عندما صرخت الأرض

تراودني ذكرى مشوَّشة في عقلي لحديثٍ سمِعْتُه من صديقي إدوارد مالون، الصحفي بالجريدة الرسمية، عن البروفيسور تشالنجر الذي شاركه بعض المغامرات الرائعة. غير أنني غارق حتى أذنَيَّ في عملي، وشركتي مثقلة بالطلبات، حتى إن معرفتي بما يدور في العالم لا تتجاوز نطاق اهتماماتي الخاصة إلا قليلًا. كل ما أذكره هو الصورة التي وُصف بها البروفيسور تشالنجر؛ باعتباره عبقريًّا متهوِّرًا ذا طِباعٍ تميل إلى العنف والتشدُّد، لا يعرف إلى التسامح سبيلًا. ولكم كانت دهشتي عظيمةً حين تلقَّيتُ منه رسالةَ عملٍ جاءت على النحو التالي:

١٤ (مكرر)، إنمور جاردنز، كنسينجتون
سيدي

أنا بحاجة إلى الاستعانة بخدمات خبيرٍ في الحفر الارتوازي. لا أخفيك سرًّا أن رأيي في الخبراء ليس بالرأي الجيد، وأنني عادةً ما أرى أن رجلًا مثلي ذا عقلية راجحة، يمكن أن تكون له رؤيةٌ أصح وأشمل ممن تخصَّص في فرع بعينه من المعرفة (والذي، وللأسف، غالبًا ما يكون مجرَّد مهنة يتكسَّب منها)؛ ومن ثَمَّ فهو محدود الأفق. ومع ذلك، فأنا على استعداد لأن أجرِّبك. حين اطَّلعتُ على قائمة أهل الثقة في مجال الحفر الارتوازي، وجدتُ في اسمك شيئًا غريبًا — كدتُ أكتب شيئًا سخيفًا — جذب انتباهي، وبعد البحث تبيَّن لي أن صديقي الشاب، السيد إدوارد مالون على صلة بك بالفعل؛ لذلك أكتب إليك لأخبرك بأنني يسعدني أن أُجريَ معك مقابلةً، وأنك إذا كنت على قدر متطلباتي وشروطي — ومعاييري ليست بالمعايير المتوسطة — فقد تكون لدي رغبة في أن أضعَ بين يديك أمرًا على قدْرٍ بالغ من الأهمية. لا يمكنني الخوضُ في تفاصيلَ أكثر في الوقت الحالي؛ إذ إن الأمر بالغ السريَّة بحيث لا يمكن مناقشتُه إلا شفاهةً؛ لذلك ألتمس منك إلغاء أي ارتباط لديك وزيارتي في العنوان السابق ذِكرُه في العاشرة والنصف صباح الجمعة القادم. يوجد على الباب مِكشطة للأحذية وكذا مِمْسحة للأرجل، مع ملاحظة أن السيدة تشالنجر أنيقة لأقصى الحدود.

سأظل، كما كنتُ دائمًا.

جورج إدوارد تشالنجر

سلَّمتُ هذا الخطاب إلى مدير مكتبي للرَّد عليه، وأخطر البروفيسور بدوره أن السيد بيرلس جونز يُسعِده الالتزام بالموعد المحدَّد. كان خطابَ عمل مهذبًا تمامًا، لولا أنه بدأ بعبارة «وصلنا خطابكم (غير المؤرَّخ).»

فقد جرَّت هذه العبارة رسالةً أخرى من البروفيسور:

قال وقد بدت كلماته كأسلاك شائكة: «سيدي، لقد لاحظتُ في رسالتك انتقادًا لتلك التفصيلة الفارغة بخصوص عدم تأريخ خطابي. هل لي أن أُلفتَ انتباهك إلى حقيقة أن حكومتنا قد اعتادت لصقَ علامةٍ دائرية صغيرة أو الخَتم على الظَّرف من الخارج لبيان تاريخ إرسال الخطاب، مقابلَ الضرائب الباهظة التي تفرضها؟ في حال فقدان هذه العلامة أو عدم وضوحها، سوف يكون تعويضك مسئولية هيئات البريد المعنيَّة. في الوقت ذاته، ألتمس منك أن تُقصِر ملاحظاتك على الأمور المتعلِّقة بالعمل الذي أستشيركم بخصوصه، والتوقُّف عن التعقيب على الشكل الذي تتخذه خطاباتي.»

بات واضحًا لي أنني أتعامل مع شخص مختل؛ لذا فكَّرت مليًّا — قبل المضي في أي خطوة أخرى في هذا الشأن — أن أُعرِّج على صديقي مالون، الذي أعرفه من الأيام الخوالي، حين كان كلانا يلعب الرجبي ضمن صفوف فريق ريتشموند. وجدته نفس الرجل الأيرلندي المَرِح كما عهدته دائمًا، وسُرَّ كثيرًا حال ورود أول ذكر لتشالنجر في حديثي.

قال: «كل هذا لا شيء يا صديقي. سوف تشعر كما لو أنك تُسلخ حيًّا حين تظل برفقته خمس دقائق. لا أحدَ في العالم يفوقه عدائيةً.»

«ولماذا ينبغي أن يتحمَّل العالم ذلك؟»

«إنهم لا يتحملون. فلو أنك جمعت كل دعاوى القذف والتشهير، وكل المشاجرات وقضايا الاعتداء المنظورة أمام محكمة الجنح …»

«اعتداءات!»

«مهلًا، إنه لن يتردد لحظة في إلقائك من أعلى الدَّرَج إذا لمس منك مخالفةً له في الرأي. إنه إنسان بدائي من عصر الكهوف في حُلَّة عصرية، لكأني أراه ممسكًا هراوة في يد وفي الأخرى قطعة مسنَّنة من حجر الصوان. بعض الناس يعيشون خارج إطار زمنهم بمائة عام، أما هو فخارج إطار زمنه بألف عام؛ إنه ينتمي إلى أوائل العصر الحجري الحديث أو نحو ذلك.»

«وتقول إنه بروفيسور!»

«ذاك هو العجيب في الأمر! إنه العقل الأعظم في أوروبا، تدفعه قوةٌ يمكنها أن تحوِّل أحلامه كافة إلى حقائق. إنهم يبذلون كل ما في وُسعِهم لوضع العراقيل أمامه؛ نظرًا لما يُضمِره له زملاؤه من كراهية شديدة، ولكن كم من مراكب صيد صغيرة قد تحاول اعتراض طريق أعتى السفن! إنه يتجاهلهم فحسب، ويمضي في طريقه دون الالتفات إليهم.»

قلت: «حسنًا، الشيء الجلي لي الآن أنني لا أريد أن يكون لي أيما صلة به. سوف ألغي ذلك الموعد.»

«لا، بل على العكس تمامًا. سوف تذهب حسب الموعد المتَّفق عليه بالدقيقة؛ وتذكَّر أن عليك أن تلتزم به بالدقيقة، وإلا فسترى ما لا تُحمد عقباه.»

«ولمَ عليَّ الذهاب؟»

«حسنًا، سوف أخبرك. أولًا، لا تأخذ كلَّ ما رويته لك بشأن تشالنجر العجوز بجدية أكثر مما ينبغي؛ فكل مَن يتقرَّب منه يتعلَّم أن يحبه. لا ضرر حقيقي من دُبٍّ عجوز. أذكر أنه حمل رضيعًا هنديًّا مصابًا بالجدري على ظهره مسافة مائة ميل من أقصى البلاد حتى نهر ماديرا. إنه عظيم في كل شيء، ولن يُلحِق بك أذًى إن تعاملت معه على النحو الصحيح.»

«لن أتيح له الفرصة.»

«سوف تكون أحمقَ إن لم تفعل. هل سمعت من قبلُ عن لغز هينجست داون؛ ذلك النفق الرأسي على الساحل الجنوبي؟»

«إنها بعثة استكشافية سرِّية للتنقيب عن الفحم، على حدِّ علمي.»

غمز مالون بعينه وقال: «حسنًا، لتُسمِّها كذلك إن شئت. تعلم أنني من الموثوق فيهم لدى ذلك العجوز، ولا يمكنني الإفصاح عن أي شيء حتى يأذن لي، ولكن يمكنني أن أصرِّح لك بهذا؛ إذ إنه نُشر في الصحف. ثمَّة رجلٌ يُدعى بيترتون، يملك ثروة ضخمة، ترك تَرِكَته بالكامل لتشالنجر قبل بضع سنوات، شريطة أن تُستغَل في صالح العلم، وتبيَّن أنها تَرِكةٌ ضخمة قُدِّرت بعدة ملايين. بعد ذلك اشترى تشالنجر أرضًا في هينجست داون، في ساسيكس؛ كانت أرضًا بخسة على الطرف الشمالي من منطقة التلال الجيرية، واشترى قطعةً كبيرة منها، أحاطها بأسلاك شائكة، وكان في منتصفها أخدود عميق، بدأ التنقيب منه.» ثم غمز مالون ثانيةً وأردف: «وأعلن أن هناك نفطًا في إنجلترا، وأنه يعتزم إثبات صحة ذلك. فشيَّد قرية نموذجية صغيرة شغلها بجماعة من العمال، وأجزل لهم الأجر، وأقسموا جميعًا ألا ينبسوا ببنت شفة. وأحاط الأخدود بالأسلاك الشائكة، تمامًا كما فعل بالأرض، وحمى المكان بالكلاب البوليسية الضخمة. كم من صحافيين كادوا يفقدون أرواحهم، فضلًا عن فقدان مؤخرة سراويلهم، بسبب هذه المخلوقات. إنها عملية ضخمة، وتتولاها شركة سير توماس موردن، ولكنهم أيضًا أقسموا على التزام السرِّية. من الواضح أن أوان الاحتياج إلى مساعدة خبراء الحفر الارتوازي قد حان. الآن، ألن تكون أحمقَ إذا رفضت مهمةً كهذه، بكل ما تحمله من أهمية وخبرة، بالإضافة إلى شيكٍ يحمل رقمًا ضخمًا في نهايتها؛ فضلًا عن المقابلة والتعامل المباشر مع أروع رجل قابلته على الإطلاق أو قد تقابله؟»

أقنعتني حجج مالون، وفي صباح يوم الجمعة كنت في طريقي إلى إنمور جاردنز، وحرصت تمام الحرص على الوصول في الموعد المحدَّد، حتى إنني وجدت نفسي على الباب قبل الموعد بعشرين دقيقة. كنت منتظرًا في الشارع حين خطر لي أنني أعرف السيارة الرولز رويس التي تحمل شعارًا بسهم فضي والتي تقف عند الباب. لا شكَّ أنها كانت تخصُّ جاك ديفونشير، الشريك الأصغر في شركة موردن العظيمة. طالما عهدتُه رجلًا شديد التحضر والكياسة؛ ولذلك كان الأمر بمثابة صدمة لي عندما ظهر فجأة، ورأيته واقفًا على الباب رافعًا يديه إلى السماء، قائلًا بحرارة وحرقة: «تبًّا له! تبًّا له! عليه لعنة الرب!»

«ما الخطب يا جاك؟ تبدو ناقمًا هذا الصباح.»

«مرحبًا بيرلس! هل أنت هنا من أجل هذه المهمة أيضًا؟»

«هناك احتمال أن أشارك بها.»

