الفصل الثاني

منبع الصوفية

وما زال الغزالي يكرع من مناهل الصوفية حتى روي، ثم اندفع يحدث الناس بما يفهمون وما لا يفهمون من أصول السلوك وقد صرح في كتاب الميزان، والأربعين، والإحياء، بحدبه على الصوفية، ورفقه بهم، وإشفاقه عليهم. بل أظهر تبعيته لهم، ونسبته إليهم، ثم أخذ يحن إليهم حنين الغريب إلى دياره!

وانظر قوله في منهاج العابدين:

وإن اللمعة التي تظهر منا الآن ليست إلا ممن بقي على منهاج أسلافنا وشيوخنا المتقدمين كالحارث المحاسبي، ومحمد بن إدريس الشافعي، والمزني، وحرملة، وغيرهم من أئمة الدين، رحمهم الله أجمعين. فهم كما قال القائل:

وما صحبوا الأيام إلا تعففًا
وما وجدوا من حب سيدهم بدا
أفاضل صديقون أهل ولاية
إلى سيد السادات قد جعلوا القصدا
تحلل عقد الصبر من كل صابر
وما حلت الأيام من عقدهم عقدا

وكنا في الصدر الأول ملوكًا فصرنا سوقة، وكنا فرسانًا فصرنا رجالًا، وليتنا لا ننقطع عن الطريق. والله المستعان على المصائب، وهو المسؤول أن لا يسلبنا هذا الرمق، إنه جواد كريم، منان رحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ص٩٦ و٩٧.

فهل رأيت تحرقًا أمر من هذا وألذع؟

أصل التصوف

وهذا التصوف الذي يترسم الغزالي آثار أصحابه ليس في جملته مما تدعو إليه الشريعة الإسلامية، وإنما هو مزيج من عدة مذاهب هندية وفارسية ويونانية، نقلت إلى المسلمين، وصادفت هوى في نفوس الزاهدين منهم، فوسموها اسم الدين، ووضعوا لها على حسابه القواعد والأصول.

ويمكن الحكم بأن ما في التصوف من الدعوة إلى طهارة الباطن، وحب الخير، وبغض الشر، وما إلى ذلك مما يتعلق بخلوص النفس البشرية من خبيث الصفات، يرجع في جوهره إلى روح الإسلام، أما ما يختص بقطع العلائق مع الناس، والتزهيد في الحياة، فهو بعيد عن روح الدين، لأن الإسلام دين فتح وسيطرة، وهو يعد معتنقيه لأن يكونوا سادة، بخلاف التصوف فإنه يلبس أصحابه أرواح العبيد.

أنفاس الصوفية

وإنك لترى الغزالي يحاكي الصوفية في أنفاسهم وخطرات قلوبهم ويسايرهم خطوة خطوة في ذم الناس، وشكوى الزمان، وأظهر ما يكون هذا في ذم الأتقياء المزيفين، وسترى أنه في كتبه الأخلاقية قد أشرب حب من يسميهم علماء الآخرة، حتى ليصف حاله بهذه الأبيات:

ظفر الطالبون واتصل الوصـ
ـل وفاز الأحباب بالأحباب
وبقينا مذبذبين حيارى
بين الوصال والاجتناب
نرتجي القرب بالبعاد وهذا
نفس حال المحال للألباب
فاسقنا منك شربة تذهب الغم
وتهدي إلى طريق الصواب
يا طبيب السقام يا مرهم الجر
ح ويا منقذي من الأوصاب
لست أدري بما أداوي سقامي
وبماذا أفوز يوم الحساب

ومن هنا نراه ينقل كلمات تحتاج إلى قيد من الشريعة، ويسكت عنها لا يقيدها بشيء. وأكثر ما أنكره عليه معاصروه لم يأته إلا من جهة استسلامه للخطرات الوجدانية، التي علقت بنفسه من قراءة كتب التصوف، حين اعتزل الناس في دمشق وبغداد.

على أن النقاد لم يتركوا له هذا الأديم صحيحًا، بل رموه بجهل التصوف، وسلوكه منه في بيداء يضل فيها النسيم، حتى اضطر الزبيدي وغيره إلى أن يثبتوا أنه لم يزد على أن حاكى ما في قوت القلوب والرسالة القشيرية من مختلف الآراء في طرائق السلوك.

