الفصل الرابع

في باريس من جديد

٤ أبريل

عدت إلى باريس، الآن أتنفس.

كم تضايقت هذه المدة الأخيرة، وكم شاقتني حقيقة باريس، الآن أتنفس بعد الضيق، لقد أمضيت بليون ثلاثة أيام لم أذُقْ لشيء فيها طعمًا، ووجدتني مدفوعًا من كل جانب لأرجع إلى باريس.

نعم رجعت الآن إلى باريس، ودخلتها بطقس ماطر وسماء عبوس، وقصدت الدار، ولا يعلم أحد ممَّن فيها بعودتي، ووجدت غرفتي غير مرتبة، وكل شيء على غير ما أحب، ولكني أحس بابتهاج وسرور عظيم، أحس بهزة داخلية كلها الفرح، يخيل لي أني رجعت إلى دار النعيم … لماذا؟ لأني رجعت إلى باريس.

حقيقة لقد قلت بعد أيام ليون:

وقد طوَّفت في الآفاق حتى
رضيت من الغنيمة بالإياب

وإن كنت لا أنكر قد سرني في ليون خبزها.

رجعت فوجدت أهل البيت يستقبلون ضيوفًا من معارفنا إلا واحدًا من أصدقاء المسيو ج. ب. وهو مدرس في كلية ديجون، ولقد سرني كثيرًا معرفته لأنه فوق لطفه المتناهي واسع العلم دقيق الحكم، ولقد تكلم مع صاحبه في مواضيع كثيرة؛ فدل ذلك على ذكاء واطِّلاع نادرين.

تكلمت معه بعد ذلك في مسائل شتى، ويعجبني من هؤلاء الناس أنهم مهما اختلفوا معك في الرأي فإنهم دائما يتمسكون بالحجة العلمية أو الاستنتاج المنطقي أو استقراء الحوادث، وإذا لم يَكُ بعد ذلك سبيل إلى الاتفاق ترك كل واحد صاحبه ولكلٍّ عقيدته من غير أن يثور بينهما العجاج، ومن غير أن يصل إلى أن يسفه كلٌّ رأي صاحبه، والواقع أن ليس على البسيطة رأي خالٍ من الخطأ أو خالٍ من الصواب، بل كلٌّ يحوي قسمًا من الحقيقة يظنُّه صاحبه أشد غلبة عليه حتى تظهر الأيام فساد ظنه.

١٠ أبريل

ألقيت الليلة في الجمعية المصرية كلمة عن الحجاب وفساده.

وكان خصمًا لي في النظرية التي أقيمها نظرية السفور ط. أفندي، وحكمًا بيننا ش. ب. أفندي، لا يهمني ما قلتُ وما قال خصمي ولا حكم الحكم، ولكنما سرني كثيرًا ما دار في هذه الجلسة، كان إخواننا جميعًا، وكلهم من الشبان شديدي الإحساس بما لنظرية السفور من القوة، ولكنهم مصريون، والحجاب وما اقترن به من ذيوله المزعومة كالعفة وطهارة الذيل لا يزال يجول في صدور البعض منهم، فإذا قام أحدهم تلعثم ولم يدرِ ماذا يقول، إن قال معي فلتسفر فتياتنا عَرَتْهُ هزة تدفعها الوراثة إلى نفسه، وإن قال فليحتجبن ذكر أنه كان مرة عزم على أن يتزوج فوقفتْ هذه العادة المشؤومة في وجهة لأنه لا يستطيع أن يجعل شريكة حياته فتاة لم يرها ولم يعرف منها ولا من آرائها وميولها شيئًا، وأخيرُا قام ع. أفندي الفيلسوف وقرر نظرية الحجاب، ولكنه رأى وجوب الدواء لمسألة الخطبة، فاقترح أن ينظر الشاب الخاطب من ثقب قفل الباب إلى مخطوبته (هتاف وضحك).