«حسنًا، ستجد الأمر وكأنه تهذيب للنفس.»

«أكثر مما يمكن لنفسك أن تتحمله، على ما يبدو.»

«حسنًا، أنت على حق؛ لقد كانت رسالة كبير الخدم لي كالتالي: «البروفيسور يريدني أن أخبرك يا سيدي، بأنه مشغول الآن بتناول بيضة، وأنك لو جئت في وقت أكثر ملاءمة، لكان من الوارد أن يقابلك.» تلك كانت الرسالة التي أبلغني إياها خادم. أود أن أزيد أنني قد جئت لاسترداد اثنين وأربعين ألف جنيه يدين لنا بها.»

أطلقتُ صافرة اندهاش.

«ألا يمكنك أن تتحصَّل على أموالك؟»

«أوه، بلى، لا غبار على الرجل فيما يتعلق بالمال. من الإنصاف أن أقول إنه سخي اليد بخصوص المال، ولكنه يدفع حين يشاء وكيفما شاء، ولا يعبأ بأحد. ومع ذلك، عليك أن تذهب وتجرِّب حظك وتنظر ماذا سترى.» ثم ألقى بنفسه داخل سيارته وانطلق مسرعًا.

ظللت منتظرًا أرمق ساعتي من حين لآخر حتى حانت ساعة الصفر. أنا شخص ضخم الجثة نوعًا ما، إن كان لي أن أقول ذلك، وحللتُ ثانيًا في مسابقات الملاكمة للوزن المتوسط في نادي بلسايز للملاكمة، بيد أنني لم يسبق لي أن واجهت لقاء بمثل هذا القدْر من الرهبة؛ لم تكن الرهبة من شيء بدني؛ إذ كنت واثقًا أن بمقدوري الصمود والمقاومة حال هاجمني هذا المختل المُلهَم، بل كانت مزيجًا من المشاعر اختلط فيه الخوف من مواجهة فضيحة علنية مع الخوف من ضياع عَقْد مجزٍ. غير أن الأمور دائمًا ما تصير أيسر حين يتوقَّف الخيال ويبدأ الفعل. أغلقت ساعة اليد التي أحملها واتجهت صوب الباب.

فتح البابَ خادم ذو وجه خشبي، يحمل تعبيرًا — أو بالأحرى يخلو من أي تعبير — يترك لديك انطباعًا بأنه متمرِّس على الصدمات حتى إنه لا شيء على وجه الأرض يمكن أن يثير في نفسه أي دهشة.

سألني: «ألديك موعد يا سيدي؟»

«بالتأكيد.»

نظر إلى قائمةٍ كانت بيده.

«ما اسمك يا سيدي؟ … بالضبط، السيد بيرلس جونز … العاشرة والنصف. كل شيء مضبوط. لا بد أن نكون حذرين يا سيد جونز؛ فنحن نتعرَّض لمضايقات كثيرة من قِبَل الصحفيين. والبروفيسور، كما تعلم، لا يستسيغ الصحافة. من هنا يا سيدي. البروفيسور تشالنجر في انتظارك الآن.»

في اللحظة التالية وجدت نفسي في حضرته. أظن أن صديقي، تيد مالون، قد وصف الرجل في روايته «العالَم المفقود» أفضل مما قد أتمنى؛ ومن ثَمَّ سأدعني من وصفه. كل ما كنت أعيه جِذعًا ضخمًا لرجل جالس خلف مكتب من الماهوجني، له لحية سوداء كثة كبيرة تشبه المجراف، وعينان رماديتان كبيرتان يغطي نصفهما جَفنان متهدلان يَنُمَّان عن صلف وغطرسة. كان رأسه الكبير مائلًا إلى الوراء، بينما انتصبت لحيته إلى الأمام، وكان مظهره العام يرسل انطباعًا بالتشدُّد المتغطرس. كانت هيئته بالكامل وكأنما كُتب عليها: «حسنًا، ماذا تريد بحق الجحيم؟» وضعتُ بطاقة عملي على الطاولة.

قال وهو يلتقطها ويقلِّب فيها كأنما يشتم رائحة بغيضة تفوح منها: «آه، نعم. بالطبع أنت ذلك الخبير المزعوم؛ السيد جونز، السيد بيرلس جونز. ربما عليك أن تشكر عرَّابك، يا سيد جونز؛ إذ كان ذلك الاسم الأول المضحك هو أول ما جذب انتباهي إليك.»

قلتُ مستجمعًا كل ما أستطيع من إباء: «أنا هنا لمقابلة عمل، يا بروفيسور تشالنجر، وليس للنقاش بشأن اسمي.»

«يا إلهي! تبدو شخصًا شديد الحساسية يا سيد جونز. إن أعصابك تعاني حالة بالغة من الانفلات. لا بد إذًا أن نحذر في التعامل معك يا سيد جونز. رجاء اجلس وتمالك نفسك. لقد كنت أقرأ كُتيِّبك الصغير بشأن استصلاح شبه جزيرة سيناء. هل كتبته بنفسك؟»

«بالطبع يا سيدي؛ إنه يحمل اسمي.»

«تمام! تمام! ولكن ذلك لا يصح دومًا، أليس كذلك؟ ومع ذلك فأنا على استعداد لقبول زعمك. الكتاب ليس بلا فائدة على الإطلاق؛ فخلْف رتابة التعبير تقع عينُ المرء على فكرةٍ ما من حين لآخر. ثَمَّة بذورُ فكر متناثرة هنا وهناك. هل أنت متزوج؟»

«كلا يا سيدي، لست متزوجًا.»

«إذًا ثمة إمكانية لأن تحفظ سرًّا ما.»

«لو تعهدتُ بأن أحفظه، فلا شك أنني سأفي بعهدي.» ردَّ قائلًا: «سنرى. إن صديقي الصغير، مالون، له رأي طيب فيك.» كان يتحدَّث عن تيد مالون كأنه صبيًّا في العاشرة. «إنه يقول إن بإمكاني الوثوقُ بك. وهذه الثقة كبيرة للغاية؛ إذ إنني منخرط الآن في واحدة من أعظم التجارب — بل أعظم التجارب على الإطلاق — في تاريخ العالم، وأطلب مشاركتك.»

«شرف لي.»

«هو شرف بالفعل. أعترف بأنه لم يكن ينبغي أن أُطلِع أحدًا على مجهوداتي، لولا أن الطبيعة الضخمة للمشروع تتطلب أعلى قدْر من البراعة التقنية. الآن، يا سيد جونز، بعد أن حصلت منك على وعد بالحفاظ على السرِّية المطلقة، سوف أدخل في الموضوع؛ والموضوع هو أن هذا العالم الذي نحيا عليه هو في ذاته كائن حي، وُهِب، حسبما أعتقد، دورةً دمويةً، وجهازَ تنفُّس، وجهازًا عصبيًّا.» لقد كان الرجل معتوهًا لا ريب.

أردف قائلًا: «لعلي ألاحظ أن عقلك عاجزٌ عن الاستيعاب، ولكنه سيستوعب الفكرة تدريجيًّا. لعلك تذكر كيف أن الأراضي المعشوشبة أو المروج تشبه الجانب المشعر لحيوان ضخم. ثَمَّة تناظرٌ معيَّن يسري عبْر جوانب الطبيعة بأسرها. بعدها فكِّر في ارتفاع الأرض وهبوطها، الذي يشير إلى التنفُّس البطيء لهذا الكائن، وأخيرًا، لاحِظ حركات التململ والحك التي تظهر لمدركاتنا المتواضعة بوصفها زلازلَ وهزاتٍ.»

سألت: «وماذا عن البراكين؟»

«أووه! إنها تُناظر بقعَ الطفح الحراري على أجسامنا.»

دار عقلي كمن سقط في دوامة بينما كنت أحاول إيجاد ردٍّ على هذه الآراء الرهيبة.

صِحتُ قائلًا: «الحرارة! أليست حقيقة أنها ترتفع سريعًا عندما ينزل المرء إلى الطبقات السفلية، وأن مركز الأرض حرارةٌ سائلة؟»

فقوَّض زعمي تمامًا.

«لعلك تعي، يا سيدي، بما أن المدارس الحكومية قد صارت إلزامية الآن، أن الأرض مسطحةٌ عند القطبين. وهذا يعني أن القطب أقربُ إلى المركز من أي نقطة سواه، ومن ثَمَّ يتأثر بهذه الحرارة التي تحدثت عنها. ومن المعروف، بالطبع، أن المناطق القطبية ذات ظروف جوية استوائية، أليس كذلك؟»

«إن الفكرة بِرُمَّتها جديدة عليَّ.»

«هي كذلك بالطبع. إن ميزة المفكِّر المبدع تكمُن في طرح الأفكار الجديدة التي عادة لا تلقى قبولًا لدى الشخص العادي. والآن يا سيدي، قل لي ما هذا؟» كان يحمل شيئًا صغيرًا التقطه من فوق الطاولة.

«أظنه قُنفُذَ بحر.»

صاح قائلًا: «بالضبط!» وحملت نبرةُ صوته دهشةً مبالغًا فيها، مثلما يحدث حين يبدي طفلٌ صغير مهارةً في شيءٍ ما؛ ثم أردف: «إنه قُنفُذ بحر؛ قُنفُذ بحر عادي. إن الطبيعة تُكرِّر نفسها في أشكال عديدة بصرف النظر عن الحجم. وهذا القُنفذ نموذج مصغَّر، مجرَّد نموذج أوليٍّ للعالم. لعلك تدرك أنه مستديرٌ تقريبًا، ولكنه مفلطح عند القطبَين. دعنا إذًا نَعُدُّ العالم قُنفذَ بحرٍ ضخمًا. ما اعتراضاتك؟»

كان اعتراضي الأول أن الأمر أسخف من أن يُناقش، ولكني لم أجرؤ على التصريح بذلك؛ فأخذت أبحث عن زعم أقل تهورًا.

قلتُ: «أي كائن حي بحاجة إلى الطعام؛ من أين للعالم تغذيةُ جسده الضخم ذاك؟»

قال البروفيسور بنبرة مفعمة بالاستحسان: «نقطة ممتازة، رائع! لديك عينٌ تلتقط البديهيات سريعًا، وإن كنت بطيئًا في إدراك الأفكار الضمنية الأدق. كيف يحصل العالم على الغذاء؟ فلنَعُد أدراجنا إلى صديقنا الصغير قُنفذِ البحر. إن الماء المحيط به يتدفق عبْر صمامات هذا المخلوق الصغير ويؤمن له غذاءه.»

«إذًا تعتقد أن الماء …»

«لا يا سيدي، إنه الأثير. الأرض تتحرَّك عبْر مسارٍ دائريٍّ في مجالات الفضاء، وفي حركتها يتدفَّق الأثير عبْرها على نحو متواصل، ويمدها بحيويتها ونمائها. ثمَّة سربٌ من قنافذ العالم الصغيرة تفعل الشيء نفسه؛ أعني فينوس، والمريخ، وبقية الكواكب الأخرى، كلٌّ في حقله يرعى.»

