قد تبين الرشد من الغي

قبل أن يجري القلم في هذه الكلمة نصحح قولًا جئنا به في بعض ما كتبناه؛ فقد ظننا أن أستاذ الجامعة أخذ فكرة الشك في شعر الجاهلية عن المستشرق مرجليوث، ولكن أحد الفضلاء نبهنا إلى أنه قبل جحا قد كان أبو دلامة، فإن هذه الفكرة من آراء مستشرقي الألمان، وهي مبسوطة بكثير من أدلة طه حسين في كتاب «الشعر العربي قبل الإسلام» المطبوع في باريس سنة ١٨٨٠، فيسرُّنا والله وأن نباهي الأمم كلها بجامعتنا المصرية التي جاءت في تاريخ الدنيا بمعجزة فوق المعجزات؛ إذ ظفرت لتدريس الآداب العربية بأستاذ عظيم تُسرَق آراؤه وتطبع وتنشر في أوربا قبل أن يولد هو في مصر ببضع سنوات.

وما زالت بلادنا هذه مرزأة مسكينة لا تبرح الأقدار تمسها في كنوزها الغالية وترميها بالمتلصصة من آفاق الأرض، فما كفى أوربا أن تسرق آثار ملوكها وفراعنتها بعد موتهم، بل اجترأت كذلك فسرقت آراء الفرعون العظيم طه حسين قبل ولادته.

أما بعد أيتها الجامعة فإنما نخاطبك ونكتب لك وحدك، وإياك نعني، وعلى قدرك ما أجملنا وفصلنا؛ لأنك مؤتمنة على عقائد أبنائنا ونراك خائنة، وفيك مثابة العلم ونراك جاهلة، وإليك الرأي في هذا الأدب ثم لا يُسِفُّ ولا يسقط في الرأي غيرك؛ وقد كان الظن بك أن للعلم حرمة وللأمانة موضعًا فيك، وأنك تعلمين الفرق بين علم مفروغ منه وعلم قد بُدئ فيه، وبين العقل العام الذي يجتمع من صواب العلماء جميعًا، وبين العقل الخاص الذي يحمله كل عالم وكل جاهل، وكنا نرجو بذلك أن تدركي أن الأدب لا يلبس ثياب طه حسين ولا يحيا بحياته ولا يموت بموته، وأن هذا الرجل هو مرآتكِ في الأمة، فهو رادُّكِ إلى طبعه وخلقه، وممثلكِ بجهله وحمقه، ودامغكِ بزيغه وإلحاده؛ فتعالَمْتِ به حتى فَضَحَكِ جهلُه وأمنتِ له حتى لبسكِ كفره؛ ثم أنتِ بعد ذلك لا خطأ نفيتِ ولا صوابًا أتيتِ، بل ذهبتِ بنفسك؛ غرورًا منك بأن اسمك الجامعة، وتعصبًا لباطل أستاذكِ الملحد واستكبارًا في الأرض ومكر السيئ، فكنتِ ما كنتِ، إلى صلابة وعناد، وإلى شدة ونكاية؛ وملتِ إلى ناحية الازدراء بالأمة والتهكم بدينها والتحقير لعلمائها وأدبائها، كأن ليس في كل أولئك عالم ولا أديب، وكأن مجموعة الأمة المصرية لا توزن عندك «بابن الجامعة البكر»؛ لأن قلبك يزيد فيه حتى يصير جبلًا، وينقص من الأمة حتى ترجع حصاة، والميزان ميزان قلبك؛ ثم هو في يدك المتصلة بهذا القلب؛ فسبحان الله!

كأننا لا نجادلكِ في العلم والأدب ولكن نعذلكِ في العشق والهوى، وأضْيع شيء ما تقول العواذل! فما بكِ إلا الخلاف والمكابرة والإصرار واعتداد كل سيئة من سيئات المحبوب حسنة من حسنات الحب.

فلقد صار لنا أن نفهم أن الأمر عندك إنما هو بين أشخاص وأمزجة ومصالح تجعل علماء الدين في مصر بأسمائهم وألقابهم وإجازتهم كأنهم صفحة مكتوبة تقرأ وترمى في سلة المهملات، أما طه وحده فهو الحي العالم القادر المتكلم، الابن البكر الذي تجعله شهادة السوربون كأنه الآية الناسخة، ثم لا تكون الآية المنسوخة إلا الأزهر الشريف، على حين لا يكون الخلاف إلا دينيًّا وفي كتاب الله.