وتَتَالى الخطباء بعد ذلك بحماس وحِدَّة، ويسرني أن أقول إنهم جميعًا طلبوا تحسين الحال، والواقع أن هذا الموقف الموجودة فيه المرأة اليوم، موقف حيوان المتاع والشهوة، أخس من أن يجد نصيرًا يريد الإبقاء عليه، بل لا أشك لحظة في أن فتياتنا اليوم يخجلن أن يرين أنفسهن موضع اعتبار كهذا … يعلم الله لو سمعتُ أن أحدًا وجه إليَّ مثل هذه التهمة الشنعاء لما ونيت لحظة عن طلب دمه ليغسل به ما نسب إليَّ من العار.

ولكن فتياتنا مسكينات ومعذورات، نعم إني أعذرهن وأتألم لهن، ليس ذلك ذنبهن، ولم يَكُ ليدهن في هذه الجناية عليهن من نصيب، وهن يحتملنها ميراثًا أليمًا عن أمهاتهن وجدَّاتهن … ولا يرحم الزمن شبابهن، بل هو كعادته يريد المصاب مصائبًا وذا الألم آلامًا، ويرمي على رؤوسهن أثقالًا جديدة من الحجب أخشى أن ينُؤْن بحملها.

يونيه ١٩١٠

أنا الساعة عائد من جمعية الطلبة l’association génrale des etudiants de paris حيث كنا نستقبل كبير مشايخ كتاب فرنسا الحاضرة: أناتل فرانس.

ازدحمت الصالة بالطلبة وبعض الطالبات ساعة قبل الموعد المضروب لحضور الكاتب الكبير، فكنت لا تجد مكانًا خاليًا، بل لقد وقف من لم يجد مقعدًا في الممرَّات حتى غصَّت بهم، فلما وافت الساعة جاء الرجل يحوطه جماعة من كبار العلماء والكتاب في البلد: بول هرفييه والفرد كروازيه إلخ … وتكلموا، ثم قام هو من بعدهم طويلًا نحيفًا ناحل الوجه أشيب ضعيف الصوت؛ لذلك فإذا كان لا ينازَع في عظمته الكتابية فهو بعيد عن أن يكون متكلمًا محسنًا، وكان أول ما نصح به الشبان أن يفكروا، أن يفكروا كثيرًا، أن يفكروا دائمًا، فمحال أن يفكر إنسان ثم لا يصل إلى نتيجة أيًّا تكون من تفكيره، والنتيجة الموزونة التي امتحنها الفكر ذات أثر في حياة العالم دائمًا.

انتقلَ بعد ذلك إلى الحذر فعدَّه أخسُّ الفضائل وأنقصها؛ ذلك أن الحذر يلازمه الخوف والرِّعدة والتقهقر، في حين يصل الإنسان بالإقدام إلى كل ما يريد، ومهما يكن في الإقدام من الخطر فإن خطره أقل كثيرًا من خطر الحذر.

ونصيحته الثالثة للشبان أن يكونوا كثيري الخيالات والأحلام والأماني، وتلك عندي أغلى نصائحه وأعلاها، تلك هي اللب واللباب من كل قوله.

بالمنى يصل الفرد وتصل الإنسانية إلى أعظم مراتب السعادة، هو الحلم والخيال الذي دفع العالم من حيث كان في درك الهمجية إلى حيث هو من التقدم والعظمة.

وختم كلمته بأن أشار إلى نص القانون الذي يحرِّم على رجل التعرض لحكم صادر، وذلك بمناسبة الحكم على هرفييه لتصديه في جريدته للتعريض بنص القانون، والحكم على أحد مجرمي باريس لأنه ضرب جنديًّا فقتله، اعتبر فرانس كل قانون يحد من حرية إبداء الرأي قانونًا مجرمًا، وقرر أنه مهما حوت الكتابة ممَّا يضاد عاداتنا ومعتقداتنا فالواجب أن تبقى حرة إلى أقصى درجات الحرية.

