الإدارة في الممتلكات المصرية خارج مصر

تحدثنا في الفصل السابق عن الإدارة الداخلية في البلاد في عهد البطالمة الأُوَل، ويجدر بنا أن نتحدث هنا عن نظام الإدارة في الأقاليم التي أخضعتها مصر لحكمها وبخاصة في عهد كل من «بطليموس الأول والثاني»؛ إذ الواقع أن مصر قد ضمت لها أملاكًا شاسعة خارج حدودها وسارت في حكمها ونظام إدارتها على حسب مقتضيات كل بلد ضمته إليها، والواقع أن مصر في خلال القرن الثالث قبل الميلاد، وهو أزهر عصر في عصور تاريخها وبخاصة في عهد كل من بطليموس الأول وبطليموس الثاني، قد فتحت أقاليم عدة وضمتها تحت سلطانها كما أشرنا إلى ذلك من قبل، ولا نزاع في أن بعض هذه الممتلكات كان ضروريًّا لحفظ كيان مصر من الغارات الأجنبية، كما كان ضروريًّا لتجارتها الخارجية.

ونخص بالذكر من هذه الممتلكات جزيرة «قبرص» و«سيريني» و«قرنيقا»، وشمال سوريا (سوريا الجوفاء) هذا بالإضافة إلى «فينيقيا» و«فلسطين»، أما في «آسيا الصغرى» فكانت مصر تسيطر على «ليسيا» الشهيرة بغاباتها الثمينة التي كانت مصر تحتاج إلى خشبها، وعلى «كاريا» المشهورة بتجارتها مع مصر ومصنوعاتها، يضاف إلى ذلك جزء من «أونبا» و«ميليتوس» و«أفيسوس» كما كانت تسيطر على حلف من جزر بحر إيجا، وكان أكثر هذه الجزر ولاءً لمصر جزيرة تيرا Thera وجزء من جزيرة «كريت»، كل هذه البلدان والجزر كانت تؤلف جزءًا من الإمبراطورية البطلمية، وأخيرًا كان لمصر سلطان على جزء من بلاد تراقيا بما في ذلك «كرسونيس» Chersonese وجزيرة «ساموتراس»، وكذلك وطدت قدمها لمدة قصيرة في «بلوبونيز» وقد تحدثنا فيما سبق عن كيفية استيلاء مصر على هذه الممتلكات وعن ضياعها في الحروب التي استعَرَ لهيبها بينها وبين الممالك الأخرى التي كانت تناهضها في تلك الفترة.

نظام الحكم في «قبرص» في عهد البطالمة الأول

الواقع أنه لدينا معلومات تامة عن نظام الملك في جزيرة قبرص في عهد البطالمة فقد كان يحكمها قائد حربي Strategos يسيطر على قوات كبيرة معسكرة في مختلف مدن الجزيرة، وكان نظام الجنود على الطريقة المصرية، وهؤلاء الجنود كانوا بطبيعة الحال قد أخذوا من الجيش المصري النظامي، وفي خلال القرن الثاني كان حاكم الجزيرة له أسطوله الذي كان من المحتمل أن يستمد جنوده ويجهزها من بلدان سواحل «قبرص» نفسها، وكان يحمل لقبًا إضافيًّا هوأمير البحر Nauarchos، هذا وكان هذا الحاكم يحمل لقبًا رئيسًا آخر، وذلك بسبب الدور الذي كانت تلعبه معابد قبرص الكبيرة الغنية في حياة الجزيرة الاقتصادية والسياسية، يضاف إلى ذلك أنه كان يوجد في هذه الجزيرة على الدوام حاكم خاص يُحتمل أنه كان يتمتع بسلطة حربية تامة Antistrategos، ويوكل إليه أمر إدارة مناجم قبرص الثمينة، وكانت كلها على ما يُظن مِلك الحكومة التي كانت تستغلها أيضًا.
ومن المؤكد أن مدن قبرص لم تتمتع قط بالحكم الذاتي الذي كانت تتمتع به المدن الإغريقية، والواقع إذن أن حكام المدن الفعليين كانوا قواد الحاميات، وكانوا هم الذين يصدرون أوامرهم للأعضاء الوطنيين المنتخبين في الحكومة، وكان الدخل الذي تأخذه مصر من قبرص بلا شك هائلًا جدًّا، فمن هذه الجزيرة كانت مصر تحصل على كل ما تحتاج إليه من نحاس وفي مواني قبرص كانت مصر على ما يُظَنُّ تبني كثيرًا من السفن اللازمة لأسطولها وتجارتها، هذا ولا نعلم إلا القليل جدًّا عن نظام قبرص المالي والاقتصادي، ويحدثنا «بوليبوس»،١ أن قبرص في العهد الأخير من حكم البطالمة كانت تُجبى منها الضرائب ثم تُرسَل إلى وزير المالية في الإسكندرية، وتدل شواهد الأحوال على أن ما ذكره المؤرخ «بوليبيوس» ينطبق فقط على القرن الثاني الميلادي، وذلك لأنه قبل ذلك كان لوزير المالية عمال في قبرص وغيرها من الممتلكات المصرية يقومون بجمع الضرائب.٢

