الفصل السادس

آفات اللسان

وقد رأى الغزالي أن اللسان كثير العثرات، ولا بد للمرء من ضبطه، فبسط القول في آفاته، وكتب في ذلك نحو خمسين صفحة، بين فيها حدود تلك الآفات، وأسبابها، وغوائلها، وطريق الاحتراز عنها.

وقد مهد لآفات اللسان بكلمة مطولة حض فيها على الصمت، ثم قال في تبرير ما دعا إليه من الإخلاد إلى السكوت: «فإن قلت: فهذا الفضل الكبير للصمت ما سببه؟ فاعلم أن سببه كثرة آفات اللسان من الخطأ، والكذب، والغيبة، والنميمة، والرياء، والنفاق، والفحش، والمراء، وتزكية النفس والخوض في الباطل، والخصومة، والفضول، والتحريف، والزيادة، والنقصان، وإيذاء الخلق، وهتك العورات.

فهذه آفات كثيرة، وهي سباقة إلى اللسان لا تثقل عليه، ولها حلاوة في القلب، وعليها بواعث من الطبع، ومن الشيطان. والخائض فيها قلما يقدر أن يمسك اللسان فيطلقه بما يحب، ويمسكه ويكف عما لا يحب، فإن ذلك من غوامض الكلم».

ثم خشي أن يرميه القارئ بالإسراف فقال: «ويدلك على فضل لزوم الصمت أمر: وهو أن الكلام أربعة أقسام: قسم هو ضرر محض، وقسم هو نفع محض، وقسم فيه ضرر ومنفعة، وقسم ليس فيه ضرر ولا منفعة. أما الذي هو ضرر محض فلا بد من السكوت عنه وكذلك ما فيه من ضرر ومنفعة لا تفي بالضرر. وأما ما لا منفعة فيه ولا ضرر فهو فضول، والاشتغال به تضييع زمان، وهو عين الخسران.

فلم يبق إلا القسم الرابع، فقد سقط ثلاثة أرباع الكلام. وبقي ربع، وهذا الربع فيه خطر إذ يمتزج بما فيه إثم من دقائق الرياء، والتصنع، والغيبة، وتزكية النفس، وفضول الكلام، امتزاجًا يخفي دركه، فيكون الإنسان به مخاطرًا».١

وهذا من الغزالي إغراق في حب السلامة. ونحن ذاكرون خلاصة هذه الآفات، لنعرف رأيه في طبائع الأفراد.

الكلام فيما لا يعني

أما الآفة الأولى: فهي الكلام فيما لا يعني، وحده — كما قال الغزالي— أن تتكلم بكل ما لو سكت عنه لم تأثم، ولم تستضر به في حال أو مآل، ومن أمثلته فيما يرى أن يذكر المرء أسفاره وما رأى فيها من جبال وأنهار، وما وقع له فيها من الوقائع وما استحسنه من الأطعمة والثياب، وما تعجب منه من مشايخ البلاد وحوادثهم.

ولم ينتبه الغزالي لخطر هذا المثال. فإن الكلام عن الأسفار والرحلات من الأمور ذوات البال، والتحدث عن طبائع البلاد وأخلاق الناس من المستحسنات. ونحن مدينون بما نعلم من عادات الأمم وأخلاقها إلى هؤلاء الذين يتحدثون بما لا يعنيهم فيقصون علينا ما رأوا في أسفارهم من الجبال، والأنهار، والأطعمة والثياب، وإن عد الغزالي حديثهم ولو احترزوا تضييعًا للزمان.

ومما أصاب في عده مما لا يعني أن ترى إنسانًا في الطريق فتقول من أين؟ فربما يمنعه مانع من ذكره، فإن ذكر تأذى به واستحيا، وإن لم يصدق وقع في الكذب وكنت السبب فيه. وكذلك سؤالك أمرءًا عن المعاصي، وعن كل ما يخفيه ويستحي منه، وسؤالك عما حدث به غيرك.

والباعث على هذه الآفة — فيما يرى — هو الحرص على معرفة ما لا حاجة به إليه، أو المباسطة بالكلام على سبيل التودد، أو تزجية الأوقات بحكايات أحوال لا فائدة فيها.