وصار لنا أن نفهم أن هذه التي تسمى الجامعة المصرية لا تبالي حسن أثرها على الأمة أو سوء أثرها عليها، ولا تعبأ بسمعة تُمدح أم تُذم، كأنها هي وحدها مركز المخ من الجسم المصري، أما سائر الناس والطبقات فجلد وعظم وأدوات وشيء كالصبغة فيما تغله على صاحبها، أو نحو من هذا التشبيه أو قريب من نحوه، فإن سقط رجل فيها كطه حسين ونبذته الأمة كلها لم يكن للجامعة هَمٌّ إلا أن تشدَّه إلى كرسيه ولو بالحبال، وتثبته ولو بالمسامير، كأنما وظيفته في الجامعة أن لا يتركها وحسب.

أما العلم والأدب فكل كلام هو علم وأدب ما دام قائله «ابن الجامعة البكر» وما دام التمييز مفقودًا والأهواء ملتبسة؛ إذ البغية عندهم كما وضح لنا وللناس جميعًا أن يجد أستاذ الأدب عيشه لا أن يجد الأدب أستاذه، والأمران مختلفان جدًّا كما ترى وبينهما بعد باعد لا تقريب فيه.

نسأل الجامعة سؤالًا مكشوفًا لتجيبنا عليه إن استطاعت أن تجيب بعد ذلك السكوت منها: من الذي يصلح من رجالها والقائمين عليها أن يكون حكمًا فيما شجر بينها وبين الأدباء من خلاف؟ فهم يرمون أستاذها بالجهل في تاريخ الأدب ويهدمون عليه دروسه وينقضون آراءه، وذلك إما حق فينفذ، وإما باطل فيُرد؛ فمن عساه يقول هذه الكلمة الفاصلة من أساتذة الجامعة ورجالها؟ ومن هو الذي يرى في نفسه قوة في هذا العلم ويكون من أهله بهذا الموقع، وما علمنا أن في الجامعة الأصمعي ولا أبا عبيدة ولا الجاحظ ولا من فيه من هؤلاء وأمثالهم رائحة، وليس في الأرض كلها من يقول: إن عالمًا بالقانون هو من أجل ذلك عالم بالأدب، وإن فيلسوفًا في العقليات هو بفلسفته مؤرخ للشعر وللكتابة، وما كل من يُحسن شيئًا يحسن كل شيء.

ولقد ادعى الأدباء والعلماء وجاءوا بالبينة وساقوا الحجج وأثبتوا للجامعة إلحاد شيخها وضعف رأيه وسوء فهمه وعقم استنباطه، وأنه على ذلك نزر المادة يتوسع فيها بأشياء من نفسه يسميها التحليل والمنطق، لا بالأسباب التي تكون المادة نفسها مما يسمى بالنصوص والعلل ونحوها، قد أقيمت الدعوى فأين القاضي؟ أتريد هذه الجامعة أن تتهزأ بالعلماء والأدباء جميعًا، وأن تتغفل الأمة كلها فتضع لطه حسين لحية كثة على عارضيه وفروة بيضاء على رأسه وتخرجه للناس يقول: نحن قاضي الجامعة، فُتحت الجلسة، وحكمنا أن طه حسين لم يلحد في دين الله ولن يلحد فيه، ولم يخطئ في تاريخ الأدب ولن يخطئ، ولم ولن عشر مرات على بياض، ليضع فيها طه حسين ما شاء كلما شاء؟!

