الفصل الثالث

عهد معاوية بن يزيد ومروان بن الحكم

٦٤-٦٥

(١) عهد أبي ليلة معاوية الثاني

هلك يزيد وعبد الله بن الزبير خليفة في الحجاز، وقد بلغ نعي يزيد إلى ابن الزبير، قبل أن يبلغ الحصين بن نمير قائد الجيش الشامي المَقاتل لابن الزبير، فنادى ابن الزبير حصينًا، وقال: علامَ تقاتل وقد هلك طاغيتكم؟! فلم يصدِّقه حتى جاء الخبر، فبعث إلى ابن الزبير يهادنه ويقول: موعد ما بيننا الليلة في الأبطح، فالتقيا وتحادثا، فاستطاع ابن الزبير أن يجتذب حصينًا، فقال له: هلم نبايعك، ثم اخرج معنا إلى الشام، فإن هذا الجند الذي معي هم وجوه أهل الشام ورؤساؤهم، فوالله لا يختلف عليك اثنان، وتؤمِّن الناس، وتهدر هذه الدماء التي كانت بيننا وبينك وبين أهل الحرم.

فقال: أنا لا أهدر الدماء، والله لا أرضى أن أقتل بكل رجل منهم عشرة منكم.

وأخذ الحصين يكلمه سرًّا وهو يجهر ويقول: والله لا أفعل. فقال الحصين: قبح الله من يَعُدك بعدُ أديبًا أو داهيًا؛ وقد كنت أظن أن لك رأيًا، وأنا أكلمك سرًّا وتكلمني جهرًا؛ وأدعوك إلى الخلافة، وأنت لا تريد إلَّا القتل والهلكة؟! ثم فارقه، ورحل هو وأصحابه إلى المدينة. وندم ابن الزبير على ما صنع، فأرسل إليه يقول: أما المسير إلى الشام فلا، ولكن بايعوا لي هناك فإني مؤمِّنكم وعادل فيكم. فقال الحصين: إنْ لم تقدم بنفسك لا يتم الأمر، فإن هناك ناسًا من بني أمية يطلبون هذا الأمر. وسار الحصين إلى المدينة، ثم خرج معه بنو أمية إلى الشام، ولو خرج معهم ابن الزبير لم يختلف عليه أحد، فوصل أهل الشام دمشق، وقد بويع معاوية بن يزيد، فلم يكن إلَّا ثلاثة أشهر حتى هلك، وقيل بل ملك أربعين يومًا، ومات وعمره إحدى وعشرون سنة وثمانية عشر يومًا.١

وقد اضطربت أقوال المؤرخين في فترة خلافته، كما اضطربت في سبب تخليه عنها، فقال بعضهم: إنه هو الذي تخلَّى، وذهب آخر إلى أنه كان مريضًا مرضًا يمنعه من القيام بالأمر، وقيل: إنه كان مكرهًا على ذلك وأنه قد دُسَّ له سمٌّ فقُتل.

قال ابن الأثير: بويع معاوية فلم يمكث إلَّا ثلاثة أشهر حتى هلك، وقيل بل ملك أربعين يومًا ومات. ولما كان في آخر إمارته أمر فنودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإني ضعفت عن أمركم، فابتغيت لكم مثل عمر بن الخطاب حين استخلفه أبو بكر فلم أجده، فابتغيت سنته مثل أهل الشورى فلم أجدهم، فأنتم أولى بأمركم فاختاروا له من أحببتم، ثم دخل منزله وتغيب حتى مات مسمومًا، وكان معاوية أوصى أن يصلي الضحاك بن قيس بالناس حتى يقوم لهم خليفة، وقيل لمعاوية لو استخلفت، فقال: لا أتزود مرارتها وأترك لبني أمية حلاوتها.٢
وقيل: إن معاوية بن يزيد كان قدريًّا؛ لأن عمر المقصوص أحد أئمة الكلام من المعتزلة القدرية كان علَّمه وهذَّبه فأدخله في مذهبه، ولما صار إلى الخلافة سأل أستاذه في أمرها فقال له: إما أن تعتدل أو تعتزل، ففكر طويلًا ثم عزم على أن يخطب الناس، فخطبهم الخطبة السابقة، فوثب بنو أمية على عمر المقصوص وقالوا: أنت أفسدته وعلَّمته! فطمروه ودفنوه حيًّا.٣

(٢) عهد مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس (٦٤-٦٥)

لما اعتزل معاوية انقسم الناس ثلاثة أقسام: قسم مع ابن الزبير، وهم أهل الحجاز وكثير من أهل الشام، وقسم مع بني أمية وهم بعض أهل الشام (كان اليمنية بزعامة كلب مع بني أمية، ولكنهم انقسموا قسمين: قسم منهم مع خالد بن يزيد الأديب العالم ولكنه صغير، وقسم مع مروان بن الحكم، وكان القيسية بزعامة الضحاك بن قيس مع عبد الله بن الزبير)، وقسم مستقلون لا يميلون إلى هؤلاء ولا أولئك.