قوت القلوب

وأهم الكتب التي تأثر بها الغزالي من بين كتب الصوفية كتاب «قوت القلوب، في معاملة المحبوب» تأليف أبي طالب المكي المتوفى سنة ست وثمانين وثلاثمائة ببغداد ولا يوجد الآن في الأسواق، ومنه نسخة مطبوعة بدار الكتب المصرية نمرة ٢٦٧٧٢ وهو في مجلدين، يقع الأول منهما في ٢٧٠ صفحة والثاني في ٢٩٧.

ويعد هذا الكتاب بحق مصدرًا لكتاب الإحياء، ويكفي أن تقرأ باب التوكل مثلًا في الكتابين لتعرف أنهما يسيران في طريق واحد، إلى غاية واحدة، حتى لتجدهما يتفقان غالبًا في الشواهد من الآيات والأحاديث والأخبار. ويمكن الجزم بأن الغزالي أودع كتاب الإحياء كل ما صح لديه، وحسن عنده، من كتاب قوت القلوب، وإن لم يشر إلى ذلك، وربما ستر هذا بتغيير العناوين. فإذا قال أبو طالب المكي: (ذكر حكم المتوكل إذا كان ذا بيت) قال هو: (بيان آداب المتوكلين إذا سرق متاعهم). وربما وضع عنوانًا لمسألة لم تعنون في قوت القلوب، وقد يضع صاحب القوت مسألة تحت عنوان، فيأتي الغزالي ويدمجها في كلامه، فيخيل إلى القارئ أنها له، ولولا خشية الإطالة لضربنا لذلك الأمثال.

وقد كان قوت القلوب وإحياء علوم الدين موضع رعاية الصوفية على السواء فيما سلف من الأيام. وينقلون عن أبي الحسن الشاذلي أنه قال: كتاب الإحياء يورثك العلم، وكتاب القوت يورثك النور. ولهذا القول وجه من الصواب، فإنك تجد الإسهاب والتفصيل في الإحياء، وتجد الدقة وروعة الإخلاص في القوت، ويمتاز كتاب القوت فيما نرى بحرص مؤلفه واحتياطه فيما يتعلق بمذاهب الصوفية، وبجمال لغته، بخلاف الإحياء، فإنه يغرب في التصوف، وحظ أسلوبه من الدقة قليل.

الرسالة القشيرية

هي رسالة في التصوف لأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري المتوفى في ١٦ ربيع الآخر سنة ٤٦٥هـ. وهي تقع في ١٨٦ صفحة. ولها شرح مخطوط بدار الكتب المصرية تأليف شيخ الإسلام زكريا الأنصاري ويسمى هذا الشرح: «أحكام الدلالة في شرح الرسالة».

وقد كتب القشيري رسالته هذه: «إلى جماعة الصوفية ببلدان الإسلام في سنة سبع وثلاثين وأربعمائة» كما قال في المقدمة فهي إذن منشور عام لإصلاح المتصوفة في ذاك الحين، وقد ابتدأها بصرخة تشبه التي نقلناها للغزالي من منهاج العابدين، فهو يقول: «اعلموا رحمكم الله أن المحقين من هذه الطائفة انقرض أكثرهم، ولم يبق في زماننا هذا من هذه الطائفة إلا أثرهم، كما قيل:

أما الخيام فإنها كخيامهم
وأرى نساء الحي غير نسائها

حصلت الفترة في هذه الطريقة، بل اندرست بالحقيقة … إلخ».

وقد شرح القشيري في بداية هذه الرسالة اعتقاد طائفة الصوفية في مسائل الأصول في التوحيد، ثم ذكر تراجم اثنين وثمانين من مشايخ الصوفية بإيجاز، ثم فسر الألفاظ التي تدور بين هذه الطائفة، وبين ما يشكل فيها على المريدين، كالوقت، والمقام، والحال، والقبض، والبسط، والتواجد، والوجد، والوجود، إلى آخر ما قال.

ثم وضع عدة أبواب في المجاهدة، والخلوة، والعزلة، والمراقبة، والصبر، والشكر، والخوف، والرجاء، وما إلى ذلك مما يهم السالكين.

وتمتاز هذه الرسالة بكثرة النقل عن المتقدمين من شيوخ الطريق، وقد صدق الزبيدي فيما رآه من أن الغزالي اعتمد عليها عند تأليف الإحياء، وإن كانت النسبة بين الكتابين بعيدة من جهة المادة، ومن السهل أن يثبت الإنسان أثر هذه الرسالة في أكثر أبواب الإحياء، وما أدري لِمَ لَمْ يشهد الغزالي بذكر مؤلفها ومؤلف قوت القلوب، مع أن فضلهما عليه كبير!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