) والنظرية النسبية (التي تنص على استحالة أن يسبق أي شيء سرعة الضوء). ومن هذه الصورة استنبط مبدأ التكافؤ الذي ينص على أن التسارع والتجاذب يخضعان لذات القوانين الفيزيائية، وأخيرًا استطاع صياغة مبدأ تماثل عامًّا صالحًا لوصف التسارع والتجاذب معًا وهو المتغير المشارك العام.

وجد أينشتاين نفسه أمام معضلة كبيرة سببها أن أفكاره تلك كانت تسبق زمنه بخمسين سنة على الأقل؛ ففي عشرينيات القرن العشرين حين بدأ العمل على نظرية المجالات الموحدة لم تكن هناك قوى معروفة في ذلك الوقت سوى قوتي الجاذبية والكهرومغناطيسية، وكان إرنست راذرفورد Ernest Rutherford قد اكتشف لتوه نواة الذرة عام ١٩١١ لكن القوة التي تثبتها ظلت لغزًا محيرًا في ذلك الوقت، ولهذا فقد كان ينقص أينشتاين جزء مهم من تلك الأحجية لأنه لم يكن يعلم أي شيء عن القوى النووية، ومما زاد الأمر سوءًا أنه لم تكن هناك تجارب قد أجريت وأثبتت تعارضًا بين الجاذبية والكهرومغناطيسية يمكن أن يتمسك بها.
لكن العالم الرياضي هرمان ويل Hermann Weyl الذي ألهمه سعي أينشتاين لإيجاد نظرية مجالات موحدة قام بأولى المحاولات الجادة في هذا المجال عام ١٩١٨، في أول الأمر أعجب أينشتاين بهذه التجربة وقال عنها: «إنها تشبه سيمفونية بديعة»،٢ وكان ويل قد وسّع نطاق نظرية أينشتاين القديمة المتعلقة بالجاذبية عن طريق إضافة مجالات ماكسويل مباشرة إلى معادلاتها، ثم حاول جعل المعادلات متغيرات مشاركة تحت مبادئ تماثل تفوق المبادئ التي استخدمها أينشتاين نفسه بما فيها تحويلات النطاق (وهي التحويلات التي تزيد جميع المسافات أو تنقصها). لكن أينشتاين بعد إمعان وجد في هذه النظرية الجديدة بعض الخلل، ومنها على سبيل المثال أن المرء إذا تحرك في مسار دائري وعاد إلى نفس نقطة انطلاقه سيجد نفسه قد قصر لكن هيئته ظلت كما هي، بعبارة أخرى تعني هذه النظرية أن الأطوال قد تتغير. (تتغير الأطوال أيضًا في نظرية أينشتاين لكنها لا تتغير إذا عاد المرء إلى نقطة انطلاقه نفسها.) إلى جانب أن الزمن سينزاح في مسار مغلق، لكن هذا يعارض فهمنا لطبيعة العالم الفيزيائي، على سبيل المثال إذا تحركت ذرات متذبذبة في مسار دائري كامل فسوف يتغير تردد ذبذبتها عندما تعود إلى نقطة انطلاقها، ولهذا فقد بطلت نظرية ويل برغم فكرتها المبتكرة لأنها لم تتوافق مع الحقائق المنطقية (أدرك العلماء بعد زمن أن التماثل في نظرية ويل كان يفوق الحد المعقول، فالطبيعة لا تتبنى مبدأ ثبات النطاق مع الكون الذي نراه حولنا).
وعام ١٩٢٣ انتقل الاهتمام بتلك الفكرة إلى آرثر إدنجتون بعد أن ألهمته أبحاث ويل فقام (وبعده علماء كثيرون) بمحاولة التوصل إلى نظرية مجالات موحدة، وكما فعل أينشتاين اعتمد إدنجتون على انحناء ريتشي لكنه لم يدرج مفهوم المسافة في معادلاته، أي أنه كان من المستحيل تعريف وحدات الطول (الأمتار) ووحدات الزمن (الثواني) في نظريته لأن نظريته كانت تعتبر مقدمة لنظرية هندسية حيث لا يظهر مفهوم المسافة إلا في آخر خطوة في النظرية كناتج لمعادلاتها. لكن تلك النظرية لم ترق أبدًا للعالم الفيزيائي فولفجانج باولي Wolfgang Pauli الذي قال عنها إنها «لا تمت للفيزياء بصلة.»٣ ورفضها أينشتاين لأنه رآها فارغة من أي مضمون فيزيائي.
غير أن البحث الذي أثار شديد اهتمام أينشتاين هو بحث اطلع عليه عام ١٩٢١ لعالم رياضي مغمور يدعى ثيودور كالوزا Theodr Kaluza يعمل في جامعة كونيجسبيرج، اقترح كالوزا أن يضيف أينشتاين بعدًا خامسًا إلى معادلته رباعية الأبعاد بعد أن أعاد صياغة النسبية العامة من خلال خمسة أبعاد (أربعة منها للمكان وواحد للزمان)، ولم تكن هذه بالمهمة العسيرة لأن معادلات أينشتاين قابلة لأن تتوافق مع أي بعد كان، ثم شرح كالوزا فكرته في أسطر قليلة تتلخص في أنه إذا كان البعد الخامس منفصلًا عن الأربعة الأخرى فإن معادلات أينشتاين حينها ستتوافق مع معادلات ماكسويل، أي أن تلك المعادلات التفاضلية الجزئية الثمانية المعقدة التي يحفظها أي مهندس أو فيزيائي عن ظهر قلب يمكن أن تلخص في شكل موجات تتحرك في البعد الخامس، بعبارة أخرى نقول إن معادلات ماكسويل يمكن أن تكون جزءًا من النسبية إذا زادت أبعاد النسبية إلى خمسة أبعاد.
انبهر أينشتاين ببحث كالوزا الذي تميز بالجراءة والإتقان في ذات الوقت فكتب له رسالة جاء فيها: «إن فكرة تحقيق التوحيد عن طريق افتراض كون العالم خماسي البعد لم تخطر لي ببال مطلقًا … وإنني أحببت فكرتك تلك منذ النظرة الأولى.»٤ ثم عاد بعد أن قضى عدة أسابيع يدرس تلك النظرية فكتب إليه مرة أخرى: «إن ما تتميز به نظريتك من وحدة شكلية لهو أمر مذهل.»٥ وعام ١٩٢٦ وضع العالم الرياضي أوسكار كلاين Oskar Klein تنظيرًا لأبحاث كالوزا وخلص منه إلى أن البعد الخامس غير قابل للملاحظة لأنه صغير جدًّا ويرتبط على الأرجح بنظرية الكم، كان كلاين وكالوزا ينظران إلى التوحيد نظرة مختلفة فقد اعتقدا أن الكهرومغناطيسية ما هي إلا ذبذبات تتموج في أرجاء سطح ذلك البعد الخامس الصغير.

للتوضيح نضرب مثلًا بأسماك تعيش في بركة ضحلة وتسبح تحت بعض أوراق زنبق الماء الأبيض، يمكن أن تعتقد هذه الأسماك أنها تعيش في كون ثنائي البعد؛ فهي قادرة على التحرك يمينًا ويسارًا وإلى الأمام وإلى الخلف، لكنها لا تعرف البعد الثالث ولا تعرف فكرة التحرك إلى الأعلى، والآن كيف لهذه الأسماك أن تدرك وجود البعد الثالث إذا كانت لا تعرف إلا بعدين فقط؟ تخيل أن السماء أمطرت ذات يوم فوق سطح البركة، حينها سوف تنتج تموجات ثلاثية البعد وتتحرك على طول سطح البركة، حين ترى الأسماك تلك التموجات ستظن أن هناك قوى خفية قادرة على أن تضيء ذلك الكون الذي تعيش فيه. إذا طبقنا هذه الصورة على حالنا فسنجد أننا الأسماك لأننا نعيش حياتنا في ثلاثة أبعاد مكانية غير عالمين بأن هناك أبعادًا عليا في الكون لا تدركها حواسنا، والشيء الوحيد الذي قد يصل بيننا وبين ذلك البعد الخامس الخفي هو الضوء الذي صرنا نراه الآن موجات تنتشر في سطح البعد الخامس.