أما ابن الزبير فقد بايعه أهل الحجاز، وكثير من المصريين، وأكثر الشاميين، وكاد يستتب له الأمر، فاتخذ مكة مركزًا له وتَسَمَّى بأمير المؤمنين، وكان مروان بن الحكم أكبر الأمويين، ومن أكثرهم دهاءً وسياسةً وحنكة، فدعا لنفسه وقر رأي أهل الشام على أن تجتمع بالجابية من أرض حوران، وتناظروا في الأمر، فلما اجتمعوا قام روح بن زنباع الجذامي فخطب الناس، وقال: يا أهل الشام هذا مروان بن الحكم، شيخ قريش، والطالب بدم عثمان، والمقاتل لعلي بن أبي طالب يوم الجمل ويوم صفين، فبايعوا الكبير. فاتفقوا على مبايعة مروان، ثم خالد بن يزيد، ثم عمرو بن سعيد بن العاص من بعدهما، وأرادوا أن يقصدوا دمشق، وكان الضحاك بن قيس قد تغلب عليها، فلما بلغه بمقدم روح بن زنباع ومروان بن الحكم خرج للقائهما في جمع كبير، قيل هو ثلاثون ألفًا، وكان مع مروان وروح ثلاثة عشر ألفًا، فالتقى جمعاهما عند مرج راهط في محرم سنة ٦٥، وجرت معركة كبيرة بين الجانبين قُتل فيها الضحاك بن قيس، وتفرق جمعه، وهرب كثير من رجاله واستقرَّ مروان بدمشق، وهكذا انتصرت قبائل قيس العدنانية على قبائل الضحاك القحطانية.٤ وقد أذكت هذه المعركة نار العصبية الجاهلية بين العدنانية والقحطانية لا في الشام وحسب، بل في كافة أرجاء العالم الإسلامي، وبخاصة في خراسان، ولقي المسلمون من جرَّاء ذلك عنتًا، وقامت بين الجانبين حروب ومعارك استمرت إلى أيامنا هذه.
ولما استقر الأمر لمروان في الشام، سار هو وابنه عبد العزيز إلى مصر؛ لقتال عبد الرحمن بن جحدم، عامل ابن الزبير عليها، حتى بلغ أيلة «قرب العقبة»، فأخذ جحدم يستعد للقائه، وحفر حول الفسطاط خندقًا عظيمًا؛ ليحول دون المدينة، فتم حفره في شهر. وبعث جحدم جيشًا كبيرًا للقاء مروان وابنه، والتقى الجمعان وفاز المروانيون، وانهزم جحدم ولم ينفعه خندقه، ودخل مروان عين شمس ثم الفسطاط، وبنى الدار البيضاء، وبايعه الناس إلَّا نفرًا لم يخلعوا بيعة ابن الزبير، فضرب أعناقهم.٥ وكان من بينهم الأكدر بن حمام سيد اللخميين، ونفر كبير من المعافر، فثار اللخميون وكادت أن تقع فتنة كبيرة لولا أن تداركها مروان بحكمته وعقله، ولما تم له الأمر بمصر رجع إلى الشام، وشرع يُعد حملتين إحداهما إلى العراق والثانية إلى الحجاز، أما الأولى — وكانت بزعامة عبد الله بن زياد — فإنها سافرت، ولم تكد تقوم بعمل حاسم حتى جاءها الخبر بموت مروان، وأما الثانية — وكانت بزعامة حبيش بن دلجة القيني — فهزمها ابن الزبير، وجاءها خبر مروان فتفرق شملها، كما سترى تفصيل ذلك بعد.
كان مروان بعد أن استقر له الأمر قد خلع خالد بن يزيد من ولاية عهده، وأمر أهل الشام بمبايعة ابنه عبد الملك وعبد العزيز، وجعلهما ولي العهد، وأخذ ينتقص خالدًا ويشتمه ويصفه بالحمق، فدخل خالد على أمه، وكانت قد تزوجت مروان بعد وفاة يزيد، فقصَّ عليها ما يراه ويسمعه من مروان، فقالت له: لا يعرفنَّ ذلك منك، واسكت فإني أكفيكه. ولما قام عندها مروان وضعت على وجهه وسادة لم ترفعها حتى قتلته، وعندما علم عبد الملك بذلك أراد قتلها، فأشير عليه بالعدول عن ذلك، كيلا يتحدث الناس أن امرأة قتلت أباه فيلحقه العار من ذلك.٦ وكان هلاك مروان في رمضان سنة ٦٥، وله من العمر ثلاث وستون سنة.٧ ومدة خلافته تسعة أشهر وأيام.
قال المدائني: كان مروان من رجال قريش، من أقرأ الناس للقرآن، وكان يقول: ما أخللت بالقرآن قط، وإني لم آت الفواحش والكبائر قط.٨