نظام الحكم في «قرنيقا»

الواقع أننا لا نعلم شيئًا تقريبًا عن النظام الذي كان متَّبعًا في قرنيقا في خلال حكم البطالمة، والواقع أن المسألة الكبرى هو تقرير طريقة للسير على مقتضاها مع مدينة «سيريني» الإغريقية القديمة، وهذه الطريقة كانت قد وُضعت على حسب القانون الجديد الذي كشف عنه، وهو الذي يرجع تاريخه لعهد الملك «بطليموس الأول» حوالي عام ٣٢٢ أو ٣٠٨ق.م، وفي هذه الطريقة للتعايش ثبت الملك وغير دستور الحلف السيريني فنجد أنه أساسًا لم يغير الدستور القديم لسيريني إلا قليلًا، هذا مع زيادة بعض مواد أضافها بطليموس ليضمن مراقبة شئون «سيريني»، وبها حفظ «بطليموس» لنفسه بعض الحقوق والامتيازات بوصفه المسيطر على المدينة؛ أولًا: جعل لنفسه الحق في أن يضيف للقبائل بعض مواطنين جدد، ويحتمل أن هؤلاء كانوا مستعمرين من جيشه المرتزق، ثانيًا: جعل لنفسه الحق في إعادة المنفيين الذين كانوا من حزب بطليموس مع حفظ حقوقهم، ثالثًا: كان له الحق في تعيين أعضاء في مجلس شيوخ اليهود Gerusia رابعًا: يكون لبطليموس حق التصرف في وظيفة الحاكم، خامسًا: يكون له الحق في التدخل في الشئون القضائية فيما يخص المنفيين السابقين، سادسًا جعل لنفسه بعض امتيازات في منح لقب مواطن.
وكما يُفهم كانت بعض هذه الامتيازات مؤقتة مثل الامتيازات الخاصة بالمنفيين، ولكن حقه في تعيين أعضاء في مجلس الشيوخ اليهودي والحق في أن يكون الحاكم العسكري الدائم كانت بطبيعة الحال مواد مستديمة كما كانت حقوق ملوك براجمين على مدينة «برجامم»، ونظام الحكم في مدينة «بطلومايس» في الوجه القبلي التي أسسها على نظم إغريقية، والواقع أن البناء الاجتماعي لسيريني و«قرنيقا»، كما عُزِي للجغرافي «إسترابون»٣ يشبه تمامًا ما كان في الإسكندرية ومصر، وذلك أن المدينة كانت تحتوي على عدد كبير من السكان من غير الإغريق وبوجه خاص من اليهود فكانوا يعيشون جنبًا لجنب مع المواطنين الذين لهم حقوق كل المواطنين، أولئك الذين كانت حقوقهم محدودة، يمثلون عددًا عظيمًا من الأجانب ولم يكونوا مواطنين أبدًا بل كانوا جزئيًّا من أهالي لوبيا، وكان سكان الأرياف يتألفون من فلاحين يزرعون أراضيَ تملكها المدينة أو يملكها الملك، وهؤلاء كانوا على أغلب الظن جنودًا استعمروا البلاد بوصفهم جنودًا مرتزقة أصحاب ضياع صغيرة.
على أن المسألة الأساسية التي واجهت البطالمة في قرنيقا قد واجهتهم كذلك في كل مستعمراتهم التي كان يقوم بالدور الهام فيها المدن الإغريقية، وفي حلف سكان الجزر والجزر الإغريقية المنفصلة، وفي «كاريا» و«أونيا» و«ليسيا» وإلى حد ما «تراقيا»، وإذا حكمنا بما لدينا من مادة ضئيلة فإن البطالمة كان احترامهم قليلًا للحكم الذاتي الذي كانت تتمتع به المدن الإغريقية؛ فقد كان سلطانهم على هذه المدن بصورة واضحة، وذلك لأن كل الوثائق الرسمية للمدن الإغريقية في الممتلكات البطلمية كانت تبتدئ لا بأسماء المدن وأهلها ومجلسها وحكامها بل باسم الملك، والواقع أن أكثر احترام البطالمة كان موجهًا لحلف سكان الجزر، وذلك لأنه كان قوة عظيمة منظمة تنظيمًا حسنًا يدعو فعلًا إلى الإجلال، ولكن نشاهد حتى في هذا الحلف أن ممثل البطالمة الذي يحمل لقب Nesiarch كان هو الحاكم المطلق للحلف، فهو الذي يأمر بعقد اجتماعات نوابه، وهو الذي ينفذ قرارات مثل هذه الاجتماعات، وهو الذي يصدر الأوامر للقوات الحربية التابعة للحلف، ويطهِّر البحار من القرصان ويجمع المال من أعضاء الحلف ويُعيِّن المحكمين للفصل في المنازعات، ومن جهة أخرى نلحظ أن البطالمة عملوا من جهتهم أثناء سيطرتهم القصيرة على ألا يتدخلوا في شئون هذه الجزر الداخلية.