كان السبب في نجاح نظرية كالوزا-كلاين أنها تقوم على توحيد الكهرومغناطيسية مع الجاذبية من خلال مبدأ تماثل جديد هو متغير مشارك خماسي البعد، ولعلنا لا ننسى أن التوحيد من خلال التماثل هو الاستراتيجية التي اتبعها أينشتاين وقادته للنظرية النسبية. لكن برغم ما لاقته هذه النظرية من قبول ظل هناك سؤال ملح يطرح نفسه وهو: أين هذا البعد الخامس؟ فلم يحدث حتى يومنا هذا أن أجريت تجربة وأثبتت وجود أبعاد مكانية عليا غير الطول والعرض والارتفاع، وإذا كانت مثل هذه الأبعاد موجودة بالفعل فلا بد أنها متناهية في الصغر ولا يتعدى حجمها حجم الذرة. إذا أطلقنا غاز الكلور في حجرة ما فسنجد ذرات هذا الغاز تخترق زوايا الحجرة وشقوقها تدريجيًّا دون أن تختفي في أي أبعاد غامضة أخرى، وهو ما يعني أن أي أبعاد خفية موجودة لا بد أن تكون أصغر من الذرة، لكن حتى إذا كان ذلك البعد أصغر من الذرة فلا بد أن يكون قابلًا لأن يقاس معمليًّا، لكن لم تستطع أي تجربة معملية رصده، ولهذا فقد افترض كالوزا ومعه كلاين أن هذا البعد يتخذ شكل كرة صغيرة هي أدق من أن تلاحظ بالسبل التجريبية.

إلا أن أينشتاين بعد حين بدأت تساوره الشكوك في هذه النظرية وتراوده أفكار مزعجة تجعله يسأل نفسه عما إذا كان من الممكن ألا يكون هناك بعد خامس من الأساس وأن يكون مجرد وهم أو خيال رياضي، هذا بخلاف أن هذه النظرية لم تتعرض لأي جسيمات أدنى من الذرة وهو ما كان يضايقه كثيرًا. كان هدفه هو أن يشتق الإلكترونات من معادلات مجالات الجاذبية التي وضعها لكنه لم يحقق هذا الهدف. (الواقع أن الفيزيائيين قد فوتوا على أنفسهم فرصة عظيمة في ذلك الوقت لأنهم لم يأخذوا نظرية كالوزا-كلاين على محمل الجد، فقد كان باستطاعتهم إضافة أبعاد أخرى إلى ذلك البعد الخامس نفسه، فكلما زدنا من عدد الأبعاد زاد عدد مجالات ماكسويل وصولًا إلى ما يسمى ﺑ «مجالات يانج ميلز» Yang-Mills. كان كلاين قد اكتشف مجالات يانج ميلز هذه في نهاية ثلاثينيات القرن العشرين لكن أصداء هذا الاكتشاف تلاشت في معمعة الحرب العالمية الثانية، ولم يُعَد اكتشافها إلا في منتصف الخمسينيات، ومجالات يانج ميلز هي التي تشكل اليوم الأساس الذي تقوم عليه القوة النووية، وعليها تقوم معظم النظريات الفيزيائية المتعلقة بالجسيمات دون الذرية، وبعد عشرين عامًا أخرى تم إحياء تلك النظرية من جديد في صورة نظرية الأوتار التي تعد اليوم مرشحة لتكون النظرية الموحدة للمجالات.)
لم يشأ أينشتاين أن يخاطر باعتبار نظرية كالوزا-كلاين صحيحة، ولهذا فقد رأى أن يدخل إلى نظرية المجالات الموحدة من مدخل مختلف، مدخله هذه المرة هو استكشاف نظريات هندسية تتعدى نظريات رايمان، وعندما استشار كثيرًا من علماء الرياضيات في هذا الأمر وجد هذا المجال مفتوحًا على مصراعيه، بل إن أينشتاين نفسه تسبب في إقبال كثير من الرياضيين على محاولة إيجاد نظرية هندسية تقوم على مبدأ التواصل Connection لكي تساعده على استكشاف أكوان جديدة، وكان من نتاج هذا أن وضعت نظريات هندسية جديدة تتضمن مفاهيم مثل «الانثناء» Torsion أو «الفضاءات المنحنية» Twisted Spaces، (لكن هذه المفاهيم المجردة لن يكون لها أي تطبيق فيزيائي قبل سبعين سنة أخرى حين توضع نظرية الأوتار الفائقة.)

عاش أينشتاين كابوسًا حقيقيًّا خلال بحثه عن النظريات الهندسية التي ينشدها فلم يكن لديه أي مبدأ فيزيائي يرشده إلى الطريق الصحيح خلال تلك المعادلات النظرية المعقدة، ففي السابق استطاع الاهتداء بمبدأي التكافؤ والمتغير المشارك العام، لكن كليهما يرتبط ارتباطًا شديدًا بالحقائق القائمة على التجريب، وقبل هذا كان يستخدم الصور الفيزيائية كما حدث مع النسبية، لكنه هذه المرة لم يجد مبدءًا مرشدًا أو صورة فيزيائية تساعده في التوصل لنظرية المجالات الموحدة.

