الفصل الخامس

الفوتونات والإلكترونات

على الرغم من نجاح بلانك وبور في بيان السبيل إلى فيزياء تختص بالأشياء المتناهية الصغر، والتي تختلف عن الميكانيكا الكلاسيكية، فإن ميكانيكا الكَمِّ كما نعرفها اليوم لم تبدأ إلا مع تقبُّل فكرةِ أينشتاين عن الكَمِّ الضوئي (الفوتون)، والتحقُّق من أن الضوء لا بد أن يُفسَّر بمدلولِ كلٍّ من الجسيمات والموجات. ومع أن أينشتاين ذكرَ الكَمَّ الضوئي (الفوتون) لأول مرة في ورقته البحثية لسنة ١٩٠٥ عن الظاهرة الكهروضوئية، فإن الفكرة لم تحظَ بالقبول والاحترام حتى سنة ١٩٢٣. وكان أينشتاين نفسُه يمضي في أبحاثه بحرص، وهو مدركٌ تمامًا للتبعات الثورية المترتِّبة على هذا البحث، ومن ثَمَّ أخبر المشاركين في مؤتمر سولفاي الأول سنة ١٩١١ بذلك قائلًا: «إنني أصرُّ على الطابع المؤقَّت لهذا المفهوم، الذي لا يبدو قابلًا للتوفيق مع النتائج المترتبة على النظرية الموجية التي أثبتت التجارِب صحتَها.»1
ومع أن ميليكان قد أثبت سنة ١٩١٥ صحةَ معادلةِ أينشتاين للظاهرة الكهروضوئية، فإن تقبُّل حقيقةِ وجودِ جسيمات الضوء كان فيما يبدو لا يزال غير منطقي، وبالنظر إلى أبحاثه في أربعينيات القرن العشرين قائلًا: «لقد اضطُررت سنة ١٩١٥ أن أؤكِّد على صحتها القاطعة على الرغم من عدم معقوليتها … وقد بدت وكأنها تتعارض مع كلِّ ما نعرفه عن تداخل الضوء.» وقد عبَّر عما يجول في نفسه في ذلك الوقت بقوة. وفي أثناء تصريحاته عن التحقُّق من دقة معادلة أينشتاين للظاهرة الكهروضوئية تجريبيًّا، راحَ يقول: «يبدو أن النظرية شبه الجسيمية التي وصل أينشتاين من خلالها إلى معادلتِه لا يمكن الدفاعُ عنها كليًّا في الوقت الراهن.» كتب ذلك سنة ١٩١٥، وفي سنة ١٩١٨ علَّق رذرفورد بأنه لا يوجد فيما يبدو «تفسيرٌ فيزيائي» للعلاقة بين الطاقة والتردُّد التي شرحها أينشتاين منذ ثلاثة عشر عامًا ضمْن فرضيتِه عن الكَمِّ الضوئي. ولم يكن الأمر أن رذرفورد لا يعرف اقتراح أينشتاين، بل إنه لم يقتنع به. وبما أنَّ كل التجارب التي صُمِّمت لاختبار النظرية الموجية للضوء قد أوضحت أن الضوء يتكوَّن من موجات، فكيف إذن يمكن أن يتكوَّن الضوء من جسيمات؟2

جسيماتُ الضوء

سنة ١٩٠٩، وبينما كان أينشتاين يوشك أن يترك العملَ كموظفٍ في مكتب براءات الاختراع، وتَقلَّد أولَ منصبٍ أكاديمي له كأستاذٍ مشارك في زيورخ، أخذ خطوةً صغيرة ولكنها مهمةٌ وذاتُ مغزًى، عندما أشار لأول مرة إلى «الكَمِّ النقطي والطاقة ». في الميكانيكا الكلاسيكيةِ تُمثَّل الجسيماتُ مثل الإلكترونات بأجسامٍ تشبِه «النقطة»، وهذا يختلف تمامًا عن أي وصف بمدلول الموجات، باستثناء أن تردُّد الإشعاع يخبِرنا بطاقةِ الجسيم. وقد قال أينشتاين سنة ١٩٠٩: «في رأيي أن المرحلةَ القادمة في تطوُّر الفيزياء النظرية سوف تتمخَّض عنها نظريةٌ للضوء يمكن تفسيرُها كضربٍ من الدمج بين نظريتَي الموجات والانبعاث».

يضرِب هذا التعليق، الذي قلَّما لاحظه أحدٌ في ذلك الوقت، نظريةَ الكَمِّ الحديثة في الصميم. وقد عبَّر بور في عشرينيات القرن العشرين عن هذا الأساس الجديد للفيزياء بمصطلح «مبدأ المكاملة» الذي ينصُّ على أن النظريتَين الموجية والجسيمية للضوء (في هذه الحالة) لا تستبعد أيٌّ منهما الأخرى، ولكن إحداهما تكمل الأخرى. وكلا المفهومين ضروريٌّ لتقديمِ وصفٍ شامل، ويتضح ذلك بشدةٍ في الحاجة إلى قياس طاقة «جسيم» الضوء من حيث تردُّده، أو طوله الموجي.

ومع ذلك، بعد فترةٍ وجيزة من التصريح بهذه الملاحظات، كفَّ أينشتاين عن التفكيرِ بشكلٍ جادٍّ في نظريةِ الكَمِّ فيما وضع نظريته عن النظرية العامة. وعندما عاد إلى مُعترَكِ الكَمِّ سنة ١٩١٦، كان في جَعبته تطورٌ منطقيٌّ آخرُ لموضوع الضوءِ والكَمِّ. وقد ساعدت أفكاره الإحصائية، كما رأينا، في تنظيم الصورة الخاصة بذرة بور وتحسين وصف بلانك لإشعاع الجسم الأسود. وقد فسَّرت أيضًا هذه العملياتُ الحسابيةُ لآليةِ امتصاصِ المادةِ للإشعاعِ أو إطلاقِه، كيفيةَ انتقال الزخم من الإشعاع إلى المادة وهي الحسابات، وذلك بشرط أن كلَّ كَمٍّ من الإشعاع يحمل معه زخمًا . ويرجع هذا البحث إلى موضوعِ بحثٍ آخرَ من الأبحاث العظيمة التي صدرت سنة ١٩٠٥، حول الحركةِ البراونية. وكما أن ذرات الغاز أو السائل تضرب حبوب اللقاح لتبرهنَ حركتَها على حقيقةِ وجود الذرات، كذلك تضرِب «جسيمات» إشعاعِ الجسمِ الأسودِ الذراتِ نفسَها. ولا يمكن رصد «الحركة البراونية» للذرات والجزيئات بالملاحظة المباشرة، بيْد أن عمليات التصادم تتسبَّب في حدوثِ تأثيراتٍ إحصائية يمكن قياسها بمدلولِ خصائصَ مثل ضغط الغاز. وقد فسَّر أينشتاين هذه التأثيرات الإحصائية بمدلول جسيمات إشعاع الجسم الأسود التي تحمل الزخم.
ومع ذلك، فإن التعبير نفسه الموضوع لحساب زخم جسيم الضوء مأخوذ مباشرةً من النسبية الخاصة، بطريقةٍ بسيطةٍ جدًّا. في نظرية النسبية، تُصاغ العلاقة بين الطاقة والزخم وكتلة السكون للجسيم بالمعادلة البسيطة:

وحيث إن جسيم الضوء ليست له كتلة سكون، فإن هذه المعادلة تُختزل مباشرةً إلى:

أو بصورةٍ أبسط: . وقد يبدو مستغرَبًا أن أينشتاين استغرقَ كلَّ هذا الوقت ليصل إلى هذه العلاقة، بيدَ أن ذهنه كان مشغولًا حينئذٍ بأمورٍ أخرى، مثل النسبية العامة. ولكن لا شك أنه بمجرَّد أن توصَّل إلى هذه العلاقة، اكتسبت القضية قوةً أكبرَ بكثير من خلال التوافق بين الأدلة الإحصائية ونظرية النسبية. (ومن وجهةِ نظرٍ أخرى، بما أنَّ الإحصاءات توضِّح أن ، يمكنك الدَّفع إذن بأن المعادلات النسبية قد أثبتت بذلك أن جسيم الضوء له كتلة سكون تساوي صفرًا.)