أيتها الجامعة، لا نسألكِ إنصافا ولا بعضًا من الإنصاف، ما دمتِ تخصين أستاذك بالمراعاة وبفضل من المراعاة، ولكن ويحكِ! ما أنتِ صانعة في تاريخ الأدب؟ ومن الذي ورثكِ إياه أو وقفه عليكِ حتى يكون علمكِ هو العلم وحده؟ وأية قوة هذه التي تجعل الغلطة منكِ ذات عنصر ليس في الغلط حتى لا يطمع أحد في تنبيهكِ إليها أو حسابكِ عليها؟ وفي هذا القياس من الذي يجعل حديدكِ ذهبًا، وثلجكِ البارد لهبًا، وحَطَبكِ عود الندِّ، وجَزْرَكِ أعلى المد، سبحانكِ بيدكِ الخيرِ، وأستاذكِ ولا غير، وورثتِ مُلك سليمان «بعفريت»، وملكت حرارة الشمس في علبة كبريت …

أما إنه عزيز علينا والله أن يجري بنا القول إلى هذا المعنى، ولكن الكلام لا مَفَادة له إلا من الواقع، وما كان لنا أن نرى في المرآة قفًا عريضًا ثم نقول في وصفه: تبارك الله! ما أبدع سحر العين! وما أحلى ندى الابتسام على ورق الشفتين! وهذا الخد قافية في شعر الورد، وذاك الفم على وزن الدم، ويا عليل الطرف أين منك الدوا! وما هذا الحاجب إلا «حاجب» محكمة الهوى!

•••

وبعد: فلندع الجامعة في أستاذها ولتسخر من الأمة ما شاءت، ولكنا نريد أن نفهمها أن السماجة كل السماجة في أستاذها أنه يزعم في كتابه تصحيح الحياة الأدبية الإسلامية، وقد علم أنه ما كان فيها ولا شارك أهلها ولا أحاط بأسبابها، ولا هو يتولاها بالذهن اللطيف والبصيرة النافذة والطبع الشعري وما يشبه أفكار أهلها ومنازعهم وأغراضهم، بل يزعم في غرور أي غرور أنه تجرد من العاطفة والدين؛ ليدرس ويستثبت ويحقق، وهو لو كان على علم وبصر وكان قد توفر على ما هو بسبيله من هذا الأدب للبس ولم يتجرد، فكان يكسو فكره وخياله عواطف العرب وأذواقهم وعادتهم وطبائع عصرهم، ويقارب أذهانهم الحداد وقرائحهم القوية، ثم يقول بعد ذلك في تاريخهم، وتاريخ أدبهم وينكر ويثبت، فإنه أحرى أن يقبل منه؛ إذ يكون كأنه اتصل بالحادثة التي يؤرخها بمثل ما يرده العيان والمشاهدة على من عاين وشاهد، وكأنه شارك فيها بإيجاد وخلق، فمن ثم لا يقول فيها من هو أصدق منه أو أقرب إلى الصدق؛ ويكون فيما يحيكه أو يصفه أو يستنبطه كأنه بقية دهر تصف دهرها، فما ثم إلا القبول منه والمصير إلى قوله ورأيه؛ وينزل عصره منه منزلة الفتى الناشئ الذي يسمع لقصة الهرم الفاني الذي يقصها عن نفسه.

من أين للفكر المستفاد من عصرنا هذا عصر الشك والإلحاد أن يستبطن خفايا العصور المؤمنة الغالية في إيمانها، ومن أين للعقل الذي تنشئه أسباب التخنث ويقوم على النعمة واللين والحياة الوادعة أن يمضي في أسرار الأعصر المخربة المدمرة البالغة في جبروتها؟ وليت شعري عن أستاذ الجامعة؛ إذ يجانس فكره الغربي الأوربي ذلك الفكر الشرقي العربي حتى يقع التمازج بينهما، هل يكون كلا الفكرين إلا سبًّا للآخر ونقضًا عليه؛ كما ظهر في كتابه الذي سبَّ تاريخ الأدب به، وسبَّه به تاريخ الأدب؟

أنت يا راكب السيارة وممتطي القطار، تزعم أن الحمق أشد الحمق أن تمتطي الناقة أو تركب الجمل فتزري عليهما وتحقر شأنهما وتقول فيهما ما يبلغ لؤم القول، ثم تجاوز بهذه السمة إلى أهل الناقة والجمل، ثم تتعداهم إلى عصرهم فتقول عصر البطء والبلادة والقلة وضياع الوقت والإسراف في إنفاق العمر وكيت وكيت؛ ولكن أيها الأحمق، غامر بنفسك مرة في الصحراء وارتمِ هناك بين العرض والطول الملتبسين في خيط واحد، ثم اجمع شواهدك وحججك واستعرضها حجة حجة ودليلًا دليلًا فإنك سترى الجمل يهدم عليك ذلك المنطق كله ببعره، وستتعلم هناك منطقًا آخر تؤمن فيه أشد الإيمان بأن الناقة والجمل ليسا من الحيوان، بل هما الكوكبان اللذان خلقهما الله بقدرته لتلك السماء من الرمل.