كان العالم كله يترقب بشغف نتائج آخر أبحاث أينشتاين حتى إنه حينما قدم تقريرًا عن المرحلة التي وصل إليها في النظرية الجديدة إلى الأكاديمية البروسية تمكنت صحيفة نيويورك تايمز من الحصول على نسخة منه ونشرت أجزاء من البحث على صفحاتها، وعلى الفور تحلق مئات من المراسلين الصحفيين حول منزل أينشتاين راغبين في الظفر بكلمة منه، بل إن إدنجتون كتب له خطابًا يقول له فيه: «لعلك ستسر عندما تعرف أن أحد أكبر المجمعات التجارية في لندن (سيلفريدجز) علّق بحثك على زجاج نافذته الخارجية (تم إلصاق الصفحات الست الواحدة بجانب الأخرى) كي يراه المارة، والمدهش أن جماهير غفيرة تجمعت حول هذه النافذة كي تقرأه.»٦ لكن أينشتاين لم يكن يلقي بالًا لهذا الهياج الإعلامي بل إنه كان مستعدًّا لأن يتخلى عن شهرته وما يلقاه من مديح في مقابل أن يطلعه أحد على صورة فيزيائية ترشده إلى الطريق الصحيح.
وبمرور الوقت بدأ بعض الفيزيائيين الآخرين يدركون أن أينشتاين يمشي في الطريق الخطأ وأن غريزته الفيزيائية قد خذلته هذه المرة، وكان من بين من انتقدوه صديقه وزميله فولفجانج باولي أحد الرواد الأوائل لنظرية الكم الذي اشتهر في الأوساط العلمية بكونه لاذعًا في نقده، حتى روي عنه أنه قال لأحد زملائه بعد أن اطلع على بحث معيب قدمه هذا الزميل: «إنه لا يرقى حتى لأن يوصف بالخطأ،»٧ «إنني لا أعترض على بطء تفكيرك، بل أعترض على كونك تنشر أبحاثك بسرعة أكبر من سرعة تفكيرك.»٨ وفي مرة أخرى قال لأحد المحاضرين بعد أن انتهى من تقديم سيمنار اتسم بالتخبط وعدم الاتساق: «إن ما قلته شديد الإرباك حتى إنني لا أعرف إن كان هراء أم لا.»٩ وعندما اشتكى زملاء باولي من قسوة نقده رد عليهم قائلًا: «إن بعض الناس يعانون دمامل شديدة الحساسية في أقدامهم ولا سبيل أمامهم للتعايش مع تلك الدمامل إلا بأن يواصلوا الضغط عليها حتى يعتادوها.»١٠ أما عن رأيه في نظرية المجالات الموحدة فقد عبر عنه بتعليقه الشهير: «إن ما فرقه الرب لا يجمعه إنسان.» (لكن المفارقة أن باولي نفسه وضع في وقت لاحق تصورًا خاصًّا لنظرية المجالات الموحدة.)
لقيت آراء باولي تأييدًا من كثير من زملائه الفيزيائيين الذين هم من أنصار نظرية الكم التي تعتبر مع النظرية النسبية أعظم نظريتين في القرن العشرين، وتعتبر أكثر النظريات الفيزيائية نجاحًا على مر الأزمنة؛ فهي التي كشفت خبايا عالم الذرة الغامض وقدمت إلى العالم طاقة الليزر والأجهزة الإلكترونية الحديثة والحاسبات الآلية وتكنولوجيا النانو، لكن العجيب أن تلك النظرية تقوم على أساس غير ثابت وهو عالم الذرة الذي فيه توجد الإلكترونات في مكانين مختلفين في ذات الوقت وتتوارى في مكان خفي يقع بين الوجود والعدم، حتى إن أينشتاين علق عام ١٩١٢ على هذه النظرية قائلًا: «كلما زاد نجاح نظرية الكم ازدادت لا منطقية.»١١
وتعرف أينشتاين عام ١٩٢٤ على بعض أغرب خصائص نظرية الكم من خطاب تلقاه من فيزيائي هندي مغمور يدعى ساتيندرا ناث بوس Satyendra Nath Bose وهو صاحب بحث في الفيزياء الإحصائية كان من الغرابة بمكان أن رُفض نشره؛ اقترح بوس في بحثه توسيع نطاق نظرية أينشتاين القديمة عن الميكانيكا الإحصائية محاولًا التوصل إلى طريقة لمعاملة الغازات بشكل يقوم على ميكانيكا الكم باعتبار الذرات كيانات كمية. وبذات الطريقة التي استخدمها أينشتاين لمد نطاق نظرية بلانك إلى الضوء، رأى بوس أنه يمكن مد نطاق نظرية أينشتاين للتوصل إلى نظرية كمية خالصة لذرات الغازات. رأى أينشتاين، وهو الخبير في هذا المضمار، أنه برغم أن بوس قد وقع في بعض الأخطاء كأن وضع افتراضات غير مسوغة، فإن النتيجة النهائية لفكرته بدت صحيحة، ولقد أثارت هذه الدراسة شديد اهتمام أينشتاين لدرجة أنه ترجمها إلى الألمانية وطلب نشرها.
ثم وسّع أينشتاين نطاق دراسة بوس في بحث خاص به مطبقًا نتائجه على مادة ذات درجة حرارة منخفضة جدًّا تقترب من الصفر المطلق، اكتشف بوس وأينشتاين حقيقة مهمة جدًّا تتعلق بنظرية الكم وهي أن الذرات لا تتميز بعضها عن بعض كما اعتقد بولتزمان وماكسويل من قبل، أي أنه على خلاف الأحجار والأشجار وباقي الكيانات المادية التي لها أسماء متمايزة فإن ذرات الهيدروجين تبدو متطابقة خلال التجارب، فليست هناك ذرات خضراء وأخرى زرقاء أو صفراء. لكن أينشتاين وجد أنه إذا بُرِّدَت مجموعة من الذرات حتى درجة تدنو من الصفر المطلق — وفي هذه الدرجة تبطؤ جميع الحركات الذرية حتى تكاد تتوقف — فإن جميع الذرات سوف تهوي إلى أكثر حالات الطاقة انخفاضًا مكونة «ذرة كبيرة» Super Atom واحدة، لأن تلك الذرات تتكثف وتتجمع في حالة كمية واحدة وتصير ذرة واحدة كبيرة. طرح أينشتاين حالة جديدة للمادة لم تعرف من قبل، لكن المشكلة كانت في أنه لكي تصير الذرات في أدنى درجات الطاقة لا بد أن تنخفض درجة الحرارة انخفاضًا شديدًا يصل إلى جزء من مليون جزء يقترب من الصفر المطلق، وهي درجة حرارة لا يمكن ملاحظتها تجريبيًّا. (تحت درجة الحرارة المنخفضة تلك تتذبذب الذرات وهي شديدة التقارب من بعضها، ومن ثم تبدأ تأثيرات الثبات الكمي التي لا ترى إلا في الذرات المفردة في الانتشار في جميع أرجاء المكثف، هذا الأمر أشبه بما تفعله الجماهير في مباريات كرة القدم حينما يقومون بعمل موجات بشرية تنتقل عبر المدرجات بينما يقفون ويجلسون بشكل متناغم، فالذرات في «مكثف بوس-أينشتاين» تتذبذب كذلك بشكل متناغم في مكانها.) لكن مع هذا فَقَدَ أينشتاين الأمل في أن يستطيع رصد مكثف بوس-أينشتاين معمليًّا خلال حياته لأن التكنولوجيا في عشرينيات القرن العشرين لم تكن تسمح بإجراء تجارب تحت درجة حرارة تقترب من الصفر المطلق. (كان أينشتاين سابقًا لعصره بزمن طويل حتى إن النظريات التي وضعها لم تصبح قابلة للاختبار إلا بعد نحو سبعين عامًا.)
الأمر الثاني الذي كان يشغل أينشتاين في ذلك الوقت هو رغبته في معرفة هل مبدأ الازدواجية قابل لأن يطبق على المادة كما هو على الضوء؛ ففي محاضرة ألقاها عام ١٩٠٩ ذكر أينشتاين أن للضوء طبيعة مزدوجة، فقد تكون له خصائص الجسيمات وخصائص الموجات في ذات الوقت، وهي فكرة برغم غرابتها كانت تؤيدها نتائج معملية، ألهمت هذه الفكرة أحد طلبة الدراسات العليا الشباب ويدعى برينس لوي دي برولي Prince Louis de Broglie الذي خرج عام ١٩٢٣ بنتيجة مفادها أن المادة كذلك لها ذات الخصائص المزدوجة، اعتبرت هذه جراءة غير مسبوقة من هذا الشاب لأنه حتى ذلك الوقت كان الاعتقاد المتأصل في فكر العلماء أن المادة لا تتكون إلا من جسيمات، لكن برولي استطاع بإلهام من أبحاث أينشتاين أن يحل بعض الألغاز المتعلقة بالذرة من خلال افتراض تمتعها بخصائص الموجات.
أعجب أينشتاين بجراءة نظرية دي برولي «موجات المادة» وأيدها (فيما بعد نال دي برولي جائزة نوبل عن هذه الفكرة المبتكرة). لكن بقي هناك سؤال معلق وهو: إذا كان للمادة خصائص الموجات فما هي المعادلة التي تخضع لها هذه الموجات؟ منذ زمن بعيد اهتم الفيزيائيون كثيرًا بالموجات وتكونت لديهم خبرة كبيرة بها فصاغوا معادلات لموجات الماء والموجات الصوتية، ولهذا فقد تحمس الفيزيائي النمساوي إرفن شرودنجر Erwin Schrödinger لهذه الفكرة وصاغ معادلة لموجات المادة. في ذلك الوقت كان شرودنجر يقضي عطلة عيد ميلاد عام ١٩٢٥ مع واحدة من عشيقاته اللاتي لا حصر لهن، فقد كان مشهورًا بأنه زير نساء كبير، في فيلا هرفيج بمقاطعة أروسا، لكنه استطاع أن يقتطع من وقته مع تلك العشيقة ليصوغ معادلة صارت فيما بعد أهم معادلات فيزياء الكم وعرفت باسم معادلة الموجات لشرودنجر. كتب والتر مور Walter Moore مؤرخ شرونجر يقول: «كما أن أحدًا لا يعرف من هي تلك السيدة السمراء التي ألهمت شكسبير قصائده فكذلك لا يعرف أحد أي شيء عن سيدة أروسا.»١٢ (لسوء الحظ لم يستطع أحد أن يعرف من هي تلك السيدة التي ألهمت شرودنجر المعادلة لأنه كان له الكثير من الصديقات والعشيقات والأبناء غير الشرعيين.) وعلى مدى أشهر عديدة نشر شرودنجر سلسلة من الأبحاث المهمة أثبت فيها أن القواعد الغامضة التي تخضع لها ذرات الهيدروجين والتي اكتشفها نيلز بور Niles Bohr ما هي إلا نتيجة طبيعية لهذه المعادلة. وهكذا استطاع الفيزيائيون لأول مرة أن يخرجوا بصورة مفصلة عن جوف ذرة الأكسجين ومن خلالها استطاعوا التعرف على خصائص ذرات أكثر تعقيدًا بل حتى الجزيئات. وفي ظرف أشهر قليلة استطاعت تلك النظرية الكمية الجديدة أن تجيب على أعقد الأسئلة المتعلقة بالطبيعة الذرية وأن تحل ألغازًا علمية كثيرة طالما حيرت العلماء منذ عهد الإغريق، وصار من الممكن حساب حركة الإلكترونات وانتقالها بين المسارات مطلقة دفقات من الطاقة أو رابطة بين الجزيئات عن طريق معادلات تفاضلية جزئية، بل إن أحد الفيزيائيين الشباب المتحمسين ويدعى بول إدريان موريس ديراك Paul Adrian Maurice Dirac أخذ يتباهى بهذه المعادلات قائلًا إن جميع قواعد الكيمياء يمكن أن تفسر من خلال معادلة شرودنجر خالطًا بين الكيمياء والفيزياء التطبيقية.
وهكذا صار أينشتاين، الذي يعتبر أبا نظرية الكم الأولى الخاصة بالفوتون، أبًا روحيًّا لنظرية الكم الجديدة التي تقوم على موجات شرودنجر. (واليوم حين يحفظ طلبة الكيمياء في المدارس الثانوية المدارات ذات الشكل المضحك التي تشبه كرة القدم الأمريكية والمحيطة بنواة الذرة بأسمائها الغريبة وأرقامها الكمية فإنهم في الواقع يحفظون نتائج معادلة شرودنجر الموجية.) شهدت تلك الفترة تقدمًا كبيرًا ومتسارعًا في فيزياء الكم، كان من تبعاته أن استخدم ديراك معادلة شرودنجر في وضع نظرية للإلكترونات تقوم على النسبية بعد أن رأى أن شرودنجر نفسه لم يدمج النسبية في تلك المعادلة، ومرة أخرى أصيب الفيزيائيون بالذهول الشديد؛ كانت معادلة شرودنجر الأصلية التي حظيت بقبول واسع من أهل الفيزياء تنطبق فقط على الإلكترونات التي تتحرك بسرعة أقل من سرعة الضوء وهو ما يخرجها من نطاق النظرية النسبية، أما معادلة ديراك الجديدة فقد كانت تخضع كلية لمبدأ أينشتاين التماثلي، وعلاوة على هذا استطاعت معادلة ديراك أن تفسر تلقائيًّا بعض خصائص الإلكترونات الغريبة ومنها خاصية غريبة تسمى «الدوران» Spin، ظهرت هذه الخاصية لأول مرة في التجارب التي أجراها أوتو شتيرن Otto Stern وفالتر جيرلاك Walter Gerlach ولاحظا فيها أن الإلكترونات حين تكون في داخل مجال مغناطيسي تأخذ في الدوران كالنحلة بكمية تحرك زاويّ Angular Momentum يقدر ﺑ  ١ /  ٢ (بوحدات ثابت بلانك)، وهو نفس قدر الزخم الذي قدرته معادلة ديراك. (قدرت نظرية المجالات لماكسويل زخم التفاف الفوتون ﺑ ١، وقدر أينشتاين زخم التفاف موجات الجاذبية ﺑ ٢، ومن خلال أبحاث ديراك ظهر واضحًا أن الالتفاف هو واحد من أهم خصائص الجسيمات دون الذرية.)
لم يتوقف ديراك عند هذا بل اكتشف من دراسة لطاقة الإلكترونات أن أينشتاين قد غفل عن أحد حلول معادلاته؛ عادة حينما نأخذ الجذر التربيعي لعدد ما نعرض الحلين الموجب والسالب معًا، فالجذر التربيعي للعدد ٤ يمكن أن يكون +٢ أو −٢، ولأن أينشتاين أهمل أحد الجذور التربيعية لمعادلته الشهيرة ط = ك س٢ فإنها لم تكن صحيحة تمامًا، والأصح أنها ط = ± ك س٢، قال ديراك إن علامة السالب الإضافية تلك تشير إلى إمكانية وجود أكوان موازية أخرى توجد فيها الجسيمات في صورة «مادة مضادة» Antimatter.١٣