وكان هذا البحثُ هو الذي أقنع أينشتاين نفسَه بأن الكَمَّ الضوئيَّ له وجودٌ حقيقي. ولم يظهر مسمَّى «فوتون» للإشارة إلى جسيم الضوء إلا سنة ١٩٢٦ (على يد جيلبرت لويس المقيم في بيركلي بكاليفورنيا)، ولم يُدرَج ضمن المصطلحات العلمية إلا بعد مؤتمر سولفاي الخامس الذي عُقِدَ تحت عنوان «الإلكترونات والفوتونات» سنة ١٩٢٧. لكن مع أن أينشتاين انفردَ سنة ١٩١٧ باعتقاده في حقيقةِ ما يُسمَّى الآن بالفوتونات، يبدو أن هذا هو الوقت المناسب لتقديم الاسم. وقد استلزم الأمرُ ست سنوات أخرى قبل تقديمِ دليلٍ تجريبيٍّ مباشر لا يقبل الجدل على حقيقةِ وجودِ الفوتونات على يد الفيزيائي الأمريكي آرثر كومبتون.

عكفَ كومبتون على إجراء أبحاثٍ عن أشعة إكس منذ سنة ١٩١٣. وقد عمل في عدة جامعاتٍ أمريكية وفي مختبر كافنديش بإنجلترا. وقادته سلسلةٌ من التجارب في بداية عشرينيات القرن العشرين إلى استنتاجِ أن التداخل بين أشعة إكس والإلكترونات لا يمكن تفسيره إلا إذا جرى التعامل مع أشعةِ إكس بطريقةٍ أو بأخرى على أنها جسيمات؛ أي فوتونات. كانت التجاربُ الأساسية تُعنى بالطريقة التي تتشتَّت بها أشعة إكس بواسطة الإلكترون، أو بلغة الجسيمات، الطريقة التي يتداخل بها الفوتون والإلكترون عندما يصطدمان. فعندما يضرب فوتون أشعةِ إكس إلكترونًا ما، يكتسب الإلكترون طاقةً وزخمًا وينحرف بزاوية معيَّنة عن مساره السابق. أما الفوتون نفسُه، فيفقد طاقةً وزخمًا وينحرف بزاوية مختلِفة، يمكن حسابها من خلال القوانين البسيطة لفيزياء الجسيمات. ويشبه هذا التصادم تأثيرَ كرةِ البلياردو المتحرِّكة على كرة ثابتة، ويحدث انتقال الزخمِ بالطريقةِ نفسِها بالضبط. ولكن في حالةِ الفوتون يعني فقدُ الطاقةِ تغيُّرَ تردُّد الإشعاع بمقدار التي اكتسبها الإلكترون. ونحتاج إلى الوصفَين، الجسيم والموجة، للتوصُّل إلى تفسيرٍ كامل للتجربة. عندما أجرى كومبتون هذه التجارب، اكتشف أن التداخل يحدث على نحوٍ متوافقٍ تمامًا مع هذا الوصف؛ ذلك حيث جاءت زوايا التشتُّت وتغيُّرات الطول الموجي وارتداد الإلكترون متوافقةً تمامًا مع فكرةِ أن أشعة إكس تأتي في صورة جسيمات طاقتها . وتُسمَّى هذه العملية الآن ﺑ «تأثير كومبتون»، وقد حصل كومبتون سنة ١٩٢٧ على جائزة نوبل عن هذه الأبحاث.3 بعد سنة ١٩٢٣، كانت حقيقةُ أن الفوتونات جسيماتٌ تحمل الطاقةَ والزخم قد أُثبِتت (على الرغم من أن بور ظلَّ فترةً يناضل بشدة ليجد تفسيرًا بديلًا لظاهرة كومبتون، ولم يدرك على الفور ضرورةَ تضمينِ كلٍّ من وصفَي الجسيمات والموجات في نظريةٍ جيدة عن الضوء، ورأى نظريةَ الجسيمات على أنها منافسٌ لنظرية الموجات المتضمَّنة في النموذج الذي وضعه للذرة). ولكن، ظلت كلُّ الأدلة على الطبيعة الموجية للضوء قائمة. وكما قال أينشتاين سنة ١٩٢٤: «وبذلك، توجد الآن نظريتان للضوء، وكلتاهما لا غنَى عنها … بلا أي ارتباطٍ منطقي».

وقد شكَّلت العلاقة بين هاتَين النظريتَين الأساسَ الذي تطوَّرت به ميكانيكا الكَمِّ في السنوات المضطربة التالية. وكان التقدُّم يحدث على عدةِ جبهاتٍ مختلِفة في آنٍ واحد، وكانت الأفكارُ والاكتشافات الجديدة لا تأتي بالتنسيق والترتيب اللازمَين لبناء الفيزياء الجديدة. وحتى نقدِّم قصةً مترابطةً ومتسقة، لا بد أن تكون روايتي أكثرَ ترتيبًا عمَّا كان عليه العِلمُ نفسُه في ذلك الوقت، وإحدى الطرق إلى ذلك هي تمهيد الطريق بسردِ المفاهيمِ ذاتِ الصلة قبل وصف ميكانيكا الكَمِّ نفسِها، مع أنَّ نظريةَ الكَمِّ كانت قد بدأت تتطور، ولم تكن بعض هذه المفاهيم قد فُهِمَت بعدُ. كما أن النتائجَ الكاملة لازدواجية الجسيم والموجة لم تكن قد حظيت بتقديرٍ بعدُ عندما بدأت ميكانيكا الكَمِّ في التبلور واتخاذِ شكلٍ واضح، إلا أنه في أي وصفٍ منطقي لنظريةِ الكَمِّ لا بد أن تكون الخطوةُ التالية بعد اكتشاف الطبيعة الازدواجية للضوء هي اكتشافَ الطبيعة الازدواجية للمادة.

ازدواجية الجسيم والموجة

انبثقَ هذا الاكتشافُ من اقتراحٍ قدَّمه نبيلٌ فرنسيٌّ يُدعَى لويس دي بروي. ومع أنه اقتراحٌ بسيط، إلا أنه يضرِب في صميم المادة. ويمكننا تخيُّل دي بروي وهو يتفكَّر: «إذا كانت موجات الضوء تسلك مسلكَ الجسيمات، فلماذا لا تسلكُ الإلكترونات أيضًا مسلكَ الموجات؟» ولو أنَّه توقَّف عند هذا الحد، لما كان بالطبع أتى ذكرُه بوصفِه أحدَ مؤسِّسي نظريةِ الكَمِّ، ولم يكن ليحصل على جائزةِ نوبل سنة ١٩٢٩. فلو كانت الفكرةُ مجرَّد تخمينٍ تافه، لما كانت لها قيمةٌ تُذْكر؛ فقد وردت تخميناتٌ شبيهة حول أشعة إكس قبل أبحاث كومبتون بفترةٍ طويلة، سنة ١٩١٢ على أقلِّ تقدير، عندما قال الفيزيائي العظيم دبليو إتش براج (وهو الآخر حاصل على جائزة نوبل) عن حالة فيزياء أشعة إكس في ذلك الوقت: «إنَّ المشكلة، فيما يبدو لي، ليست في الفصل بين نظريتَين عن أشعة إكس، ولكن في إيجاد … نظرية تمتلك كفاءةَ النظريتَين.»4 وكان إنجاز دي بروي الأكبرُ أنه تناول فكرةَ ازدواجية الجسيم والموجة وعالجها رياضيًّا؛ حيث وصف المسلك الذي ينبغي أن تسلكه موجات المادة واقترح طرقًا ربما يمكن من خلالها رصدُ الموجات ومشاهدتها. وحِيزَ له امتيازٌ كبيرٌ بوصفه عضوًا يافعًا نسبيًّا في جمعية الفيزياء النظرية، وهو أخوه الأكبر موريس، الذي كان عالِمًا موقرًا في الفيزياء التجريبية، والذي وجَّهه وقاد خطواته نحو هذا الاكتشاف. وقد قال لويس دي بروي فيما بعدُ إن موريس قد أكَّد له في محادثاتهم «أهمية السمات المزدوجة للجسيم والموجة وحقيقتها التي لا سبيل إلى إنكارها.» كانت هذه هي الفكرة التي آنَ الأوان لطرحها، وكان لويس دي بروي محظوظًا لوجوده وتأهُّبِه في ذلك الوقت الذي من الممكن فيه أن يؤدي حدْسٌ مفاهيميٌّ بسيط إلى تحوُّلٍ في الفيزياء النظرية. ولكنه كان بالطبع مَن أنجز معظمَ هذه الطفرةِ الحدْسية.