كان جنون الرجل واضحًا، ولكن لم يكن ثَمَّة مجالٌ للجدال معه. اعتبر صمتي موافقةً على ما يقول، وابتسم لي ابتسامةً تفيض مَنًّا.

قال: «أرى أننا نقترب من هدفنا؛ لقد بدأ الضوء بالبزوغ؛ إنه مبهر بعض الشيء في البداية، لا ريب، ولكن سرعان ما نعتاده. أرجو أن تُعِيرني انتباهك بينما أُبدي ملاحظة أو اثنتين بخصوص هذا المخلوق الصغير الذي بين يدي.

سوف نفترض أنه على هذه الطبقة الخارجية القاسية توجد حشرات معينة متناهية الصغر تزحف على السطح. هل كان القنفذ سينتبه إلى وجودها؟»

«لا أظن.»

«يمكنك إذًا أن تتخيَّل أن الأرض ليس لديها أدنى فكرة عن الطريقة التي تُستغَل بها من قِبَل البشر؛ إنها لا تعي أبدًا هذا النمو المتسارع للنباتات، وتزايد أعداد هذه الحيوانات المجهرية التي تجمَّعت عليها أثناء دورانها حول الشمس مثلما يتجمع البرنقيل على قيعان السُّفن القديمة. ذاك هو الواقع الراهن، وهو ما أعتزم تغييره.»

حدَّقتُ في دهشة: «تعتزم تغييره؟»

«إنني أعتزم تعريف الأرض بأن ثمَّة شخصًا واحدًا على الأقل، هو جورج إدوارد تشالنجر، يطالب بالانتباه إليه؛ بل يصر على الانتباه إليه. لا ريب أنه أول إشعار من نوعه تلقيته على الإطلاق.»

«وكيف ستحقق هذا يا سيدي؟»

«آه! ها نحن نبدأ العمل؛ لقد أصبتَ الوتر. سوف أستعير انتباهك مرة أخرى لهذا المخلوق الصغير المثير الذي أحمله في يدي؛ إن تلك القشرة الواقية تخفي تحتها كل الأعصاب وأعضاء الإحساس. أليس بديهيًّا أنه إذا رغبت الحيوانات الطفيلية الصغيرة في جذب انتباهه، حفرت ثقبًا في قشرته؛ ومن ثَمَّ تُحفِّز جهازه الحسي؟»

«قطعًا.»

«أوه! مرة أخرى، سنستشهد بحالة البرغوث العادي أو بعوضة تستكشف سطح جسم الإنسان. قد لا نكون على وعي بوجودها، ولكن في اللحظة الحالية، حين تغرس خرطومها مخترقةً الجِلدَ الذي يمثل قشرتنا الواقية، نتذكر على نحو مزعج أننا لسنا بمفردنا تمامًا. لا ريب أن خططي قد بدأت تتضح لك. والنور يبدِّد الظلام.»

«يا إلهي! أتعتزم حفر نفق رأسي عبْر قشرة الأرض؟»

أغلق عينيه برضا يفوق الوصف.

«أنت الآن أمام أول شخص سوف ينفُذ إلى ذلك الجِلد الصُّلب؛ بل إن بإمكاني أن أصيغ ذلك في الزمن الماضي وأقول إنني قد نفذت إليها بالفعل.»

«لقد فعلتها!»

«أعتقد أن بإمكاني القول إنني قد فعلتها، بمساعدة موردن الفعالة للغاية. سنوات عدة من العمل المتواصل ليلًا ونهارًا، والذي نُفِّذ بكل نوع معروف من الحفارات والمثاقيب والكسارات والمتفجرات، ها هي أخيرًا قد قادتنا إلى هدفنا.»

«أنت لا تعني بالتأكيد أنك قد اخترقت القشرة الأرضية بالفعل!»

«إذا كانت تعبيراتك تعني الذهول، فلا بأس منها. أما إذا كانت تعني الشك وعدم التصديق …»

«كلا يا سيدي. لا أقصد شيئًا من هذا أبدًا.»

«سوف تتقبل روايتي دون سؤال أو شك. لقد اخترقنا القشرة الأرضية؛ كان سُمكها أربعة عشر ألفًا وأربعمائة واثنتين وأربعين ياردة؛ أو حوالي ثمانية أميال. في أثناء حفرنا، قد يكون مثيرًا لك أن تعرف أننا اكتشفنا ثروة من طبقات الفحم الحجري؛ ومن ثَمَّ يحتمل على المدى الطويل أن تعوِّض تكلفة المشروع. كانت العقبة الأساسية التي واجهتنا هي عيون الماء في الطبقة الجيرية السفلى، ورمال هاستينجز، ولكننا تغلبنا عليهما. وقد وصلنا الآن إلى المرحلة الأخيرة؛ وما المرحلة الأخيرة إلا السيد بيرلس جونز. إنك تمثِّل البعوضة يا سيدي؛ وحفارك الارتوازي يلعب دور الخرطوم اللاسع. لقد أدى المخ عمله؛ فليخرج المفكِّر، وليدخل الميكانيكي، بيرلس، بآلاته المعدنية! هل أنا واضح فيما أقول؟»

صِحتُ: «أنت تتحدث عن ثمانية أميال؛ هل تدرك يا سيدي، أن خمسة آلاف قدم تُعتبر تقريبًا الحدَّ الأقصى الذي يمكن للحفارات الارتوازية الوصول إليه؟ أعرف حُفَرًا في سيليزيا العليا على عمق ستة آلاف ومائتي قدم، ولكنها تُعتبر أعجوبة.»

«لقد أسأتَ فهمي يا سيد بيرلس؛ ربما كان الخطأ في شرحي للأمر أو في عقلك، ولكن لن أصرَّ على معرفة أيهما المخطئ؛ إنني أعي تمامًا حدود الحفر الارتوازي، ومن غير المحتمل أن أكون قد أنفقت ملايين الجنيهات على نفَقِي العملاق لو أن ثقبًا قطره ست بوصات من شأنه أن يلبي احتياجاتي. كل ما ألتمسه منك أن تجهِّز حفارًا بأقصى قدْر ممكن من الحدة، ولا يزيد طوله على مائة قدم، ويعمل بواسطة محرِّك كهربائي؛ حفَّار دقٍّ عادي يمكن غرسه لأقصى عمق بواسطة ثقل سوف يفي بالغرض تمامًا.»

«لماذا محرك كهربائي؟»

«سيد جونز، أنا هنا لإعطاء أوامرَ، وليس أسبابًا. قبل أن ننتهي من الحفر، ربما يحدث — أقول ربما يحدث — أن تعتمد حياتك على تشغيل هذا الحفَّار عن بُعد بواسطة الكهرباء. أظنه أمرًا يمكن تنفيذه.»

«بالتأكيد يمكن تنفيذه.»

«إذًا استعِدَّ للتنفيذ؛ إن الأمور ليست مهيأة بعدُ بما يقتضي وجودك الفعلي، ولكن من الممكن أن تبدأ استعداداتك الآن. ليس لدي أكثر من ذلك لقوله.»

اعترضتُ قائلًا: «ولكن من الضروري أن تخبرني بنوع التربة التي يخترقها الحفَّار؛ فسواء كانت رملية، أو طينية، أو جيرية، ستحتاج كلٌّ منها إلى معالجة مختلفة.»

قال تشالنجر: «لِنقُلْ إنها هلامية. أجل، سوف نفترض في الوقت الحالي أن عليك أن تغرس حفَّارك في هلام. والآن يا سيد جونز، لدي أمورٌ أخرى مهمة لأشغل بها عقلي؛ لذا أتمنَّى لك صباحًا طيبًا؛ يمكنك أن تحرِّر عَقدًا رسميًّا تذكر فيه أتعابك لمدير أشغالي.»

انحنيتُ واستدرتُ متأهبًا للمغادرة؛ بيد أن فضولي غلبني قبل أن أصل إلى الباب. كان يكتب بنشاط وحماسة بريشةٍ تصدِر صريرًا على الورق، ورفع عينيه ناظرًا إليَّ بغضب لمقاطعتي له.

«حسنًا يا سيدي، ماذا الآن؟ تمنيتُ لو أنك ذهبت.»

«رغبت فقط في أن أسألك يا سيدي، ما الهدف من تجربة خارقة كهذه؟»

صاح غاضبًا: «اغرب عني أيها السيد، اغرب عني! اسمُ بعقلك فوق الأهداف التجارية والنفعية الوضيعة للتجارة. انفض عن نفسك المعايير التافهة للعمل التجاري. إن العلم يسعى إلى المعرفة؛ فلتدعِ المعرفة تقودنا حيث شاءت؛ فنحن لا نزال نبحث عنها. أليست معرفة ماهيتنا، ولماذا نُوجَد، وأين نُوجَد، مرةً واحدةً وبصورة نهائية، هي أعظم الطموحات البشرية أجمع في حد ذاتها؟ فلتذهب أيها السيد؛ فلتذهب!»

وانكفأ رأسه الأسود الكبير على أوراقه، ممتزِجًا بلحيته، وتعالى صرير القلم ذي الريشة عن ذي قبل. غادرتُ تاركًا ذلك الرجل الخارق، وقد غرق رأسي في دوامة من التفكير في هذه المهمة الغريبة التي وجدت نفسي شريكًا فيها.

حين عُدتُ إلى مكتبي، وجدت تيد مالون وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة في انتظار معرفة نتيجة اللقاء.

صاح: «حسنًا! ألم يُصِبك مكروه؟ ألم تتعرَّض لاعتداء أو ضرب؟ لا بد أنك تعاملت معه بلباقة. ما رأيك في ذلك الرجل العجوز؟»

«أكثر مَن رأيت في حياتي إزعاجًا وغطرسة وتشدُّدًا وتعنُّتًا؛ ولكن …»

صاح مالون: «بالضبط! كلنا نصل إلى تلك اﻟ«لكن». بالطبع هو كل ما تقول وأكثر بكثير، ولكن المرء يشعر أن رجلًا بتلك العظمة لا يمكن تقييمه بميزاننا، وأن بمقدورنا أن نتحمل منه ما لا نطيقه من أي كائن حي آخَر. أليس كذلك؟»

«حسنًا، لا أعرفه بما يكفي بعدُ لأجزم، ولكن أعترف أنه ليس مجرَّد متنمِّر مصاب بجنون العظمة؛ وإذا كان ما يقوله صحيحًا، فهو بالتأكيد في فئة بمفرده. ولكن أهو صحيح؟»

«بالطبع صحيح؛ دائمًا ما يكون تشالنجر مصيبًا. والآن، أين تقف بالضبط في هذا الأمر؟ هل أخبرك بشأن هينجست داون؟»

«نعم؛ بشكل عام دون تفاصيل.»

«حسنًا، يمكنك أن تثق بي حين أخبرك بأن الأمر بِرُمَّته ضخم؛ ضخم في الفكرة وضخم في التنفيذ. إنه يكره الصحافيين، ولكنني من الثقات لديه؛ لأنه يعلم أنني لن أنشر أكثر مما يصرِّح لي بنشره؛ لذلك أعرف خططه، أو جزءًا من خططه. إنه داهية ماكر، لا يمكن للمرء أن يعرف أبدًا إن كان قد أدرك حقًّا ما يدور في أعماقه. على أي حال، لدي من المعلومات ما يكفي لأطمئنك بأن هينجست داون هي مسألة فعلية وشبه مكتملة. نصيحتي لك الآن أن تنتظر ما تسفر عنه الأحداث ليس أكثر، وفي غضون ذلك أَعِدَّ عُدَّتك. عما قريب ستَرِدُك أخبارٌ منه أو مني.»