وأما علاج ذلك فهو أن يعلم أن الموت بين يديه، وأنه مسؤول عن كل كلمة، وأن أنفاسه رأس ماله، وأن لسانه شبكة يقدر على أن يقتنص بها الحور العين، فإهماله ذلك وتضييعه خسران مبين.

يقول الغزالي: «هذا علاجه من حيث العلم، وأما من حيث العمل فالعزلة، وأن يضع حصاة في فيه، وأن يلزم نفسه السكوت عن بعض ما يعنيه، حتى يعتاد اللسان ترك ما لا يعنيه»٢ (؟!).

فضول الكلام

أما الآفة الثانية: فهي فضول الكلام. وهو يتناول الخوض فيما لا يعني، والزيادة فيما يعني على قدر الحاجة. فإن من يعنيه أمر يمكنه أن يذكره بكلام مختصر، ويمكنه أن يجسمه ويقرره ويكرره. قال الغزالي: «ومما تأدى مقصوده بكلمة واحدة فذكر كلمتين، فالثانية فضول وهو مذموم وإن لم يكن فيه إثم ولا ضرر».٣

وسبب هذه الآفة وعلاجها مماثلان لسبب وعلاج الكلام فيما لا يعني.

الخوض في الباطل

وأما الآفة الثالثة: فهي الخوض في الباطل. وعد الغزالي منه حكاية أحوال النساء ومجالس الخمر، ومقامات الفساق، وتنعم الأغنياء، وتجبر الملوك، ومراسمهم المذمومة وأحوالهم المكروهة، وقرر أن مثل هذا لا يحل الخوض فيه وهو حرام، بخلاف الكلام فيما لا يعني أو أكثر مما يعني فهو ترك الأولى. ويدخل الغزالي في هذا الباب الخوض في حكاية البدع والمذاهب الفاسدة، وحكاية ما جرى من قتال الصحابة على وجه يوهم الطعن في بعضهم. ثم قال: «وأنواع الباطل لا يمكن حصرها لكثرتها وتفننها لذلك لا مخلص منها إلا بالاقتصار على ما يعني من مهمات الدين والدنيا».٤

المراء والجدال

أما الآفة الرابعة فهي المراء والجدال. والمراء كما حدده الغزالي «هو كل اعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه. إما في اللفظ، وإما في المعنى، وإما في قصد المتكلم».

وترك المراء فيما يرى يكون بترك الإنكار والاعتراض، فكل كلام سمعه المرء صدق به إن كان حقًّا، وسكت عنه إن كان باطلًا أو كذبًا. ولم يكن متعلقًا بأمور الدين. وليس له أن يطعن في كلام غيره بإظهار خلل فيه من جهة النحو أو من جهة اللغة، أو من جهة النظم والترتيب، أو من جهة المعنى، أو من جهة القصد: كأن يقول هذا كلام حق، ولكن ليس قصدك منه الحق، وإنما أنت فيه صاحب غرض. يقول الغزالي: «وهذا الجنس إن جرى في مسألة علمية ربما خص باسم الجدل. وهو أيضًا مذموم، بل الواجب السكوت أو السؤال في معرض الاستفادة لا على وجه العناد. أو التلطف في التعريف لا في معرض الطعن».

«وأما المجادلة فعبارة عن قصد إفحام الغير، وتعجيزه، وتنقيصه بالقدح في كلامه، ونسبته إلى القصور والجهل فيه».

والباعث على المراء والجدال فيما يرى الغزالي هو الترفع بإظهار العلم والفضل، والتهجم على الغير بإظهار نقصه، وهما شهوتان باطنتان للنفس يرجعان إلى السبعية والكبرياء.

وأما العلاج فيكون بكسر الكبر الباعث له على إظهار فضله، والسبعية الباعثة له على تنقيص غيره (والسبعية في عبارات المتقدمين هي القوة الوجدانية المشتركة بين الإنسان وبين كبار الحيوانات: فالانتقام قوة سبعية لأنه من صفات الجمل، والعفة من أكل ما يكسب الغير قوة سبعية لأنه من صفات الأسد، إذ لا يأكل الأسد فريسته).

