خاتمة الكتاب

الآن، وقد قدمنا للقارئ ما وفقنا إليه في درس الأخلاق عند الغزالي، نوصيه بأن يرجع إن شاء إلى كتاب الإحياء، وكتاب الميزان، وكتاب المنهاج، وكتاب المستصفى، وإلى المصادر الأجنبية التي ذكرناها في غير هذا المكان، وإلى كل ما يستطيع الوصول إليه مما يتعلق بالغزالي، ليعرف صحة ما في هذا الكتاب من مختلف الأحكام.

ونحن لا ننكر أننا كنا قساة في نقد الغزالي، ولكنا نرجو أن يتنبه القارئ أيضًا إلى ما كشفنا الغطاء عنه من حسناته. ونحب أن يذكر الذين أسرفوا في اللوم عندما علموا بعض ما يحتويه هذا الكتاب، أننا لم نكتب لإرضائهم أو إغضابهم، وإنما وضعنا نصب أعيننا غاية واحدة، هي خدمة العلم والتاريخ، خدمة خالصة لوجه الله، لا للناس.

وأحب أن أسجل هنا كذلك، أني ترددت فيما نصحني به حضرات الأساتذة من رفع بعض المسائل التي ثار من أجلها الخلاف، فلم أرفع منها شيئًا، وإنما أضفت إليها بعض البيان، فليس على لجنة الامتحان أية مسئولية، وإنما أنا وحدي المسئول.

•••

أما بعد فإني أسأل الله أن يجزيني بفضله على ما قدمت في سبيل العلم والدين من صادق الجهود، وإليه وحده أرفع الرجاء، فقد مني الناس بالجحود، ونكران الجميل.

رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ.١

الإسلام والأخلاق٢

يقول المرجفون إني قررت أن الدين الإسلامي دين فتح لا دين أخلاق. ولولا ضعف ملكة النقد في مصر لما شاعت هذه الأكذوبة، ولما وجدت من يتلقاها بالقبول. فليس من الجائز أن رجلًا مثلي قضى في الأزهر خمسة عشر عامًا يحكم بين الجماهير في دار الجامعة المصرية بأن الدين الإسلامي ليس دين أخلاق، وهو يعلم على الأقل أنه يجد معارضين أشداء من طلبة الأزهر وعلمائه، وقد حضر منهم يومئذ عدد غير قليل.

وهأنذا أشرح للقراء أصل هذه الأكذوبة التي تناقلها الناس، ليعلموا إلى أي حد يجرؤ المتقولون على تشويه الأحاديث!

قلت في رسالتي: «إن ما كتبه الغزالي عن التوكل صريح في الدعوة إلى الرهبنة، وقطع العلائق مع الناس، والتدرج على احتمال الظمأ والجوع، والاقتناع بأن الموت من جملة الأرزاق» فلما سألني حضرات الأساتذة الممتحنين عما يؤيد هذا الحكم من كلام الغزالي، قدمت لهم قوله: «فإن قلت فما قولك في القعود في البلد بغير كسب: أهو حرام أو مباح أو مندوب؟ فاعلم أن ذلك ليس بحرام، لأن صاحب السياحة في البادية إذا لم يكن مهلكًا نفسه، فهذا كيف كان لم يكن مهلكًا نفسه، حتى يكون فعله حرامًا، بل لا يبعد أن يأتيه الرزق من حيث لا يحتسب ولكن قد يتأخر عنه، والصبر ممكن إلى أن يتفق. ولكن لو أغلق باب البيت على نفسه بحيث لا طريق لأحد إليه ففعله ذلك حرام، وإن فتح باب البيت وهو غير مشغول بعبادة فالكسب والخروج أولى له. ولكن ليس فعله حرامًا إلى أن يشرف على الموت، فعند ذلك يلزمه الخروج والسؤال والكسب».

وهنا لا أكتم القارئ أني حملت على الغزالي حملة شديدة ورميته بجهل أسرار الدين، وسخرت من الآداب التي وضعها للمتوكل حين يخرج من بيته: إذ يدعوه إلى أن لا يترك في البيت متاعًا يحرص عليه السراق، وإلى أن لا يحزن إذا سرق متاعه بل يفرح إذا أمكنه، وإلى أن لا يدعو على السارق الذي ظلمه بالأخذ، فإن فعل بطل توكله ودل على تأسفه على ما فات، ويدعوه إلى أن يغتم لأجل السارق وعصيانه وتعرضه لعذاب الله، ويشكر الله إذا جعله مظلومًا ولم يجعله ظالمًا!

ثم قلت في التعليق على هذه الآداب الميتة «وما أدري ما الذي أنسى الغزالي أن يحض المتوكل على أن يترك باب البيت مفتوحًا وأن يعلق عليه لوحة مكتوبًا فيها بخط واضح وجميل: من أراد أن يأخذ شيئًا من هذا البيت فهو مغفور الذنب، بل مجزي بما مكن صاحبه من صنع المعروف»!