وبالفعل كان مالون نفسه هو مصدر أخباري؛ فقد عرَّج على مكتبي في وقت مبكر للغاية بعد بضعة أسابيع، حاملًا رسالة.

قال: «أنا قادم من عند تشالنجر.»

«إنك بالنسبة له كسمكة الزامور بالنسبة إلى القرش.»

«أنا فخور بأن أكون أي شيء بالنسبة إليه. إنه معجزة بالفعل؛ لقد أتم كل شيء على أفضل ما يُرام. والآن حان دورك، وهو جاهز لرفع الستار.»

«حسنًا، لا أستطيع أن أصدِّق حتى أرى بعيني، ولكنني جهَّزت كل شيء وحملته على سيارة نقل؛ بإمكاني البدء في أي لحظة.»

«لتبدأ في الحال إذًا؛ لقد وصفتك بأنك مثال للنشاط والانضباط؛ فلا تخذلني. والآن فلتستقلَّ معي القطار، وسوف أعطيك فكرة عما يجب القيام به.»

كان صباح يوم ربيعي جميل — ٢٢ مايو، على وجه التحديد — حين انطلقنا في هذه الرحلة المصيرية التي قادتني إلى مرحلةٍ قُدِّر لها أن تكون تاريخية في حياتي. وفي الطريق أعطاني مالون رسالة من تشالنجر كان يُفترض أن أتعامل معها بوصفها تعليمات لي.

سيدي (هكذا بدأت الرسالة) …

عند وصولك إلى هينجست داون سوف تضع نفسك تحت تصرُّف السيد بارفورث، كبير المهندسين، الذي يملك خططي. إن صديقي الشاب مالون، حامل هذه الرسالة، على اتصال بي أيضًا، ويمكن أن يعفيني من أي تواصُلٍ شخصي. لقد اختبرنا ظواهرَ بعينها في النَّفق عند مستوى الأربعة عشر ألف قدم وأسفلها، ظواهر تعزِّز تمامًا آرائي بشأن طبيعة أي جسم كوكبي، ولكنني بحاجة إلى دليل أقوى قبل أن آملَ تَركَ بصمةٍ على الذكاء البليد لعالَم العلم الحديث. وقد قُدِّر لك توفير ذلك الدليل، وقُدِّر لهم أن يشهدوه. سوف تلاحظ عند النزول عبْر المصاعد، على افتراض أنك تحمل تلك السِّمة النادرة من قوة الملاحظة، أنك تمرُّ بالتتابع بالطبقات الجيرية الثانوية، ثم طبقات الفحم، ثم بعض آثار من العصر الديفوني والكامبري، وأخيرًا الجرانيت، الذي حُفر فيه الجزء الأكبر من النفق. إن القاع مغطًّى الآن بالمشمع الواقي الذي آمرك بألا تمسَّه أو تعبث به؛ إذ إن أي تعاملٍ أخرقَ مع الطبقة الداخلية الحساسة للأرض قد يجلب نتائجَ مبكرة سابقة لأوانها. وبناءً على تعليماتي، وُضعت عارضتان متينتان عبْر النفق تعلوان القاع بعشرين قدمًا، بينهما فراغ. سوف يكون هذا الفراغ بمثابة مشبك لتثبيت أنبوبك الارتوازي. يكفي الحفر لعمق خمسين قدمًا، سوف تمتد عشرون قدمًا منها إلى أسفل العارضتين، بحيث يكاد رأس الحفار يصل إلى طبقة المشمع. ولأنك تقدِّر حياتك، لا تدعه يصل إلى أبعدَ من ذلك. سوف تمتد ثلاثين قدمًا من الحفار إلى أعلى داخل النفق، وحين تقوم بفك رأس الحفار، فلنفترض أن ما لا يقل عن أربعين قدمًا من جسمه سوف يدفن نفسه داخل التراب؛ ونظرًا للنعومة الشديدة لهذا التراب، أرى أنك لن تحتاج على الأرجح إلى قوةِ دفعٍ، وأن مجرد فك الأنبوب سوف يكون كافيًا بوزنه لدفعه داخل الطبقة التي كشفناها. تبدو هذه التعليمات كافية لأي ذي ذكاء عادي، ولكن لدي شك بسيط أنك سوف تحتاج إلى المزيد من التعليمات؛ وهو ما يمكن إحالته لي عبْر صديقنا الشاب مالون.

جورج إدوارد تشالنجر

لك أن تتخيل أنني عند وصولنا إلى محطة ستورينجتون، بالقرب من السَّفح الشمالي لتلال ساوث داونز، كنتُ في حالة من التوتر العصبي الشديد. كان في انتظارنا سيارة فوكسهول أبلتها ظروف الطقس، أخذت تتأرجح بنا مسافة ستة أو سبعة أميال عبْر الطُّرق والحارات الوعرة التي كانت، على الرغم من عزلتها الطبيعية، بها آثار حفر عميقة، وتُظهر كلَّ ما يدل على وجود حركة سير مزدحمة عليها. وكانت ثمة شاحنة محطَّمة ترقد بين الحشائش في نقطةٍ ما تدل على أن آخرين قد وجدوا السير فيها وعرًا مثلنا، وفجأة برزت لنا، من أَجَمَةٍ من نبات الوزال، آلةٌ ضخمة بدت لي كصمامات ومكبس مضخة هيدروليكية اكتست تمامًا بالصدأ.

قال مالون مبتسمًا ابتسامةً عريضة: «هذه من صُنعِ يد تشالنجر.»

«يقول إن تصميمها خالف تقديره بعُشر بوصة؛ لذا ألقاها ببساطة على جانب الطريق.»

«وتلا ذلك دعوى قضائية لا ريب.»

«دعوى قضائية! صديقي العزيز، يجب أن تكون لنا محكمة وحدنا. لدينا ما يكفي ليشغل قاضيًا عامًا كاملًا، والحكومة أيضًا؛ فالشيطان العجوز لا يعبأ بأحد. اليومَ الملك ضد تشالنجر، وغدًا تشالنجر ضد الملك، وترى الاثنين يرقصان رقصةً شيطانية لطيفة من محكمة إلى أخرى. حسنًا، ها قد وصلنا. لا بأس يا جنكينز، يمكنك أن تسمح لنا بالدخول!»

كان ثمة رجلٌ ضخم الجثة له أذن تشبه القنبيط يحدِّق داخل السيارة، بوجه عابس ينم عن الشك، ولكنه استرخى ووجَّه إلينا التحيةَ بمجرد أن تعرَّف على رفيقي.

«حسنًا يا سيد مالون، ظننت أنكم من الأمريكان أسوشيتد برس.»

«أوه، إنهم في الطريق، أليس كذلك؟»

«هم اليوم، وذا تايمز أمس. أوه، إنهم يحومون حولنا، انظر إلى ذلك!» وأشار إلى نقطة بعيدة على خط السماء.

«انظر إلى ذلك الوميض! إنه تليسكوب جريدة شيكاجو ديلي نيوز. أجل، إنهم وراءنا تمامًا الآن. لقد رأيتهم مصطفِّين، كأسراب الغربان المصطفَّة عبْر المنارة القائمة هنالك.»

قال مالون ونحن نمر عبْر بوابةٍ محاطة بأسلاك شائكة هائلة: «مساكين جماعة الصحافيين! أنا واحد منهم، وأعلم كيف يشعرون في مثل هذه المواقف.»

في هذه اللحظة سمعنا صوتًا يهتف شاكيًا خلفنا يقول: «مالون! تيد مالون!» كان الصوت قادمًا من رجلٍ بدين قصير وصلَ لتوه على دراجة بخارية، وكان في تلك اللحظة يئن في قبضة حارس البوابة الجبارة.

قال الرجل: «دعني وشأني! كُفَّ يديك عني! مالون، أوقف وحشكم ذاك.»

صاح مالون: «دعه يا جنكينز! إنه صديق لنا. حسنًا، يا صاح، ما الأمر؟ عمَّ تبحث في هذه الأنحاء؟ إن فليت ستريت هو مقصدكم المفضل، وليس براري ساسكس.»

قال زائرنا: «أنت تعلم تمامًا ما أبحث عنه؛ لقد كُلِّفت بكتابة مقال إخباري عن هينجست داون، ولا يمكنني العودة دون النسخة.»

«آسف يا روي، ولكن ليس بوسعك الحصول على أي شيء هنا. سوف تضطر إلى الجلوس على ذلك الجانب من السلك. إذا أردت ما هو أكثر من ذلك، فعليك أن تذهب وتقابل البروفيسور تشالنجر وتحصل على إذنٍ منه.»

قال الصحفي آسفًا: «لقد فعلت، ذهبت إليه هذا الصباح.»

«حسنًا، وما ردُّه؟»

«قال إنه سيلقي بي من النافذة.»

ضحك مالون.

«وماذا قلت؟»

«قلت: «وما خطب الباب؟» وغادرت عبْره فقط لأثبت أن لا مشكلة به. لم يكن الوقت مناسبًا للجدال، غادرت فحسب. ما خطب ذلك الثور الآشوري الملتحي في لندن، وهذا السفَّاح الموجود هنا، الذي أتلف شريط تصويري الشفاف، ما بالك ترافق أشخاصًا غريبي الأطوار يا تيد مالون؟»

«لا يمكنني مساعدتك يا روي، كنت سأفعل لو كان بوسعي ذلك. يقولون في فليت ستريت إنك لم تُهزَم قط من قبل، ولكنك قد تواجه مشكلات عصيبة هذه المرة. عُد إلى مكتبك، وإذا انتظرت بضعة أيام فقط، فسوف أمنحك الأخبار بمجرد أن يسمح لي العجوز بذلك.»

«ألا توجد أي فرصة لدخولي؟»

«على الإطلاق.»

«ألن يجدي المال؟»

«يجب أن تكون أكثر حكمة من أن تقول ذلك.»

«يقولون لي إنه طريق مختصر إلى نيوزيلندا؟»

«سوف يكون الطريق المختصر إلى المستشفى إذا مكثت هنا يا روي. وداعًا الآن؛ لدينا بعض الأعمال يجب أن نقوم بها.»

قال مالون ونحن نسير عبْر الأرضِ المُسيَّجةِ: «هذا روي بيركينز، المراسل الحربي، لقد حطمنا رقمه القياسي؛ إذ يُفترض أنه لا يُهزم. إن وجهه الممتلئ الصغير بقسماته البريئة هو وسيلته للوصول إلى كل شيء، لقد كنا نعمل معًا في وقتٍ ما. الآن ها هي مساكن العمال.» وأشار إلى مجموعة من الأكواخ الجميلة ذات أسطح حمراء: «إنهم زمرة كبيرة رائعة من العمال المنتقين يتقاضون أجورًا تتجاوز الأجور المعتادة بكثير، لا بد أن يكونوا عزَّابًا، وأن يكونوا عازفين عن المُسْكِرات تمامًا، وأن يقسموا على التزام السرِّية. لا أظن أن ثَمَّة تسريباتٍ لأي شيء عن الأمر قد وقعت حتى الآن. ذلك الحقل هو ملعبهم لكرة القدم، وذلك المبنى المنفصل هو المكتبة وقاعة الترفيه. يمكنني أن أؤكد لك أن ذلك العجوز يجيد التنظيم. هذا هو السيد بارفورث، كبير المهندسين المسئول.»