هذا وكانت الأحوال على خلاف ذلك مع البلاد الإغريقية التي في الأقاليم القريبة، فنجد أنه على الرغم من وجود مؤسساتهم وجمعياتهم العامة ومجالسهم وحكامهم فإنه لم يكن في استطاعتهم أن يَبُتُّوا في أمر هام دون الحصول على الموافقة الأولية من الملك؛ أي من موظفيه، وخلافًا لذلك كانت الإدارة دائمًا تتدخل في أمور الحياة الصغيرة للمدينة، وذلك إما مباشرة بإعطاء أوامر معينة أو بطريقة غير مباشرة، وذلك بالرسائل الخاصة والتعليمات، فمثلًا نشاهد أن «هليكارناسواس» لا يمكنها أن تبني جمنازيوم دون تصريح من الملك، ونجد في «ساموتراس» أن الملك هو وحاكمه هما صاحب الحق في التصريح باستيراد القمح إلى الجزيرة أو منعه، كما كان لحاكم الجزيرة الصوت الأعلى في تقسيم الأراضي بين المواطنين، وفي جزيرة «ميلينوس» كان الملك هو الذي يمنح الأراضي كما يحب، وإن كانت ليست أرض المدينة، ومن الوثائق المفيدة بوجه خاص رسالتان عُثر عليهما في أوراق «زينون» وهما يتحدثان عن «كاليندا» في إقليم «كاري»، ففي واحدة منهما نقرأ أنه لأجل الحصول على دفعة صغيرة من المال من المدينة لجأ أحد المواطنين إلى الوزير «أبوللونيوس» ليضغط على الحاكم العسكري وعلى موظف المالية في المديرية لإجابة طلبه، وكذلك ليضغط على الجمعية ومجلس المدينة لتلبية طلبه، والرسالة الثانية أكثر أهمية من الأولى، وذلك أنه في «كاليندا» كما هي الحال في المدن البطلمية في الأقاليم الأخرى كان الملوك يحتفظون بحاميات وكان الجنود فيها عيالًا على المواطنين فكانوا يقدمون لهم المسكن والمأكل دون مقابل.

