الفصل الأول

الخير والشر

العمل الذي يجب أن يعمل، أو يحسن أن يعمل، هو الخير والعمل الذي يجب أن لا يعمل، أو ينبغي أن لا يعمل، هو الشر؛ فللخير درجات، وللشر درجات.

هذه لغة اليوم. أما الغزالي فكان تارة يسمي ما يجب أن يعمل واجبًا، وما يحسن أن يعمل مستحبًّا، وما يجب أن لا يعمل حرامًا وما ينبغي أن لا يعمل مكروهًا وما عدا أولئك فهو مباح.

وكان تارة أخرى يقسم الأفعال إلى: حرام، وواجب، ومباح. أما الحرام فهو المقول فيه: اتركوه ولا تفعلوه. وأما الواجب فهو المقول فيه: افعلوه ولا تتركوه. وأما المباح فهو المقول فيه: إن شئتم فافعلوه وإن شئتم فاتركوه.

الحسن والقبيح

وربما قسم العمل إلى: حسن، وقبيح، ومباح، وإليك إجمال ما فصله في كتابه «المستصفى في الأصول».

هناك اصطلاحات ثلاثة مختلفة في إطلاق لفظ الحسن والقبيح:
  • الأول: إن الأفعال تنقسم إلى ما يوافق غرض الفاعل، وإلى ما يخالفه، فالموافق يسمى حسنًا، والمخالف يسمى قبيحًا، والثالث يسمى عبثًا.
  • الثاني: الحسن ما حسنه الشرع بالثناء على فاعله. ويقول الغزالي: يكون المأمور به شرعًا، ندبًا كان أو إيجابًا، حسنًا، والمباح لا يكون حسنًا.
  • الثالث: الحسن ما لفاعله أن يفعله، فيكون المباح حسنًا مع المأمورات.

والمقصود من هذه الاصطلاحات الثلاثة هو ما حسنه الشرع أو قبحه. وهنا يجزم الغزالي بأن العمل لا يكون حسنًا لذاته، ولا قبيحًا لذاته، فيخالف المعتزلة الذين يقولون بأن من الأعمال ما يدرك حسنه بضرورة العقل، كإنقاذ الغرقى والهلكى. ومعرفة حسن الصدق، ومنها ما يدرك قبحه بضرورة العقل: كالكفران وإيلام البريء، والكذب الذي لا غرض فيه.

ويحتج المعتزلة لذلك: بأننا نعلم قطعًا أن من استوى عنده الصدق والكذب آثر الصدق، ومال إليه إن كان عاقلًا، وليس ذلك إلا لحسنه. وإن القوي إذا رأى ضعيفًا مشرفًا على الهلاك يميل إلى إنقاذه، وإن كان لا يعتقد أصل الدين فينتظر ثوابًا، ولا يوافق ذلك غرضه، فقد يتعب به، بل يحكم العقلاء بحسن الصبر على السيف إذا أكره المرء إفشاء السر أو نقض العهد.

ويجيب الغزالي: بأنه لا ينكر اشتهار هذه القضايا بين الخلق وكونها محمودة، ولكنه يصر على أن مستندها: إما التدين بالشرائع وإما الأغراض.

مثارات الغلط

ولكن الأغراض قد تدق، فلا يتنبه لها إلا المحققون، من أجل ذلك نبه على مثارات الغلط، وهي ثلاثة:
  • الأول: إن الإنسان يطلق اسم القبح على ما يخالف غرضه، وإن كان يوافق غرض غيره. فإن كل طبع مشغوف بنفسه، فيقضي بالقبح مطلقًا، وربما يضيف القبح إلى ذات الشيء، فيكون قد قضى بأمور ثلاثة، هو مصيب في واحد منها، وهو أصل الاستقباح، ومخطئ في أمرين؛ أحدهما: إضافة القبح إلى ذاته، إذ غفل عن كونه قبيحًا لمخالفته غرضه، والثاني: حكمه بالقبح مطلقًا، ومنشؤه عدم الالتفات إلى غيره بل عدم الالتفات إلى أحوال نفسه، فإنه قد يستحسن في بعض الأحوال عين ما يستقبحه إذا اختلف الغرض.
  • الثاني: ما هو مخالف للغرض في جميع الأحوال، إلا في حالة واحدة نادرة، قد لا يلتفت إليها الوهم، بل لا تخطر بالبال، فيراه مخالفًا في جميع الأحوال، فيقضي بالقبح مطلقًا، لاستيلاء أحوال قبحه على قلبه، وذهاب الحالة النادرة عن ذكره.
  • الثالث: سبق الوهم إلى العكس، فإن ما يرى مقرونًا بالشيء يظن أن الشيء أيضًا مقرون به مطلقًا لا محالة، ومثاله نفرة من نهشته الحية من الحبل المبرقش اللون، لأنه وجد الأذى مقرونًا بهذه الصورة فتوهم أن هذه الصورة مقرونة بالأذى، فإن الوهم عظيم الاستيلاء على النفس، ولذلك ينفر طبع الإنسان من المبيت في بيت فيه ميت، مع قطعه بأنه لا يتحرك، ولكنه يتوهم في كل ساعة حركته ونطقه.