وُلِدَ دي بروي سنة ١٨٩٢. وكانت تقاليدُ الأسرة تقتضي توجيهه إلى تقلُّد وظيفةٍ في الخدمة المدنية، لكنه عندما التحق بجامعة باريس سنة ١٩١٠ توقَّد داخله اهتمامٌ بالغٌ بالعلوم، ولا سيما ميكانيكا الكَمِّ، وهي العالَم الذي فتحه له جزئيًّا أخوه (الأكبر منه بسبعة عشر عامًا) الذي حصل على الدكتوراه سنة ١٩٠٨، ونَقل إلى لويس أخبارَ أول مؤتمراتِ سولفاي بوصفه أحدَ الأمناء العِلميين لهذا المؤتمر. لكن بعد عامَين توقَّفت دراسته للفيزياء بسبب الخدمة العسكرية الإلزامية سنة ١٩١٣، التي كان من المفترض أن تكون فترةً قصيرة، إلا أنها امتدت حتى سنة ١٩١٩ بسببِ الحربِ العالمية الأولى. وعندما عاود دي بروي نشاطه البحثي بعد الحرب، عاد إلى دراسة نظريةِ الكَمِّ، وبدأ في مواصلة العمل بالنهجِ نفسِه الذي قاده إلى اكتشافِ اتحادِ نظريتَي الجسيمات والموجات الأساسي. وحدث الإنجاز الحقيقي سنة ١٩٢٣ عندما نشر ثلاث ورقاتٍ بحثية حول طبيعةِ الكَمِّ الضوئي في مجلة «كومبت راندو» الفرنسية وكتب ملخَّصًا بالإنجليزية لهذه الأبحاث ظهر في مجلة «فيلوسوفيكال ماجازين» في فبراير ١٩٢٤. ولم تترك هذه المساهماتُ القصيرةُ أثرًا كبيرًا، إلا أن دي بروي بدأ على الفور في ترتيب أفكاره وتقديمها في صورةٍ أكثرَ شموليةً في رسالته للدكتوراه. وعُقِدَ امتحانه في السوربون في نوفمبر ١٩٢٤ ونُشِرَت الرسالةُ في أوائل سنة ١٩٢٥، في مجلة «أنال دي فيزيك». وكانت هذه هي الطريقةَ التي جعلت أساسَ أبحاثه واضحًا، وأحدثت شررَ أول التطورات الكبرى في الفيزياء خلال عشرينيات القرن العشرين.

بدأ دي بروي رسالتَه بالمعادلتَين اللتين وضعهما أينشتاين للكَمِّ الضوئي:

في هاتَين المعادلتَين، تظهر الخصائصُ التي «تخصُّ» الجسيمات (الطاقة والزخم) إلى اليسار، وتظهر الخصائصُ التي «تخصُّ» الموجات (التردد) إلى اليمين. وقد أشار إلى أن فشلَ التجاربِ في الإقرار القاطع بما إذا كان الضوءُ موجةً أو جسيمًا يرجع حتمًا إلى أن كلا النمطَين من السلوك متداخلٌ على نحوٍ معقَّد؛ فحتى لكي تقيس خاصية الزخم لدى الجسيم، لا بد أن تعرفَ خاصية التردُّد لدى الموجة. ومع ذلك، فإن هذه الازدواجية لا تنطبق على الفوتونات وحدها. كان من المعتقَد في ذلك الوقتِ أن الإلكترونات جسيماتٌ جيدة، تسلُك مسلكًا منضبطًا، باستثناء الطريقةِ الغريبةِ التي تشغل بها مستويات الطاقة المختلِفة داخل الذرة. ولكن، أدرك دي بروي أن حقيقةَ أن الإلكترونات لا توجد إلا في «مداراتٍ» محدَّدة بواسطةِ أعدادٍ كلية (صحيحة) تبدو شبيهةً أيضًا بطريقةٍ أو بأخرى لخاصية الموجات. وقد كتب في رسالته: «إن الظواهر الوحيدة التي تتضمَّن أعدادًا صحيحة في الفيزياء هي تلك المتعلِّقة بالتداخل وبأنماط التذبذب العمودي». ثم أضافَ: «أوحت لي هذه الحقيقةُ بفكرةِ أن الإلكترونات هي الأخرى لا يمكن النظرُ إليها ببساطة على أنها جسيمات، لكنها لا بد أن تتصفَ كذلك بالتشابه الدوري للخصائص.»

«الأنماط العمودية للتذبذب» هي ببساطة التذبذبات التي تُحدِث النغمات في وترِ الكمان أو تُحدِث موجةَ الصوت في أنبوب الأرغن. فمن الممكن على سبيل المثال أن يتذبذب وترٌ مشدودٌ بقوةٍ بحيث يكون طرفاه مُثبَّتين بينما يتحرَّك منتصفه ذهابًا وإيابًا. وإذا لمستَ منتصفَ الوتر، فسيهتزُّ كلُّ نصفٍ متذبذبًا بالشكلِ نفسِه، ويَثبُت المنتصف، وهذا «النَّمط» الأعلى من التذبذب يقابل أيضًا نغمةً أعلى، إيقاعًا موسيقيًّا أعلى، للوترِ الكامل غير المتأثِّر. في الحالة الأولى، يكون الطول الموجي ضِعفَ ما هو عليه في الحالة الثانية، ويمكن أن تتوافق الأنماطُ الأعلى من التذبذبات — التي تقابل نغماتٍ أعلى بالتتابع — مع الوتر المهتز بشرط أن يكون طول الوتر دائمًا عددًا صحيحًا من الأطوال الموجية (١ و٢ و٣ و٤ وهكذا). ومن ثَم فإن بعض الموجات فقط، بتردداتٍ معيَّنة، هي التي تتوافق مع الوتر.

يشبه هذا الأمرُ في الحقيقة الطريقةَ التي «تتوافق» بها الإلكترونات في الذرة مع الحالات المقابلة لمستويات الطاقة الكمومية ١ و٢ و٣ و٤ وهكذا. وبدلًا من وترٍ مستقيمٍ مشدود، تخيَّل وترًا قد انثنى على نفسِه على شكل دائرة، «مدار» حول الذرة. يمكن لموجةِ ذبذبةٍ ثابتةٍ أن تسري بنجاح على امتداد الوتر، بشرط أن يكون طولُ المحيط عددًا صحيحًا من الأطوال الموجية. وبالنسبة إلى أي موجة لا «تتوافق» بدقةٍ مع الوتر على هذا النحو، فإنها لن تكون ثابتةً وستتلاشى عندما تتداخل مع نفسِها. ولا بد أن يكون طرفا الوتر متماسكَيْن جيدًا، وإلا فسينهار الوتر ويتفكَّك. فهل يفسِّر ذلك إمكانيةَ قياسِ حالات الطاقة في الذرة كميًّا، بحيث تقابل كلُّ حالةِ رنينِ موجةَ إلكترون له ترددٌ معيَّن؟ وعلى غرار التشبيهات العديدة القائمة على ذرة بور — بل في الحقيقة على غرارِ كلِّ التصوُّرات الفيزيائية للذرة — فإن هذا التصوُّرَ بعيدٌ كل البُعد عن الحقيقة، لكنه ساعدَ في التوصُّل إلى فهْمٍ أفضلَ لعالَمِ الكَمِّ.