اختتم الرجل بذلك كلامه، وأراني أوافقه على آرائه كلها بنفس السرور الذي أجده في قراءة كتبه.
figure

٨ يونيه

أخي عطية:

انتهيت اليوم من امتحاني الأول للدكتوراه، ورجعت بذلك إليَّ حريتي، وملكت وقتي بعد أن ملكته عليَّ المراجعة والمذاكرة مدة من الزمن، ولقد دخلته وأنا أخلَى الناس بالًا وأقلهم بنتيجته اهتمامًا، ولم أحسب حسابًا لشيء أكثر من أني مسافر غدًا للندرة فالأحسن أن أذهب إليها مسرورًا.

في هذه المدة التي كنت أحضر فيها لامتحاني كنت أبعد الناس عن أن أفكر في الخارج وما فيه من اللذة، وأنت تعلم شديد حاجة الإنسان إلى ما يروضه حين ينهال عليه العمل فيثقل كاهله، ولقد كان ذلك أشد على نفسي حين كنت أرى من نافذتي أشجار حديقة صغيرة إلى جانب بيتنا تورق وتينع، فإذا نزلتُ قابلتني اللكسمبور في أبهى أيام عرسها زاهرة ناضرة، كل شيء فيها باسم وضاح الجبين، وعلى رأس كل شجرة تاج من الزهر أبهى من تاج العروس، ولكني تعزَّيت هذه المدة بحادثة بسيطة لذيذة عوضتني ذكراها عن الرياضة والنزهة، وصرفتني لعملي عن كل شيء.

أحسبني أخبرتك قبل اليوم أن بيتنا مؤلف من أربعة أشخاص، ربة البيت والمسيو ج. ب. وشاب فرنساوي في التاسعة عشرة من عمره وأنا، ولقد بقينا كذلك طوال عامنا إلا العشرة أو الاثني عشر يومًا الأولى من مايو، حيث جاءت فيها إلى الجمع غادة كندية بنت سبعة عشر، كاملة التكوين، فأضافت إلى نضرة الربيع القادم وبعثت إلى وحدتنا نحن الأربع روحًا جديدة شابة فياضة ربما كنت أنا أكثر الناس إحساسًا بوجودها.

هذه الغادة هي مس بياتركس.

حضرت مس بياتركس إلينا أوائل أيام الربيع ذات ليلة ونحن جميعًا صمت مشتتون في الصالون، ودخلت مع أمها حوالي الساعة العاشرة وعلى رأسها قبعة إنكليزية غطت بعض الشيء عيونَها، وظهر من تحتها خدودها المتوردة الزاهرة.

فلما جلستا استأذنت وصاحبي الشاب وذهبنا إلى مضاجعنا، ولم ينس أن يغمزني في الطريق: أليست جميلة صاحبتنا القادمة؟

وأقامت معنا عشرة أيام أو اثني عشر يومًا، ثم سافرت مع أمها إلى ألمانيا وتركت لي ذكرًا جمع بين اللذة والشوق المر، كان هو سندي أيام مراجعتي للامتحان، والعزاء الوحيد عن عرس الطبيعة الذي كان لا يفتر يجذبني إليه ببديع جماله.

كم من لحظات كنَّا نقضيها في الحديث وحيدين جنبًا لجنب، سويعات بعد الغذاء قصيرة الأمد، كان يدور حديثنا عن مصر أو عن كندا أو عن مسائل من مثلها لا قيمة لها في الواقع، ولكنها كانت عندي الشهد المصفى، وتركت ذكرًا يحييه في نفسي الربيع البديع.

وتعددت هاته السويعات، وأحسست مع ذلك كأن نفسي تتفتح وقلبي يأخذه الخفقان بإحساس لا أقدر على تسميته لأني لا أعرف، وشعرت كأن الوجود الذي حرمني طول هذا العام كل متاع بمعنى الشباب جاد ففاض ببياتركس وبالربيع.

وأجدر هاته السويعات بالذكر سويعة آخر أيامها معنا، وتكلمني عن مصر وشأنها، وتريد مني أن أكتب تاريخ أمتي في قالب روائي، ثم تطلب ضاحكة أن أقدم باسمها رواية من هاته الروايات، نعم بياتركس، من أجل هذا الإهداء الذي تطلبين سأكتب تاريخ مصر مهما كلفني، وليكون ذكرًا لأسبوعين سعيدين في أيام الحياة.