نقض حجة المعتزلة

وبعد أن بين الغزالي هذه المثارات أخذ يناقش ما احتج به المعتزلة وهو يرى أن الإنقاذ إنما يترجح على الإهمال في حق من لا يعتقد الشرائع، لدفع الأذى الذي يلحق الإنسان من رقة الجنسية، وهو طبع يستحيل الانفكاك عنه، وسببه أن الإنسان يقدر نفسه في تلك البلية ويقدر غيره معرضًا عنه وعن إنقاذه، فيستقبحه منه بمخالفة غرضه ويعود فيقدر ذلك الاستقباح من المشرف على الهلاك في حق نفسه فيدفع عن نفسه ذلك القبح المتوهم، فإن فرض في بهيمة أو في شخص لا رقة فيه، فهو بعيد تصوره. ويبقى أمر آخر: هو طلب الثناء على إحسانه، فإن فرض حيث لا يعلم أنه المنقذ، فقد يتوقع أن يعلم فيكون ذلك التوقع باعثًا. فإن فرض في موضع يستحيل أن يعلم، فقد يبقى في النفس ميل يضاهي نفرة طبع الملدوغ من الحبل المبرقش، وذلك أنه رأى هذه الصورة مقرونة بالثناء فظن أن الثناء مقرون لها على كل حال، والمقرون باللذيذ لذيذ، كما أن المقرون بالمكروه مكروه.

بل الإنسان إذا جالس من عشقه في مكان، فإنه يحس من نفسه بتفرقة بين ذلك المكان وغيره، إذا انتهى إليه. ولذلك قال الشاعر:

أمر على الديار ديار ليلى
أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي
ولكن حب من سكن الديارا

وقال ابن الرومي:

وحبب أوطان الرجال إليهم
مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرت لهم
عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا

وكذلك إخفاء السر، وحفظ العهد. إنما تواصى بهما الناس لما فيهما من المصالح. فمن يحتمل في سبيلهما الضرر فإنما يحتمله لأجل الثناء، فإن فرض حيث لا ثناء، فقد وجد مقرونًا بالثناء، فيميل الوهم إلى المقرون باللذيذ وإن كان خاليًا عنه.

تحرير هذا البحث

هذه خلاصة ما يراه الغزالي في تأييد أهل السنة، وتخطئة المعتزلة. وتكون النتيجة على رأي أهل السنة أنه لا حسن ولا قبح قبل ورود الشرع، وأنه لا ثواب ولا عقاب قبل ورود الشرع، وهذا الرأي خطأ من وجهين:
  • الأول: مخالفته لجوهر الشريعة، فإن الشريعة إنما جاءت لهداية الناس، ولا معنى للهداية غير إرشادهم إلى ما حسن أو قبح من الأفعال ليفعلوا الحسن، ويجتنبوا القبيح. ولو كانت الأعمال خالصة في ذاتها من صفة الحسن والقبح، لما كانت هناك حاجة إلى الشرائع، ولكان خيرًا للناس أن لا يحملوا أعباء التكاليف.
  • الثاني: استهانته بالشخصية الإنسانية، فإنه إذا صح أن لا حكم للعقل قبل ورود الشرع، فإن معنى ذلك أن الشخصية الإنسانية لا تصلح لفهم حقائق الأشياء، وما أدري كيف صلحت بعد ذلك لحمل أمانة الدين الحنيف؟
والواقع أن الأشاعرة يجنون على العقل حين يحكمون بأن التحسين والتقبيح لا يكونان إلا بالشرع، فالزنا عندهم قبيح، لا لضرره كما يحكم بذلك العقل، بل لأن الشرع حكم بقبحه، وعلى ذلك لو حكم الشرع بحسن الزنا لكان حسنًا، ولوجد الأشاعرة من أوجه المغالطة ما يثبتون به أنه حسن، ولهذا الرأي نتيجة من أسوأ النتئاج، وهي الركون إلى ما وقع في الشرائع من الأغلاط، فقد يندر أن تجد شريعة لم تمتد إليها يد التحريف، فإذا شئت أن تتحاكم إلى العقل لتنقي الشرائع من أوشاب المسخ والتشويه، وقف في وجهك الجهال باسم الدين، وقالوا ما لنا وللعقل؟ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ!١

الضار والنافع

لا يفرق الغزالي بين كلمة شر وكلمة ضار، كما يفعل علماء الأخلاق، فمن الواضح أني قد أعمل عملًا ضارًّا ولكنه غير شر، إذا حسنت النية، وخفي وجه الصواب.