(الغريب أن أينشتاين نفسه كان قد طرح ذات الفكرة عام ١٩٢٥ سابقًا ديراك بأعوام قليلة موضحًا أنه بعكس علامة شحنة الإلكترون في المعادلة النسبية يمكن أن نخرج بمعادلات مطابقة إذا عكسنا اتجاه المكان كذلك، وقال أيضًا إنه لكل جسيم ذي كتلة معينة جسيم نظير له بذات الكتلة ولكن بشحنة ذات اتجاه معاكس، ومعنى هذا أن النسبية لم تكتفِ بتقديم بعد رابع بل قدمت لنا أيضًا عالمًا موازيًا قوامه مادة مضادة، لكن أينشتاين لم يكن ممن يدخلون في نزاعات على أسبقية الاكتشاف ففضل بكل نبل ألا يدخل في صراع مع ديراك.)

في البداية قوبلت أفكار ديراك بالكثير من التشكك لأنها بدت في منتهى الغرابة، حتى إن فيرنر هايزنبرج Werner Heisenberg العالم المختص بفيزياء الكم (وهو الذي توصل مع نيلز بور إلى صيغة مختلفة لنظرية الكم لها نفس نتائج صيغة شرودنجر) كتب يقول: «إن نظرية ديراك كانت وسوف تظل أسوأ مراحل الفيزياء الحديثة … وإنني أظنها … هراء لا يؤخذ على محمل الجد.»١٤ لكن أولئك الذين عارضوا نظرية ديراك اضطروا بعدها لأن يطأطئوا الرأس خجلًا عندما اكتشف وجود الإلكترون المضاد أو البوزيترون عام ١٩٣٢ وهو الاكتشاف الذي نال عنه ديراك جائزة نوبل، وحينها رجع هايزنبرج عن كلامه وقال: «إنني أظن اكتشاف المادة المضادة هو أكبر قفزة علمية في هذا القرن.»١٥ ومرة أخرى تخرج علينا النسبية بنتائج غير متوقعة وهذه المرة أوجدت لنا كونًا جديدًا بالكامل يتكون من مادة مضادة.

(من الغرائب أن شرودنجر وديراك اللذين اكتشفا أهم الخاصيتين الموجيتين في نظرية الكم كان أحدهما على النقيض من الآخر؛ فشرودنجر متعدد العلاقات النسائية، أما ديراك فقد عُرِف بخجله الشديد أمام النساء وميله للصمت. وكان الوسط العلمي في بريطانيا شديد التقدير لإسهامات ديراك في مجال الفيزياء حتى إنه بعد موته نُحِتَت معادلته النسبية على حجر ووضع في كنيسة ويستمنستر بالقرب من قبر نيوتن.)

وفي غضون وقت قليل صار الفيزيائيون من جميع بقاع الأرض يتهافتون على تعلم خصائص معادلات شرودنجر وديراك الجميلة والغريبة في الوقت نفسه، لكن برغم النجاح الكاسح الذي حققته فيزياء الكم فقد ظل العلماء يصارعون سؤالًا فلسفيًّا حيرهم طويلًا وهو: إذا كانت المادة موجات فما الذي يتموج بالضبط؟ كان هذا هو ذات السؤال الذي برز من نظرية موجات الضوء والذي تمخضت عنه نظرية الأثير الخاطئة. تشبه موجات شرودنجر أمواج المحيط في أنها بعد فترة معينة تتفرق في أرجاء الكون من تلقاء نفسها حتى تختفي كما تختفي أمواج البحر، لكن هذا كان يخالف معلومات العلماء عن الإلكترونات، فمعلوماتهم تنص على أن الجسيمات دون الذرية هي كيانات دقيقة تتحرك بسرعة كبيرة في حركات محددة يمكن تصويرها، وهكذا فمع النجاح الساحق الذي حققته موجات شرودنجر في وصف ذرات الهيدروجين فإنها لم تستطع وصف حركة الإلكترون في الفضاء الحر، بل إنه لو طُبِّقت حركة هذه الموجات على حركة الإلكترون فسوف نخرج بنتيجة مفادها أن الإلكترونات سوف تتبدد في الفضاء ببطء وهو ما يعني أن الكون سوف يتلاشى.

أيقن الجميع أن في ذلك الأمر خطأ فادحًا لكن لم يعرف أحد ما هو، إلى أن حَلَّ ماكس بورن Max Born صديق عمر أينشتاين هذا اللغز؛ عام ١٩٢٦ صرح بورن بحسم بأن موجات شرودنجر لا تصف الإلكترون بل تصف «احتمالية» وجوده وقال أيضًا: «إن حركة الجسيمات تخضع لقوانين الاحتمالات، لكن الاحتمالات نفسها لا بد أن تتناغم مع قوانين السببية.»١٦ يُفهم من هذا أن هذه الصورة الجديدة تؤكد على أن المادة توجد في شكل جسيمات لا موجات، والعلامات التي تظهر على الألواح الفوتوغرافية ما هي إلا المسارات التي تخلفها الجسيمات الدقيقة لا الموجات، ووظيفة الموجات هي الإشارة إلى النقاط التي يحتمل أن توجد فيها الجسيمات. (يمكننا أن نقول بعبارة أكثر تحديدًا إن التربيع المطلق لموجات شرودنجر يمثل احتمالية وجود الجسيمات في نقطة محددة من الزمان والمكان.) وهذا يعني أن حقيقة كون الموجات تتفرق حتى تختفي بمرور الزمن لا تتعارض مع أي شيء، فهي تعني أن الإلكترونات لا تتلاشى بل تتنقل وتتحرك من مكانها لكن يمكن تحديد المكان الذي كانت فيه بكل دقة، وبهذا زالت كل التناقضات التي كانت تشكك في النظرية.