آه يا عطية، ما أحلى الحياة حين يسمح لها الخيال بالدخول إلى جناته! ولكن الخيال ضنين.

ولكم كانت بديعة هذه البياتركس، لقد كان في خلقها البريء وفي تلك السذاجة التي كانت مظهرها العام ما يجعلها حلمًا على الوجود، هي حقًّا الآتية من كندا، من بين الغابات الهائلة والسهول الفسيحة والطبيعة البكر، هي بنت ذلك العالم المملوء بالطير والشجر والماء والزهر، وليست بنت عالمنا العتيق الأفن.

كنت يا عطية ولا أزل كلما ذكرتها ذكرت فتيات الأحلام، واللاتي يقال إنهن سيكنَّ في العالم الآخر.

تقضي أسبوعين وهي عندنا، ونمضي كل ليلة في لعب الضامة أو الشطرنج أو ما سواهما، وكل ليلة تضيء الفوانيس الكهربائية بنورها على مجموع ساكن هادئ ولكنه سعيد قانع … على الأقل كنت أنا في أحسن درجات الرضى، ولكن تلك الليالي الجميلة المحبوبة لم تكن شيئًا إلى جانب الليلة الأخيرة.

جاءت أمها تلك الليلة لتبيت عندنا ثم يصبحان إلى ميوينخ، وجاء يقضي سهرته معنا أحد معارفها كما جاء بعض معارفنا، وجلس الكل وصديقي الشاب وأنا في الصالون، وفوانيسه الكهربائية لم تزد عددًا ولكنما تضاعف نورها أمام هذا المجموع المبتهج، ولم تكد بياتركس تجد الفرصة لتنسحب من بين أمها وربة الدار حتى جاءت إلى جانبنا لتحدثنا ونحدثها أحاديث الوداع، ونسينا إلى جانب ذلك ما كان من الضجة والسرور والضحك بين سائر الحاضرين.

ولما تقدم الوقت دخل إلى الحاضرين شيء من السكون، ورأيت الضجة تغادر المكان رويدًا رويدًا حتى كاد يكون أخرسًا.

واستأذن أصحابنا وبقينا جماعة «الحلية» حتى منتصف الليل، هناك أرادت الأم الذهاب إلى مرقدها و«مست علينا».

فباستفهام جذاب بديع ونظرة ملئت حنانًا وعطفًا، وبصوت رخيم عذب تساءلت بياتركس: وأنا الأخرى، أنا أيًضا سأذهب.

ما كان ألذ هذه الكلمة على مسمعي! هل كانت كذلك على مسمع كل الحاضرين؟

لعلك يا صاح تجد في صورة هذه الفتاة الملائكية بعض ما وجدت أنا من اللذة، ألا ليت أيامها دامت! ألا ليتك لا تزالين هنا يا بياتركس! ها أنا فرغت من العمل وأتمنى ساعة معك من جديد …

معها في باريس؟ وسط ضجة الناس وجلبتهم؟ ويرانا الناس، وربما اطلعوا على مكنون ما في صدورنا؟ … كلَّا، كلَّا لا أريد … لكن الحياة الحلوة عيش مع مثلها على أرضٍ ككندا، واسعة ذات دوح وشجر، ولا ضجة ولا جلبة ولا صياح، عيش هادئ ساكن بين الغياض وأغاريد الطير … عيش متشابه خالد مملوء بالحب والسعادة.

هذه حقًّا هي الحياة الحلوة، لا في باريس ولا في مصر، لكني مع الأسف موقن أني لن أعيشها.

هذه هي الفتاة التي ملأت وقتي بالذكر، وعوضتني بذلك عن النزهة والرياضة، ووفرت عليَّ كثيرًا من الساعات ما كان أحوجني لها.

الساعة الآن السادسة ونصف، ويجب أن أسرع فأكمل ترتيب إهابي؛ وإذن فسلام عليكم.

أخوك محمد

١٠ يونية

الساعة السادسة صباحًا.

كان مساء الأمس مساءً مشهودًا.