هذا إلى أن بعض أصحاب الأملاك كان عليهم أن يقدموا العلف للخيل التي يملكها فرسان معينون، وبَدَهِي أن هذا العبء كان يسبب استياءً بالغًا عند المواطنين، ومن أجل ذلك نجد أن أحد هؤلاء الذين وقعوا تحت هذا العبء كان من ذوي رحم «زينون» وقد توصل بوساطته أن يحصل على إعفاء من هذه الضريبة، ولكن بعد وفاته كان على أسرته أن تخضع لأداء هذا العبء القديم، وقد قابلت هذه الرسالة هوًى في نفس «زينون» فقدمه بدوره إلى «أبوللونيوس» لأجل أن يعيد الحق الذي انتُزع من أقاربه، ولم يكن هناك أية فائدة من الاحتجاج على حكم القوة والتدخل المستمر، وذلك لأن المدن كانت تحت رحمة حامية البطالمة وقائدها، وتدل الأحوال على أن البطالمة كانوا يعلنون بالقول إنهم يأتون بالحرية للمدن الإغريقية، ولكن كانوا بالفعل أقل تسامحًا من السليوكيين بل من الإنتاجونيين جيرانهم وأصحاب الجاه في تلك الفترة.

والواقع أن أظلم نواحي الحكم البطلمي كان فرض الضرائب بصورة مستمرة منظمة لفائدة الحكومة المركزية وذلك أن المدن الإغريقية قبل أن تخضع لحكم الدول الهيلانستيكية كانت لها نظامها الخاص بالضرائب والعوائد والاحتكار، ومن المحتمل أن هذه الأنظمة قد بقيت معمولًا بها مع قليل من التعديلات، ولكن المهم هو أن جزءًا مِنْ دَخْل المدينة كانت تستولي عليه خزانة الملك، وقد زاد الطين بلة أن الموظفين الملكيين كانوا يراقبون ما بقي من دخل الأهالي وهذه المعاملة تتفق تمامًا مع ما جاء من بيان في هذا الصدد في أوراق نُشِرت أخيرًا وفي نقوش أيضًا، ففي إحدى هذه الأوراق٤ التي تحتوي على مقتطفات من رسائل موجهة من وزير المالية إلى مديري الخزانات في مختلف الأقاليم البطلمية، نجد صورة عامة عن الضرائب تتفق في جملتها مع ما نعلمه عن الصورة العامة للنظام المالي البطلمي وبما يجري في المدن المتعددة، فنرى أن ضرائب الأطيان Phoroi وعلى حدة منها إيجارات الأمتعة العامة، كان يُدفع جزء منها نقدًا والجزء الآخر عينًا، وكانت العوائد تحددها الحكومة المركزية، هذا وقد أُدخلت الاحتكارات في الأصباغ الأرجوانية والزيوت العطرية.
وعلى أية حال فإن النظام الذي كانت تُجبى به هذه الضرائب كان على أساس إغريقي وهو نظام تأجير المحصول، فكان مؤجرو الضرائب أفرادًا محليين، ولكن الضرائب كانت تشهر في المزاد في الإسكندرية لا محليًّا، يبرهن على ذلك الرسائل العدة التي وُجِدَت في مكاتبات زينون،٥ حيث نجد أن صورة المزاد الخاصة بضرائب إقليمية وهي التي رسمها لنا جوزيفس في قصته العجيبة عن مؤجر للضرائب من سوريا الشمالية٦ كانت بوجه عام مضبوطة، هذا وعندما كانت توضع الضرائب في مزاد لسنة