موجات الإلكترونات

كان دي بروي يفكِّر في الموجات على أنها مرافِقةٌ للجسيمات، وأشار إلى أن جسيمًا مثل الفوتون تُوجِّهه في الحقيقة الموجةُ المرافقة المرتبِط بها هذا الجسيم. وكانت النتيجةُ تقديمَ وصفٍ رياضيٍّ دقيقٍ وتفصيلي لسلوك الضوء، تضمَّن الأدلةَ المستقاة من التجارب التي شملت كلًّا من الموجات والجسيمات. وقد أُعجِبَ المشرفون الذين ناقشوا رسالة دي بروي بالشق الرياضي فيها، لكنهم لم يعتقدوا في وجودِ أيِّ معنًى فيزيائي لاقتراح أن هناك موجةً مشابهةً تكون مرافِقة لجسيمٍ مثل الإلكترون، وقد اعتبروا الأمر مجرَّد مراوغةٍ رياضية. لم يوافق دي بروي على ذلك. وعندما سأل أحدُ المشرفين على الرسالة عمَّا إذا كان من الممكن تصميمُ تجربةٍ للكشف عن موجات المادة، أجابَ بأنه من المفترض أنه يمكن الوصولُ إلى المشاهدات المطلوبة عن طريقِ حيودِ شعاعٍ من الإلكترونات الصادرة من بِلَّوْرة. وهذه التجرِبةُ تشبه تمامًا حيودَ الضوء عبْر مجموعةٍ من الشقوق وليس شقَّين اثنين فقط؛ حيث تكون الفجوات بين الذرات المتباعدة بمسافاتٍ منتظمةٍ في البلورة منظومةً كمجموعةٍ من «الشقوق» الضيقة بما فيه الكفاية لإحداثِ حيودِ موجاتِ الإلكترونات ذات التردُّدات العالية (التي يكون طولها الموجي قصيرًا بالمقارنة مع الضوء أو حتى مع أشعة إكس).

كان دي بروي يعلم الطول الموجي المناسب الذي ينبغي البحث عنه؛ حيث إنه بدمج معادلتَي أينشتاين لجسيمات الضوء، حصلَ على العلاقة البسيطة جدًّا ، التي تناولناها من قبلُ. وحيث إن علاقة الطول الموجي بالتردُّد يُعبَّر عنها هكذا: ، فإن ذلك يعني ، أو بعبارةٍ أبسطَ فإن الزخم مضروبًا في الطولي الموجي يعطينا ثابت بلانك. وكلما كان الطول الموجي أصغر، كان زخم الجسيم المقابل لذلك أكبر، الأمر الذي يجعل الإلكتروناتِ التي لها كتلة صغيرة، وبالتالي زخمٌ صغير، أكثرَ الجسيمات المعروفة وقتها «شبهًا بالموجات». وكما في حالة الضوء تمامًا، أو الموجات التي على سطح البحر، لا يظهر تأثيرُ الحيود إلا عندما تمرُّ الموجة عبْر ثقبٍ أصغرَ كثيرًا من طولها الموجي، ويعني ذلك في حالةِ موجات الإلكترونات وجودَ ثقبٍ صغيرٍ جدًّا في واقع الأمر، يقارب حجم الفجوات بين الذرات في البلورة.
ولكن ما لم يعلمه دي بروي أن التأثيرات التي يمكن تفسيرُها على أفضلِ نحوٍ بمدلول حيودِ الإلكترونات قد لوحظت عندما استُخدِمَت أشعةٌ من الإلكترونات لاختبار البلورات منذ سنة ١٩١٤. ففي عامَي ١٩٢٢ و١٩٢٣، في الوقت الذي كان دي بروي يصيغ فيه أفكاره، كان هناك اثنان من علماء الفيزياء الأمريكيين، هما كلينتون دافيسون وزميله تشارلز كونسمان، بصددِ دراسةِ هذا السلوكِ المتميز للإلكترونات التي تتشتَّت من البِلَّورات. وقد حاول دي بروي التدليلَ على صحَّةِ التجارب بإجراءِ اختبارٍ لفرضية «الإلكترونات والموجات» جاهلًا بأبحاثِ هذين الفيزيائيَّين الأمريكيَّين. وفي هذه الأثناء، أرسل المشرفُ على رسالةِ دي بروي، ويُدعَى بول لونجفان، نسخةً من الأبحاث إلى أينشتاين الذي رأى فيها ما هو أكثر من مجرَّدِ حيلةٍ رياضيةٍ أو تشبيهٍ، وأيقن أن موجات المادة لا بد أن تكون حقيقية. وقد بعث بدوره بهذه الأخبارِ إلى ماكس بورن في جوتينجن؛ حيث علَّق رئيس قسم الفيزياء التجريبية جيمس فرانك على تجاربِ دافيسون قائلًا: «لقد أثبتَ بالفعل وجودَ التأثير المتوقَّع!»5

كان دافيسون وكونسمان يعتقدان على غرارِ غيرهم من الفيزيائيين أن السببَ وراء تأثير التشتُّت يكمُن في تركيب الذرات التي تُقذَف بالإلكترونات، وليس طبيعةَ الإلكتروناتِ نفسَها. وقد نشر فالتر إلزسار، أحدُ تلاميذ بورن، مذكرةً صغيرةً يشرح فيها نتائجَ هذه التجاربِ بمدلول موجات الإلكترونات سنة ١٩٢٥، إلا أن الباحثين التجريبيين لم يتأثروا بما قُدِّم من إعادةِ تفسير لبياناتهم على يد أحد الباحثين النظريين، لا سيَّما أنه كان طالبًا غيرَ معروف لا يتعدَّى عمره واحدًا وعشرين عامًا. وحتى سنة ١٩٢٥، على الرغم من الدليل التجريبي القائم، ظلَّت فكرةُ موجاتِ المادة مفهومًا مبهمًا ليس إلا. ولم يشعر التجريبيون بالضرورةِ الملِحَّة لاختبار فرضية الموجات والإلكترونات عن طريق تجارب الحيود إلا عندما توصَّل إرفين شرودنجر إلى نظريةٍ جديدةٍ عن تركيب الذرة تتضمَّن أفكارَ دي بروي لكنها تتجاوزها كثيرًا. وعندما أُنجزَت هذه التجارب سنة ١٩٢٧، ثبت أن دي بروي كان على صوابٍ تام؛ فالإلكترونات تحيد بواسطة الشبكة البلورية كما لو كانت شكلًا من أشكال الموجات. واكتُشِف ذلك على يدِ مجموعتَين مستقِلَّتين سنة ١٩٢٧؛ دافيسون ومساعدٍ جديدٍ يُدعى ليستر جيرمر في الولايات المتحدة، وجورج طومسون (ابن جيه طومسون) والطالبِ الباحثِ ألكسندر ريد اللذين كانا يعملان في إنجلترا ويستخدمان تقنيةً جديدة. وقد فوَّت دافيسون فرصتَه في الحصول منفردًا على إكليل المجد، واقتسم جائزة نوبل في الفيزياء لسنة ١٩٣٧ مع طومسون عن دراساتهما المستقلة. وذلك لأنه لم يتقبَّل حسابات إلزسار ويقيِّمها بما تستحق. ويمثِّل ذلك تعليقًا تاريخيًّا جيدًا، كان دافيسون نفسُه ليرحِّب بها، كما أنه يلخِّص بدقةٍ السمات الرئيسية لنظريةِ الكَمِّ.

