الفصل الخامس

هل تورث الأخلاق

قرر الغزالي حين تكلم في التربية أن قلب الطفل «جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش وصورة. وهو قابل لكل ما ينقش عليه، ومائل إلى كل ما يمال به إليه. فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه، وسعد في الدنيا والآخرة. وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك.» ص٧٧ ج٣.

وهذا يدل على أن الغزالي يرى أن الفطرة الإنسانية قابلة لكل شيء، وأنه ليس لها قبل التربية أي لون؛ فالخير إذن يُكسب بالتربية، والشر يُكسب بالتربية. وليس للإنسان بفطرته ميل خاص: لا إلى الشر، ولا إلى الخير، وإنما يسعد أو يشقى بما يقدم إليه أبواه ومعلموه.

ويؤيد هذا قوله في تهذيب الأخلاق: «وكما أن الغالب على أصل المزاج الاعتدال، وإنما تعتري المعدة بعوارض الأغذية والأهوية والأحوال، فكذلك كل مولود يولد معتدلًا صحيح الفطرة، وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه أي بالاعتياد والتعليم تكتسب الرذائل. وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملًا، وإنما يكمل ويقوى بالنشوء والتربية والغذاء، فكذلك النفس تخلق ناقصة قابلة للكمال، وإنما تكمل بالتربية وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم.» ص٦٤ ج٣.

ولكنا نجد الغزالي يقرر في ص١٢٧ من «الميزان» أن النسب الديني أمارة الديانة وحسن الخلق، لأن العرق نزاع. ونجده كذلك يحض في تربية الطفل على أن تكون المرضع امرأة صالحة متدينة تأكل الحلال «فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه، إذا وقع عليه نشوء الصبي انعجنت طينته من الخبث، فيميل طبعه إلى ما يناسب الخبائث» ص٧٧ ج٣.

وهذا صريح في الحكم بوراثة الأخلاق، إذ لا يمكن أن تعتبر الرضاعة نوعًا من الأدب والتدريب، إذ كانت تسبق الإدراك والتمييز. يضاف إلى هذا أنه يقرر أن الطفل قد يشاهد عليه الميل إلى الحياء، وإنه يجب استغلال هذه الغريزة فيه. ومن الواضح أنه لو كانت الفطرة جميعًا خالصة من كل الميول، لكان واجبًا أن يغرس الحياء في الطفل بالتربية والرياضة. لا أن ينمى، إذ لا ينمى غير الموجود.

ومما تقدم نرى للغزالي رأيين مختلفين في وراثة الأخلاق؛ فهو حين يقرر أن قلب الطفل جوهرة ساذجة خالية من كل نقش، وقابلة لكل صورة، يحكم بأن الأخلاق لا تورث. وحين يدعو إلى أن ترضع الطفل امرأة متدينة يحكم بأنها تورث؛ فهل يمكن رفع ما بين هذين الأمرين من ظاهر الخلاف؟

تحرير هذا البحث

الواقع أن الغزالي لم يعن بهذا البحث، لذلك كان كلامه فيه متناقضًا، غير محدود. ولو أنه عني به عناية خاصة لبين لنا أن الأخلاق تورث، وأن هذه الوراثة لا تمنع من قبول الطفل لكل صورة. فالفطرة البشرية صالحة لكل غرس، لأن الأخلاق التي يرثها الطفل من أبويه تولد معه ضعيفة ميسورة الاقتلاع، بل الكهول يقدرون على استئصال رذائلهم بالرياضة والمجاهدة، والطباع التي يرثها المرء من أبويه لا تعاوده إلا عند خمود مزاياه التي كسبها بنصح أساتذته، أو تأثير بيئة صالحة ساقته إليها الأقدار.

إذن لا تناقض في كلام الغزالي إلا من حيث الظاهر، فهو يقول بوراثة الأخلاق في ثنايا آرائه المبعثرة هنا وهناك، وإن كان يجعل للتربية السلطان الأكبر في تكوين النفوس.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