جديدة، كان أشهر الناس وأغناهم في المكان الذي يُعلَن فيه المزاد يذهبون إلى الإسكندرية ويتنافسون بتقديم أي مبلغ من الرشوة، وكذلك الغش في المزاد الذي يُعقَد لبيع الضرائب والخراج، وإذا حكمنا من المبالغ التي اقتُبست في البردية التي ذكرناها الآن،٧ فإن الدخل الذي كانت الحكومة تتسلمه من الأقاليم التي تسيطر عليها كان هائلًا، ولا نزاع في أن دخل البطالمة من الذهب والفضة كان ناتجًا من مكاسب تجارتهم الخارجية كما كان كذلك من ابتزاز الأموال من الأقاليم التي كانت تحت سلطانهم، وكان أهم مورد لهم من ذلك العوائد والضرائب التجارية التي كانت تُجبى من مدن الساحل في سوريا الشمالية و«فينيقيا» و«فلسطين» وبخاصة «غزة» وكذلك الضرائب التي كانت تُجبى من «الإسكندرية» و«بلوز» على السلع التي كانت تأتي من «سوريا» و«فلسطين» كما يمكن أن نستخلص ذلك من مراسلات «زينون»،٨ ففي الورقة رقم ٥٩٠٧٧ نجد إشارة إلى توريد زيت أجنبي لمصر.
هذا وكان مؤجرو الضرائب المحليون يعملون تحت مراقبة موظفي البطالمة المستمرة وهم عمال وزير المالية في الإسكندرية يساعدهم في إنجاز عملهم جنود الحاميات وأسماء هؤلاء المؤجرين قد كُررت باستمرار في مراسلات «زينون» الذي كان بدوره وكيلًا في سوريا وفلسطين لسيده الوزير «أبوللونيوس»، ونجدهم كذلك مذكورين في الرسائل التي كان يرسلها أو تأتي إليه من إقليم «كاريا» موطنه، ومن «كاونوس» Caunus و«كاليندا» Calynda و«هليكارناسوس»، ويوجد من بين رسائل «زينون» رسالة كلها من مساعده مؤجر ضرائب في الإسكندرية،٩ ومن المحتمل أنه كان يريد تأجير الضرائب، ومن ثَم يمكن أن نرى ما يعني ذلك من وجود شبكة دسائس ورشاوٍ ومناورات تنطوي على الغش والخداع.

هذا وكان وكلاء الوزير كما كانت الحال في مصر يحملون اللقب المتواضع صرَّاف الخزينة وكان مساعدوه يُسَمَّوْنَ كتَّابًا، ولكن يُلحظ أن معظم مساعديه لم يكونوا يحملون ألقابًا، فكان الرجل يُدعَى رجل أبوللونيوس وحسْب، كما كانت الحال في مصر إلى عهد قريب جدًّا، وهذا يدل بوضوح كيف كانت المديريات التي تحت سيطرة البطالمة تُعَدُّ مثل مصر نفسها ملكية شخصية للبطالمة الواحد تلو الآخر، هذا وكان وكلاء الوزير كذلك يقومون بتجارته الشخصية وكانوا يسعون في إيجاد وقت للتجارة لحسابه الخاص فكانوا يشترون له زيت الزيتون والنبيذ والروائح العطرية والخيل والعبيد، وكانوا يقرضون قروضًا محلية في ضيعته المشهورة «بفيلادلفيا» من أعمال الفيوم، وكانوا يسعون في القيام بتهريب البضائع دون أن يدفعوا عليها ضرائب والحصول على ترخيص قانوني وهو ما يُفعل في كثير من البلدان المتحضرة حتى الآن.