أمضيت شطرًا من الليل مع أهل بيتنا، ثم جاءني أحد أصحابي المصريين، فلما انتصفت الساعة الحادية عشرة استأذنَّا وخرجنا، ولم نَسِرْ إلا قليلًا حتى قابلنا صديق ثالث اتخذ طريقة هو الآخر معنا، وذهبنا جميعًا إلى القهوة، وبعد نصف ساعة أردت أن أعتذر لأذهب لأنام فأستريح استعدادًا للسفر … فقال صديقي ع. ف: يا شيخ دي آخر لياليك في باريس، خليك معانا.

وبقيت معهم. فلما اقترب منتصف الليل نزلنا إلى التافرن فوجدناها هائصة بالشبان والبنات والموسيقى والدخان والطرب وأنصاص البيرة وكاسات الكنياك والوسكي وكل ما شئت من الكحول، وبعد أن درنا في المكان دورة وجدنا مكانًا منزويًا هادئًا، فجلسنا فيه جميعًا، ولمَّا نكد حتى مرَّت بنا إحدى البنات فسلمت على ع. ف. وجلست، وبعد لحظة جاءت أخرى وجاءت بعدها ثالثة، وهكذا كنا حول المنضدة دستة، ثلاثة شبان متجاورين أنا في وسطهم وثلاث بنات متجاورات كذلك، فلما مضت اللحظة الأولى وما يخالطها عادة من السكون الصامت قالت إحداهن وهي الوسطي: إن ترتيبا هكذا ليس بشيك، بل يجب أن تجلس كل واحدة إلى جانب شاب، فقم أنت (وأشارت إليَّ) فبادلني مكانك وبذلك يتم الترتيب.

وعقبت الأخرى: وهكذا تبقيان مقابل بعضكما تتبادلان النظرات كما تشاءان

أليست خبيثة هذه المرجريت؟ هي تكسب من وراء انتقالها أن تلصق فخذها بفخذ شاب، وتبقى تتبادل النظرات مع الآخر.

مارجريت : وأنت ماذا يضرك من وراء ذلك؟ ألا يعجبك الشاب الذي تتبادلين النظرات معه؟ وهلَّا يسرك أن تلصقي فخذيك بشابين، بدل أن أكون أنا أحد جيرانك!

وجاء الجرسون بالمشروبات، ولما انتهت استأذنت ثانيةً أريد أن أقوم.

فأمسك بي ع. ف. من جديد، وبينما أنا أتردد قامت مارجريت فتركتنا ولم تَعُدْ، وجلست أنا ثانية وخيم علينا السكوت برهة، فقامت ثالثة الفتيات وبقيت جارة ع. ف. فتوثقت منه أن سيكون بغرفته غداً الساعة الرابعة ثم انصرفت هي الأخرى، وبقينا نحن الثلاثة في ركننا الحريز، وقد علتنا دهشة غريبة وكأن قيام هاتيك الفتيات قطع علينا تيار خيالاتنا وأفكارنا، فبقينا صامتين جامدين لا نقول كلمة ولا نفوه بحرف، وأخيرًا نادى ع. ف. بالجرسون وطلب منه شرابًا جديدًا، وتجددت بذلك النشوة وانقضت السويعة الصامتة وابتدأنا من جديد حديثنا.