لاح أمامنا رجل طويل القامة، نحيف، كئيب، حُفرت في وجهه خطوط عميقة تنطق بالتوتر، قال في صوت كئيب: «أظن أنك مهندس الحفر الارتوازي. أخبروني بأن أنتظر قدومك، أنا سعيد لمجيئك؛ إذ لا أمانع أن أخبرك بأن مسئولية هذا الشيء تثير أعصابي. نحن نعمل في مكان ناءٍ، ولا أعرف إن كان ما ينتظرنا في المرة القادمة دفقًا من الماء الجيري، أم طبقة من الفحم، أم نافورة بترول، أو ربما نيران الجحيم. لقد جُنبنا الأخيرة حتى الآن، ولكنك قد توصلنا إلى هناك على حد علمي.»

«هل القاع ساخن للغاية؟»

«حسنًا، إنه ساخن، لا ريب في ذلك. ولكن ربما لا يكون أكثر سخونة من الضغط البارومتري، وقد يكون ضِيقُ المساحة هو السبب في ذلك. إن التهوية بشعة، بالطبع. نحن نضخ الهواء إلى أسفل، ولكن أقصى مدة لمناوبات العمل يمكن للرجال تحمُّلها هي ساعتان، مع العلم بأنهم رجال أولو عزم وهمة أيضًا. كان البروفيسور بالأسفل أمس، وكان سعيدًا بكل شيء. من الأفضل أن تنضم إلينا في الغداء، ثم ترى كل شيء بنفسك.»

بعد وجبة مقتصدة تناولناها على عَجَل، أُطلعنا بكد ممتزج بالشغف والحب من المدير على محتويات غرفة المحرِّك، وعلى الأدوات والآلات المتنوعة التي لم تعد تُستخدم والمبعثرة على الحشائش. على أحد الجوانب كان هناك مجرفة آرول هيدروليكية ضخمة مفككة أجزاؤها، تمت بواسطتها أعمال الحفر الأولى سريعًا، وكان بجوارها محرك كبير لسحب حبل متواصل من الصلب تُربط فيه الأوعية التي تسحب الحطام عبْر منصات متتابعة من قاع النفق. في غرفة توليد الطاقة الكهربية، كان ثمة العديد من توربينات إيشر فايس التي تتميَّز بقدرة تشغيل هائلة تبلغ مائة وأربعين دورة في الدقيقة، ومراكم كهرباء هيدروليكية متحكِّمة تولِّد ضغطًا يبلغ ألفًا وأربعمائة رطل لكل بوصة مربعة، تمر في أنابيب قطرها ثلاث بوصات عبْر النفق، وتقوم بتشغيل أربعة حفارات صخور ذات قاطعات مجوَّفة من نوع براندت. ملحق بغرفة المحركات غرفة الكهرباء التي توفِّر الطاقة لوحدة إضاءة ضخمة جدًّا، والتي يوجد بجوارها كذلك توربين إضافي بقوة مائتي حصان، يشغِّل مروحة عشر أقدام تدفع الهواء عبْر أنبوب قطره اثنتا عشرة بوصة إلى قاع الثقب. عُرضت كل هذه المعجزات مع العديد من الشروح التقنية التي ألقاها مُشغلها المزهو، الذي كان على وشْك أن يصيبني بالملل الشديد، مثلما فعلت أنا بِقُرَّائي على الأرجح. غير أن مقاطعة محمودة جاءت حين سمعت أزيز العجلات، وسُررت عندما رأيت شاحنتي الليلاند، التي تَسَعُ حمولة ثلاثة أطنان تهدر وتزمجر على الحشائش، محملةً بأدوات وأجزاء شبكة الأنابيب الارتوازية، وتحمل رئيس عمالي، بيترز، ومساعدًا آخَر مغطًّى بالأوساخ في المقدمة. بدأ الاثنان العمل على إنزال معداتي وحملها إلى الداخل، وتوجَّهت أنا والمدير ومالون نحو النفق، تاركين العاملَيْن يزاولان عملهما.

كان مكانًا مدهشًا، على مساحة أكبر بكثير مما تخيَّلت. تكدَّست الأنقاض التي جسدت آلاف الأطنان التي أُزيلت، في هيئة حدوة حصان تحيط بالحفرة، وصارت في ذلك الوقت تلًّا كبيرًا. ويخرج من تجويف هذه الحدوة، المؤلَّفة من الجير والطين والفحم والجرانيت، أعمدةٌ وعجلات حديدية تشغِّل المضخات والمصاعد، وتتصل هذه الأعمدة والعجلات ببناء قرميدي قوي يملأ الفجوة في حدوة الحصان، ومن ورائها توجد فتحة النفق، وهي حفرة ضخمة غائرة، يتراوح قطرها بين ثلاثين وأربعين قدمًا، يبطِّنها ويعلوها القرميد والأسمنت. عندما مددتُ عنقي محدِّقًا في تلك الحفرة السحيقة المرعبة التي أُكِّد لي أن عمقها ثمانية أميال، دار عقلي لمجرد التفكير فيما تمثِّله هذه الحفرة. كان ضوء الشمس يضرب فتحتها على نحو مائل، ولم يسعني أن أرى إلا بضع مئات من الياردات من الجير الأبيض المتسخ، مثبتة بقوالب من القرميد هنا وهناك؛ حيث بدا السطح غير ثابت؛ غير أنني حتى عندما كنت أنظر، رأيت في عمق الظلام نقطة ضوء متناهية الصغر، لكنها واضحة وثابتة في تلك الخلفية الحالكة السواد.

سألت: «ما هذا الضوء؟»

انحنى مالون على الحاجز بجواري.

قال: «ذاك واحد من المصاعد يصعد إلى أعلى، شيء رائع، أليس كذلك؟ إنه على مسافة ميل أو أكثر منَّا، وذلك الوميض الضئيل هو مصباح قوسي قوي، إنه يتحرَّك سريعًا، وسوف يكون هنا في غضون دقائق معدودة.»

تعاظمت نقطة الضوء أكثر وأكثر بلا شك، إلى أن غمرت النفق بأشعتها الفضية، وكان عليَّ أن أحجب عن عيني ضوءها المبهر. وبعد لحظة التحم المصعد بمنصة الهبوط، وترجَّل منه أربعة رجال ببطء متجهين إلى المدخل.

قال مالون: «الجميع تقريبًا مرهقون؛ إن القيام بنوبة عمل مدة ساعتين في هذا العمق أمر صعب لا ريب. حسنًا، إن بعض معداتك في متناولنا، أظن أن أفضل شيء يمكن أن نفعله هو الهبوط، حينها سوف تستطيع تقييم الموقف بنفسك.»

كان لغرفة المحركات ملحق قادني إليه؛ كان ثمة عددٌ من أطقم الثياب الفضفاضة المنتفخة المصنوعة من أخف أنواع حرير التوسة تتدلَّى من الجدار. واقتداءً بمالون، خلعت كل قطعة من ثيابي، وارتديت واحدًا من هذه الأطقم، مع خُفَّين بنعل من المطاط. فرغ مالون قبلي، وغادر غرفة الملابس. بعد لحظة سمعت ضوضاء كأن عشر معارك بين مجموعة من الكلاب قد تداخلت معًا في صوت واحد، هرعت لأستطلع الأمر لأجد صديقي يتدحرج على الأرض وقد التفَّت ذراعاه حول العامل الذي كان يساعد في رص أنابيبي الارتوازية، كان يحاول نزع شيءٍ ما من يده كان العامل الآخر متشبِّثًا به باستماتة. بيد أن مالون كان أقوى منه، وانتزع الشيء من قبضته، وظل يقفز فوقه حتى تحوَّل إلى أشلاء، أدركت حينها فقط أنها كاميرا تصوير فوتوغرافي. نهض العامل التابع لي من فوق الأرض في حالةٍ يُرثى لها، وقد اكتسى وجهه بالسُّخام.

قال: «تبًّا لك يا تيد مالون! لقد كانت آلة تصوير جديدة قيمتها عشرة جنيهات.»

«لم يكن لدي حلٌّ آخَر يا روي، رأيتك تلتقط الصورة، ولم يكن أمامي إلا تصرُّف واحد.»

سألت في سخط شديد: «كيف وصلت إلى زي عمالي بحق الجحيم؟»

غمز الوغد بعينه وابتسم قائلًا: «لدي طرقي الخاصة.»

«ولكن لا تلقِ اللوم على رئيس عمالك؛ فقد ظن أنها مجرد خرقة بالية. لقد بادلت الملابس مع مساعده، ودخلت.»

قال مالون: «وسوف تخرج، لا فائدة من الجدل يا روي، لو كان تشالنجر هنا لأطلق الكلاب عليك. لقد كنتُ في نفس موقفك من قبل؛ لذا لن أقسو عليك، ولكنني كلب حراسة هنا، وأستطيع أن أعقر كما أستطيع أن أنبح. هيا! اخرج من هنا!»

وهكذا اقتيد زائرنا المغامر إلى خارج الأرض المُسيَّجة بواسطة اثنين من العمال عابسي الوجه. وهكذا سوف يفهم الناس أخيرًا أصل ذلك المقال الرائع ذي الأربعة أعمدة الذي حمل عنوان «حُلم مجنون لعالِم»، مصحوبًا بالعنوان الجانبي «طريقٌ سريع إلى أستراليا»، الذي ظهر في جريدة أدفيزر بعدها بأيام، وكاد يصيب تشالنجر بسكتة دماغية، وأودى بمحرر الأدفيزر إلى المقابلة الأخطر والأكثر بغضًا في حياته. كان المقال سردًا مبالغًا ومضللًا إلى حدٍّ كبير لمغامرة روي بيركينز، «مراسلنا الحربي المحنك» على حدِّ وصف الجريدة، واحتوى على فقرات لاذعة من قبيل «هذا المتنمر المشعر القاطن في إنمور جاردنز»، «معسكر محاط بالأسلاك الشائكة، والحراس الغلاظ، والكلاب البوليسية الشرسة»، وأخيرًا «جرجرت من حافة النفق الأنجلو أسترالي بواسطة شخصين همجيين، كان أكثرهما وحشية شخص مُدَّعٍ عرفته شكلًا كأحد المتطفلين على مهنة الصحافة، بينما الآخر، وهو شخص خبيث يرتدي ملابسَ استوائية غريبة، يدعي أنه مهندس آبار ارتوازية، على الرغم من أن مظهره يشي بأنه أحد مجرمي وايتشابيل.» وبعد الانتهاء من انتقادنا على مثل هذا النحو اللاذع، استفاض الوغد في وصف متقَنٍ للقضبان الحديدية في فتحة النفق، وحفرة متعرجة يمكن من خلالها لقطارات معلَّقة أن تخترق باطن الأرض.

