الفصل الثالث

حياته الروحية

ولكن الغزالي لم يستمر على تلك النزعة الجريئة التي أقنعته بأن لا قيمة لغير اليقين، بل اندفع يحدثنا عن شكوك نرجح أنه لم يكن فيها غير صادق، وأخذ يبين أنه اقتنع أولًا بأن اليقين ينحصر في الحسيات والضروريات، ثم رأى أن الحس ليس أهلًا للثقة به، لأنك تنظر إلى الظل فتراه واقفًا غير متحرك وتحكم بنفي الحركة، ثم تعرف بعد ساعة بالتجربة والمشاهدة أنه متحرك، وأنه لم يتحرك دفعة واحدة، بل على التدريج ذرة ذرة حتى لم تكن حالة وقوف، ثم يذكر الغزالي أنه بعد أن بطلت ثقته بالمحسوسات ولى وجهه شطر العقليات التي هي من جنس الأوليات كقولنا العشرة أكثر من الثلاثة، والنفي والإثبات لا يجتمعان في الشيء الواحد، والشيء الواحد لا يكون حادثًا قديمًا، موجودًا معدومًا، واجبًا محالًا. ثم يزعم أن المحسوسات قالت له: بم تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات وقد كنت واثقًا بي فجاء حاكم العقل فكذبني، ولولا أن جاء حاكم العقل لكنت تستمر على تصديقي، فلعل وراء إدراك حاكم العقل حاكمًا آخر إذا تجلى كذب العقل في حكمه، كما تجلى حاكم العقل فكذب الحس في حكمه، وعدم تجلي ذلك الإدراك لا يدل على استحالته؟

وهنا يدخل الغزالي في مضايق من شعاب الحدس والتخمين فيتوهم أنه لا يبعد أن يكون هناك حالة فوق اليقظة التي هي بلا شك أثبت من حالة النوم، وتكون نسبة اليقظة إليها كنسبة النوم إلى اليقظة، ثم يتردد في تعيين هذه الحالة فلا يدري أهي الموت الذي تنكشف به حقائق الأشياء لقوله تعالى: لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ١ أم هي حالة الصوفية: إذ يزعمون أنهم يشاهدون في أحوالهم التي هي لهم أنهم إذا غاصوا في أنفسهم، وغابوا عن أحوالهم وحواسهم، رأوا أحوالًا لا توافق المعقولات؟

ثم يذكر الغزالي أنه عاد إلى قبول الضروريات العقلية، ولكن عودته لم تكن بنظم دليل وترتيب كلام، بل كانت بنور قذفه الله في صدره كما قال.

ونحن لا ننازع الغزالي في أن لله نورًا يقذفه في صدور عباده ولكن نسأله: لم لا تكون الأحكام العقلية قبسًا من ذلك النور؟ ونسأله كذلك: ما هي حالة المرء الذي ينتظر هذا النور الذي تراه فوق البرهان والدليل؟

على أن الذي يعنينا قبل كل شيء: هو أن نسجل أن الغزالي وضع مؤلفاته في الأخلاق وهو على هذه الحال. ونرجح أن حياته الروحية ابتدأت بعد توليه التدريس في مدرسة بغداد، ثم لازمته إلى النهاية، كما ستراه.

١  سورة ق: ٢٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