ع. ف : إذن ستتركنا غدًا يا عم هيكل، يا بختك، وتذهب إلى لندرة وترى بلاد الإنكليز، هذه البلاد الغاشمة الظالمة، لو أنك من صديقنا ع.س. عمدة المصريين في باريس لما دخلت لندن إلا غازيًا.
ل. م : البلاد الغاشمة الظالمة! ما أكرمك يا أخي بالألقاب! لماذا تعد إنكلترا غاشمة ظالمة؟ لأنها محتلة بلادنا؟ وإذا استطعنا نحن أن نحتل إنكلترا أفلا تفعل؟ ويومذاك نكون نحن الغاشمين؟ في نظر من؟ ليس أمام أنفسنا بالطبع ولكن في نظر الإنكليز، وأما نحن فنكون يومئذٍ أولياء الله على الأرض والموكلون من قبله بحكم الشعوب الضعيفة، كلَّا يا صاح، إنكلترا ليست ظالمة، إنكلترا تستغل بلادنا وتنهبنا كما تنهب أنت جارك الضعيف، وإذا كانت الصدفة تمن أحيانًا على جارك بأن يجد فضاء يرد عليه ضائع حقه فلا يزال القضاء الفصل بين الأمم هو السيف، وصاحبة السيف الأحَدِّ والمدفع الأقوى صاحبه الحق من غير نزاع.
ربما كنت معك في الأسف على أن الأمم لا تزال في هذه البربرية، ولكن ذلك لا يمنعني من أن أنظر للأمم الحاكمة بعين الإعجاب، وإذا كان ذلك في نظرك ونظر الكثيرين يُعَدُّ من قبيل إعجاب الجهلاء بأعمال البطولة؛ فإني راضٍ أن أكون من بين هؤلاء البله والجهلاء، غاية الأمر أني أسمح لنفسي بالدفاع عن نفسي وعن هذه الطائفة، إن الكثيرين ممَّن تسمونهم العقلاء يعجبون بفيلسوف دقيق يدعو إلى إنسانية أرقى من الإنسانية الحاضرة، ويريد حين يقول أرقى أنها تكون أبعد عن الوحشية وعن الظلم، وأن ترتفع إلى جو العدل والرحمة، وجو العدل والرحمة لم يوجد بعد على الأرض بالرغم من أن الإنسانية تريد أن تصل إليه من آلاف سنين مضت، لماذا؟ لأن جوَّ العدل والرحمة بالنسبة للإنسانية هو جو العدم، جو الفناء … والإنسانية أظهرت لنا دائمًا ولا تزال أنها أحرص ما تكون على البقاء والاستمرار، وبكلمة أخرى حريصة على أن لا تصعد إلى جو العدل والرحمة؛ إذن فدفعها إلى هذا الطريق دفعًا إلى ما يستحيل أن تسير فيه، وبالتالي تعب ضائع.

يقول الذين يعللون أنفسهم بعلالات التقدم إن الإنسانية قد قطعت شوطًا كبيرًا في هذا الطريق، حيث ألغت الرق، وألغت كثيرًا من أنواع التعذيب، وخففت وطأة البؤس، وأحلت مكان ذلك كله التحاب والرفاهة، متى كان هذا؟ وهل ألغت شيئًا ممَّا تفتخر بأنها ألغته، إن كان أنصارها يريدون أن يتمسكوا بالألفاظ ومعناها الموجود في القاموس فأنا أوافقهم على أن كثيرًا من الألفاظ دخل دولة التاريخ ولم يبقَ له أثر بين أظهرنا، لكن ألم تظهر مقابل ذلك ألفاظ أخرى ذات معانٍ ليست بأقل فظاعة من معاني الألفاظ الذاهبة؟ وهل لم تظهر أشكال من البؤس تجعل ما عندنا منه يوازي على الأقل ما كان عند أجدادنا؟ وهاتيك البنات التعيسات اللاتي كن جالسات معنا من لحظة مضت ألسن خلق مدنية هذا الغرب المغرور المجرم؟ ومجاميع العمال التي تصبح تشكو الفاقة والبؤس أليست شقاء جديدًا دخل إلى الإنسانية الحاضرة؟ ولكن الناس ينظرون لما كان في الماضي بعين تعظمه وكأن هاته الأشعة الزمنية التي تسري منَّا لم تمر أولًا بمنظار مكبر فترى كل صغيرة من شروره كأنها عذاب الجحيم في حين لا يصل إلى آذان ابن ابن هاته الإنسانية المتألمة التي تحيط بنا.

لا أنكر أن من الناس من يكبر الخير الماضي، بل هؤلاء كثيرون، ومن بينهم قام جماعة الذين يرون في الرجل القديم مثال السعادة والكمال؛ لذلك فالإنسانية الحاضرة شقاء كلها أمام عيونهم، وخطأ هؤلاء وخطأ أولئك متساويان، والواقع أن الإنسانية كانت ولا تزال ولن تزال خليطًا من الحسن والقبيح والشر والخير والنقص والكمال، كما لا يزال الناس كما كانوا يقتل ويأكل بعضهم بعضًا، وكل جيل بما لديهم فرحون أو هم عليه ساخطون.