لكن العمل الضار شر مطلقًا عند الغزالي، لأن القاعدة عنده أن العمل ليس شرًّا إلا لأنه ضار، وليس خيرًا إلا لأنه نافع نعرف هذا من قوله في ص١٣٩ ج٣ إحياء: «إن الكذب ليس حرامًا لعينه، بل لما فيه من الضرر على المخاطب أو على غيره.» ونعرفه كذلك من تقسيمه الحرام إلى ما حرم لصفة في عينه، وما حرم لخلل في إثبات اليد عليه: فلا يحرم من المعادن إلا ما يضر بالآكل، ولا يحرم من النبات إلا ما يزيل العقل، أو يضعف الصحة، أو يزيل الحياة، ولا يحرم السم إذا خرج عن كونه مضرًّا، لقلته، أو لعجنه بغيره. وحرمة المال المغصوب ظاهرة لأن الغصب إيذاء للغير، والإيذاء ضرر.

وإنما كان الضار شرًّا على كل حال، لأن الحاكم بالخير أو الشر هو الشرع. وعلم الشريعة فرض على كل مسلم، والجاهل لا عذر له إلا إذا كان حديث عهد بالإسلام، وهو عذر ضيق محدود، لا يوجد إلا في بعض الأحوال.»

العمل والاعتقاد

ولكن إذا غلب المرء على أمره، فاعتقد أن الشر خير، ثم عمل بمقتضى اعتقاده، فماذا عسى أن يكون في رأي الغزالي؟

يظهر لمن تأمل مؤلفاته: أنه يفرق بين الخير في العمل، والخير في الاعتقاد، إذ يراه في ص٤٧ من الجزء الثالث من الإحياء:

إذا حكم قلب المفتي بإيجاب شيء، وكان مخطئًا فيه، صار مثابًا عليه. بل من ظن أنه تطهر فعليه أن يصلي. فإن صلى ثم تذكر أنه لم يتوضأ كان له ثواب بفعله، فإن تذكر ثم تركه كان معاقبًا عليه، ومن وجد في فراشه امرأة فظن أنها زوجته لم يعص بوطئها، وإن كانت أجنبية فإن ظن أنها أجنبية، ثم وطئها، عصى بوطئها وإن كانت زوجته.

ويراه يقول في ص١١ من كتابه «المنقذ من الضلال»: «والطبيعيون قوم أكثروا بحثهم عن عالم الطبيعة وعن عجائب الحيوان والنبات. وأكثروا الخوض في علم تشريح أعضاء الحيوان فرأوا فيها من عجائب صنع الله وبدائع حكمته ما اضطروا معه إلى الاعتراف بفاطر حكيم مطلع على غايات الأمور، ولا يطالع التشريح وعجائب منافع الأعضاء مطالع، ألا ويحصل له هذا العلم الضرروي بكمال تدبير الباني لبنية الحيوان، ولا سيما الإنسان. إلا أن هؤلاء لكثرة بحثهم عن الطبيعة ظهر عندهم لاعتدال المزاج تأثير عظيم في قوى الحيوان، فظنوا أن القوة العاقلة من الإنسان تابعة لمزاجه أيضًا، وأنها تبطل ببطلان مزاجه، فتنعدم. ثم إذا انعدمت فلا يعقل إعادة المعدوم كما زعموا فذهبوا إلى أن النفس تموت ولا تعود، فجحدوا بالآخرة. وهؤلاء أيضًا زنادقة. لأن أصل الإيمان هو الإيمان بالله وبالرسول واليوم الآخر، وهؤلاء جحدوا اليوم الآخر وإن آمنوا بالله وبصفاته».