إن أقوى أسباب الخطأ في تاريخ الأدب شيئان: ضعف الفكر عن النفاذ في إدراك الأسرار التي انطوى عليها ذلك التاريخ، وضعف المادة التي تجمع لك صور التاريخ، وتعيين أجزاء هذه الصورة وتحقق أوضاع هذه الأجزاء؛ أما الفكر فلا نفاذ له إلا أن يكون فكر شاعر كاتب بليغ على أصل من الفلسفة والذكاء الشفاف والعلم العربي، وأما المادة فلا قيمة لها ما لم تكن من الاتساع بحيث تتناول عصرًا عصرًا ورجلًا رجلًا وما نقص من ذلك، فالنقص في التاريخ بحسبه وعلى مقداره.

ولنضرب مثلًا بأستاذ الجامعة؛ فقد صنع فصولًا في أبي نواس جعل فيها هذا الشاعر الماجن الخليع المتخنث دينًا لعصره ومذهبًا للحياة في زمنه، فقال: إنه كان عصر شك وإلحاد وزندقة؛ وغفل عن قول الأصبهاني جامع شعر أبي نواس: «إن تعاطيه لقول الشعر كان على غير طريق الشعراء؛ لأن جل أشعاره في اللهو والغزل والمجون والعبث كأشعاره في وصف الخمر ولغة النساء والغلمان، وأقل أشعاره مدائحه، قال: وليس هذا طريق الشعراء الذين كانوا في زمانه.»

فإذا كان هذا النص صريحًا قاطعًا في أن شعراء زمن أبي نواس كانوا على غير طريقته فكيف يكون الزمن نفسه على طريقته؟

وما دمنا في طه حسين فلنضرب به هو مثلًا؛ فقد جاء في كتابه «الشعر الجاهلي» بمخزيات كثيرة من الإلحاد والتهكم بالدين، فإذا مضت ألف سنة ثم جاء أديب في مثل فكره وفهمه العجيب فوقف على كتابه أو نَبْذٍ منه أفلا يقطع بهذا الدليل إذا لم يجد غير هذه المادة من التاريخ أن الجامعة المصرية كانت في سنة ١٩٢٦ معهد كفر وإلحاد، ثم ينساق به الفكر إلى الأمة المصرية فيستنبط أنها كانت بقضِّها وقضيضها أمة كافرة ملحدة؛ لأن الجامعة هي أكبر مدارس الحكومة، والحكومة أقوى مظاهر الأمة الدستورية، ولكن هذا الأحمق — مقدمًا وسلفًا — إنما يقع في هذا الخلط الشنيع من ضعف استجماعه لمادة التاريخ وإن كان سديد الرأي صحيح القياس، فلو هو اطلع على برقيات المعاهد الدينية المذيلة بأسماء جميع علمائها وعلى قرار علماء الأزهر، وعلى احتجاج الشعب المصري، وعلى ما كتبه الأساتذة الكبار، وعلى مقالاتنا الضعيفة أيضًا، لعلم من ذلك فضيحة الجامعة فتغير رأيه، فتغير حكمه، فتغير التاريخ الذي يجيء به ويؤلفه.