الخصومة

أما الآفة الخامسة فهي الخصومة. وهي لجاج في الكلام ليستوفى به مال أو مقصود. قال الغزالي: «فإن قلت: فإذا كان للإحسان حق فلا بد له من الخصومة في طلبه أو في حفظه، مهما ظلمه ظالم، فكيف يكون حكمه، وكيف تذم خصومته؟ فاعلم أن هذا الذم يتناول الذي يخاصم بالباطل والذي يخاصم بغير علم، ويتناول الذي يمزج بالخصومة كلمات مؤذية لا يحتاج إليها في نصرة الحجة وإظهار الحق. ويتناول الذي يحمله على الخصومة محض العناد لقهر الخصم وكسره … فاما الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد وإسراف وزيادة لجاج على قدر الحاجة ومن غير قصد عناد وإيذاء ففعله ليس بحرام، ولكن الأولى تركه ما وجد إليه سبيلًا».

وقد بين الغزالي كيف توغر الخصومة الصدر، وتهيج الغضب حتى ينسى المتنازع فيه، ويبقى الحقد بين المتخاصمين: فيفرح كل واحد بمساءة صاحبه، ويحزن بمسرته، ويطلق اللسان في عرضه. فمن بدأ بالخصومة فقد تعرض لهذه المحذورات.

التقعر في الكلام

الآفة السادسة هي التقعر في الكلام بالتشدق، وتكلف السجع والفصاحة، والتصنع فيها بالتشبيهات والمقدمات، وما جرت به عادة المتفاصحين.

والغزالي يفرق بين من يلقي خطبة، وبين من يتكلم كلامًا عاديًّا، ولا حرج على الخطيب فيما يرى الغزالي أن يلجأ إلى المحسنات اللفظية، في غير إفراط أو إغراب، فإن المقصود من الخطبة تحريك القلوب، وتشويقها، وقبضها، وبسطها، ولرشاقة اللفظ في ذلك كله تأثير.

أما المحاورات التي تجري لقضاء الحاجات، فالغزالي ينكر أن يكون فيها أي مظهر من مظاهر التكلف كالسجع أو غيره «بل ينبغي أن يقتصر المرء في كل شيء على مقصوده، ومقصود الكلام التفهيم للغرض، وما وراء ذلك تصنع مذموم».

والآفة الخلقية للتصنع فيما يرى الغزالي ترجع إلى الباعث عليه: وهو الرياء، وحب الظهور بالفصاحة، والتميز بالبراعة.

الفحش

والآفة السابعة هي الفحش، وهو التعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة. وهذه العبارات متفاوتة في الفحش، وبعضها أفحش من بعض، وربما اختلف ذلك بعادة البلاد. وقد ذكر الغزالي من ذلك ما يجري في ألفاظ الوقاع وما يتعلق به، والعيوب التي يستحيا منها كالبرص والقراع والبواسير، ثم حض على استعمال الكتابة في مثل تلك المواطن.

والباعث على الفحش فيما يرى: إما قصد الإيذاء، وإما الاعتياد الحاصل من مخالطة الفساق، وأهل الخبث واللؤم.

وقد عد الغزالي الفحش والسب والبذاء آفة واحدة، وأضاف إليها «البيان» الوارد في حديث (البذاء والبيان شعبتان من شعب النفاق) وفسر هذا البيان بكشف ما لا يجوز كشفه، أو المبالغة في الإيضاح حتى ينتهي إلى حد التكلف. أو البيان في أمور الدين، وفي صفات الله أمام العوام، إذ قد يثور من غاية البيان فيها شكوك ووسواس.

اللعن

أما الآفة الثامنة فهي اللعن، لحيوان أو إنسان أو جماد، وكل ذلك مذموم.

وللغزالي في هذا الباب نظر دقيق: فهو لا يجيز أن تقول في رجل حي من اليهود مثلًا لعنه الله، كما تقول لعن الله أبا جهل وفرعون، فإنه ربما يسلم فيموت مقربًا عند الله، ولا يجيز أن يلعن المبتدع لأن معرفة البدعة غامضة «ومن بان لنا موته على الكفر جاز لعنه وجاز ذمه إن لم يكن فيه أذى لمسلم، فإن كان لم يجز ولا يجوز لعن يزيد، لأنه يجوز أن يقال إنه قتل الحسين، أو أمر بقتله ما لم يثبت ذلك. فضلًا عن اللعنة: إذ لا تجوز نسبة مسلم إلى كبيرة من غير تحقيق، ولا يجوز أن يرمى مسلم بفسق وكفر من غير تحقيق».