والواقع أن وزير المالية كان في يده كل إدارة الحياة الاقتصادية والعناية بخزانة الدولة وما يتبع ذلك من دخل سواء أكان ذلك نقدًا أم عينًا، ولكن مما يؤسَف له أن هذا النظام العظيم وما يحتويه من مؤسسات وإدارات كان يقع تحت اسم مبهم وهو «الملكية» وذلك لأن الملك والحكومة كانا موحَّدَيْنِ، وذلك لأنه لم يكن من الممكن التمييز بين ما هو للملك وبين ما هو للدولة. وهذه الظاهرة بعينها كانت سائدة في العهد الفرعوني، والرجل الذي كان يدير حركة هذه الآلة المُركبة المعقدة لحياة البلاد اقتصاديًّا وماليًّا كان يحمل لقب مدير Dioiketes، ولدينا معلومات كثيرة كما أشرنا من قبل عن أحد هؤلاء المديرين (وهذا اللقب يقابل في عهدنا وزير الخزانة) وهو «أبوللونيوس» الذي عاش في عهد بطليموس الثاني وشغل وظيفته حوالي عام ٢٦٨-٢٦٧ق.م وبقي يشغلها طوال مدة عهد هذا الملك، وهناك أدلة على أنه كان قد خُلع من وظيفته فجأة وحُرم من ثروته في أوائل حكم بطليموس الثالث كما سنرى بعد، هذا ونعرف بعض الشيء عن حياة واحد أو اثنين ممن تولوا بعدُ هذا المنصبَ غير أنه يصعب علينا أن نميز بين أمور هذا المدير الشخصية وبين نشاطه الرسمي؛ إذ نجد كما أشرنا إلى ذلك من قبل أن مساعديه ورجال بلاطه وسكرتاريته كانوا يقومون بأعماله الخاصة ويشتركون كذلك في أعماله الرسمية، وكان يرتبط بأعمال هذا الوزير ارتباطًا وثيقًا موظف آخر يُدعَى محاسب Eklogistes وكان يجمع في شخصه عمل مراقب المالية، وأمين الخزانة وكان له عماله في كل أنحاء البلاد يحمل كل واحد منهم على ما يظهر اللقب الإغريقي Antigrapheus أي مراقب، كما أشرنا إلى ذلك عند التحدث عن المقاطعات ونظامها.
وإن عدم وجود وزير للشئون الداخلية ليكون على رأس الإدارة العامة وليكون في قبضته كل سلطات وواجبات وزير المالية لَمِمَّا يوضح لنا الموقف الفريد الذي كان يحتله دخل البلاد في نفس بطليموس الثاني، ولا نزاع في أن وزير ماليته «أبوللونيوس» كان عند بطليموس الثاني في مركز نائب عنه تقريبًا، ولا أدل على ذلك من أنه كان يستعمل لفظة «نحن» الذي كان لا يستعملها إلا الملك كما أنه كان يصدر أوامره بألفاظ لا ينطق بها إلا الملك.١٠
وهذا يتمثل فيما قاله خدام معبد بوبسطة فاستمع إليهم وهم يقولون: لقد أعفانا الملك من القيام بالخدمات الشعيرية وكذلك أعفانا منها «أبوللونيوس»،١١ وفضلًا عن إشراف «أبوللونيوس» على كل موظفي المالية وضيعته الخاصة، فإنه كان يهتم بأعمال أخرى مختلفة مثل التأثير على حكومة مدينة إغريقية من التي تسيطر عليها مصر في «كارياباسيا الصغرى»، بسبب مسألة مالية.١٢ وفي حالة أخرى نجده مهتمًّا بتجهيز السفن التي حملت ابنه بطليموس الثاني إلى «فينيقيا» لزواجها،١٣ فقد أمر هذا الوزير وكيله «زينون» أن يجهز المعَدَّات اللازمة للسفن التي ستحمل الأميرة ومتاعها، في حين كان على «ثيون» أن يشحن هذه المعدات على ظهر السفن ويحضرها بالنهر، وكان كذلك ملزمًا بأن يقوم بهذا العمل على وجه السرعة؛ لأنه قد وصلت إلى أبوللونيوس رسالة مستعجلة لإرسال السفن إلى الإسكندرية استعدادًا للقيام برحلة بنت الملك لزوجها ملك سوريا «أنتيوكوس» يضاف إلى ذلك أن «أبوللونيوس» كان يقوم بالاتِّجار لحسابه الخاص، وعلى ذلك كان في استطاعته أن يؤثر على سير العدالة في البلاد لمصلحته هو.