لا جرم كانت المادة المحفوظة هي التي تنشئ التاريخ إنشاءً على حسبها فلا تجزئ عنها الفلسفة ولا الفكر ولا مذهب ديكارت ولا مذهب طه حسين؛ إذ هي وحدها سبيلنا إلى ما لا يمكن أن نلحق به أو يرجع إلينا، أما اتهام الرواية والجرح والتعديل وما كان من الانتحال بزيادة أو نقص ولسبب وغير سبب، فهذا وما يجري مجراه عمل الفكر الذي أفيضت عليه تلك المادة لا الذي انحسرت عنه، فعلى قدر ما يعجز المؤرخ عن استيعاب المادة يكون عجز فكره، ويدخل رأيه من الخلل والاضطراب والنقص بمقدار ما عسى أن يكون في تلك المواد التي سقطت عنه من الإحكام والضبط والزيادة وغيرها من أسباب الرأي، ولن يسلم مؤرخ الأدب من ذلك ولن يكون لفكره نفاذ ولن يكون رأيه رأيًا إلا إذا أزاح هذه العلة بالاطلاع والجمع والاستقصاء؛ وذلك ما نبهنا إليه الجامعة في غير موضع من كلامنا، لنعلم أن المطلب بعيد والطريق وعر، وأن تاريخ الأدب ليس مقالة إلى مقالة ولا فكرة إلى فكرة، ولا هو من باب الكلام الصحفي، ولكنه مادة إلى مادة وتحقيق إلى تحقيق؛ فتعاير كتاب أستاذها بهذا المعيار، ولتبحث فيه عن المادة قبل الرأي، فإنها ستراه كله خلطًا أحدثه تمازح عصرين متناقضين، أحدهما: عصرنا هذا بما فيه مما يعرف الأستاذ عيانًا وتصديقًا، والآخر: عصر العرب بما كان فيه مما لا يعرف إلا بعضه وهمًا وتكذيبًا؛ لأنه لا ينساغ في طبيعته المعتلة الزائغة التي أفسدتها العقلية الأوربية.

ومتى سُلِّط الفكر التاريخي بالمشاهدة على الوهم وبالتصديق على التكذيب وكان لا يجري في ذلك إلا بميل وهوى، لم يبقَ من التاريخ شيء، فإن بقي شيء لم يكن تاريخًا بل عملًا كتابيًّا يُكدُّ فيه الذهن ويُعْنِتُ الخاطر لغرض من الإبداع أو الإغراب أو التفلسف أو التضليل ونحوها من الأغراض العقلية أيها كان إلا غرض التاريخ.

وانظر كيف يصنع هذا الخلط، قال أستاذ الجامعة في صفحة ٥٢: «وفي الحق أن النبي لم يكد يدع هذه الدنيا (هذا تعبير المبشِّرين، كأنه حازها ثم تركها، أما التعبير الإسلامي فهو: لم يكد يلحق بربه، أو بالرفيق الأعلى) حتى اختلف المهاجرون من قريش والأنصار في الخلافة أين تكون ولمن تكون، وكاد الأمر يفسد بين الفريقين لولا بقية من دين «كذا كذا، بقية فقط في أصحاب رسول الله » وحزم نفر من قريش، ولولا أن القوة المادية كانت؛ إذ ذاك إلى قريش (وهذا كذب على التاريخ) فما هي إلا أن أذعنت الأنصار وقبلوا أن تخرج منهم الإمارة، وظهر أن الأمر قد استقر بين الفريقين، وأنهم قد أجمعوا على ذلك، لا يخالفهم فيه إلا سعد بن عبادة الأنصاري الذي أبى أن يبايع أبا بكر وأن يبايع عمر وأن يصلي بصلاة المسلمين وأن يحج بحجهم، وظل يمثل المعارضة قوي الشكيمة ماضي العزيمة حتى قُتل غيلة في بعض أسفاره، قتلته الجن فيما يزعم الرواة.» انتهى.

ثم قال في صفحة ٧١: وأعجب من هذا أن السياسة نفسها قد اتخذت الجن أداة من أدواتها (نهنئ الجامعة) وأنطقتها بالشعر في العصر الإسلامي نفسه؛ فقد أشرنا في الفصل السابق إلى ما كان من قتل سعد بن عبادة؛ ذلك الأنصاري الذي أبى أن يذعن بالخلافة لقريش، وقلنا: إنهم تحدثوا أن الجن قتلته، وهم لم يكتفوا بهذا الحديث وإنما رووا شعرًا قالته الجن تفتخر فيه بقتل سعد بن عبادة هذا:

قد قتلنا سيد الخز
رج سعد بن عباده
ورميناه بسهميـ
ـن فلم نخطئ فؤاده

انتهى كلام الشيخ. وسنقف هنا وقفة نبين لك فيها ضلالة هذا الرجل وخلطه وتعمده الكذب وقلة تحفظه وأخذه على نفسه فيما يقوله ويراه، وستطلع من ذلك على دخيلة نفسه الخبيثة وتعلم يقينًا أن غايته تحقير الإسلام وتهوين أمره، وأنه كالمكره على أن يسوق كلامه مساق الشبهة مع أنه في سعة من التاريخ ونصوصه واللغة وأساليبها، وأنه دائمًا يتبع طريق الزنادقة في جعل الكلام مقدمات فاسدة ثم الإمساك عن النتيجة الآتية منها فلا يصرح بها بل يدع الطالب يستخرجها بفكره؛ ليجعل ذلك من عمله فيكون ألصق به وأشد تأثيرًا في نفسه وعقله، ويخرجه ذلك إلى أن يعتقد ما انتهى إليه ويتأدَّى به الشك إلى التهمة، وتسلمه التهمة إلى ما لا يسلم عليه إيمان ولا يصح به يقين.

يصور الشيخ سعد بن عبادة كما تفهم أنت من موقف كموقف الحزب الوطني في البرلمان مثلًا، فهو يمثل «المعارضة»، وظل يمثلها إلى أن قتل، أي سنة خمس عشرة للهجرة على بعض الأقوال، وبعد وفاة أبي بكر — رضي الله عنه — بنحو سنتين، والمعارضة إنما كانت معارضة حين نشأت مسألة الخلافة فما بقاؤها بعد أن استوثق الأمر، وهل تسمى بعد إجماع الأمة عصيانًا وخروجًا أو معارضة يمثلها رجل سياسي؟ ثم يقول: إن سعدًا هذا كان لا يصلي بصلاة المسلمين … إلخ، فهل يفهم القارئ من هذه التعمية إلا أنه كان يصلي بصلاة النصارى أو اليهود، مع أن صريح المعنى فيها أن الرجل كان يصلي بصلاة المسلمين لم يغير ولم يبدل، ولكنه يصلي وحده وفي بيته لا مع الجماعة في المسجد. ثم يقول: إن الجن قتلته غيلة في بعض أسفاره، والرجل لم يُقتل؛ وإنما سار إلى الشام وأقام بحوران إلى أن مات ووجدوه ميتًا على مُغتسله، ولم يختلف المؤرخون في ذلك؛ وإنما يذهب شيخ الجامعة إلى جعل القتل سياسيًّا لمكان «المعارضة» حتى يحسن التلفيق، وهذا أفضح لجهله، فما حاجة المسلمين إلى قتل رجل ضعيف مغترب وقد استقر الأمر وبويع أبو بكر ثم بويع عمر ومضت سنتان على ذلك ولم يُقتل، ولا فتنة ولا خلاف ولا شيء مما يدعو إلى القتل غيلة؟ ثم يقول: إن السياسة التي قتلته أنطقت الجن بذينك البيتين، وإنهم تحدثوا ورووا؛ وكل ذلك جهل من الأستاذ؛ والخبر أن قريشًا وضعت فيما وضعت من الشعر بيتًا نحلته الجن في سعد بن عبادة وسعد بن معاذ، فزعموا في أول الإسلام أنهم سمعوا صائحًا يصيح ليلًا على جبل أبي قبيس:

فإن يُسلم السعدانِ يصبحْ محمدٌ
بمكة لا يَخشى خلاف مخالِف

لِمَا كان لهذين الرجلين من الشأن والخطر في قومهما، حتى إن النبي استشارهما في غزوة الخندق دون سائر الناس، فلما كانت هذه من أولية سعد زعم ابن سيرين في قصصه أنه لما مات بالشام عُرف خبر موته في المدينة «بالتلغراف»، ولا تلغراف يومئذ إلا من الجن، فزعم أنهم لم يشعروا بموته بالمدينة حتى سمعوا قائلًا من بئر وأنشد البيتين، فأنت ترى لطف الصنعة في هذه الرواية ورقتها وحسن سبكها، فإن الصائح الأول قبل إسلام سعد كان على ظهر جبل، والصائح الآخر بعد موته كان في قعر بئر، وكل ذلك تعظيم لشأن سعد، ولا سياسة ولا قتل ولا زندقة، وإنما قيل في الشعر — قد قتلنا — لأن عبارة ابن سيرين في ذلك أن الرجل كان قائمًا يبول فاتكأ فمات، فهذه الفجاءة هي ما يسمونه قتلًا من الجن، وهي كثيرة في أخبارهم؛ ولا يذهبن عنك أنه إذا صح أن الرجل قتلته السياسة فما قتله إلا عمر بن الخطاب، وما أشنعها تهمًا أخزى الله قائلها!