إنك يا صاحبي (مشيرا إلي) ذاهب غدًا إلى مدينة جديدة وقوم يقدرون الخير والشر بمقياس غير المقياس الذي عهدت إلى اليوم، فلاحظهم لعلك تجد في ذلك لذة أو فائدة.
ع. ف. (الذي لم يكن ينتظر كل هذه الفلسفة خصوصًا وقد ابتدأت رأسه تدور بعض الشيء) : الساعة واحدة وربع، مش نقوم!
أنا : ما أظرفك يا سي فلان! أتمنعني عن أن أقوم حتى إذا جاءت اللحظة الجميلة حيث يحلو السهر ويطير النوم تريد بنا أن نقوم؟ أو أن غرضك أن نسير في الشارع، وإن كان ذلك فإلى أين؟
ع. ف : إلى حيث تريدون.
ل. م : أما أنا فيسرني المكث هنا، خصوصًا وقد ابتدأ المكان يخلو والدخان الذي فيه يلازم السقف ويبقى منه ريحه المنعش المخدر، على أنه إن رأيتم أن نقوم فلا مانع، وربما كان بقاؤنا نصف ساعة أخرى غير مانع لنا عن أن نسير بعد ذلك حتى ميدان الأوبرا.
ع. ف : ليكن، ولنرجع إلى الحديث الذي ابتدأته، ثم لتسمح لي أن أنكر هذا التشاؤم الذي ظهر من كلامك، وأن أقول أنا مع الجانب الذي لست أنت منه، إن الإنسانية تقدمت كثيرًا ومن كل جانب، وتقدم أمام عيوننا اليوم مناظر أبهى وأجلب للسعادة ممَّا كانت لأسلافنا، وهذه المسائل التي تراها أنت صغيرة مسائل إلغاء الرق وتخفيف وطأة البؤس هي كبيرة وتفتخر بها الإنسانية، تمثل أمامك صورة من النظام القديم حين كان بنو آدم العمال يذهبون قطعانًا يملكهم سيد يتصرف في رقابهم وأعمالهم كما يشاء، ويسومهم الخسف وأنواع العذاب إرضاء لبعض شهواته أو لبغي من محظياته، وقل لي إذا لم تكن الخطى التي خطتها الإنسانية تعد تقدمًا، ثم تصور إزاء التقدم الاقتصادي الهائل الذي يتمتع بنو الإنسان جميعًا بنتائجه من أغنانا إلى أفقرنا، ذلك الفقر المدقع الذي كان عليه آباؤنا، وهذا الشكل الوحشي من الحياة الذي كانوا يعيشون، لا يا صاح لا ننكر التقدم العظيم الذي أكملته الإنسانية على مر القرون، فذلك إنكار المحسوس، إذا اعتبرت بلادنا مثال مدنية قديمة بعض الشيء كما هو الواقع وقارنتها بالمدنية الغربية: أتستطيع إنكار أنَّا أقل سعادة من الغربي وأقل رفاهة؟ بل أتنكر أن حياتنا في مصر إلى جانب الحياة الأوربية تسمى وحشية فظيعة؟ خذ أي جهة من جهات هذه الحياة سواء الجهة المادية أو الأدبية أو العقلية واحكم من غير تحيز إن كان من نحن إلا مدنية مختلفة قيمتها إلى جانب المدنية الغربية كقيمة درهمين متكافئين من معدنين مختلفين.
ل. م : لا من معدنين مختلفين، بل من معدن واحد، غاية الأمر أن واحدة الكميتين أكثر بريقًا من الأخرى وموضوعة في فترينة دكان أغنى وأنظف أو يلبسها على صدره رجل أغنى وأرقى؛ لهذا تظهر أمام العامة ذات قيمة أكبر وإن كانت لا تزيد في الواقع شيئًا.
وإن هذا الذي نسميه تقدمًا اقتصاديًّا ليس في الواقع إلا نتيجة لازمة لحال الجمعية الحاضرة حال اشتباك المصالح لزيادة عدد السكان في العالم؛ وإذن فلا يمكن أن تعده تقدما إلا إذا عددت تقدمًا حاجة الأعشى إلى نظارة أو الأكتع إلى عكازه، ولست أدري كيف تريد أن تناصر قولهم إن السعادة أعم اليوم على الأرض مما كانت من قبل.