سنة ١٩٠٦ حصل جيه طومسون على جائزة نوبل عن إثباته أن الإلكتروناتِ هي جسيماتٌ، وسنة ١٩٣٧ شهِد بنفسه حصولَ ابنه على جائزة نوبل لإثباته أن الإلكترونات هي موجاتٌ. وقد كان الأب والابن كلاهما على صواب، وكانا يستحِقَّان الجائزتَين تمام الاستحقاق. فالإلكترونات هي جسيماتٌ وموجاتٌ. وبدءًا من سنة ١٩٢٨ فصاعدًا، أصبحت الأدلة التجريبية على ازدواجية الموجات والجسيمات لدى بروي هي السائدة. واكتُشِف لاحقًا أن جسيماتٍ أخرى، بما في ذلك البروتون والنيوترون،6 تمتلك خصائص الموجات بما فيها الحيود، وفي سلسلة من التجارب الممتعة في أواخر السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، أعادَ توني كلاين وزملاؤه في جامعة ملبورن إجراءَ بعض التجارب الكلاسيكية التي برهنت على صحةِ النظرية الموجية للضوء في القرن التاسع عشر، ولكن باستخدامِ شعاعٍ من النيوترونات بدلًا من شعاع الضوء.

الانفصال عن الماضي

جاء الانفصال التامُّ عن الفيزياء الكلاسيكية مع إدراك أن مزيج الموجات والجسيمات لا ينطبق فقط على البروتونات والإلكترونات، بل يشمل أيضًا كلَّ «الجسيمات» وكلَّ «الموجات» التي هي في الواقع مزيجٌ من الاثنين. وكلُّ ما يحدث هو أن مكوِّن الجسيم يطغى بقوةٍ على الخليط في حالِ لو كنا نتحدَّث مثلًا عن كرة بولينج أو مبنًى. لكن ما زالت السِّمة الموجية هنالك تبعًا للعلاقة ، مع أنها مهمَلةُ القيمة. أما في عالَم الأشياء المتناهية الصِّغر، حيث تكون للسِّمتَين الجسيمية والموجية للواقع الفعلي الأهميةُ نفسُها، فتسلُك الأشياءُ بالطريقة التي يمكن أن نفهمَها من واقع خبرتنا في عالَم الحياة اليومية. وليس الأمر فقط أن ذرة بور بما فيها من «مدارات» للإلكترونات صورةٌ زائفة وغير حقيقية؛ ذلك أن كلَّ الصور زائفة، وليس في مقدورنا أن نسوِّغ تشبيهًا فيزيائيًّا لفهم ما يحدث داخل الذرات. فالذرات تسلُك مسلكَ الذرات، وليس غير ذلك.

لخَّص سير آرثر إدنجتون الوضع بطريقةٍ رائعة في كتابه «طبيعة العالَم الفيزيائي» المنشور سنة ١٩٢٩. ذلك حيث قال: «لا توجد تصوراتٌ مألوفة يمكن نسجها بخصوص الإلكترون.» وأفضلُ وصفٍ موجَز للذرة هو أن «شئيًا مجهولًا يفعل ما لا نعلمه.» وأشار إلى أن ذلك «لا يبدو نظريةً تنويريةً على وجه الخصوص».

غير أن الفكرة هي أنه على الرغم من عدم معرفتنا بما تفعله الإلكترونات داخل الذرات، فإننا نعرف أن عدد الإلكترونات مهم. فإضافة بعض الأعداد كفيلةٌ بأن تضفي معنًى واضحًا على بعض الكلمات التي قد تبدو جوفاء بلا معنًى.

هذه ليست ملاحظة على سبيل الطرفة. إذا علمنا أن الأعداد لا تتغيَّر، كما أشار إدنجتون منذ أكثر من خمسين سنة، فإن كلَّ أساسيات الفيزياء يمكن ترجمتها إلى مجرَّد «هذيان وثرثرة فارغة». لن يحدثَ فقدٌ للمعنى، بل من الجائز جني فائدةٍ عظيمة إذا أزلنا الترابط الفطري الذي نصنعه في أذهاننا بين الذرات والكرات الصلبة وبين الإلكترونات والجسيمات الدقيقة. وتتضح الفكرة عن طريق الالتباس الذي يحيط بإحدى خصائص الإلكترون التي تسمَّى «الحركة المغزلية»، ولكنها لا تشبه بأي شكل لُعبة «نحلة الأطفال» (أو الخُذْروف) وحركتها المغزلية، أو دوران الأرض حول محورها أثناء دورانها حول الشمس.

يتضمَّن أحد ألغاز التحليل الطيفي الذري، الذي فشلَ نموذج بور البسيط للذرة في تفسيره، انقسامَ خطوطِ الطيف التي كانت «لا بد» أن تكون مفردة إلى عدة خطوط متقاربة. ولأن كلَّ خط من خطوط الطيف يصاحبه انتقالٌ من إحدى حالات الطاقة إلى حالةٍ أخرى، فإن عدد الخطوط في الطيف يوضح عددَ حالات الطاقة الموجودة في الذرة؛ عدد «الدرجات» الموجودة على سُلَّمِ الكَمِّ، وعمقَ كلِّ درجة. وقد توصَّل الفيزيائيون في أوائل عشرينيات القرن العشرين إلى عدة تفسيراتٍ محتمَلة للبنية التعددية لخطوط الطيف، وذلك من واقع دراساتهم للطيف. وكان أفضل تفسيرٍ هو ما قدَّمه فولفجانج باولي، وقد تضمَّن ذلك وصف الإلكترون بأربعة أعداد كمِّية منفصلة. وقد حدث ذلك سنة ١٩٢٤ عندما كان الفيزيائيون لا يزالون يفكِّرون في الإلكترون على أنه جسيم، ويحاولون تفسيرَ الخصائص الكمومية بمصطلحاتٍ مألوفةٍ مستقاةٍ من عالَم الحياة اليومية. وثلاثة من هذه الأعداد كانت متضمَّنة من قبلُ في نموذج بور، وكان الاعتقاد أنها تصف الزخم الزاوي للإلكترون (السرعة التي يدور بها في مداره) وشكل المدار واتجاهه. أما العدد الرابع فكان لا بد أن يرتبط بخاصيةٍ أخرى للإلكترون، وهي خاصية تجيء في احتمالَين اثنين فقط، لتفسيرِ الانقسامِ المُشاهَد في خطوط الطيف.

ولم يستغرقِ الأمرُ طويلًا ليتعلَّق الناسُ بفكرةِ العددِ الكَمِّي الرابع لباولي الذي يصفُ حركةَ الإلكترون «المغزلية» التي يمكن تصوُّرها على أنها تشير إلى أعلى أو إلى أسفل، مما يجعل العددَ الكَمِّي ذا قيمتَين. كان أول مَن اقترح ذلك هو الفيزيائي الشاب رالف كرونيج الذي كان يزور أوروبا بعد انتهائه من دراساته للدكتوراه في جامعة كولومبيا.7 وقد اقترح أن يكون للإلكترون حركةٌ مغزلية ذاتية، وهي إما أن تكون موازية للمجال المغناطيسي للذرة أو في اتجاه عكس التوازي قيمته نصف الوحدات الطبيعية ().8 وممَّا أثار استغرابه أن باولي نفسَه قد عارضَ الفكرة بشدة، وذلك على الأغلب لأنها غيرُ متفقة مع فكرة الإلكترون بوصفه جسيمًا في إطار نظرية النسبية. وكما أن الإلكترون الذي يدور في مدارٍ حول النواة «يجب» ألا يكون مستقرًّا تبعًا للنظرية الكهرومغناطيسية الكلاسيكية، فإن الإلكترون في الحركة المغزلية «يجب» ألا يكون مستقرًّا تبعًا لنظرية النسبية. وربما كان على باولي أن يكون أكثرَ تفتحًا ذهنيًّا، لكن كانت النتيجة أن كرونيج تخلَّى عن الفكرة ولم ينشرها قط. وبعد أقلَّ من عام، طُرِحَت الفكرةُ نفسُها من كلٍّ من جورج أولنبيك وصمويل جودسميت من معهد الفيزياء النظرية في ليدن، وقد نشرا الاقتراحَ في المجلة الألمانية «ناتورفيسنشافتين» أواخر سنة ١٩٢٥، وفي مجلة «نيتشر» سنة ١٩٢٦.