قال الغزالي: «والمؤمن ليس بلعان، فلا ينبغي أن يطلق اللسان باللعنة إلا على من مات على الكفر، أو على الأجناس المعروفين بأوصافهم دون الأشخاص المعينين».

المزاح

الآفة التاسعة هي المزاح، والمذموم منه فيما يرى الغزالي هو الإفراط فيه، أو المداومة عليه. فلك أن تمزح كما كان يمزح رسول الله: فلا تقول إلا حقًّا، ولا تؤذي قلبًا، ولا تفرط فيسقط وقارك.

الاستهزاء

أما الآفة العاشرة فهي الاستهزاء، وحده كما قال الغزالي: «الاستهانة والتحقير والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك، وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول، وقد يكون بالإشارة والإيماء».

وقد نص الغزالي على أن هذا إنما يحرم في حق من يتأذى به، فأما من جعل نفسه مسخرة، وربما فرح من أن يسخر به، كانت السخرية في حقه من جملة المزاح فله حكمه، لأن المحرم هو استصغار يتأذى به المستهزأ به، لما فيه من التحقير.

إفشاء السر

الآفة الحادية عشرة هي إفشاء السر، وهو مذموم لما فيه من الإيذاء والتهاون في حق المعارف والأصدقاء، يقول الغزالي: «وهو حرام إذا كان فيه إضرار، ولؤم إن لم يكن فيه إضرار».

وقد عد من حقوق الأخ على أخيه في كتاب الصحبة: «أن يسكت عن إفشاء سره الذي استودعه، وله أن ينكره وإن كان كاذبًا، فليس الصدق واجبًا في كل مقام، فإنه كما يجوز للرجل أن يخفي عيوب نفسه وأسراره وإن احتاج إلى الكذب، فله أن يفعل ذلك في حق أخيه. فإن أخاه نازل منزلته، وهما كشخص واحد لا يختلفان إلا بالبدن».

الوعد الكاذب

الآفة الثانية عشرة هي الوعد الكاذب، وقد بين الغزالي أن ذلك يكون بالوعد على نية الحلف، أو ترك الوفاء من غير عذر، ولا جناح على من عزم على الوفاء فمن له عذر فمنعه.

الكذب في القول واليمين

الآفة الثالثة عشر هي الكذب في القول واليمين. وقد نص الغزالي على «أن الكذب ليس حرامًا لعينه بل لما فيه من الضرر على المخاطب أو على غيره، فإن أقل درجاته أن يعتقد المخبر الشيء على خلاف ما هو عليه فيكون جاهلًا، وقد يتعلق به ضرر غيره ورب جهل فيه منفعة ومصلحة، فالكذب المحصل لذلك الجهل يكون مأذونًا فيه وربما كان واجبًا.» وقد بينا المواطن التي أباح الغزالي فيها الكذب حين تكلمنا عن رأيه في الوسائل والغايات.

الغيبة

الآفة الرابعة عشرة هي الغيبة. وحدها «أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه، سواء ذكرته بنقص في بدنه، أو نسبه، أو في خلقه، أو في فعله، أو في قوله، أو في دينه، أو في دنياه، حتى في ثوبه وداره ودابته».

وقد نص على أن التصريح ليس شرطًا في تحقيق الغيبة، بل تكفي الإشارة، والإيماء، والغمز، والهمز، والكتابة، والحركة، وكل ما يفهم منه المقصود.

وللغيبة أسباب نذكر منها الأربعة الآتية:
  • (١)

    موافقة الأقران، ومجاملة الرفقاء، ومساعدتهم على الكلام.

  • (٢)

    إرادة التصنع، والمباهاة، كأن يرفع المرء نفسه بتنقيص غيره.

  • (٣)

    اللعب، والهزل، والمطايبة، وتزجية الوقت بذكر عيوب الناس.

  • (٤)

    البراءة مما ينسب المرء إليه بتنقيص من يفعله.