كان مصدر الإزعاج الفعلي الوحيد في المقال هو ما تسبَّب فيه من زيادة ملحوظة في طابور المتسكعين الجالسين على سفح ساوث داونز في انتظار حدوث شيء. وجاء اليوم الذي حدث فيه الشيء المنتظَر، وتمنَّوا لو كانوا في مكان آخَر.

فرشَ رئيس عمالي برفقة مساعده المزيف المكانَ بكل ما لدي من معدات، وعلبة الجرس ومفتاح الصوامل والمثاقيب والأوتاد والثقل، ولكن مالون أصرَّ على أن نتجاهل كل ذلك وننزل بأنفسنا إلى أدنى مستوى. وفي سبيل ذلك ولجنا إلى المصعد، المصنوع من الفولاذ المشبك، وبصحبة كبير المهندسين انطلقنا داخل أحشاء الأرض. كان هناك مجموعة من المصاعد الأتوماتيكية، حفرت محطة التشغيل الخاصة بكل واحد منها في جانب الحفرة، كانت تهبط بسرعة هائلة، وكانت التجربة أقرب إلى رحلة بقطار رأسي منها إلى الهبوط المتمهل الذي نربطه بالمصعد الإنجليزي.

ولأن المصعدَ شبكةٌ من الفولاذ ومضاء بضوء ساطع، كان لدينا مشهد واضح لطبقات الأرض التي نمر بها، فكنت مدركًا لكل واحدة منها أثناء مرورنا السريع بها. كانت توجد طبقة الجير الدنيا الشاحبة اللون، وطبقات الهاستينجز التي تتخذ لون القهوة، وطبقات أشبرنهام الأخف، وطبقات الطين المحتوية على الفحم الكربوني، ثم نطاق تلو الآخر من الفحم الأسود اللامع، لمع في الضوء الكهربائي، بالتبادل مع الطبقات الطينية. أقحمت أبنية قرميدية هنا وهناك، إلا أن النفق، بوجه عام، كان مدعومًا ذاتيًّا، ولا يملك المرء أمام هذا الجهد الضخم والبراعة الميكانيكية الجلية سوى الذهول والتعجب. استشعرت أسفل طبقات الفحم طبقاتٍ مختلطة ذات شكل أشبه بالخرسانة، ثم هبطنا إلى طبقات أخرى من الجرانيت الخام؛ حيث كانت بلورات الكوارتز تتلألأ وتومض وكأن الجدران الداكنة قد تناثر عليها غبار الألماس. أخذنا نهبط إلى أسفل وأسفل، إلى أدنى مما سبق لبشر النفاذ إليه من قبل. كانت الصخور العتيقة متنوعة الألوان على نحو رائع، ولا يمكن قط أن أنسى أحد أحزمة الفلسبار ذات اللون الوردي، والتي تلألأت بجمال خارق أمام ضوء مصابيحنا القوية. منصة بعد منصة، ومصعد بعد مصعد، والهواء يزداد ثقلًا وسخونة إلى أن صارت حتى الثياب الحريرية الخفيفة لا تُطاق، وصار العَرَق ينهمر داخل تلك الخِفاف ذات النِّعال المطاطية. في النهاية، وبينما كنت أفكر أنني لم أعد أحتمل أكثر من ذلك، توقَّف المصعد الأخير، وخرجنا منه على منصة دائرية محفورة في الصخر. لاحظت أن مالون يرمق الجدران بنظرات خاطفة يملؤها الشك على نحو غريب، ولولا أنني أعرف أنه من أشجع الرجال، لقلتُ إن التوتر يقتله.

قال كبير المهندسين وهو يمرر يده على أقرب جزء من الصخور: «مادة غريبة.» وأخذ يقرِّب منها الضوء، وتبيَّن أنها تتلألأ بزَبَدٍ لزجٍ غريب. «كان يوجد اهتزازات هنا في القاع، لا أعلم ما الذي نتعامل معه. يبدو البروفيسور سعيدًا بهذا، ولكن الأمر بِرُمَّته جديد بالنسبة لي.»

قال مالون: «ينبغي أن أقول إنني رأيت هذا الجدار يهتز نوعًا ما، في آخر مرة كنت هنا بالقاع ثبَّتنا هاتين العارضتين المتقاطعتين من أجل مثقابك، وحين شرعنا في اختراقه من أجل تركيب الدعامات، كان يرتج مع كل طرقة. لقد بدت نظرية العجوز منافية للعقل في مدينة لندن العتيقة المتماسكة، ولكن هنا، على بُعد ثمانية أميال من سطح الأرض، لست واثقًا تمامًا بشأن ذلك.»

قال المهندس: «لو شاهدت ما هو قابع أسفل ذلك الغطاء من المشمع، لازددت ارتيابًا. كل هذه الصخور السفلية تُقطع بسهولة مثل الجبن، وحين اخترقناها عثرنا على تكوين جديد لا يشبه شيئًا على الأرض. وحينها قال البروفيسور: «غطِّه! لا أحد يلمسه!» لذلك غطيناه حسب تعليماته، وها هو يرقد هناك.»

«ألا يمكننا أن نلقي ولو نظرةً؟»

ارتسم تعبيرٌ مذعورٌ على قَسَمات المهندس الكئيبة.

قال: «إن عصيان تعليمات البروفيسور ليس بالأمر الهين، كما أنه شديد المكر والدهاء، حتى إنه لا سبيل قط لأن تعرف نوع الرقابة التي يفرضها عليك، ومع ذلك سوف نلقي نظرة سريعة ونغامر.»

أدار مصباحنا العاكس لأسفل بحيث يلقي الضوء على المشمع الأسود، ثم انحنى وأمسك بحبلٍ متصل بركن الغطاء، وكشف عن ست ياردات مربعة من السطح القابع أسفله.

كان مشهدًا مهيبًا لا يضاهيه شيء في روعته، كانت الأرضية مؤلَّفة من مادة ضاربة إلى الرمادي، مصقولة ولامعة، ترتفع وتنخفض في خفقان بطيء. لم تكن الخفقات مباشرة، ولكنها تعطي إيحاء موجة أو إيقاعًا هادئًا، يسري عبْر السطح، حتى هذا السطح نفسه لم يكن متجانسًا كليًّا، ولكن كان في أسفله، والذي بدا كزجاج مصنفر، رقع أو تجاويف باهتة ضاربة إلى البياض، تتنوع في الشكل والحجم. وقفنا نحن الثلاثة نحدِّق في هذا المشهد الاستثنائي كمن سُلِبت ألبابهم.

قال مالون في همس امتزج بنبرة هلع: «إن الأرض تبدو كحيوان سُلخ عنه جلده. ربما لم يذهب العجوز بعيدًا حين شبهها بقنفذه البحري الميمون.»

صحتُ: «يا إلهي! وأنا مَن سيغرس رمحًا في أحشاء ذلك الوحش!»

قال مالون: «هذا شرف لك يا بُني، ويؤسفني أن أقول إنني لو لم أخفق، فسأكون بجانبك حين تفعلها.»

قال كبير المهندسين في حسم: «حسنًا، أنا لن أفعل.»

«لم أكن من قبلُ واضحًا في شيء كوضوحي في ذلك الأمر. إذا ظل هذا العجوز على إصراره، فأنا مستقيل من منصبي. يا إلهي، انظرا إلى ذلك!»

كان السطح الرمادي يرتفع إلى أعلى، متجهًا نحونا كالموج حين تنظر من أعلى من وراء الحاجز، لينحسر بعد ذلك، بينما استمرت الخفقات والنبضات الخافتة كما كانت من قبل. فأنزل بارفورث الحبل وأعاد الغطاء إلى موضعه.

قال: «يبدو كما لو كان يعرف أننا هنا.»

«لماذا ارتفع السطح نحونا هكذا؟ أظن أن الضوء كان له تأثير من نوعٍ ما عليه.»

تساءلت: «ما الذي يفترض أن أفعله الآن؟» أشار السيد بارفورث إلى عارضتين موضوعتين عبْر الحفرة أسفل موقع توقُّف المصعد مباشرة، وكان بينهما مسافة فاصلة بلغت حوالي تسع بوصات.

قال: «كانت فكرة العجوز. أظن أنه كان بإمكاني تثبيتها على نحو أفضل، ولكن يمكنك أن تحاول الجدال مع ثور هائج عن أن تجادل معه؛ فالأسهل والأسلم أن تفعل ما يقوله بحذافيره مهما كان. إن فكرته تتلخص في أن تستخدم المثقاب ذا الست بوصات، وتثبِّته بين هاتين الدعامتين.»

أجبت: «حسنًا، لا أرى صعوبة كبيرة في ذلك. سوف أتولَّى المهمة بدءًا من اليوم.»

كانت تلك التجربة، كما قد تتخيل، هي الأغرب وسط تجارب حياتي المتنوعة التي شملت حفر آبار في كل قارة على وجه الأرض. ولما كان إصرارُ البروفيسور تشالنجر على ضرورة بدء العملية عن بُعد شديدًا، ولما كنت أرى الكثير من المنطق في قناعته تلك، كان عليَّ الإعداد لوسيلة للتحكم الكهربي، وهو ما كان أمرًا يسيرًا بالقدْر الكافي؛ إذ كانت الحفرة مزودة بأسلاك من القاع إلى القمة، وبدقةٍ متناهية قمتُ أنا ورئيس عمالي، بيترز، بإنزال الأنابيب وتركيبها على الحافة الصخرية، ثم رفعنا منصة المصعد الأدنى، حتى نمنح أنفسنا مساحة، وعندما اعتزمنا استخدام جهاز الحفر بالدق؛ إذ لم يكن ملائمًا أن تأمن الجاذبية الأرضية تمامًا، علَّقنا ثقلنا الذي يزن مائة رطل على بكرة أسفل المصعد، وأنزلنا الأنابيب أسفله بواسطة وحدة طرفية على شكل حرف V. وأخيرًا ثُبِّت الحبل الذي يحمل الثقل في النفق على نحو يجعل شحنة كهربية كفيلة بتحريره. كان عملًا دقيقًا وصعبًا يُنفذ في حرارة أشد من حرارة المناطق الاستوائية، وبشعور مستمر بأن زلة قدم أو سقوط أداة من الأدوات على التربولين من أسفلنا قد يجلب كارثة يصعب تصوُّرها. كنا منبهرين أيضًا بالأجواء المحيطة بنا؛ فقد رأيت مرارًا رجفةً غريبةً تسري عبْر الجدران، حتى إنني كنت أشعر بخفقة فاترة في يديَّ عند ملامستها. لم يراودني أنا أو بيترز أيُّ ندم حين أعطينا إشارة لآخر مرة بأننا جاهزان للصعود إلى السطح، واستطعنا إبلاغ السيد بارفورث بأن البروفيسور تشالنجر يمكنه إجراء تجربته في أقرب وقت شاء.

ولم يكن علينا الانتظار طويلًا؛ فبعد ثلاثة أيام من التاريخ المحدَّد لإنهاء مهمتي وصل الإخطار الخاص بي.

كان بطاقةَ دعوةٍ عادية كتلك التي نستخدمها للتجمعات والحفلات المنزلية، وكان فحواها:

البروفيسور جي. إي تشالنجر
زميل الجمعية الملكية، دكتوراه في الطب، دكتوراه في العلوم … إلخ

(رئيس معهد علم الحيوان سابقًا، وحاصل على العديد من الدرجات العلمية والمناصب الفخرية تفوق سَعَة هذه البطاقة.)