وسرعان ما نُقِّحَت نظرية الإلكترون ذي الحركة المغزلية لتفسِّر نهائيًّا مسألةَ انقسام خطوط الطيف، وبحلول مارس ١٩٢٦ أصبح باولي نفسُه مقتنعًا بها. لكن ما المقصود بالحركة المغزلية؟ إذا حاولت تفسيرَ مفهومها باللغة العادية، فإنه مثل بقيةِ مفاهيمِ الكَمِّ سيراوغك كثيرًا. وقد يُقال لك في أحد «التفسيرات» مثلًا (على نحوٍ صحيح وفقًا للمعلومات المتوفِّرة) أن الحركة المغزلية للإلكترون ليست مثل الحركة المغزلية لِلعبة «نحلة الأطفال»؛ لأن الإلكترون لا بد أن يدور مغزليًّا مرتَين ليعود إلى نقطة البداية. ومرة أخرى، كيف يمكن لموجةِ الإلكترون أن تدور مغزليًّا على أية حال؟ لم يكن هناك مَن هو أسعد مِن باولي عندما تمكَّن بور سنة ١٩٣٢ من التوصُّل إلى أن الحركة المغزلية للإلكترون لا يمكن قياسها بواسطةِ أيِّ تجرِبة كلاسيكية، مثل انحراف أشعة الإلكترونات عن طريق مجال مغناطيسي. ولا تظهر هذه الخاصية إلا في التداخلاتِ الكَمِّية مثل تلك التي ينتج عنها انقسامُ خطوط الطيف، وليس لها أيُّ معنًى كلاسيكي على الإطلاق. وكم كان الأمر سيصبح سهلًا أمام باولي ورفاقه — الذين ناضلوا ليفهموا الذرة في عشرينيات القرن العشرين — لو أنهم تحدَّثوا عن الإلكترون بوصفه يتحرَّك حركةً «حلزونية» بدلًا من «مغزلية» في المقام الأول.

وللأسف فإننا ملتزمون الآن بمصطلح «الحركة المغزلية»، ولا تجدي على الأرجح محاولاتُ استخدام المصطلحات الكلاسيكية في فيزياءِ الكَمِّ. ومن الآن فصاعدًا، إذا صادفتك كلمةٌ غيرُ مألوفة في سياقٍ غيرِ مألوف، فما عليك إلا أن تحاول تغييرها إلى كلامٍ أجوفَ ثم تنظر إليها لترى ما إذا أصبحت أقلَّ جلبًا للهلع أم لا. فلا أحد يفهم ما الذي يحدث «حقًّا» داخل الذرات، إلا أن أعدادَ باولي الكَمِّيةَ الأربعة تفسِّر بالفعل بعضَ السمات المهمة لطريقة إدراج «الكلمات الجوفاء» في «سياقاتٍ أوضح».

باولي والاستثناء

كان فولفجانج باولي واحدًا من أبرزِ العلماء المرموقين الذين أسَّسوا نظريةَ الكَمِّ. وُلِدَ باولي في فينا سنة ١٩٠٠، والتحقَ بجامعة ميونخ سنة ١٩١٨، وقد رافقته سُمعتُه بأنه عالِمُ رياضيات ذو نبوغٍ مبكِّر، وأنهى بحثًا نشره في يناير ١٩١٩ عن النسبية العامة، الأمر الذي أثار انتباه أينشتاين في الحال. ونظرًا لإلمامه بالفيزياء من دروس الجامعةِ ومعهد الفيزياء النظرية، ومن قراءاته، كان تمكُّنه في النسبية عظيمًا حتى إنه كُلِّفَ بمهمةِ كتابة مقال مراجعة متخصص عن هذا الموضوع سنة ١٩٢٠ في موسوعةِ رياضياتٍ مميَّزة. وقد حقَّق هذا المقال المُتقن شهرةً عالمية واسعة للطالبِ ذي الواحد والعشرين ربيعًا في المجتمع العلمي؛ حيث لاقى هذا المقال إطراءً بالغًا من علماءَ من أمثال ماكس بورن، الذي انضمَّ إليه باولي مساعدًا له في جوتينجن سنة ١٩٢١. وانتقل بعدها بفترةٍ وجيزة من جوتينجن، التي ذهب إليها أولًا، ثم إلى معهد بور في الدنمارك. غير أن بورن لم يتأثَّر مِن فقْد باولي؛ حيث كان مساعده الجديد فيرنر هايزنبرج موهوبًا كذلك، ولعب دورًا محوريًّا في تطوير نظريةِ الكَمِّ.9

وحتى قبل أن يُسمَّى العددُ الكَمِّي الرابع لباولي «مغزليًّا»، تمكَّن باولي سنة ١٩٢٥ من استخدامِ حقيقة وجود الأعداد الأربعة ليحُلَّ واحدًا من أهم الألغاز في ذرة بور. في حالة الهيدروجين يستقر الإلكترون الوحيد بطبيعة الحال في أدنى حالةٍ متاحة من حالات الطاقة في أسفلِ سُلَّمِ الكَمِّ. فإذا أثيرَ هذا الإلكترون — ربما بتصادمٍ ما — فقد يقفز إلى درجةٍ أعلى من درجات السُّلَّم، ثم يسقط عائدًا إلى الحالة الأرضية مشعًّا كمًّا من الإشعاع أثناء ذلك. لكن عند إضافة المزيد من الإلكترونات إلى هذه المنظومة، وذلك في حالةِ الذرات الضخمة، فإنها لا تسقط كلها عائدةً إلى الحالة الأرضية، ولكنها تتوزَّع على درجاتِ السُّلَّم. كان بور يتحدَّث عن الإلكترونات على أنها تدور في «أغلفة» حول النواة؛ حيث تنتقل الإلكترونات «الجديدة» إلى الغلافِ الأقلِ طاقة حتى يمتلئ، ثم تنتقل إلى الغلاف التالي حتى يمتلئ، وهكذا. وبهذه الطريقة أنشأ بور الجدول الدوري للعناصر، وفسَّر الكثيرَ من الألغاز الكيميائية. لكنه لم يشرح لماذا أو كيف يصبح الغلاف ممتلئًا، ولماذا يحتوي الغلاف الأول على إلكترونَين فقط، بينما يحتوي الغلاف الثاني على ثمانية، وهكذا.

يقابل كل غلاف من أغلفة بور فئة من الأعداد الكَمِّية، وقد أدرك باولي سنة ١٩٢٥ أنه بإضافةِ عدده الكَمِّي الرابع للإلكترون، فإن عدد الإلكترونات في كل غلافٍ ممتلئ يقابل عدد الفئات المختلفة للأعداد الكَمِّية التي تخصُّ هذا الغلاف. وقد صاغ ما أصبح معروفًا الآن باسم مبدأ الاستثناء لباولي، الذي ينص على أنه لا يمكن لاثنين من الإلكترونات أن تكون لهما الفئةُ نفسُها من الأعداد الكَمِّية؛ ومن ثَم قدَّم لنا السبب وراء الطريقة التي تمتلئ بها الأغلفة في الذرات كلما ازدادت ثقلًا.