(٣) الأحوال العامة في عهد معاوية ومروان

جرت خلال العام الذي حكم فيه هذان الخليفتان حوادث جليلة نُجملها فيما يلي:
  • (١)
    فتنة أهل الرأي؛ وذلك أنه لما بلغهم موت يزيد خلعوا ربقة الطاعة لبني أمية، وكان على رأسهم الفرحان الرازي، فبعث إليهم عامر بن مسعود أمير الكوفة جيشًا بقيادة محمد بن عمير بن عطارد التميمي، فتغلَّب عليه الرازيون، فبعث إليهم عامر عتاب بن ورقاء التميمي، فاقتتلوا قتالًا شديدًا حتى تفرَّق المشركون وقُتل الفرحان.٩
  • (٢)
    فتنة أهل خراسان؛ وذلك أنه لم يكفهم موت يزيد واختلاف العرب بعده، وكان أمير خراسان سلم بن زياد، فخطب الناس وردَّهم إلى بيعته حتى يستقيم أمر الناس على خليفة فبايعوه، ثم نكثوا عهده بعد شهرين، فخرج من خراسان وخَلَّف عليها المهلب بن أبي صفرة، فلما وصل نيسابور لقيه عبد الله بن خازم، فقال له: من وَلَّيت خراسان؟ فأخبره فقال: أما وجدت من توليه خراسان غير هذا اليمني؟ اكتب لي عهدًا على خراسان، فكتب له وأعطاه مائة ألف درهم، ووقعت فتنة كبيرة بين ابن خازم والمهلب، انشطر فيها العرب شطرين: يمانية ونزارية، وانشطر النزارية إلى ربيعية ومضرية، وقد استمرت هذه الفتن طويلًا حتى قال أحد المضريين: إن ربيعة لم تزل غضابًا على ربها منذ بعث نبيَّه من مضر.١٠
  • (٣)
    فتنة أهل الكوفة: وذلك أنهم لما علموا بموت يزيد، وأن البصريين قد بايعوا عبيد الله بن زياد، عزلوا أميرهم عمرو بن حريث، وأمَّروا عامر بن مسعود بن خلف القرشي.١١ فمكث ثلاثة أشهر حتى خضعت الكوفة لابن الزبير.
  • (٤)
    فتنة أهل البصرة: وذلك أنهم بايعوا عبيد الله بن زياد، بعد أن علموا بموت يزيد، ولكنهم لم يلبثوا أن خلعوه ووقعت بين الجانبين حوادث انتهت بهرب عبيد الله إلى الشام، وخضوع البصرة لابن الزبير.١٢ واستقر المصران (البصرة والكوفة) لعبد الله بن الزبير حين بعث عليهما عبيد الله بن يزيد الأنصاري على الصلاة، وإبراهيم بن محمد بن طلحة على الخراج.
١  ابن الأثير ٤: ٥١، والطبري ٧: ١٧.
٢  ابن الأثير ٤: ٥١، والطبري.
٣  الخطط ١: ١٤٦.
٤  الطبري ٧: ٣٤–٤٣.
٥  الخطط للمقريزي ٢: ٣٣٧.
٦  الطبري ٧: ٨٣.
٧  وروى الطبري غير ذلك ٧: ٨٤.
٨  الخميس، للديار بكري ٢: ٣٤٢.
٩  ابن الأثير ٤: ٧٥.
١٠  ابن الأثير ٤: ٩١.
١١  الطبري ٧: ٣٧.
١٢  الطبري ٧: ١٨–٣١.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