غير أن فيرنر هايزنبرج لم يتوقف عند هذا الحد فقد كان منشغلًا هو وزميله بور بقضية توقف تلك النظرية الجديدة على الاحتمالات حتى إنه كثيرًا ما انخرط في جدال محتدم مع زميله الأكبر منه سنًّا حول هذا الموضوع. وفي إحدى الليالي التي قضاها يقلب هذه المسألة في رأسه دون جدوى خرج يتمشى وهو محبط في أرجاء حي فايليد الذي يقع خلف الجامعة وسؤال واحد يلح على ذهنه: كيف يتأتى ألا يكون بمقدورنا تحديد موقع الإلكترون بدقة مع أننا نستطيع قياسه ببساطة؟

وفجأة لمع الحل في ذهنه واضحًا، فلكي نحدد موقع الإلكترون علينا أن نراه، ولكي نراه يجب أن نسلط عليه شعاع ضوء ساطع، لكن المشكلة أن فوتونات الشعاع الضوئي سوف تصطدم مع الإلكترونات فلا تسمح لنا بتحديد الموقع بدقة، أي أن الإجراء المطلوب لمشاهدة الإلكترون هو ذاته الذي يسبب تضليلنا عنه، ولهذا فقد أعاد هايزنبرج صياغة هذا السؤال في إطار مبدأ فيزيائي جديد هو مبدأ عدم اليقين الذي ينص على أنه «لا يمكن تحديد موقع الجسيم وسرعته في ذات الوقت.» (وبعبارة أكثر تحديدًا نقول إن نسبة عدم اليقين في موقع الإلكترون وكمية الحركة يجب أن تساوي أو تزيد عن مقدار ثابت بلانك مقسومًا على ٤π.) ولم يكن عدم اليقين هذا مرده فقط إلى محدودية إمكانيات الأدوات المعملية بل لكونه من القوانين الأساسية للطبيعة، فالرب نفسه لا يستطيع تحديد موقع الإلكترون وكمية الحركة في ذات الوقت.
كانت هذه لحظة فارقة في تاريخ نظرية الكم؛ ففيها تعمقت لأول مرة في مجالات لم تكن مطروقة من قبل، وحتى تلك اللحظة كان العلماء يظنون أن الظواهر الكمية هي ظواهر إحصائية تمثل متوسط حركات تريليونات الإلكترونات، لكنهم أدركوا بعدها أنه لا يمكن تحديد حركة حتى إلكترون واحد بصورة مؤكدة، وكان من شأن هذه النتائج الجديدة أن أثارت ارتياع أينشتاين خاصة بعد أن علم أن صديقه الوفي ماكس بورن هجر مبدأ الحتمية Determinism الذي هو واحد من أهم مبادئ الفيزياء التقليدية، ومبدأ الحتمية ينص على أن المرء قادر على أن يعرف المستقبل إذا عرف كل شيء عن الحاضر، ومثالًا على هذا قدرة قوانين نيوتن الطبيعية على التنبؤ بحركة المذنبات والأقمار والكواكب بعد معرفتها بحالة النظام الشمسي الراهنة. ولقرون عديدة كان الفيزيائيون يتعجبون من قدرة تلك القوانين، نظريًّا، على التنبؤ بمنتهى الدقة بالمواقع التي ستنتهي إليها الأجرام السماوية بعد ملايين السنين، والواقع أنه حتى تلك اللحظة كانت العلوم كلها تقوم على مبدأ الحتمية، وكان العلماء قادرين على التنبؤ بنتيجة التجربة إذا عرفوا موقع جميع الجسيمات وسرعاتها، ولخص أتباع نيوتن هذا المبدأ في تشبيه الكون بساعة عملاقة أدار الرب زنبركها في بداية الخليقة فاستمرت تدق حتى وقتنا هذا سائرة على قوانين نيوتن للحركة. وإذا عرفنا موقع كل ذرة من ذرات الكون وسرعتها فسنستطيع بواسطة قوانين نيوتن أن نحسب ما سيطرأ على الكون من تطورات لاحقة بدقة متناهية، لكن مبدأ عدم اليقين أتى فأبطل هذا كله ورأى أنه من المستحيل التنبؤ بالحالة التي سيئول إليها الكون في المستقبل، وأصدق مثال على هذا ذرات اليورانيوم التي لا يمكن حساب الوقت اللازم لاضمحلالها إلا بمراقبة عملية الاضمحلال نفسها، بل إن الرب نفسه ولا أي إله وثني دونه قادر على أن يتنبأ باضمحلال ذرة يورانيوم.
وفي ديسمبر/كانون الأول من عام ١٩٢٦ كتب أينشتاين يرد على دراسة بورن قائلًا: «إن لميكانيكا الكم منا شديد الاحترام، لكن هناك صوتًا يتردد بداخلي لا يزال يلح عليّ قائلًا إن هذه ليست هي الحقيقة، ومع أن هذه النظرية أضافت كثيرًا للعلم فإنها لم تقربنا من معرفة طريقة الرب في تصريفه لأمور الكون، وإنني من جهتي لست مقتنعًا بأنها تقوم على إلقاء النرد أو شيء من هذا القبيل.»١٧ ثم علق على نظرية هايزنبرج قائلًا: «لقد وضع هايزنبرج بيضة كمية كبيرة أعجبت أهل جوتنجن (لكنها لم تعجبني).»١٨ وحتى شرودنجر نفسه استاء كثيرًا من هذه الفكرة حتى إنه قال ذات مرة إنه لو صح أن معادلته لا تقدم سوى الاحتمالات فإنه نادم على صياغتها، واتفق معه أينشتاين عندما قال إنه لو علم أن ثورة فيزياء الكم التي كان هو من المساهمين فيها ستدخل مفهوم الصدفة إلى الفيزياء لفضل أن يتركها ويعمل «إسكافيًّا أو موظفًا بدار للقمار».١٩
بدأ الفيزيائيون ينقسمون على أنفسهم إلى فريقين؛٢٠ قاد أينشتاين الفريق الأول المتمسك بالحتمية تلك الفكرة التي تعود لزمن نيوتن والتي اهتدى الفيزيائيون بها لقرون عديدة، وكان من بين أعضاء هذا الفريق شرودنجر وبرولي، أما الفريق الثاني فقد تزعمه نيلز بور الذي آمن بمبدأ عدم اليقين ونادى بمفهوم جديد للسببية يقوم على النسب التقريبية للاحتمالات.
كانت شخصيتا بور وأينشتاين على طرفي نقيض؛ فأينشتاين في صغره كان زاهدًا في الألعاب الرياضية ومقبلًا على كتب الهندسة والفلسفة، أما بور فاشتهر في جميع أنحاء الدنمارك بكونه واحدًا من نجوم كرة القدم اللامعين. لكن بور لم يكن خطيبًا مفوهًا كأينشتاين الذي كان ماهرًا في تبادل الدعابات مع الجميع سواء كانوا صحفيين أم ملوكًا، بل إن بور كان كثير اللعثمة لا يفهم معظم كلامه وغالبًا لا يسمع، وكثيرًا ما يظل يردد كلمة معينة بلا توقف إذا انخرط في تفكير عميق. واختلف العالمان أيضًا في كتابة البحوث؛ فأينشتاين كان يمتلك قدرة على صياغة أبحاثه بلغة رصينة وجميلة دون مجهود يذكر، أما بور فعُرف بعجزه عن كتابة أبحاثه، حتى إنه في المدرسة الثانوية اعتاد أن يملي أبحاثه على أمه، وبعد أن تزوج صار يمليها على زوجته (حتى إنه أملاها بحثًا مهمًّا وطويلًا في منتصف شهر العسل). بل إنه كان يكلف جميع أفراد فريق مختبره بإعادة كتابة أبحاثه ولو اضطروا لكتابتها مائة مرة حتى لو عطل هذا عملهم في المختبر. (ذات مرة طُلب من فولفجانج باولي أن يزور بور في كوبنهاجن فرد قائلًا: «سأزوره حين ينتهي من كتابة النسخة النهائية لبحثه.»)٢١ لكن كلا العالمين كان يجمعهما هوسهما بحبهما الأول: الفيزياء، حتى إن بور كان يكتب بعض المعادلات على عارضة المرمى بملعب الكرة إذا أتاه الإلهام بها أثناء اللعب، وكان كلاهما يستخدم الآخرين كوسيلة لصقل أفكاره الجديدة عن طريق استطلاع آرائهم في تلك الأفكار. (والغريب أن بور لم يكن يستطيع أن يعمل إلا إذا كان معه مساعد يلقي له بالفكرة فيصارحه برأيه فيها وبدون هذا المساعد يصير قليل الحيلة.)