وقد تنبه الغزالي إلى ما يقع فيه علماء الدين، فقد ينكرون المنكر، ويقعون في صاحبه، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، مع أنهم يكفيهم أن يشخصوا المنكرات بلا تعرض للأشخاص، وقد يغضبون لله حين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولكنهم يذكرون أشخاصًا بالسوء، فيحبطون ما يعملون.

والغزالي يصف لعلاج الغيبة قراءة الآثار والأحاديث الواردة في هذه الآفة. وقد عد سوء الظن غيبة القلب ونهى عنه ثم ذكر المواطن التي تجوز فيها الغيبة، وقد فصلناها أيضًا في الوسائل والغايات، كما بينا رأيه في كفارة الغيبة في الخروج من المظالم.

النميمة

الآفة الخامسة عشرة هي النميمة. وهي كما يقول الغزالي «كشف ما يكره كشفه، سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه، أو كرهه ثالث. وسواء كان الكشف بالقول، أو بالكتابة، أو بالرمز، أو بالإيماء. وسواء كان المنقول من الأعمال أو من الأقوال، وسواء كان ذلك عيبًا ونقصًا في المنقول عنه أو لم يكن».٥
ولم يقتصر الغزالي على تقبيح النميمة، وعدها من آفات اللسان، بل وضع للرجل آدابًا خاصة إزاء النمام. وهي:
  • (١)

    أن لا يصدقه، لأن النمام فاسق، وهو مردود الشهادة.

  • (٢)

    أن ينهاه عن ذلك، وينصح له، ويقبح عليه فعله.

  • (٣)

    أن يبغضه في الله، فإنه بغيض عند الله.

  • (٤)

    أن لا يظن بأخيه الغائب السوء، فإن بعض الظن إثم.

  • (٥)

    أن لا يحمله ما حكي له على التجسس، والبحث لأجل التحقق.

  • (٦)

    وأن لا يحكي النميمة، وإلا رضي لنفسه ما نهى النمام عنه.

قال الغزالي: «والسعاية هي النميمة، إلا أنها إذا كانت إلى من يخاف جانبه سميت سعاية» ثم نقل قول مصعب بن الزبير: «نحن نرى أن قبول السعاية شر من السعاية، لأن السعاية دلالة والقبول إجازة، وليس من دل على شيء فأخبر به كمن قبله وأجازه، فاتقوا الساعي، فلو كان صادقًا في قوله لكان لئيمًا في صدقه، حيث لم يحفظ الحرمة، ولم يستر العورة».٦

ولا شك في أن الغزالي يرتضي حكم مصعب في قبول السعاية، لأنه لم يعقب عليه، ولم يذكر من أقوال السلف ما ينقضه. والسعاية والنميمة شيء واحد، أو كأنهما شيء واحد، فمن الواجب أن تكون آداب المرء واحدة إزاء النمامين والسعاة، وهو ما نحسبه رأي الغزالي وإن لم يصرح به.

وفي الوسائل والغايات تجد ما يجوز من النميمة فيما يرى الغزالي.

كلام ذي اللسانين

الآفة السادسة عشرة هي كلام ذي اللسانين الذي يتردد بين المتعاديين ويكلم كل واحد منهما بكلام يوافقه، وهو فيما يرى الغزالي نفاق «ولو دخل رجل على متعاديين وجامل كل واحد منهما وكان صادقًا لم يكن ذا لسانين ولم يكن منافقًا، فإن الواحد قد يصادق متعاديين ولكن صداقة ضعيفة لا تنتهي إلى حد الأخوة، إذ لو تحققت الصداقة لاقتضت معاداة الأعداء، نعم لو نقل كلام كل واحد منهما إلى الآخر فهو ذو لسانين وهو شر من النميمة، إذ يصير نمامًا بأن ينقل من أحد الجانبين فقط، فإذا نقل من الجانبين فهو شر من النمام. وإن لم ينقل كلامًا، ولكن حسن لكن واحد منهما ما هو عليه من المعاداة لصاحبه فهذا ذو لسانين، وكذلك إذا أثنى على أحدهما وإذا خرج من عنده ذمه فهو ذو لسانين. بل ينبغي أن يسكت، أو يثني على المحق من المتعاديين في غيبته وفي حضوره، وبين يدي عدوه … ولا يجوز الثناء ولا التصديق ولا تحريك الرأس في معرض التقرير على كلام باطل، فإن فعل ذلك فهو منافق، بل ينبغي أن ينكر، فإن لم يقدر فيسكت بلسانه وينكر بقلبه».٧

