الفصل الثاني والثلاثون

الحلم

مع أن القطار لم يكن قد وصل بعدُ إلى ترييستي، كان يملؤه الضجيج والعجيج الذي يُلازم وصوله إلى وجهته. بدأ الركاب في إغلاق حقائب السفر المفتوحة وارتداء معاطفهم وقبعاتهم. انتقلت إلى البروفيسور المتمهل عدوى القلق، فترك الآنستين فلود-بورتر ودخل إلى مقصورته الخاصة.

قال مُلمحًا لآيريس: «لا أود إزعاجك، لكننا سنصل إلى ترييستي عما قريب.»

لم تُبدِ آيريس أيًّا من مُمانعتها المُفرطة السابقة للعودة إلى مقصورتها.

قالت متحمسة لإثارة إعجاب البروفيسور بإذعانها: «يجب أن أُحضر حقيبة سفري.»

كافأها بابتسامة استحسان. للمرة الأخيرة، قطعت الرحلة المُتقلقة في ممرات القطار. لم يضحك منها أحد أو يُلاحظ وجودها حتى؛ إذ كان كلٌّ منهم منشغلًا بأموره. كانت حقائب السفر والحقائب الصغيرة قد أُنزلت بالفعل من أعلى رفوفها ورُصَّت خارج المقصورات؛ مما زاد من تكدُّس الممرات. وكانت الأمهات يصِحن في صغارهن الذين يُطارد أحدهم الآخر في الممرات كي يجمعنهم.

مسحن أفواههم العابسة التي تُلطخها الشيكولاتة بأطراف مناديلهن التي بلَّلنها. وكان قشر الموز يُلقى من النوافذ، والصحف تُكدَّس تحت المقاعد.

كانت الحرارة والازدحام خانقين لدرجة جعلت آيريس تُسَر لبلوغها مقصورتها، لكن قبل أن تدخلها تراجعت مُجفلة عندما خرج الطبيب من مقصورة المريضة القعيدة. بدا وجهه يابسًا وشاحبًا مثل لب شجرة صفصاف فوق الرقعة السوداء التي هي لحيته المدبَّبة، وبدت عيناه اللتان عظَّمتهما نظارته ككرتين سوداوين مُتورمتين.

عندما نظر إليها، شعرت أنه لا جدوى من محاولة خداعه. كلاعب شطرنج محنَّك، سيتوقَّع أي حركة يحتمل أن تُقدم عليها، وسيكون مستعدًّا لمواجهتها بضربة مُضادَّة.

سألها: «هل تشعرين بتحسُّن يا سيدتي؟»

«أجل، أشعر بخمول فحسب. كل شيء صار مجهدًا، وفور أن أجلس لن أود أن أتحرك مجددًا.»

تحمَّست آيريس لنجاح خطتها عندما تبادل الرجلان نظرة فهم. دخلت مقصورتها، لكن لم يبدُ أن أحدًا أبدى أي اهتمام بعودتها. كانت الأم وطفلتها تُعيدان جمع محتويات حقائب سفر الأسرة، بينما كانت الشقراء تضع زينة منمَّقة. وتولَّى الأب حقيبة زينة البارونة، وبدا أنه مستعد لتأدية دور المُرافق مؤقتًا.

جلست آيريس تُراقبهم حتى ذكَّرها مشهد النسوة وهن يضعن المساحيق على أنوفهن ويُصففن خصلاتهن المموَّجة بحاجتها إلى إصلاح زينتها. كان من الضروري أن تُعطي انطباعًا جيدًا في السفارة. فتحت حقيبتها على مهل وأخرجت علبة مساحيق الوجه وهي تتثاءب إذ حل بها نعاسٌ مفاجئ. طرفت بعينيها بقوة، وبدأت تضع مسحوق الزينة وأحمر الشفاه.

قبل أن تفرغ كان جفناها لا ينفكَّان ينسدلان حتى إنها لم تعُد ترى بوضوح. جزعت أن أدركت أن موجات من النعاس تستبدُّ بها.