ثم جاء وقت المواجهة أخيرًا في مؤتمر سولفاي السادس الذي عقد عام ١٩٣٠ في براسلس، لكن ما كان على المحك في هذه المواجهة هو الحقيقة نفسها، وهناك انقض أينشتاين على بور مهاجمًا أفكاره بلا هوادة، لكن بور استطاع أن يدافع عن آرائه برغم ترنحه تحت هذا الهجوم، ثم ختم أينشتاين حديثه بعرض تجربة فكرية رصينة ظن أنها سوف تقضي على ذلك «الشيطان» المتمثل في مبدأ عدم اليقين، وفيها تخيل صندوقًا به إشعاع، وهذا الصندوق به ثقب يغلقه مصراع، وإذا فُتح هذا المصراع لفترة وجيزة يمكن أن يخرج منه فوتون واحد، وبهذه الطريقة يمكننا أن نحدد بقدر كبير من اليقين زمن خروج الفوتون، ثم بعد ذلك يمكننا أن نزن الصندوق وحينها سنجد وزنه قد قل بعد أن نقص منه وزن الفوتون الذي خرج، ومن مبدأ تكافؤ المادة مع الطاقة نستطيع تحديد كمية الطاقة التي يحتوي عليها الصندوق أيضًا بقدر كبير من الدقة. مما سبق نرى أننا استطعنا معرفة وقت انفتاح المصراع وكمية الطاقة ولم نستخدم مبدأ عدم اليقين مما يجعله مبدءًا خاطئًا، وهو ما اعتقد أينشتاين أنه قد وجد به أداة للقضاء على نظرية الكم نهائيًّا.

كان من بين شهود تلك الموقعة الحامية بول إرنفست الذي كتب: «كانت هذه ضربة قاضية لبور الذي استغلق عليه الكلام ولم يجد ما يرد به على أينشتاين، فظل تعيسًا طوال الأمسية وأخذ يحاول إقناع جميع الحضور كل على حدة بأن ما يقوله أينشتاين لا يمكن أن يكون صحيحًا لأنه لو صح لكانت هذه نهاية الفيزياء. لن أنسى ما حييت مشهد هذين الخصمين وهما يغادران نادي الجامعة، فأينشتاين يتبختر في خيلاء وعلى ثغره ابتسامة ساخرة وبور يمشي بجانبه متعثرًا وهو في قمة الإحباط.»٢٢ وفي نهاية الأمسية حينما حاول إرنفست أن يتكلم مع بور لم يحر الأخير جوابًا سوى أن أخذ يغمغم مرارًا بكلمة واحدة هي: «أينشتاين … أينشتاين … أينشتاين». لكن بعد أن أفاق بور في اليوم الثاني بعد نوم عميق لمع في ذهنه الخلل الذي يبطل حجة أينشتاين ورأى أنه يستطيع استخدام النسبية لهزيمة صاحبها؛ أدرك بور أنه إذا نقص وزن الصندوق بعد خروج الفوتون فلا بد أنه سوف يرتفع ارتفاعًا طفيفًا بالاتساق مع الجاذبية الأرضية، لكن النسبية العامة تنص على أن الزمن يسرع كلما قلت الجاذبية (وهو ما يجعل الساعة تدق بشكل أسرع على القمر منها على الأرض). وهذا يعني أنه إذا كانت هناك نسبة ولو ضئيلة من عدم اليقين في تحديد وقت انفتاح المصراع فإن هذا يعني عدم يقين من موقع الصندوق، أي أنه لن يتأتى تحديد هذا الموقع تحديدًا دقيقًا، إلى جانب أن عدم تحديد وزن الصندوق بالضبط سوف يؤدي إلى عدم يقين من طاقته وكمية حركته، وإذا جمعنا هذه الملاحظات في صورة واحدة فسنجد أن عدم اليقين من الموقع وعدم اليقين من كمية الحركة يتفقان مع المبدأ العام لعدم اليقين. وهكذا نجح بور في الدفاع عن نظرية الكم، لكن أينشتاين جدد اعتراضه قائلًا: «إن الرب لا يلعب النرد مع الكون.» فرد عليه بور صائحًا: «كفاك ولا تُمْلِ على الرب أفعاله.»
وفي النهاية اضطر أينشتاين إلى أن يقر بأن بور نجح في تفنيد حجته فكتب: «لقد بت الآن مقتنعًا بأن في هذه النظرية شيئًا من الحقيقة.»٢٣ علق جون ويلر على ذلك السجال التاريخي بين بور وأينشتاين بقوله: «لم أعرف في تاريخ العلم بأسره جدالًا علميًّا أعظم من هذا، فطوال ثلاثين عامًا لم أسمع عن جدال جرى بين شخصين أعظم منهما واستمر مدة أطول من جدالهما حول مسألة أهم من فهم الكون الغريب الذي نعيش فيه.»٢٤
لكن شرودنجر الذي سبق أن أعلن كراهيته لذلك التفسير الجديد لمعادلاته حتى إنه كتب: «إنني أكرهه وإنني آسف لأن اسمي ارتبط به بشكل أو بآخر.»٢٥ وحاول بشتى الأشكال أن يعيبه فخرج بمسألة القطة الشهيرة، وعنها كتب يقول لنضرب مثالًا غاية في التفاهة بأن نفترض أن هناك قطة موضوعة في صندوق مغلق، ومعها زجاجة تحتوي على حمض الهيدروسيانيك الذي ينبعث منه غاز سام، وبجوارها مطرقة متصلة بعداد جايجر المتصل بدوره بكمية من مادة اليورانيوم المشعة. ليس هناك خلاف على أن اضمحلال اليورانيوم هو تأثير كمي، فإذا لم يضمحل فستبقى القطة على قيد الحياة، أما إذا اضمحل فسوف يستشعر العداد هذا ويحرك المطرقة لتكسر الزجاجة فتموت القطة مسمومة. لكن ما تنص عليه نظرية الكم هو أننا لا نستطيع التنبؤ بوقت اضمحلال ذرة اليورانيوم، مما يعني أنه من الناحية النظرية يمكن أن توجد تلك الذرة في الحالتين، الاضمحلال وعدمه، في ذات الوقت. لكن إذا استطاع اليورانيوم أن يوجد في الحالتين معًا فإن هذا يعني أن القطة كذلك ستوجد في الحالتين معًا، ويصير السؤال هنا أهي حية أم ميتة؟

الطبيعي أن نرى في هذا السؤال عدم منطقية، فحتى إن لم نستطع فتح الصندوق فإن المنطق يخبرنا بأن القطة لا بد أن تكون في واحدة فقط من الحالتين ولا يمكن أن تكون فيهما معًا، فلا شيء يمكن أن يكون حيًّا وميتًا في نفس الوقت لأن هذا يعارض كل ما نعرفه عن الكون وعن الواقع الطبيعي، لكن نظرية الكم تقدم لنا إجابة غريبة وهي أننا لا نعرف حالتها؛ فقبل أن نفتح الصندوق تتمثل القطة لنا في صورة موجة والموجات يُضاف بعضها إلى بعض كالأعداد، وهذا يعني أن علينا أن نضيف موجة القطة الميتة إلى موجة القطة الحية، «أي أن القطة قبل فتح الصندوق ليست حية ولا ميتة.» وكل ما يمكننا قوله إنه في داخل الصندوق موجات تمثل القطة وهي حية وكذلك وهي ميتة في ذات الوقت.

عندما نفتح الصندوق سوف يتسنى لنا أن نجري عملية قياس نحدد من خلالها إذا كانت القطة حية أم ميتة، وهذه العملية تكون عن طريق إجراء ملاحظة خارجيّة تسمح لنا باستبعاد الوظائف الموجية غير الضرورية والإبقاء على الوظيفة الوحيدة الضرورية التي من خلالها نستطيع تحديد حالة القطة بكل دقة. يتمثل إجراء الملاحظة الخارجية هذا في تسليط ضوء في داخل الصندوق وهو ما يختصر الوظائف الموجية إلى وظيفة واحدة ويجعل الكيان موضوع الدراسة يستقر فجأة على حالة مؤكدة.

يمكننا أن نصوغ ما سبق بعبارة أخرى قائلين: «إن عملية الملاحظة تحدد الحالة النهائية للكيان المدروس.» تكمن نقطة الضعف في نظرية بور في السؤال الآتي: هل يكون للكيانات وجود بالفعل قبل القيام بعملية القياس؟ اعتبر أينشتاين ومعه شرودنجر أن هذا مناف للعقل تمامًا، لكن أينشتاين ظل لما بقي من حياته يصارع تلك الأسئلة الفلسفية العميقة دون جدوى (ولا تزال هذه الأسئلة محل جدال حتى يومنا هذا).