عند ذلك تذمر الحاضرون من العلماء، وقال فضيلة الشيخ اللبان: لا عيب على الغزالي في ذلك لأن الدين الإسلامي دين أخلاق، فقلت: وهو قبل ذلك دين فتح وامتلاك، وليس من الأخلاق في شيء أن يجرد المرء بيته حتى لا يبقى فيه متاع يحرص عليه السراق، فهل جانبت في ذلك الصواب؟

والظاهر أن حضرات العلماء فهموا من الفتح التخريب، والاعتداء على الشعوب. كلا يا هؤلاء! الدين الإسلامي دين فتح، رضيتم أم كرهتم، وللفتح شروط وآداب سنها الدين الحنيف، وأنتم حين تنفرون من كلمة «الفتح» إنما تجارون الأجانب الذين يتوددون إليكم بوصف الإسلام بالقناعة والرضا بالقليل. وهذا خطأ صراح، فإن الدين الإسلامي أبعد الأديان عن الزهادة، وأبغضها للخمول، ولا حرج على الإسلام في أن يرغب أتباعه في امتلاك ناصية العالم، فإن هذا أمل نبيل، ولم يحدثنا التاريخ عن أمة قوية، أو ملة قوية، وضعت حدًّا لمطامعها في الحياة، وإنما ترغم الأمم الضعيفة، أو الملل الضعيفة، على أن تحدد آمالها وأطماعها بضيق الحدود!

ستقولون: إن رسول الله وأصحابه لم يأمروا المجاهدين بحرب القسيسين والرهبان، بل أمروهم بالرفق بهم، والإبقاء عليهم، كما أمروهم بعدم التعرض للأطفال والنساء والكهول. وأقول لكم: إن هذه المعاملة لا تدل على أن الإسلام ليس دين فتح، ولكنها تدل على أن الإسلام كان أحكم من أن يبدأ فتوحاته بإرهاق النفوس وتنفير القلوب. وهذه الملاينة، وذلك الرفق، من الأسلحة الماضية في استلال السخائم، والتبشير بالدين الجديد. وكذلك دعا النبي إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادل خصومه بالتي هي أحسن، حتى ظفر بالفتح المبين.

هذا ما أريد من أن الإسلام دين فتح وامتلاك. ولو بعث رسول الله اليوم، ورأى ما أنتم عليه من قلة وذلة، لبلل رداءه بدموعه، ولكان له مع حضرات العلماء موقف يرد الولدان شيبًا. أفتحسبون أن قوله عليه الصلاة والسلام «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» معناه أنه جاء لينشر علينا، ويذيع فينا، تلك المبادئ السقيمة، التي دافع عنها الغزالي وأمثاله، حين تكلموا عن التوكل والصبر والخمول، وتابعهم في ذلك مع الأسف علماء هذا الجيل، في غير خجل ولا استحياء!

أنا لا أنكر أن التوكل فضيلة، ولكن أنكر أن يكون معناه الاقتناع بأن الموت من جملة الأرزاق، وإنما التوكل أن تقتحم المصاعب معتمدًا على الله وَعَلَى اللَّـهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ٣ والصبر فضيلة. ولكن على أن يكون صبرًا على الجهاد لا صبرًا على الضيم. والخمول فضيلة. ولكن على معنى أن تقبل على عملك غير حاسب للشهرة حسابًا. فأما ما نقل الغزالي من أن بعض العلماء كان يترك الدرس إذا زاد الطلبة على ثلاثة إيثارًا للخمول، فهي خطة سلبية، وهروب من الواجب، تعالت الأخلاق عما يصفون!
ومن العجيب أن نجد العلماء يضربون الأمثال بزهد النبي وخلفائه، وكان عليهم أن يعرفوا أن الزهد من النبي وخلفائه فضيلة قضت بها الضرورة، وها نحن أولًا نرى بأعيننا كيف تنظر الجماهير إلى ما يملك رؤساء الحكومات نظر المحقق المغيظ، فلا عجب أن يتنبه رسول الله صاحب الخلق العظيم إلى ما فطرت عليه الجماهير من حسد من يملكون زمام الأمور. ولو قضت الظروف إذ ذاك بأن يكون النبي فردًا من جماعة يسوسها غيره، لرأيناه ينمي ثروته، ويسعى جادًّا في استغلال ما يملك من أرض أو مال … على أني أعلم من سيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام ما يدل على أنه كان ينظر إلى الدنيا بعين ملؤها الحب والإعزاز، وحسبنا أن نتلو قول أصدق القائلين: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ٤ فهل ترونه قال: آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنتين أو حسنات؟ أو ليس من جلال الدنيا أن تسوى بالآخرة؟

من أجل هذا ترونني أنكر أن تكون «الأخلاق» في الإسلام معناها الرضا بالموجود وإن قل وهان، ومن أجل هذا عارضت الغزالي بعدما عاشرته في مؤلفاته بضع سنين، فماذا تنقمون مني بعد هذا البيان؟

١  سورة آل عمران: ١٩٣–١٩٤.
٢  نشرت هذه الكلمة في المقطم بتاريخ ٤ يونية سنة ١٩٢٤.
٣  سورة المائدة: ٢٣.
٤  سورة البقرة: ٢٠١.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