في الواقع، جاء كلٌّ من مبدأ الاستثناء واكتشاف الحركة المغزلية للإلكترون قبل أوانهما، ولم يبلغا حالةَ التوافق التام مع الفيزياء الجديدة إلا في نهاية العشرينيات من القرن العشرين، بعد أن تأسَّست الفيزياءُ الجديدة نفسُها. ونظرًا للتقدُّم الجامحِ في الفيزياء خلال عامَي ١٩٢٥ و١٩٢٦، فإن أهمية مبدأ الاستثناء تُغفَل أحيانًا، لكنه في الحقيقةِ مفهوم أساسي وذو تأثير بالغ يماثل مفهوم النسبية، وله تطبيقات واسعة في الفيزياء. ينطبق مبدأ باولي للاستثناء، كما يتضح، على سيمات التي تكون لها حركة مغزلية مقدارها نصف عدد صحيح فردي؛ (1/2)ħ و(3/2)ħ و(5/2)ħ وهكذا. أما الجسيمات التي ليست لها حركة مغزلية على الإطلاق (مثل الفوتونات) أو يكون مقدار حركتها المغزلية عددًا صحيحًا (ħ و2ħ و3ħ وهكذا)، فإن مسلكها يكون مختلِفًا تمامًا، وتتبع في ذلك مجموعةً مختلفة من القواعد. تسمَّى القواعد التي تخضع لها الجسيمات ذات الحركة المغزلية النصفية بإحصاء فيرمي-ديراك، نسبةً إلى إنريكو فيرمي وبول ديراك اللذين توصَّلا إليه خلال عامَي ١٩٢٥ و١٩٢٦. تسمَّى هذه الجسيمات «فرميونات»، وتسمَّى القواعد التي تخضع لها الجسيمات ذات الحركة المغزلية الكاملة بإحصاء بوز-أينشتاين نسبةً إلى الشخصين اللذين توصَّلا إليه، وتسمَّى هذه الجسيمات «بوزونات».

تزامَن العملُ على إحصاء بوز-أينشتاين عامَي ١٩٢٤ و١٩٢٥ مع الجلبة التي أُثيرت حول موجاتِ دي بروي، وظاهرة كومبتون، والحركة المغزلية للإلكترون. ويمثِّل هذا الإحصاء آخرَ مساهمات أينشتاين الكبرى في نظريةِ الكَمِّ (بل في الواقع آخر مساهماته الكبرى في البحث العلمي)، وتُمثِّل أيضًا انفصالًا تامًّا عن الأفكار الكلاسيكية.

وُلِدَ ساتيندرا بوز في كلكتا سنة ١٨٩٤، وعُيِّن أستاذًا في الفيزياء سنة ١٩٢٤ فيما كان يُعرف وقتَها بجامعة دكا الجديدة. وقد تابعَ أعمال بلانك وأينشتاين وبور وسومرفيلد عن بُعد، وكان مدركًا لافتقار قانون بلانك إلى الأساس السليم؛ ومن ثَم بدأ في توجيه قانون الجسم الأسود في طريقٍ جديد، وكانت البداية افتراض أن الضوء يأتي في صورة فوتونات، وهو الاسم المعروفة به هذه الجسيمات الآن. وقد توصَّل إلى صيغةٍ بسيطة للغاية للقانون تتضمَّن الجسيمات العديمة الكتلة التي تخضع لنوعٍ خاص من الإحصاء، وأرسل نسخةً بالإنجليزية من هذا البحث إلى أينشتاين وطلب منه أن يقدِّمها للنشر في مجلة الفيزياء الألمانية «تسايتشريفت فور فيزيك». انبهر أينشتاين كثيرًا بهذا البحثِ لدرجةِ أنه ترجمه إلى الألمانية بنفسِه وقدَّمه شخصيًّا مشفوعًا بتوجيهٍ قويٍّ منه للنشر، وقد نُشِرَ بالفعل في عدد أغسطس ١٩٢٤. وبإزالة كل عناصر النظرية الكلاسيكية واشتقاق قانون بلانك من مزيجٍ من الكموم الضوئية — معتبِرًا إياها جسيماتٍ نسبيةً عديمةَ الكتلة — والطرق الإحصائية، استطاع بوز أن يفصِل نظريةَ الكَمِّ أخيرًا عن سالفاتها الكلاسيكية وحرَّرها تمامًا. ومنذ ذلك الحين، أصبح من الممكن التعامل مع الإشعاع على أنه غازٌ كَمِّي، وتضمَّنت الإحصاءات حسابَ عدد الجسيمات، وليس حسابَ ترددات الموجات.

طوَّر أينشتاين هذه الإحصاءات أكثرَ من ذلك، وطبَّقها على الحالة الافتراضية لمجموعةٍ من الذرات — غاز أو سائل — التي تخضع للقواعدِ نفسِها. وقد اتضح أن هذه الإحصاءات لا تلائم الغازات الحقيقية في درجةِ حرارة الغرفة، ولكنها تصلح تمامًا للتعامل مع الخصائص الشاذة للمائع الفائق من الهيليوم، وهو سائل مبرَّد إلى ما يقرُب من درجة الصفر المطلق؛ −٢٧٣ درجة مئوية. ومع ظهور إحصاء فيرمي-ديراك على الساحة سنة ١٩٢٦، استغرق الأمر بعضَ الوقت حتى يتوصَّل الفيزيائيون إلى تحديدِ أيُّ القواعد يمكن تطبيقُها، وفي أيِّ حالة، وحتى يُقدِّروا أهميةَ الحركة المغزلية التي يكون مقدارها نصف عدد صحيح.

ما يعنينا الآن هو التمييز بين الفرميونات والبوزونات بطريقةٍ يسهُل فهمها. ذهبت منذ عدة سنوات لمشاهدةِ مسرحيةٍ بطولة الممثل الكوميدي سبايك ميليجان، وقبل رفع الستار مباشرةً ظهر هذا الممثِّل القدير بنفسه على خشبة المسرح، وألقى نظرةً شاحبة على عددِ المقاعد الشاغرة في الجزء الأغلى سعرًا من صالة العرض بالقرب من خشبة المسرح. وقال: «لن يجدوا أبدًا مَنْ يشتري هذه التذاكر الآن.» وأضافَ «يمكنكم جميعًا أن تتقدَّموا للجلوس في هذه المقاعد حتى أتمكَّن من رؤيتكم.» نفَّذ الجمهور ما اقترحه عليهم، وتحرَّك كلٌّ منهم إلى الأمام لتمتلئ المقاعدُ الشاغرة بالقرب من خشبة المسرح، بينما تُركت المقاعد شاغرةً في نهاية صالة العرض. إن سلوكنا يشبه سلوكَ الفرميونات الطيبة الحسنة السلوك؛ حيث يشغَل كلُّ فردٍ مقعدًا واحدًا فقط (حالة كَمِّية واحدة)، وبذلك تمتلئ المقاعد بدءًا من أكثرِ المقاعد استحسانًا بجوار خشبة المسرح «الحالة الأرضية»، ثم المقاعد الأبعد «إلى الخارج».

جاء ذلك على عكسِ ما حدث مع الجمهور في إحدى حفلات بروس سبرنجستين الموسيقية. كانت كلُّ المقاعد مشغولةً إلا أنه كان هنالك فرجةٌ صغيرة بين الصف الأول من المقاعد وخشبة المسرح. وعندما أُطفِئت أضواء المسرح وبدأت الفرقة تعزِف بداية مقطوعة «بُورن تو ران» (وُلِدَ ليجري)، هبَّ الجميع من مقاعدهم وتحرَّكوا إلى الأمام واحتشدوا أمامَ خشبة المسرح. احتشدت كل «الجسيمات» في «حالةِ الطاقةِ» نفسِها على نحوٍ لا يمكن تمييزه، وهذا هو الفرْق بين الفرميونات والبوزونات. فالفرميونات تخضع لمبدأ الاستثناء، بينما البوزونات لا تخضع له.

جميع الجسيمات «المادية» المألوفة لنا — الإلكترونات والبروتونات — هي فرميونات، ولولا مبدأ الاستثناء، لما وُجِدت العناصرُ الكيميائية المختلِفة ولا كل المعالم التي يتكوَّن منها عالَمُنا الملموس. أما البوزونات فهي جسيمات شبحية، مثل الفوتونات، وقانون الجسم الأسود هو نتيجةٌ مباشرة لمحاولةِ كل الفوتونات شغْلَ حالةِ الطاقةِ نفسِها. يمكن لذرات الهيليوم أن تحاكي خصائص البوزونات، في ظل الظروف المناسبة، وتصبح مائعًا فائقًا؛ لأن كلَّ ذرة من تحتوي على بروتونَين ونيوترونَين، لهما حركةٌ مغزلية مقدارها نصف عدد صحيح تُنسَّق على نحوٍ معيَّن ليصبح المقدار صفرًا. تُحفَظ الفرميونات أيضًا في التفاعلات بين الجسيمات؛ فلا يمكن زيادة العدد الكلي للإلكترونات في الكون، بينما يمكن إنتاجُ البوزوناتِ بأعدادٍ هائلة، وهي حقيقة معروفة لأي شخص ينير ضوءًا.