لكن هذا اللغز هز أينشتاين حتى الأعماق فقد أخذ يسأل نفسه؛ أولًا: إذا كنا نوجد قبل عملية القياس كجزء من الكون فإننا إذن لا نستطيع أن نقطع يقينًا هل نحن أحياء أم أموات، وهل كانت الديناصورات حية، وهل فنيت الأرض من بلايين السنين، ففي ظل هذه النظرية يغدو كل شيء ممكنًا مادامت عملية القياس لم تُجْرَ بعد. ثانيًا: تعني هذه النظرية أن عملية الملاحظة هي التي توجد الواقع ومن هذا نجد لدينا حلًّا جديدًا للسؤال الفلسفي القديم: هل تسقط الشجرة في الغابة بالفعل إن لم يلحظها أحد؟ إذا أجاب أحد معتنقي مذهب نيوتن على هذا السؤال لقال إن سقوط الشجر ليس مرتبطًا بملاحظته، لكن أحد أتباع مدرسة كوبنهاجن قد يرد عليه قائلًا إن الشجرة توجد في جميع الحالات الممكنة (ساقطة، أو منتصبة، أو صغيرة، أو هرمة، أو محترقة، أو متعفنة … إلخ) إلى أن تتم عملية القياس عليها وبعدها فقط سوف تبرز فجأة إلى الوجود. وبهذا تكون نظرية الكم قد قدمت إجابة غير متوقعة على الإطلاق عن هذا السؤال بأن قالت إن ملاحظة الشجرة هي ما تحدد حالتها إذا كانت ساقطة أم لا.

منذ أن كان أينشتاين يعمل بمكتب براءات الاختراع وهو يمتلك قدرة متفردة على تحديد أساس أي مشكلة، وهو ما جعله يسأل كل من يزوره في بيته هذا السؤال: «هل يوجد القمر فقط لأن فأرًا ينظر إليه؟»٢٦ إذا كان أهل مدرسة كوبنهاجن محقون فالإجابة هي نعم يظهر القمر إلى الوجود عندما ينظر الفأر إليه وتختصر وظائفه الموجية. وعلى مدى أكثر من عقد ظهرت حلول كثيرة لمسألة القطة لكن أيًّا منها لم يكن حلًّا مقنعًا، ومع أن أحدًا لم يستطع إثبات خطأ ميكانيكا الكم فإن هذه الأسئلة ظلت إلى اليوم من أعظم التحديات التي تواجه علم الفيزياء.
وظل أينشتاين لفترة طويلة في تصارع مع أسس نظرية الكم محاولًا تفنيدها حتى إنه كتب: «لقد بذلت في نظرية الكم جهدًا ذهنيًّا يفوق الجهد الذي بذلته في النسبية العامة بمئات المرات.»٢٧ لكنه بعد هذا التفكير العميق استطاع الخروج بما ظنه الحجة المبطلة لنظرية الكم، ففي عام ١٩٣٣ اشترك مع تلميذيه بوريس بودولسكي Boris Podolsky وناثان روزن Nathan Rosen باقتراح تجربة جديدة لا تزال حتى اليوم تسبب الصداع لفيزيائيي الكم والفلاسفة. عرفت هذه التجربة بتجربة اﻟ EPR ومع أنها لم تنجح تمامًا في إبطال نظرية الكم، كما تمنى أينشتاين، فإنها نجحت في إثبات أن تلك النظرية التي هي من الأساس غريبة جدًّا، تتخطى غرابتها حدود المعقول؛ افترضت هذه التجربة أن ذرة ما أَطلقت من داخلها إلكترونين ذهب كل منهما في اتجاه معاكس للآخر، وأخذا يدوران كالنحلة أحدهما يدور إلى الأعلى والآخر يدور إلى الأسفل، فهذا يعني أن مجموع دورانهما يساوي صفرًا، مع أننا لا نعرف أيهما يدور إلى الأعلى وأيهما يدور إلى الأسفل، وبعد حين يتباعد الإلكترونان أحدهما عن الآخر حتى تفصلهما بلايين الأميال، لكننا قبل أن نجري عملية القياس لن نستطيع أن نعرف دوران الإلكترونات.
لكن لنفترض أننا تمكنا أخيرًا من تحديد اتجاه دوران أحد الإلكترونين فوجدناه مثلًا يدور إلى الأعلى، حينها سوف نعرف فورًا اتجاه دوران الإلكترون الآخر مع أنه يبعد عنا مسافة عدة سنوات ضوئية، لأننا من البداية نعرف أنه يدور عكس اتجاه الإلكترون الآخر، وهذا يعني أن إجراء قياس في أحد أجزاء الكون يحدد بشكل فوري حالة إلكترون في الجانب الآخر من الكون وهو ما يبدو مناقضًا للنسبية الخاصة. أطلق أينشتاين على هذا الاستنتاج اسم «التأثير الشبحي عن بعد»،٢٨ وكانت له دلالات فلسفية مذهلة؛ فهو يعني أن بعض ذرات أجسادنا قد تكون متصلة عن طريق شبكة غير مرئية بذرات أخرى توجد في الجانب الآخر من الكون، بحيث تؤثر حركة ذرات أجسادنا على حال ذرات أخرى تبعد عنها مسافة تقدر ببلايين السنين الضوئية وهو ما يناقض النسبية الخاصة أشد التناقض. لكن أينشتاين نفسه لم ترق له هذه الفكرة لأنها كانت تعني أن أجزاء الكون غير منفصلة بعضها عن بعض، فالأحداث التي تقع على الأرض تؤثر تأثيرًا فوريًّا يتعدى سرعة الضوء على الأحداث التي تقع في الجانب الآخر من الكون.
وعندما سمع شرودنجر أنباء هذه الفكرة الجديدة التي تنقض ميكانيكا الكم كتب إلى أينشتاين: «لقد سعدت كثيرًا عندما علمت أنك في ذلك البحث … وجهت ضربة قوية لميكانيكا الكم.»٢٩ أما ليون روزنفيلد Leon Rosenfeld وهو أحد زملاء بور فقد كتب يقول: «ما إن سمعنا بالخبر حتى تركنا كل ما في أيدينا كي نوضح سوء الفهم هذا، وبدأ بور على الفور في إملاء النسخة الأولية من رده على أينشتاين على زملائه.»٣٠
استطاعت مدرسة كوبنهاجن أن تقف صلبة أمام هذا الهجوم الجديد لكن لم يأت هذا دون ثمن، فقد اضطر بور لأن يوافق أينشتاين على أن نظرية الكم ترى الكون غير منفصل (بحيث تؤثر الأحداث التي تقع في أحد جانبيه على الأحداث التي تقع في جانبه الآخر). وكل ما في الكون من كيانات معشقة بعضها في بعض في شبكة كونية معقدة، مما يعني أن تجربة اﻟ EPR لم تبطل ميكانيكا الكم بل أظهرت فقط ما تتميز به من جنون. (وبمرور الزمن فُهمت هذه التجربة فهمًا خاطئًا فقد ظن البعض أنه يمكن تصنيع جهاز يطلق أشعة أسرع من موجات الراديو من خلال اﻟ EPR، أو أنه يمكن من خلالها إرسال إشارات إلى الزمن الماضي، أو أنها يمكن أن تستخدم للتخاطر العقلي.)
لكن الحقيقة أن تلك التجربة لم تكن متعارضة مع النسبية وهو الأمر الذي جعل أينشتاين المنتصر في هذا الجدل، لأن تجربة اﻟ EPR لا تستطيع إرسال أي معلومات مفيدة بسرعة تتعدى سرعة الضوء، فمثلًا لا يمكن إرسال إشارات بشفرة مورس بسرعة تفوق سرعة الضوء من خلال جهاز اﻟ EPR. ولتوضيح هذه المشكلة ذكر العالم الفيزيائي جون بيل John Bell مثالًا يصف عالمًا رياضيًّا يدعى برتلمان Bertlmann وكان هذا العالم دائمًا يلبس في إحدى قدميه جوربًا ورديًا وفي القدم الأخرى جوربًا أخضر، وهو على هذه العادة لدرجة أن كل من يعرفونه إن لمحوا الجورب الأخضر في إحدى قدميه أيقنوا فورًا أنه يرتدي الجورب الوردي في الأخرى، لكن لم تكن هناك أي إشارة تنتقل من بين القدمين، وهو ما يعني أن معرفتنا بوجود شيء ما هو أمر يختلف تمامًا عن إرسالنا لتلك المعرفة.
بحلول أواخر عشرينيات القرن العشرين كان هناك مدرستان كبيرتان للفيزياء في العالم هما مدرسة النسبية ومدرسة نظرية الكم، وفيهما تمثلت كل المعرفة البشرية بطبيعة الكون. أما عن النسبية فقد نظرت لظواهر غاية في الضخامة وهي الانفجار العظيم والثقوب السوداء، وأما نظرية الكم فقد نظرت لظواهر غاية في الدقة تتمثل في غرائب الذرة وما تحويه. ومع أن نظرية الكم ارتكزت على أفكار تنافي المنطق فإن أحدًا لم يستطع أن يدحض نتائج التجارب التي أثبتتها، حتى إن جوائز نوبل انهالت على مجموعة من الفيزيائيين الشباب الذين استخدموا تطبيقات تلك النظرية. وأينشتاين نفسه كان أكثر خبرة من أن يتجاهل ذلك التقدم الحادث بشكل شبه يومي في نظرية الكم، ولهذا فلم يجادل في التجارب الناجحة التي أكدتها بل إنه اعترف بهذا حين قال: «إن ميكانيكا الكم هي أكثر النظريات الفيزيائية نجاحًا في عصرنا هذا.»٣١ ولم يحاول كذلك أن يعوق تقدم تلك النظرية وهو ما كان سيفعله أي فيزيائي آخر أقل علمًا. (عام ١٩٢٩ رشح أينشتاين شرودنجر وهايزنبرج لينالا جائزة نوبل مناصفة.) لكنه لجأ إلى استراتيجية مختلفة وبدلًا من أن يشكك في صحة النظرية سعى إلى دمجها في نظريته للمجالات الموحدة. وعندما هاجمه مؤيدو بور واتهموه بأنه يتجاهل نظرية الكم رد عليهم قائلًا إن له هدفًا واسعًا سعة الكون ذاته، فهو يريد احتواء نظرية الكم كاملة في نظريته الجديدة كما فعل في نظريته الأولى، فالنسبية لم تأت لتثبت أن قوانين نيوتن خاطئة تمامًا بل لتظهر ما فيها من قصور يمكن علاجه بنظرية أوسع. أي أن قوانين الحركة التي وضعها نيوتن تصلح للتطبيق على مجالها المحدود الذي تتحرك فيها الكيانات الكبيرة بسرعات صغيرة. وبالمثل يمكن تفسير تلك الفرضيات الغريبة التي تضعها نظرية الكم عن كون القطط حية أم ميتة من خلال نظرية أوسع مجالًا. الواقع أن كثيرًا من مؤرخي سيرة أينشتاين أخطئوا فهم مقصده من وراء رغبته في دمج نظرية الكم في نظرية المجالات الموحدة وبدءوا يصورونه في شكل الفيزيائي الذي كان ثائرًا ثم أصبح نموذجًا للرجعية، وأنه آخر رموز الحرس القديم الذي يتمسك بالفيزياء التقليدية، لكن الحقيقة أنه لم يكن يهدف إلى إبطال نظرية الكم كما ظن منتقدوه بل كان يرمي إلى إظهار قصورها واستخدام نظرية المجالات الموحدة لمعالجة هذا القصور، بل إن أحد أهم الأسس التي قامت عليها نظرية المجالات الموحدة هو محاولة إعادة صياغة مبدأ عدم اليقين بشكل أقل تطرفًا.
حاول أينشتاين استخدام النسبية العامة مع نظرية المجالات الموحدة لتحديد أصل المادة أو «لتفسيرها هندسيًّا». عام ١٩٣٥ أخذ أينشتاين وناثان روزن في دراسة طريقة جديدة تبدو من خلالها الجسيمات الكمية كالإلكترونات نتائج طبيعية للنسبية بدلًا من أن تكون كيانات أساسية في ذاتها، وبهذا الشكل يتأتى الخروج بنظرية الكم دون الحاجة إلى الاعتماد على الصدفة والاحتمالات. في معظم النظريات تظهر الجسيمات الأولية كظواهر شاذة وعندها تأخذ المعادلات في الزيادة بجنون، وللتمثيل على هذا لنتأمل معادلات نيوتن التي تقدر القوة فيها بالتربيع العكسي للمسافة بين جسمين، عندما تصير المسافة صفرًا تصبح قوة الجاذبية غير محدودة وهو ما يعتبر ظاهرة شاذة. ولأن أينشتاين كان يرغب في اشتقاق نظرية الكم من نظرية أوسع مجالًا فقد أدرك أنه يحتاج لنظرية خالية تمامًا من أي ظواهر شاذة. (والأمثلة على هذا توجد في بعض التطبيقات البسيطة على نظرية الكم وتسمى «سوليتونات Solitons» وهي تشبه العقد لكنها سلسة وغير شاذة ويمكنها أن يصطدم بعضها ببعض وترتد مع المحافظة على شكلها دون أن تتغير.)