القضاء

وكان نظام العدالة في عهد البطالمة غاية في التعقيد، وذلك لأن الأساس الذي بنى عليه تطبيق العدالة هو أن القانون لم يكن مرتبطًا في أية مسألة بالمكان الذي يسكن فيه الفرد، ولكن كان يحدد الدائرة التي يتبعها هذا الفرد، وكانت في البلاد محاكم وقضاة، كما كان يوجد قانون مدني وآخر جنائي خاص بالمدن الإغريقية وهي الإسكندرية وبطلومايس ونقراش، وقانون للطائفة اليهودية الذين يسكنون خارج المدن وللموظفين الأصليين، وكان يُطلق على قضاة السكان الإغريق اسم Chrematistai، وكان عليهم أن يقوموا بجولات في أنحاء البلاد، ولكن لدينا بردية عُثر عليها حديثًا في أوراق «زينون»، نعلم منها وجود قضاة يعملون بوصفهم نائبين عن «أبوللونيوس» ويتلقون الأوامر منه،١٤ هذا ونلحظ أنه حتى عندما كان الأمر خاصًّا بأفراد من الإغريق فإنَّ دخْل الملك كان يوضع فوق القانون، وهذه كانت حالة مفزعة تدل على منتهى التعسف والإجحاف؛ إذ نجد أن استيلاء الملك يمتد حتى إلى مصالح الإغريق الذين كانت ترتكز عليهم قوته وسلطانه، فلم يكن مسموحًا لأي فرد من أفراد الرعية ممن يقفون في وجه الخزانة أن يُعيِّن محاميًا محترمًا للدفاع عنه، ولا أدل على ذلك من رسالة في متناولنا كتبها بطليموس الثاني بنفسه «لأبوللونيوس» (أي لم يكتبها سكرتيره) خاصة بهذا الموضوع، وهي توضح لنا هذه النقطة بجلاء، ولذلك يطيب أن ندوِّنها هنا فاستمع لما جاء فيها:
تحية الملك بطليموس إلى «أبوللونيوس»، لما كان بعض المحامين ممن ذُكروا بعدُ هنا قد أخذوا في الدفاع في قضايا خاصة بالدخل مما يضر بدخل البلاد فعليك أن تجعل هؤلاء الذين وكَّلوا عن أنفسهم محامين أن يدفعوا ضعفَيْ مقدار الخسارة بزيادة العُشر للتاج، وامنعهم من أن يُكَوِّنوا محامين في أية قضية مهما كانت، وإذا حدث أن ضُبط أحد هؤلاء الذين يقومون بالإضرار بدخل البلاد يقوم بالمحاماة في أية قضية فعليك أن ترسله إلينا مقبوضًا عليه وجرِّدْه من ممتلكاته بجعلها ملكًا للتاج.١٥

ومن ذلك نفهم أنه عندما نقرأ في الأزمان التي تلت عصر بطليموس الثاني التظلمات التي كان يقدمها صغار القوم وكذلك ما كان يقصه علينا الرواة مُظْهِرين فيه ما فُطِر عليه هذا الملك من عدل وحق فما علينا إلا أن نعود إلى قراءة رسالاته كالتي خطها بيده هنا لنعرف الحقيقة الناصعة، وكيف يكذب الناس على التاريخ إرضاء للملك.