وتهافت الغزالي في هذا الحكم واضح، فقد قرر أن من يطالع التشريح وعجائب منافع الأعضاء يحصل له العلم الضروري بكمال تدبير الباني لبنية الحيوان والإنسان، فهو إذن أقوى إيمانًا وأرسخ عقيدة ممن لم يطالع التشريح. ولكن الباحث في منافع الأعضاء مضطر إلى أن يؤمن بأثر المزاج فيما يعتري النفس من قوة وضعف، وهو بالتالي مضطر إلى الإيمان بأن النفس تموت. وإذن فهو زنديق فيما يرى الغزالي! وكيف ذلك والغزالي يرى أن من وجد على فراشه امرأة فظن أنها زوجته لم يعص بوطئها وإن كانت أجنبية!؟

لقد صرح الغزالي في عدة مواطن من كتبه، بأن من حمل على شرب الخمر لا يحد، وصرح في ميزان العمل بأن الأمزجة تشكل الأخلاق؛ فهو يرى الاختيار شرطًا للمؤاخذة، كما أوضح ذلك حين تكلم عن حديث النفس في الجزء الثالث من الإحياء، فكيف يحكم بكفر الرجل العالم الذي أقنعه العلم مثلًا بأن النفس تموت؟ أيرى الغزالي أن من المحرم شرعًا أن يدرس التشريح؟ وإذا كانت الشريعة تدعو إلى تحكيم العقل كما نطق بذلك القرآن، أفليس معنى ذلك أنه ليس للشريعة أن تضع بنفسها نتيجة ذلك التحكيم، وإلا كان إيمانًا بقوة الحديد؟

الحق أن الغزالي مال كثيرًا إلى ترضية العامة حين بحث صحة الإيمان، حتى رأيناه يذكر أن المرء قد يتكلم بما هو كفر وهو لا يدري!

وما أغرب قوله في كتابه المنقذ من الضلال: «ثم رد أرسططاليس على أفلاطون وسقراط ومن كان قبلهم من الإلهيين، ردًّا لم يقصر فيه حتى تبرأ من جميعهم، إلا أنه استقى أيضًا من رذائل كفرهم بقايا لم يوفق للنزوع منها. فوجب تكفيره، وتكفير متبعيه، من المتفلسفة الإسلاميين: كابن سينا والفارابي، وأمثالهم».

والغزالي الذي أسرف هذا الإسراف في الحكم على الإيمان وفق كل التوفيق حين دعا إلى حسن الظن بالناس. وانظر ما قاله في تحريم الغيبة بالقلب «ليس لك أن تعتقد في غيرك سوءًا إلا إذا انكشف لك بعيان لا يقبل التأويل … حتى إن من استنكه فوجد منه رائحة الخمر لا يجوز أن يحد، إذ يقال يمكن أن يكون قد تمضمض بها ومجها وما شربها، أو حمل على الشرب قهرًا. فكل ذلك لا محالة دلالة محتملة فلا يجوز تصديقها بالقلب، وإساءة الظن بالمسلم بها».

وعندي أن الرجل لا يكفر إلا إذا عرف الحق وعاند، فأي فليسوف رأى رأيًا شاذًّا عن حسن قصد فهو ناج، ولو كان رأيه يخالف الدين مخالفة صريحة. فكان من الحق على الغزالي أن يقيم الأدلة على ما عند ابن سينا والفارابي من العناد، وسنعود إلى تفصيل هذا الرأي في غير هذا الباب.

مقياس الخير والشر

ومع أن الغزالي قرر أن لا دخل للعقل في حسن العلم وقبحه وإنما الأمر في ذلك للشرع، فقد رأيناه يقيس العمل بمقياس العقل والشرع معًا، حين يريد أن يحكم: أخير هو أم شر. فالعمل خير إذا وافق العقل والشرع، وشر إذا خالف العقل والشرع.

ولم يفرد الغزالي بابًا لهذا البحث، ولكنه نوه بمدلوله في مواطن كثيرة، فقد جاء في ص٨١ من ميزان العمل في تعريف السخاء ما نصه: «هو أن يتيسر عليك بذل ما يقتضي الشرع والعقل بذله عن طوع ورغبة ويتيسر عليك إمساك ما يقتضي الشرع والعقل إمساكه عن طوع ورغبة.» وجاء في ص١٣٦ من هذا الكتاب ما نصه: «وعماد عفة الجوارح كلها أن لا يطلقها في شيء مما يختص بها إلا فيما يسوغه العقل والشرع وعلى الحد الذي يسوغه.» وقال في ص٥٧ من الجزء الثالث من الإحياء: «وأما قوة العدل فهو ضبط الشهوة والغضب تحت إشارة العقل والشرع.» وقال في وصف العمل الصالح: «وذلك بأن يكون موزونًا بميزان العقل والشرع» ص٢٢ ج٣ إحياء.