اقترح أينشتاين وروزن طريقة جديدة للخروج بمثل هذا الحل؛ فبدآ بتحديد ثقبين أسودين من ثقوب شوارتزشايلد على ورقتين منفصلتين ثم وضحا أنه من الممكن بواسطة مقص أن تنتزع جميع الأجزاء غير المتسقة من الثقبين ثم يعاد لصق الورقتين معًا. ومن خلال هذا نستطيع أن نحصل على حل سلس خال من الظواهر الشاذة، وهو ما يمثل، كما اعتقد أينشتاين، الجسيم دون الذري. مما يعني أن الجسيمات الكمية يمكن أن تصور على أنها ثقوب سوداء صغيرة. (أُعيد إحياء هذه الفكرة مرة أخرى بعد ستين عامًا في صورة نظرية الأوتار التي تنص على أنه توجد علاقات رياضية قادرة على تحويل الجسيمات دون الذرية إلى ثقوب سوداء وبالعكس.)

لكننا نستطيع أن ننظر إلى فكرة أينشتاين وروزن هذه بشكل آخر، فهي تعتبر أول إشارة للثقوب الدودية Wormholes في المؤلفات العلمية وهذه الثقوب الدودية يفترض أنها تصل بين كونين، لأنها أشبه بطرق مختصرة خلال الزمان والمكان كبوابات تربط قطعتين من الورق معًا. وكان العالم الرياضي تشارلز دودسون Charles Dodgson الأستاذ بجامعة أوكسفورد (والشهير باسم لويس كارول) ومؤلف الروايات، هو أول من قدم مفهوم الثقوب الدودية إلى العامة في روايتيه «أليس في بلاد العجائب» Alice in Wonderland، و«خلال المرآة» Through The Looking Glass؛ فقد جعلنا نرى أليس وهي تخترق بيدها المرآة فتدخل إلى نوع من أنواع الجسور التي افترض أينشتاين وروزن أنها تربط بين كونين هما عالم بلاد العجائب الغريب وريف أكسفورد. لكن أحدًا لا يستطيع أن يعبر جسر أينشتاين-روزن لأنه إن عبره سوف ينسحق جسده بفعل قوة الجاذبية الخارقة والقادرة على تمزيق ذرات جسده، إلى جانب أن عبور الثقب الدودي هذا إلى كون موازٍ يكون مستحيلًا في حالة إذا كان الثقب الأسود ثابتًا. (بعد هذا بستين سنة صار مفهوم الثقوب الدودية يلعب دورًا مهمًّا في الفيزياء.)

لكن أينشتاين تخلى عن تلك الفكرة في النهاية لأكثر من سبب، أحدها أنه لم يستطع تفسير ازدحام عالم الجسيمات دون الذرية، ولم يستطع أن يفسر بشكل كامل جميع الخصائص الغريبة ﻟ «الخشب» في إطار «الرخام»؛ فالجسيمات دون الذرية لها ملامح كثيرة تفوق الحصر (كالكتلة، والدوران، والشحنة، والأعداد الكمية … إلخ) مما أعجزه عن اشتقاقها من معادلاته. لقد كان هدفه هو أن يجد الصورة التي توضح نظرية المجالات الموحدة في أبهى حلة لكن المشكلة التي واجهته أنه في ذلك العصر لم تكن هناك المعرفة الكافية بالقوة النووية، لأنه قد أجرى أبحاثه قبل أن يكتشف الانشطار النووي الذي وضح طبيعة المادة دون الذرية بعشرات السنين، ونتيجة لهذا لم تخرج هذه الصورة إلى الوجود أبدًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