لئن كان في الدعوى الأولى دعوى التقدم المادي شيء من شبه الحقيقة؛ فإن هذه الثانية أظهر ما يكون فسادًا … لا أريد أن أقول العكس، وإن الشقاء قد مد رواقه اليوم بعد أن كان مطويًّا في الماضي، ولكني أقول إنه تحول وسار مع العالم في دور النشء والتسلسل، وأخذ أشكالًا تطابق كل وسط من الأوساط لكي يعيش في هذا الوسط، وسيبقى إلى الأبد يتسلسل مع الزمان إلى لا نهايات الزمان.

وليس أدل على ما أقول من العالم الحاضر، هل سودان خط الاستواء أقل سعادة من أهل أوربا؟ هم لا شك أقل ترفًا باعتبار المدنية الغالبة، ولكن الترف شيء والسعادة شيء آخر، ولقد أخبرني الكثيرون أنهم كانوا أسعد كثيرًا أيام فقرهم واكتفائهم بالقليل منهم أيام غناهم وترفهم، غاية الأمر أنا نحن وأهل أوربا نقرن السعادة بالترف لأنهما مقترنان في مدينتنا ثم نقول: كيف يمكن لهؤلاء العراة الحفاة الجياع غير الممتعين بشيء من نعم العالم أن يكونوا سعداء، في حين أنَّا جماعة المترفين نرى في الوجود من المرارة والألم ما يجعل السعادة أمامنا حلمًا مستحيل التحقيق؟

وخطأ هذا التقدير واضح؛ فليس ما يلزم لسعادة كل واحد ضروري لسعادة الآخر، والعاشق يختلف عن محب المال في النظر إلى السعادة، وعن كليهما يختلف العالم، وعنهم يختلف الفلاح البسيط، وكذلك السودان يختلفون عنَّا وعن أهل أوربا …
ع. ف : التعليل ظاهر ولكن فيه بعض المغالطة، ويدلك على ذلك أنك لا تقبل أن يرجع العالم إلى الحال القديم من البربرية أو إلى الحال الذي فيه السودان اليوم.
ل. م : وكيف علمتُ أني لا أقبل؟ أنا لا أرفض مطلقًا، بل أقول: ولِمَ لا وماذا يضر؟ أنا سأكون في العالم القديم البربري الذي نقول عنه بعقل أهل ذلك العالم وأكون سعيدًا، لم حسبت أن سيكون مثلي فيه مثل الشابة التي غاب زوجها فقابلتها الصدفة مرة وأعطتها خاتمًا يجيب ثلاث مرات نداء من يحك فصه، فحكَّت هي كي تصل إلى المشيب فلما رأت نفسها قبيحة حكته ثانيا لترجع إلى الشباب، ثم صور لها عقلها أن الطفولة خير من هذين فحكت الفص فصارت طفلة بعقل الشابة التي كانت وبقيت كذلك موضع ضحك الناس وألم النفس بقية الحياة … لا يا صاح، إن رجع العالم إلى بربريته رجعنا معه من غير أسف، وإن بقي كما هو بقينا من غير سرور، وإن جاء عليه الهرم هرمنا معه ضاحكين منه.

سكت ع. ف. ولم اشارك أنا بكلمة، فدفعنا للجرسون ما علينا ثم قمنا نسير فإذا الشوارع خالية والجو هادئ جميل ويدعو للمشي الكثير.

لكن ع. ف. لم يَرَ نفسه قادرًا على السير فتركنا وذهب، وسرنا نحن الاثنان قليلًا ثم افترقنا …

… ها هو ع. ف. ولا شك أنه يريد أن يذهب معي إلى المحطة …

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