ويبقى بعد كل هذا أن شيخ الجامعة قد جانب الفكر وترك التحليل في هذه الحادثة، مع أنه كثيرًا ما يقول في كتابه: وَفِقْه هذه الرواية كيت كيت، فما باله غفر الله له؟ ونحن نقول له: إن فِقْه هذه الرواية: أن سعد بن عبادة كان سيد الأنصار وأجودهم وصاحب رايتهم في المشاهد كلها، وكان غيورًا حتى ورد فيه الحديث: «إن سعدًا لغيور، وإني لأغْيَر من سعد، والله أغْيَر منا؛ وغيرة الله أن تؤتى محارمه.» وكان يرمي بهمته بعيدًا، حتى كان من دعائه: «اللهم هب لي مجدًا، لا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال، اللهم إنه لا يصلحني القليل ولا أصلح عليه»، فهذه كلها أخلاق الرجل وطباعه، فلما لحق النبي بربه طمع في الخلافة لمكانته وسابقته، وكان وقتئذ مريضًا لا يسمع صوته، حتى إنه لما اجتمعت له الأنصار قال لابنه: لا أقدر لشكواي أن أسمع القوم كلهم ولكن تلقَّ مني قولي فأسمعهموه، فكان يتكلم ويحفظ الرجل قوله فيرفع صوته فيسمع أصحابه، فلعل هذا المريض لو كان صحيحًا لصح رأيه ولم تغلبه الفلتة الجاهلية ودخل فيما دخل الناس فيه، وهو إن كان قد غضب بعد أن تولاها أبو بكر فما غضب على المسلمين كافة ولكن على الأنصار بخاصتهم؛ لأنهم قومه الذين خذلوه، وإذا كان هذا كان الزعم أنه «يمثل المعارضة» زعمًا مضحكًا.

ثم يبقى قول أستاذ الجامعة: «ولولا أن القوة المادية كانت إذ ذاك إلى قريش» وما ندري من أين جاء بهذا إلا أن يكون سخافة من سخافاته، كأنه خيل إليه أن الأنصار لو كانوا يملكون القوة المادية لذهبوا بالخلافة فلما ذهبت بها قريش كان ذلك نصًّا على أن القوة كانت فيهم.

وهذا الأستاذ والله في حاجة شديدة إلى طبيب يحميه الاستنتاج كما يُحمَى المريض الأطعمة الغليظة، ونحن نشير عليه أن يرحم نفسه فلا يحمل ذهنه على هذا النوع الدقيق من معاناة الفكر، فإن لم يرحمها فليرحمنا.

كيف تكون القوة المادية في قريش، وفي خبر اختلاف الأنصار معهم أن الحباب بن المنذر قال: يا معشر الأنصار، املكوا على أيديكم، فإن أبوا عليكم ما سألتموه فأَجْلُوهم عن هذه البلاد، أنتم والله أحق بهذا الأمر منهم، فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين مَن دان.

أفيكون هذا كلام الأنصار ومنطق أسيافهم ومبلغ عزيمتهم ثم تكون القوة المادية إلى قريش ولا تذعن الأنصار إلا خوفًا ورهبًا من هذه القوة لا رغبة ولا إسلامًا ولا إيمانًا ولا إرادة وجه الله ولا تأثرًا بعاطفة؟ ثم ما معنى «القوة المادية»؟ أكانت وزارة الحربية في قريش؟ أم كانت في أيديهم مصانع الذخيرة؟ أم كان سلاحهم السيوف والرماح وسلاح الأنصار العصي والنبابيت …؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