كانت قوية لدرجة أنها لم تستطع مقاومتها، مع أنها جاهدت كي تظلَّ متيقظة، لكن هيهات. كانت تضربها واحدة تلو الأخرى، لا تنفكُّ تتزاحم في تتابع مستمر.

بدأ الركاب الآخرون يتمايلون كالظلال. خارج النافذة، ظهرت ترييستي كوهجٍ أحمر متراقص في سماء الليل. هدر المحرك في محاولة أخيرة هائلة لمُجابهة ذلك الشريط غير المرئي الممتد أمام المصدَّات. صار بمحاذاته تقريبًا، فمرَّ فوق الظل الهائل مُرفرفًا جناحيه ومُؤرجحًا منجله.

عمَّت البهجة غرفة المراجل وعربة السائق؛ إذ كان القطار يستبق بالفعل موعده المحدَّد. نجحوا في استباق الزمن، فخفَّفوا جهودهم وأبطئوا سرعتهم تدريجيًّا استعدادًا لوصولهم إلى ترييستي.

كان رأس آيريس قد مال للأمام وجفناها قد أطبقا، ثم نبح الكلب من بعيد فأيقظها من نومها مفزوعة. تطلَّعت من النافذة بعينين زائغتين، فأخبرتها بضع إضاءات متفرقة تلمع في الظلام أنهم قد وصلوا إلى ضواحي ترييستي.

في تلك اللحظة، فكَّرت في الآنسة فروي.

قالت بصوت مهتم: «ترييستي. يجب أن أظل مستيقظة.»

ثم بدأ كل شيء أمامها يزيغ مجددًا، وغاصت مرةً أخرى في مقعدها.

عندما عاد هير إلى المقصورة تدلَّى فكه عندما رآها متكومة. نادى الطبيب، الذي لم يفعل سوى أن فرك كفيه النحيلتين برضًا.

قال: «رائع! لقد استجابت بسرعة شديدة.»

سأله هير: «لكن كيف سأجعلها تخرج من القطار عندما نصل إلى ترييستي؟»

«لن تُواجه مشكلة في ذلك؛ فبإمكانك إيقاظها بمجرد لمسة، فتلك مرحلة أولية من النوم، أو ما تُسميه نومًا خفيفًا. ستكون ذاهلة بعض الشيء فحسب.»

دار الطبيب على عقبيه، لكنه ما لبث أن توقَّف كي يُسدي نصيحة لهير.

«من الأفضل أن تدعها على حالها حتى تؤجر حمَّالًا. إن أيقظتها مبكرًا فربما تنام مجددًا، وكل مرة ستكون أطول من سابقتها.»

سمع هير نصيحته ووقف في الممر يتطلع من النافذة. انعكست صورة القطار بأنواره طافية على الأسطح والجدران الحجرية، فجعلتها أشبه بمنظر طبيعي ينعكس مُتراقصًا على صفحة ماء. في كل مقصورة كانت الأمتعة تُنزَّل، والأصوات تتعالى مُطالبة بخدمات، وكانت الصداقات العابرة التي تُبتدَأ على متن رحلة قطار، تُوطَّد وتُنهى في آنٍ واحد بالمصافحات والوداعات.

نامت آيريس.

في مقصورة العروسين الخاصة، كان المحامي تودهانتر يبذل أقصى ما بوسعه — لبضع دقائق أخرى — كي يُوفِّق بين لفتة وداع وهروب استراتيجي في آنٍ واحد.

قال مُلمحًا: «هل نتبادل عبارات الوداع الآن؟ قبل أن نصبح مُحاطين بلفيف من الشهود.»

مُتجاهلةً اقتراحه، قالت الآنسة لورا، وهي تعقص رموشها لأعلى بعناية: «وداعًا! شكرًا لحسن ضيافتك! لقد حظيت بعطلة رخيصة، رخيصة بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ.»

في المقصورة الخاصة المجاورة، كانت الأختان فلود-بورتر تُواجهان مأساةً كبرى. كانت الآنسة فلود-بورتر هي من فجَّرت المفاجأة.

«روز، هل رأيت حقيبة السفر البنية تُوضع في الشاحنة؟»

«كلا.»