يطلب حضور:

السيد جونز (ممنوع اصطحاب السيدات).

في تمام الساعة  ١١:٣٠   صباحًا، يوم الثلاثاء، الموافق ٢١ يونيو، لمشاهدة الانتصار الرائع للعقل على المادة.

في هينجست داون، ساسكس.

قطار فيكتوريا الخاص الساعة ١٠:٠٥. على المسافرين دفع ثمن التذكرة. غداء بعد التجربة أو لا، وفقًا للظروف. محطة ستورينجتون.

برجاء إرسال الرد (وفي الحال، مرفقًا بالاسم بالأحرف منفصلة) على ١٤ (مكرر)، إنمور جاردنز، الجنوب الغربي.

واكتشفت أن مالون قد تلقَّى لتوه رسالة خطية مشابهة ضحك لها مقهقهًا.

قال: «إرسال هذه الرسالة ما هو إلا محض غطرسة، لا بد أن نكون هناك مهما حدث، مثلما قال الجلاد للقاتل. ولكن أؤكد لك أن الأمر قد انتشر عبْر أرجاء لندن كافة. إن العجوز حيث يحب أن يكون، محط أنظار الجميع.»

وأخيرًا جاء اليوم الموعود. وبالنسبة إليَّ كنت مصيبًا حين فكَّرت أن أهبط داخل النفق في الليلة السابقة للتأكُّد من أن كل شيء على ما يُرام. كان المثقاب مثبتًا في موضعه، والثقل مضبوطًا، والمماسات الكهربية يمكن تشغيلها بسهولة. غمرني شعور بالرضا من كون الجزء الخاص بي في هذه التجربة الغريبة قد نُفِّذ دون عُقَد. كانت لوحات التحكُّم الكهربائية تُشغل عند نقطة على بُعد خمسمائة ياردة من فتحة النفق للحد من أي خطر شخصي. وفي صباح اليوم الموعود، وكان يومًا صيفيًّا إنجليزيًّا مثاليًّا، توجَّهت نحو السطح مطمئن البال، وتسلقتُ حتى منتصف منحدر داون لإلقاء نظرة عامة على مجريات العمل.

بدا العالَم بأكمله مقبلًا على هينجست داون؛ فقد كانت الطرق تعُج بالبشر على مرمى البصر، وجاءت السيارات عبْر الحارات المرورية تتمايل وترتطم بالمطبات، وتُنزل ركابَها عند بوابة الأرض المُسيَّجة التي كانت، في معظم الأحيان، محطةَ النهاية في رحلتهم؛ فقد كانت ثمة زمرةٌ من الحراس الأشداء ينتظرون عند المدخل، ولم تستطِع أي تعهدات أو رشاوى، اللهم إلا إظهار التذاكر الصفراء التي يرومها الجميع، أن تزحزحهم بعيدًا عنها قيد أُنملة؛ لذلك تفرَّقوا وانضموا إلى الحشد الضخم الذي كان متجمعًا بالفعل على جانب التل، ويغطون القمة بحشد كثيف من المتفرجين. كان المكان مزدحمًا كميدان إبسوم داونز في يوم الديربي؛ كان بداخل الأرض المُسيَّجة مناطقُ معينة محاطة بالأسلاك الشائكة، وكان الأشخاص من علية القوم وأصحاب الحظوة الكُثر يُرشَدون إلى المكان المخصص لهم؛ فثمة مكانٌ للنبلاء، وآخَر لأعضاء مجلس العموم، وآخَر لرؤساء الجمعيات العلمية والمشاهير في عالم العلوم، من بينهم لو بيلييه بجامعة السوربون، ود. دريسينجر بأكاديمية برلين، وخُصص مكان معزول محاط بأكياس الرمل وله سقف حديدي مضلَّع لثلاثة من أفراد العائلة الملكية.

في الحادية عشرة والربع وصلت مجموعة متعاقبة من العربات قادمة من المحطة تُقِلُّ على متنها ضيوفًا وُجهت إليهم دعوة خاصة للحضور، وهو ما دعاني إلى النزول إلى الأرض المُسيَّجة للمساعدة في مراسم الاستقبال. وقف البروفيسور تشالنجر بجوار المكان المخصَّص للنخبة، متألقًا في معطف طويل أنيق، وصدرية بيضاء، وقبعة عالية سوداء لامعة، وكان التعبير المرتسم على وجهه مزيجًا من اللطف الطاغي شبه العدواني، اختلط بشعور استثنائي بالاعتداد بالنفس.

«من الواضح أنه ضحية نمطية لعقدة يهوه»، على حدِّ وصف أحد منتقديه، كان يساعد في إرشاد ضيوفه، مستحثًّا إياهم في بعض الأحيان، إلى الأماكن المخصصة لهم، وبعد تجمُّع صفوة الحضور حوله، اتخذ موضعه على قمة ربوة مريحة وراح ينظر حوله كزعيم في انتظار بعض التصفيق ترحيبًا به، ولما لم يُقدِم أحدٌ على ذلك، دخل من فوره في صلب موضوعه، بصوت مدوٍّ وصل مداه إلى أقصى أطراف المكان.

صاح بصوت هادر: «أيها السادة، لم أجد، في هذه المناسبة، داعيًا لدعوة النساء، وإذا كنت لم أدعهن للتواجد معنا هذا الصباح، فإنني أؤكد لكم أن ذلك ليس لانعدام التقدير لهن؛ إذ يمكنني القول — وكان في نبرته حينئذٍ دعابةٌ خرقاء وتواضع زائف — إن العلاقات فيما بيننا على كلا الجانبين طالما كانت ممتازة، بل وثيقة. إن السبب الحقيقي وراء ذلك هو أن تجربتنا يتخللها عنصرُ خطورةٍ محدود، وإن كان غير كافٍ لتبرير القلق الذي أراه على وجوه الكثير من حضورنا. سوف يندهش العاملون في الصحافة حين يعلمون أنني قد خصصت لهم مقاعدَ خاصة للغاية على تلال الأنقاض التي تطل مباشرة على مسرح العملية. لقد سبق أن أبدوا أحيانًا اهتمامًا بشئوني يصل إلى حد الصفاقة؛ لذا فهم لا يستطيعون في هذه المناسبة الشكوى من تقاعسي عن التفكير في راحتهم. فإذا لم يحدث شيء، وهو الأمر الوارد دائمًا، أكون قد بذلت أقصى ما لدي من أجلهم على الأقل. أما إذا حدث شيء، فسوف يكونون في موقع ممتاز لمعايشته وتسجيله، حال شعروا في النهاية أنهم على قدْر المهمة.

من المستحيل، كما ستدركون حالًا، على رجلِ علمٍ أن يشرح لمن قد أصفهم، مع احترامي، بالقطيع العادي من الناس، الأسبابَ المتنوعة لما يتوصل إليه من نتائج أو لتصرفاته. أسمع بعض المقاطعات غير اللائقة، وسوف أطالب السيدَ ذا النظارة ذات الإطار المصنوع من القرون بالتوقُّف عن التلويح بمظلته. (جاء صوت يقول: «إن وصفك لضيوفك، يا سيدي، مهينٌ إلى أقصى حدٍّ.») ربما كانت كلمة «قطيع عادي» هي ما أثارت غضب السيد. دعونا نقول إذًا إن جمهوري قطيع غير عادي. لن نخوض في جدال عقيم بشأن العبارات. كنت على وشْك أن أقول، قبل مقاطعتي بهذه الملحوظة غير اللائقة، إن الأمر بِرُمَّته قد نُوقش على نحو وافٍ وواضح في كتابي القادم عن الأرض، والذي يمكن أن أصفه بكل تواضع بأنه واحدٌ من الكتب التي ستغيِّر مجرى التاريخ في تاريخ العالم. (مقاطعة عامة لحديثه وصيحات تتعالى: «تطرَّق إلى الحقائق.» «لماذا نحن هنا؟» «هل هذه دعابة ثقيلة؟») كنت بصدد إيضاح الأمر، وإذا اعترضتني مقاطعات أخرى فسوف أضطر لاتخاذ إجراءات لحفظ النظام والأدب الغائبَيْن غيابًا مزعجًا للغاية. الموضوع هو أنني قد حفرت نفقًا عبْر القشرة الأرضية، وأنني بصدد تجربة تأثير التحفيز القوي لقشرتها الحسية، وهي عملية دقيقة سوف يتولَّى تنفيذها مرءوساي، السيد بيرلس جونز، وهو خبير في الحفر الارتوازي حسب زعمه، والسيد إدوارد مالون الذي يمثلني شخصيًّا في هذا الحدث. سوف تُثقب المادة المكشوفة والحساسة، أما عن رد فعلها، فذاك أمر متروك للتخمين. إذا تفضلتم الآن، فلْيلزم كلٌّ منكم مقعده، وسوف يهبط السيدان الفاضلان إلى الحفرة لوضع الرتوش الأخيرة. بعدها سوف أضغط على الزر الكهربائي الموجود على هذه المنضدة، وحينها سوف تكتمل التجربة.»

عادة ما يشعر الجمهور بعد واحدة من خطب تشالنجر العصماء وكأن بشرته الواقية قد ثُقبت، مثلما حدث للأرض، وصارت أعصابه مكشوفة دون واقٍ. ولم يكن هذا الجمع استثناءً؛ فكانت ثمة همهماتٌ خافتة تنطق بالنقد والاستياء بينما كانوا في طريق العودة إلى أماكنهم.

جلس تشالنجر وحده على قمة الربوة، بجواره منضدة صغيرة، وكان شعر رأسه ولحيته الأسودُ الكثُّ منتصبًا من فرط الإثارة؛ كان بحق شخصيةً استثنائية وعجيبة. ومع ذلك لم يستطِع مالون ولا أنا إبداء أي إعجاب بالمشهد؛ إذ هرعنا لإتمام رحلتنا الاستثنائية. بعد مرور عشرين دقيقة كنا في قاع النفق، وجذبنا الغطاء من فوق السطح الأجرد.

كان المشهد البادي أمامنا مذهلًا؛ فبواسطة نوع من التخاطر الكوني الغريب، بدا أن الكوكب العجوز يعلم أنه بصدد مشاهدة محاولة جريئة لم يُسمع بها من قبلُ. كان السطح الأجرد مثل قِدر فائرة؛ فقد رأينا فقاعات رمادية هائلة ترتفع وتنفجر محدثةً فرقعة، وكانت الفراغات والتجاويف الهوائية تحت البشرة تنفصل وتلتحم في حركة مستعِرة. كان إيقاع الموجات المستعرضة أقوى وأسرع من ذي قبل؛ فبدا أن سائلًا بنفسجي اللون ينبض في شبكة القنوات المتصلة القابعة أسفل السطح، وكان نبض الحياة ظاهرًا في كل شيء، وفاحت رائحة قوية جعلت الهواء لا يكاد يصلح لرئات البشر.

كان نظري مركزًا على هذا المشهد الغريب عندما أصدر مالون — وكان يقف قريبًا مني — شهقةَ انزعاجٍ مباغتة، ثم صاح قائلًا: «يا إلهي، جونز! انظر هناك!»