هذا ولم يكن من الواضح أن تسوى القضايا عندما كانت مصلحة فرد من المصريين المواطنين تتعارض مع فرد آخر من الإغريق المستعمرين، وقد رأينا أنه في وقت من الأوقات كانت اللغة التي كُتبت بها الوثيقة التي يرتكز عليها عصب القضية المدنية هي التي كانت تحدد فيما إذا كان الفصل في القضية القاضي الإغريقي أو القاضي المصري، ومن أجل ذلك نجد أن المبالغ التي كانت تُذكر في الوثائق الديموطيقية قد ذُكرت بالعملة المصرية التي كان يتعامل بها المصريون المواطنون وبجانبها تقديرها بالعملة الإغريقية الحديثة المتداولة في هذا العهد، وكان من الطبيعي أن المصريين أهل البلاد كانوا يُفضلون أن يُفصَل في قضاياهم عند أقرب موظف من أن تفصل فيها المحاكم المعقدة التي كانت تحتاج إلى وقت طويل وتجهيزات طويلة شاقة وبخاصة أنهم كانوا لا يعرفون اللغة اليونانية عندما تكون القضية بين مصري وإغريقي، هذا وكانت منشورات الملك ومرسوماته وقوانينه هي القوة المنظمة التي كان لا بد للمحاكم والموظفين السير على مقتضاها، وهي التي بمقتضاها وعلى أساسها أخذ يتألق شيئًا فشيئًا في البلاد ما يشبه قانونًا موحَّدًا.

القانون المصري

والقانون الذي تحدثنا عنه كان في الواقع قانونًا مختلطًا ولكن المصريين كان لهم قانونهم الخاص الذي كانوا يسيرون عليه منذ عهد الفراعنة ويرجع إلى أقدم العهود، وكانت سياسة البطالمة منذ تولي الحكم في مصر أن يتركوا المصرييين بقدر ما تسمح به أحوال الحكومة ونظمها أن يتمتعوا بنظمهم القانونية التقليدية التي كان يسميها الإغريق قانون البلاد والريف في حين كانوا يطلقون على قوانينهم القوانين المدنية التي كان يصدرها الملك لأولئك الذين كانوا يتمتعون بلقب المواطنين وهم الإغريق، وهذه القوانين كانت للإغريق فقط، وقد راعى البطالمة في وضعها القانون الإغريقي وعلى ذلك كان هناك نظامان من القوانين يسيران جنبًا لجنب في مصر، وقد تحدثنا فيما سبق عن القانون الإغريقي الذي كان مستمدًّا من الوثائق الإغريقية، أما القانون المصري فقد استُخلص من الوثائق الديموطيقية، وسنفرد له بابًا خاصًّا فيما بعد.

١  راجع: Poly. XVIII, 55.
٢  راجع: A History of Cyprus by Sir George Hill. Vol. I, P. 173 ff. راجع كذلك: P. Cairo Zen. 59016; P. S. I. 505, & 429.
٣  راجع: Ap. Joseph, Ant. XIV, 115. sq.
٤  راجع: P. Tebt. 8, Wilcken.
٥  راجع بوجه خاص الرسالة رقم ٥٩٠٣٦، من رسائل زينون = P. Cairo, Zen. 59037, 59039.
٦  راجع: Ant. XII, 169 sqq.
٧  راجع: P. Teb 8.
٨  راجع: P. Cairo. Zen. 59037.
٩  راجع: P. Cairo Zenon, 7.
١٠  راجع: P. Hal. I, L. 200.
١١  راجع: P. S. I. IV, 440.
١٢  راجع: A. S. XX. P. 32. Cf. Cairo. Zen. 59037, & Wilcken Arenivj VII, 75.
١٣  راجع: P. Cairo, Zen. 59242.
١٤  راجع: Ibid. Zen. 59202, 59203.
١٥  راجع: P. Amherst II, 33.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١