«إذن أظن أننا نسيناها. لقد دُفعت أسفل السرير، أتذكُرين؟»

تجمَّدت الدماء في وجهيهما؛ إذ كانتا قد حزمتا جميع مشترياتهما في حقيبة واحدة للإفصاح عنها لموظفي التخليص الجمركي بأمانة.

قالت الآنسة روز بأسف: «لقد كنت أعوِّل على الكابتن باركر لتخليصهم من الجمارك لأجلنا، لكنها ربما تكون في الشاحنة.»

«ربما. لا يسعنا سوى أن نأمل الأفضل.»

ظلَّت آيريس نائمة.

في طفولتها، عانت عقدة نقص لم تتوقعها بسبب التباين بين أغراضها وأغراض غيرها من الأطفال. مع أنها كانت مدلَّلة من الكبار، واجهت عداءً سريًّا من بعض أقرانها. لم تكن أهلًا للانتقام لنفسها، لكن أثناء الليل وجدت رغباتها المكبوتة مُتنفَّسًا لها في أحلامها حيث يكون لها نفوذ، فتنهب متاجر الألعاب ومحال الحلوى بلندن وهي تتمتع بحصانة مهيبة.

جاء الزمن حاملًا معه الثأر، ليضع آيريس على قمة عالمها الصغير، لكن الآن تحالف عداء البروفيسور لها وخصومة الطبيب والبارونة، واستهزاء الركاب الآخرين بها، مع ضربة الشمس التي تعرَّضت لها؛ ليُعيدوا إحياء عقدة النقص القديمة.

كانت النتيجة أنها انتقلت من غياب الوعي إلى أحد أحلامها الطفولية بالنفوذ.

في حلمها كانت لا تزال في طريقها لإنقاذ الآنسة فروي على متن القطار السريع. وكانت الممرات طويلة للغاية، فاستغرق فعل ما فعلته في حدود الدقيقة زمنًا طويلًا. ظل الطبيب وحشد من المسافرين يُحاولون إعاقة طريقها، لكنها لم يكن عليها سوى أن تدفع وجوههم ليتلاشوا كالدخان.

كانت تحصد أرواحهم بالعشرات حين أيقظها صرير المحرك. أخبرتها الصيحات وومضات الضوء المفاجئة أنهم يدخلون ترييستي بسرعة.

على الفور نهضت مترنحةً، بين الحلم واليقظة، واتَّجهت مباشرةً إلى المقصورة المجاورة.

جاء فعلها مفاجأة للجميع، لم يتوقعه أحد منها؛ إذ ظنوا أنها نائمة. كان الطبيب وسائقه المتنكر يتطلَّعان من النافذة، ويترقَّبان وصول عربة الإسعاف، لكن هير الذي كان يُثرثر مع الحارس رآها تدخل المقصورة، فبذل جهدًا خرافيًّا لمنعها.

لكنه كان قد تأخَّر كثيرًا. كانت آيريس لا تزال واقعة تحت تأثير حلم النفوذ الذي أشعرها بأنها آمنة ومنحها حصانة جعلتها ترقى فوق الخوف من التبعات، فاندفعت نحو المريضة ونزعت الضمادة اللاصقة عن وجهها.

كان إعطاؤها العقار المنوِّم هو الخطأ الأخير الذي ارتكبه الطبيب في مغامرته المشئومة تلك. إن كانت قد نفَّذت تهديدها بالفعل ولجأت للسفارة، لربما لاقت استنكارًا وتوانيًا، لكن الدواء هو ما منحها الشجاعة للإقدام على المستحيل.

بمجرد أن انتزعت الضمادات المتقاطعة وتدلَّت من بين أصابعها كنجمة بحر، حبس هير أنفاسه في هلع، ثم صفَّر الحارس من ورائه مُندهشًا؛ إذ بدلًا من ينابيع الدماء المتفجرة، واللحم المشوَّه الذي لا يُغطيه جلد، طالعهم وجهٌ سليم، لكن مُحمرٌّ، لامرأة في منتصف عمرها. صرخت آيريس صرخة تعرُّف خافتة: «آنسة فروي.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