ألقيت نظرة خاطفة، وفي اللحظة التالية تركت الوصلة الكهربائية وقفزت داخل المصعد. صحت قائلًا: «هلم! علينا الفرار بحياتنا!»

كان المشهد منذرًا بالخطر حقًّا؛ فقد انضم الجزء السفلي من النفق، كما بدا، في النشاط المتزايد الذي لاحظناه بالأسفل، وكانت الجدران تخفق وتنبض هي الأخرى، وانعكست هذه الحركة على الفتحات التي ترتكز عليها العارضتان، وكان واضحًا أن أي جذب إضافي ولو ضئيلًا — لبوصات قليلة — سيتسبب في سقوط العارضتين، ولو حدث هذا، كان الطرف الحاد للثاقب، بالطبع، سيخترق الأرض بصرف النظر عن الإطلاق الكهربائي، وقبل حدوث هذا كان من الضروري أن يكون مالون وأنا خارج النفق؛ فقد كان الوجودُ على عمق ثمانية أميال تحت الأرض في ظل احتمال حدوث اضطراب غير عادي فكرةً شنيعة، وفررنا إلى السطح بأقصى سرعة.

هل يمكن لأي منَّا أن ينسى تلك الرحلة المروعة الأشبه بالكابوس؟ كانت المصاعد تنطلق سريعًا، ومع ذلك بدت الدقائق ساعاتٍ، وعندما كنا نبلغ أي منصة كنا نقفز من المصعد، ونقفز في المصعد الذي يليه، ونضغط على زر الانطلاق، وننطلق إلى أعلى. كان بمقدورنا أن نرى من بعيد، عبْر السقف المصنوع من الصلب المشبك، دائرةَ الضوء الصغيرة التي تميز فتحة النفق، كانت هذه الدائرة تزداد اتساعًا، إلى أن صارت دائرة كاملة وارتكزت أعيننا التي تشع سعادة على البِنى القرميدية الكائنة حول فتحة النفق، وظللنا نرتفع ونرتفع، وأخيرًا وفي لحظة من الحبور والامتنان قفزنا من سجننا، ولامست أقدامنا المرج الأخضر مرة أخرى. ولكن الوضع لم يكن مؤكدًا؛ فلم نكن قد ابتعدنا عن النفق مسافة ثلاثين خطوة حين حدث شيء في الأعماق السحيقة؛ فقد رشق سهمي الحديدي في الكتلة العصبية للأرض الأم العجوز، وجاءت اللحظة الكبرى.

ما الذي حدث؟ لم أكن أنا ومالون في وضع يتيح لنا الرد؛ إذ ارتفع كلانا عن الأرض بفعل شيء أشبه بإعصار حلزوني، ثم سقطنا وجعلنا ندور مرارًا في حركة دائرية عبْر الحشائش، كأحجار الكيرلنج حين تُدفَع على ساحة الجليد. في الوقت نفسه، تناهى إلى مسامعنا أبشعُ صيحة سُمعت من قبل. مَنْ مِنَ المئات الذين وُجدوا هناك وحاول وصفها استطاع أن يصف تلك الصيحة الشنيعة على نحو كافٍ بعدُ؟ كانت صيحةً كالعواء امتزج فيها الألم والغضب والوعيد وثورة الطبيعة في صرخة واحدة شنيعة، استمرت دقيقةً كاملة، آلافُ الأبواق اجتمعت في بوق واحدة، شلت ذلك الحشد العظيم بإصرارها الشرس، وسرت عبْر هواء الصيف الساكن حتى دوَّى صداها عبْر الساحل الجنوبي بأكمله، حتى إنها وصلت إلى جيراننا الفرنسيين عبْر القناة، لا صوت في التاريخ ضاهى صيحة الأرض الجريحة.

كنت أنا ومالون واعيَيْن بالصدمة وبالصوت، برغم ما أصابنا من دوار وصمم، إلا أننا لم نعرف التفاصيل الأخرى لذلك المشهد الاستثنائي إلا من روايات الآخرين.

كان أول ما خرج من أحشاء الأرض هو أقفاص المصاعد، أما الآلات الأخرى فقد نجت من الانفجار؛ لكونها مستندةً إلى الجدران، ولكن أرضيات أقفاص المصاعد الصلبة اكتسبت كل قوة التيار الصاعد؛ فحين يُوضَع العديد من القذائف الصغيرة المنفصلة في أنبوب نفخ، فإنها تنطلق منه بترتيبها وعلى نحو منفصل واحدة تلو الأخرى؛ لذا ظهرت أقفاص المصاعد الأربعة عشر واحدًا تلو الآخر في الهواء، محلِّقةً الواحد بعد الآخر، وراسمةً قِطَعَ مكافِئ هندسي رائع جعل أحدها يهبط في البحر بالقرب من مرفأ ورثينج، وآخر في حقل لا يبعد كثيرًا عن تشيتشستر. وأكد المتفرجون أنه لا يمكن لأيٍّ من كل المشاهد الغريبة التي رأوها طوال حياتهم أن يتفوق على مشهد أقفاص المصاعد وهي تبحر في هدوء عبْر السماوات الزرقاء.

ثم جاءت الحمة، كانت دفقًا هائلًا من مادة لزجة كريهة في كثافة القطران، اندفعت في الهواء إلى ارتفاع قُدِّر بألفي قدم. كان هناك طائرة استطلاعية، تحلِّق فوق المشهد، فأُصيبت كأنما قُصفت بمدفع مضاد للطائرات، وأُجبرت على الهبوط الاضطراري، ودُفن الطيار والآلة في قلب هذه المادة القذرة. ربما كانت هذه المادة المريعة، التي لها رائحة كريهة نفَّاذة للغاية ومثيرة للغثيان، تمثيلًا لدم الكوكب، أو لعلها — كما يدعي البروفيسور دريسينجر وكلية برلين — إفرازٌ واقٍ، مشابهٌ لإفراز حيوان الظربان الذي وفَّرته الطبيعة من أجل الدفاع عن الأرض الأم أمام المتطفلين أمثال تشالنجر. على ذلك، أفلت المتهم الرئيس، الجالس على عرشه على الربوة، دون أن يلوِّثه أي دنس، بينما غرق الصحافيون البائسون حتى التشبُّع، لكونهم على خط النار المباشر، حتى إن أيًّا منهم لم يحضر أي تجمُّع راقٍ عدة أسابيع. وانتشرت هذه الدفقة من العفن جنوبًا بفعل الهواء، وهبطت على الحشد البائس الذي ظلَّ ينتظر طويلًا وبجَلَد شديد على قمة تلال داونز لمشاهَدة ما سوف يحدث. لم يكن ثمة خسائرُ، لم يُهجَر منزل واحد، ولكن الكثير من المنازل عَلِقت بها تلك الرائحة النَّتِنة، ولا تزال تحمل بين جدرانها أثرًا يذكِّر أهلها بذلك الحدث العظيم.

ثم حان وقتُ إغلاق الثقب، وكما تُغلِق الطبيعةُ جُرحًا ما ألمَّ بها ببطء من أسفل إلى أعلى، كذلك تَرأَب الأرض بأقصى سرعة أيَّ شق في مادتها الحيوية. كان هناك ارتطام ممتدٌّ صاحبَه صوتٌ مرتفع، مع التحام جوانب النفق معًا، وكان الصوت يدوي من الأعماق، ثم ظلَّ يتعالى ويتعالى حتى استوت الحلقة القرميدية المحيطة بالحُفرة بالأرض والْتحَما معًا بدويٍّ يصمُّ الآذان، بينما رجَّت هزة كأنها زلزال محدود أكوامَ الأنقاض، وراكمت هَرمًا من الحطام والحديد المهشَّم ارتفع خمسين قدمًا فوق الحُفرة. لم تَنتهِ تجربة البروفيسور تشالنجر فحسب، بل اختفت عن نظر البشر إلى الأبد، ولولا النُّصُب الذي شيَّدته آنذاك الجمعية الملَكية، لكان هناك شكٌّ إن كان أحفادنا سيعرفون من الأساس موقعَ ذلك الحدث الاستثنائي بالتحديد، أم لا.

ثم جاء مشهد الختام العظيم. بعد فترةٍ طويلة من وقوع هذه الظواهر المُتعاقِبة، ساد صمت وسكون متوتِّر؛ إذ كان الجميع يحاولون لمَّ شتات عقولهم واكتشاف ما حدث بالضبط وكيف حدث. وعلى حين غرَّة أدركَت عقولهم ذلك الإنجاز الضخم، والنَّصر الساحق للفكر والمعرفة، وعبقرية التنفيذ وإعجازه، وفجأةً صار تشالنجر محطَّ أنظار الجميع. دوَّت صيحات الإعجاب من كل حدب وصوب. ومن فوق ربوته المرتفعة كان يرى بُحيرة الوجوه المضطربة في مشهد لم يَقطعه إلا الأوشحة الملوِّحة له وهي تَرتفِع وتَنخفِض. حين تعود بي الذكريات أراه في مخيَّلتي كما رأيته حينذاك؛ أراه حين نهض من مقعده، وعيناه نصف مغلقتَين، وعلى وجهه ابتسامة استحقاق نابعة من ثقته الشديدة بنفسه، وقد وضع يده اليسرى على ساقه، بينما وضع اليمنى في صدر معطفه الأسود. لا ريب أن هذه الصورة سوف تظلُّ راسخة إلى الأبد؛ إذ كان صوت الكاميرات حولي وهي مُنهمِكة في الْتقاط الصور له مثل صوت صراصير الليل في الحقل.

ألقت شمس يونيو أشعتها الذهبية على وجه تشالنجر حين التفتَ في وقار ليَنحني تحيةً لكل جانب من المكان؛ إنه تشالنجر العالِم الخارق، تشالنجر رائد الرواد، تشالنجر أول إنسان أُجبِرَت الأرض الأمُّ على الشعور بوجوده.

تبقى كلمة على سبيل الختام؛ من المعروف تمامًا بالطبع أن أثر التجربة كان عالَميًّا. صحيح أن الكوكب الجريح لم يُصدِر مثل هذه الصرخة في أي مكان إلا في نقطة الاختراق الفعلية، إلا أنه أثبت أنه بالفعل كِيانٌ واحد بسلوكه في مواقع أخرى؛ لقد أبدى سخطه عبْر كل شقٍّ وكل بركان؛ فقد دوَّى بركان هِيكلا حتى صار الأيسلنديون يَخشون حدوث طوفان، وثار بركان فيزوف، ولفظَ بركان إتنا قدْرًا من الحِمَم، وأُقيمت دعوى تعويض بنصف مليون ليرة ضد تشالنجر في المحاكم الإيطالية تعويضًا عن تدمير حقول العنب. حتى في المكسيك ونطاق أمريكا الوسطى كانت ثمة دلالاتٌ على سخطٍ جوفي، وملأت صرخات بركان سترومبولي أرجاء شرق البحر المتوسط كافة. لقد كان طموح البشرية المعتاد هو جعل العالم بأكمله يتكلم، أما أن تجعل الأرض بأكملها تصرخ، فهو امتياز حصري لتشالنجر وحده.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