إغفال الغزالي لهذا المقياس

هكذا يقاس الخير والشر بمقياس العقل والشرع فيما يرى الغزالي. ولكن ما هو الشرع؟ وما هو العقل؟

إن الغزالي نفسه وضع في الأخلاق أحكامًا لا نظنها تستند على عقل أو دين! ولنضرب مثلًا بما وضعه لنظام الطعام. جاء في الميزان ص١٨٤ ما نصه: «وأما المطعم هو الأصل العظيم. إذ المعدة مفتاح الخيرات والشرور، ولهذا أيضًا ثلاث مراتب: أدناها قدر الضرورة وهو ما يسد الرمق ويبقى معه البدن، وقوة العبادة وذلك يمكن تقليله بالعادة تارة بتقليل الطعام شيئًا فشيئًا حتى يتعود الصبر عنه عشرة أيام وعشرين. وقد انتهى الزهاد في القدر كل يوم إلى حمصة وبعضهم في الوقت إلى عشرين يومًا وقيل أربعين. وهذه رتبة عظيمة يقل من يستقل بها.» وقد أطال القول في فضائل الجوع في الربع الثالث من الإحياء حتى قال: «روي أن عيسى عليه السلام مكث يناجي ربه ستين صباحًا لم يأكل فخطر بباله الخبز فانقطع عن المناجاة، فإذا رغيف موضوع بين يديه فجلس يبكي على فقد المناجاة، وإذا شيخ قد أظله، فقال له عيسى: بارك الله فيك يا ولي الله، ادع الله تعالى لي، فإني كنت في حالة فخطر ببالي الخبز فانقطعت عني! فقال الشيخ: اللهم إن كنت تعلم أن الخبز خطر ببالي منذ عرفتك فلا تغفر لي! بل كان إذا خطر لي شيء أكلته من غير فكر ولا خاطر!».

وقال أيضًا: «الفائدة السابعة من فوائد الجوع: تيسير المواظبة على العبادة، فإن الأكل يمنع كثرة العبادات لأنه يحتاج إلى زمان يشتغل فيه بالأكل، وربما يحتاج إلى زمان في شراء الطعام وطبخه، ثم يحتاج إلى غسل البدن والخلال، ثم يكثر ترداده إلى بيت الماء لكثرة شربه والأوقات المصروفة إلى هذا لو صرفها إلى الذكر والمناجاة وسائر العبادات لكثر ربحه».

ففي الكلمة الأولى نراه يدعو إلى تقليل كمية الطعام حتى تصل إلى حمصة، وتطويل المدة حتى تصل إلى عشرين يومًا أو أربعين، ثم يعد هذه الرياضة رتبة عظيمة. فيا ليت شعري، أيرضى بذلك العقل، وهو لا يرضى بأقل من أن يكون المرء حيًّا، فيه فضائل الحياة من قوة ونشاط؟ أم يرضى بذلك الشرع، وهو لا يرضى بأقل من أن يكون الرجل جنديًّا يضرب في الأرض، ويحرس الثغور، ويرعب القوم الكافرين؟

وفي الكلمة الثانية يصف عيسى بما لا ينبغي أن يوصف به الأنبياء، وإلا فكيف ينبغي لنبي أن يناجي ربه ستين صباحًا بلا طعام وهو مسؤول عن الدعوة إلى دينه، وقلما ينجح في الدعوة ضعيف؟ هذه جرأة في وصف الأنبياء والمرسلين، فما أحسبهم إلا رجالًا أشداء تمت لهم صفات الفتوة والرجولة، أما هذه الرهبنة التي تصورها الغزالي فلا تنتج غير الضعف والخمول، وما كان الأنبياء كسالى ولا واهنين.

وفي الكلمة الثالثة يستكثر على المريد أن يضيع وقتًا في شراء الطعام وطبخه، ثم غسل يده، وتخليل أسنانه، وما أدري كيف يسير الناس، إذا قاسوا الخير والشر بهذا المقياس!

الواقع أن الغزالي وضع مؤلفاته في الأخلاق مشربة بنزعة صوفية بل صرح بأن مدار أكثر كتابه الميزان على مذهب التصوف. والتصوف ليس مذهب الأحياء، ولكنه مذهب الأموات. وما ظنك بمذهب يجيز للغزالي أن يصور للنظر للمستقبل بهذه الصورة المنكرة حين يقول: «وأرفع الدرجات درجة من لا يلتفت إلى غده ويقصر همته على يومه ويومه على ساعته، وساعته على نفسه، وقدر نفسه كل لحظة مرتحلًا من الدنيا أو مستعدًّا للارتحال».

وما أظن أمة تفهم الأخلاق هذا الفهم، ثم تقدر على الجلاد في عالم الأحياء. ولم يبعد من وصف الأخلاق في رأي الغزالي بأنها أخلاق العبيد!

١  سورة الزخرف: ٢٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