المدح

الآفة السابعة عشرة هي المدح، وهو منهي عنه في بعض المواضع، وفي بعضها لا بأس به، بل ربما كان مندوبًا إليه، وقد بين الغزالي أن لهذه الرذيلة أربع آفات في حق المادح، واثنتين في حق الممدوح، أما آفاتها في حق المادح فهي:
  • (١)

    أنه قد يفرط فينتهي به الإفراط إلى الكذب.

  • (٢)

    وقد يدخله الرياء، فإنه بالمدح مظهر للحب، وقد لا يكون مضمرًا له، ولا معتقدًا لجميع ما يقوله، فيصير به مرائيًا منافقًا.

  • (٣)

    وقد يقول ما لا يتحققه ولا سبيل له إلى الاطلاع عليه، ويرى الغزالي أن هذه الآفة تتطرق إلى المدح بالأوصاف المطلقة التي تعرف بالأدلة: كقولك إنه متق، وورع وزاهد، وخير، وما يجري مجراه.

  • (٤)
    وقد يفرح الممدوح، وهو ظالم أو فاسق، وذلك غير جائز. أما آفاتها في حق الممدوح فهي:
    • (١)

      إن المدح قد يحدث فيه كبرًا وإعجابًا، وهما مهلكان.

    • (٢)

      وإنه إذا أثنى عليه بالخير فرح وفتر، ورضي عن نفسه، فقل جده.

وبعد أن بين الغزالي آفات المدح، دعا الممدوح إلى أن يكون شديد الاحتراز عن آفة الكبر، والعجب، وآفة الفتور، بأن يتأمل ما في خطر الخاتمة، ودقائق الرياء، وآفات الأعمال، فإنه يعرف من نفسه ما لا يعرفه المادح، ولو انكشفت له جميع أسراره وما يجري على خواطره، لكف المادح عن مدحه، وحضه كذلك على أن يظهر كراهة المدح بإذلال المادح.

الغفلة

الآفة الثامنة عشرة هي الغفلة عن دقائق الخطأ في فحوى الكلام لا سيما فيما يتعلق بالله وصفاته، ويرتبط بأمور الدين.

ومن الأمثلة التي ذكرها الغزالي أنه لا يصح أن تقول عبدي وأمتي، لأننا جميعًا عبيد الله، ونساؤنا جميعًا إماء الله، بل تقول غلامي وجاريتي … إلخ.

السؤال عن صفات الله

الآفة التاسعة عشرة هي سؤال العوام عن صفات الله تعالى وعن كلامه، وعن الحروف، وإنها قديمة أو محدثة. يقول الغزالي: «وكل كبيرة يرتكبها العامي فهي أسلم له من أن يتكلم في العلم، لا سيما فيما يتعلق بالله وصفاته، وإنما شأن العوام الاشتغال بالعبادات، والإيمان بما ورد به القرآن، والتسليم لما جاء به الرسل من غير بحث. وسؤالهم عن غير ما يتعلق بالعبادات سوء أدب منهم يستحقون به المقت من الله عز وجل، ويتعرضون لخطر الكفر. وهو كسؤال ساسة الدواب عن أسرار الملوك وهو موجب للعقوبة».

الغناء

الآفة العشرون هي الغناء، وتجد تفصيلها في البحث عن رأيه في الفنون.

وإنه ليخيل إلى المرء أن الغزالي بالغ في آفات اللسان، ولكن هذه المبالغة ليست إلا نوعًا من الاحتياط، وهي ليست كبيرة على من يطمع في مكارم الأخلاق.

١  ص ١١٨ ج ٢ إحياء.
٢  ص ١٢١ ج ٣ إحياء.
٣  ص ١٢١ إحياء ج ٢.
٤  ص ١٢٢ ج ٣.
٥  ص ١٥٧ ج ٣.
٦  ص ٢٥٨.
٧  ص ١٦٠ ج ٣.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