ماذا عن الخطوة التالية؟

ومع أنَّ كل شيء يبدو الآن منسقًا ومرتَّبًا على نحوٍ معقول، فإنه بحلول عام ١٩٢٥ كانت نظريةُ الكَمِّ في حالةٍ من الفوضى. لم يكن هناك طريق رئيسي ممهَّد للمضي قُدُمًا، ولكن كان هناك بالأحرى الكثير من الأشخاص الذين يحاول كلٌّ منهم منفردًا أن يسلُك طريقًا منفصلًا عبر الأدغال. كان كبار الباحثين يعرفون ذلك إلى حدٍّ كبير، وصرَّحوا بمخاوفهم وتوجُّساتهم على الملأ، إلا أن القفزة الكبرى كانت في طريقها إلى الحدوث، مع استثناءٍ واحد، من الجيل الجديد الذي دخل عالَمِ البحثِ العلمي بعد الحرب العالمية الأولى، وربما لهذا السبب كانوا منفتحين على الأفكار الجديدة. وقد علَّق ماكس بورن سنة ١٩٢٤ بأنه: «في اللحظة الراهنة، لا يسعُ المرءَ إلا الإدلاءُ ببعض التلميحات القليلة غير الواضحة»، وذلك في حديثه حول الطريقة التي يتعيَّن بها تعديل القوانين الكلاسيكية لتفسيرِ الخصائص الذرية، وفي كتابه عن النظرية الذرية المنشور سنة ١٩٢٥ وعدَ بورن بإصدارِ جزءٍ ثانٍ لإتمام المهمة، وهو الجزء الذي كان يظن أنه «سيظل غير مكتوب لعدة سنوات».10
وبعد محاولةٍ فاشلة من هايزنبرج لحساب تركيب ذرة الهليوم، كتبَ إلى باولي عام ١٩٢٣ معلِّقًا بقوله: «يا للتعاسة»، وهي العبارة التي كرَّرها باولي في خطابه إلى سومرفيلد في يوليو من العام نفسِه، قائلًا: «إنَّ النظرية … مع وجود أكثرَ من إلكترون واحد في الذرات، مدعاةٌ كبيرة للتعاسة.» وقد كتبَ باولي إلى كرونيج في مايو ١٩٢٥ قائلًا: «صارت الفيزياء الآن مضطربةً ومشوَّشةً من جديد»، وبحلول عام ١٩٢٥ كان بور نفسُه متشائمًا مثلهم بشأن المشكلات العديدة التي أحدقت بنموذجه للذرة. وفي يونيو ١٩٢٦ كتبَ فيلهلم فيين — الذي كان قانونه عن الجسم الأسود بمثابةِ منصةِ وثبٍ للقفزة التي قام بها بلانك نحو المجهول — إلى شرودنجر عن «لغز عدم اتصال الأعدادِ الكَمِّية الصحيحة ونصف الصحيحة والاستخدام العشوائي للنظرية الكلاسيكية». كانت كل الأسماء الكبرى في نظريةِ الكَمِّ على درايةٍ بهذه المشكلات، وكانوا جميعًا على قيد الحياة سنة ١٩٢٥ (باستثناء هنري بوانكاريه، وكان لورنتس وبلانك وجيه جيه طومسون وبور وأينشتاين وبورن لا يزالون يمضون قُدُمًا في طريقهم البحثي، بينما بدأ كلٌّ من باولي وهايزنبرج وديراك وآخرين يسطعُ نجمهم ويحقِّقون شهرة كبيرة). كان أينشتاين وبور أبرزَ هذه الشخصيات، ولكن بحلول عام ١٩٢٥ بدأ يكون لكلٍّ منهما آراءٌ علمية مختلفة على نحوٍ لافت. في البداية، كان بور من أقوى المعارضين للكَمِّ الضوئي، ثم عندما بدأ أينشتاين يهتم بدور الاحتمال في نظريةِ الكَمِّ، أصبح بور مؤيده الرئيسي. صارت الطرقُ الإحصائية (التي كان من دواعي المفارقة أن أينشتاين هو مَن أدخلها) حجرَ الزاوية في نظريةِ الكَمِّ، إلا أن أينشتاين كتبَ إلى بورن سنة ١٩٢٠ يقول: «إنَّ مسألةَ السببية تُسبِّب لي الكثيرَ من المتاعب، أيضًا … عليَّ أن أقرَّ بذلك … إنني أفتقر إلى الشجاعة التي تجعلني أفعلُ ما أراه صوابًا.» وقد استمر التحاور بين أينشتاين وبور حول هذا الموضوع على مدى خمسٍ وثلاثين سنة، حتى وفاة أينشتاين.11
يصف ماكس جامير الوضعَ في بداية سنة ١٩٢٥ بأنه «مزيجٌ يبعث على الأسى من الفرضيات والمبادئ والنظريات والأساليب الحسابية»11 ولا بد من حلِّ كلِّ مشكلةٍ في فيزياءِ الكَمِّ باستخدام الفيزياء الكلاسيكية أولًا، ثم تنقيحها وإعادة صياغتها عن طريقِ إدخال الأعدادِ الكَمِّية بوازعٍ من التخمين الملهم وليس التفكير الفاتر. لم تكن نظريةُ الكَمِّ مستقلةً بذاتها وكان يُعْوِزها الترابط المنطقي، إلا أنها ظهرت كما لو أنها كائن طفيلي على الفيزياء الكلاسيكية، نبتة دخيلة بلا جذور. ولا عجبَ أن بورن قد رأى أن الأمر قد يستغرق منه سنواتٍ قبل أن يتمكَّن من كتابة جزئه الثاني الحاسم عن الفيزياء الذرية. وتوافقًا مع القصة الغريبة لموضوعِ الكَمِّ، فإنه خلال بضعة أشهر من الأيام المضطربة التي شهدتها بداية عام ١٩٢٥، لم تُقدَّم إلى المجتمع العلمي المتحيِّر نظريةٌ واحدةٌ عن الكَمِّ، بل نظريتان كاملتان ومستقلتان ومنطقيتان ولهما جذور راسخة.

هوامش

(1) The Solvay Congresses were a series of scientific meetings sponsored by Ernest Solvay, a Belgian chemist who made a fortune from his method for manufacturing sodium carbonate. Because of his interest in more abstract science, Solvay provided funds for these meetings at which the leading physicists of the day were able to meet and exchange views.
(2) The quotes in this passage are taken from A. Pais’s Subtle Is the Lord.
(3) The theorist Peter Debye calculated the “Compton effect” independently at about the same time, and published a paper suggesting an experiment to test the idea. By the time his paper was published, Compton had already done the experiment.
(4) Quotes from de Broglie’s writings, and Bragg, are taken from Max Jammer, The Conceptual Development of Quantum Mechanics.
(5) See Jammer, op. cit.
(6) Which was first detected only in 1932, by James Chadwick, who received a Nobel Prize as a result in 1935, a full two years before the similar recognition of the work of Davisson and Thomson.
(7) Arthur Compton had, in fact, speculated that the electron might spin back in 1920, but this idea had been aired in a different context and Kronig was not aware of it.
(8) The 2π comes in because there are that many radians in a complete circle, 360°. The fundamental unit h/2π is usually written as h. More of this later.
(9) See, for example, The Born-Einstein Letters. In a letter dated 12 February 1921, Born says, “Pauli’s article for the Encyclopaedia is apparently finished, and the weight of the paper is said to be kilos. This should give some indication of its intellectual weight. The little chap is not only clever but industrious as well.” The clever little chap received his PhD in 1921, shortly before his brief spell as Born’s assistant.
(10) Quotes in this section taken from the epilogue to volume 1 of Mehra and Rechenberg.
(11) The Conceptual Development of Quantum Mechanics, page 196.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