مغرب شمس

بين بودابست وفينا

يقوم قطار الإكسبريس الذي يغادر بودابست إلى فينا في الساعة الواحدة بعد الظهر، أو في الساعة الثالثة عشرة كما يقول دليل السكة الحديدية. وكانت الساعة الثانية عشرة والنصف حين كنا ما نزال مأخوذين بجمال العلم والفن فيما نرى من معروضات متحف بودابست الزراعي، وخرجنا بعد دقائق إلى الغابة وجعلنا نطوف نلتمس أوتموبيلًا يقلنا إلى الفندق، وما فتئ لدينا بعض الرجاء في اللحاق بالقطار، لكن كل دقيقة، بل كل ثانية كانت تمر كانت تضعف عندنا هذا الرجاء، وما أشد إذ ذاك حنقنا كلما مر بنا أوتموبيل مشغول براكبيه، ويزيد بنا الحنق والغيظ كلما مرت برهة ونحن نسرع مهرولين إلى أبواب الغابة، ومع أنَّا سررنا كل السرور بمقامنا في عاصمة المجر، ولم يكن لينتقص من سرورنا أن نقضي فيها يومًا آخر، فإن اعتزامنا مغادرتها وإخطارنا الفندق بهذا جعلنا نرى في مقاومة الظروف لعزمنا تحديًا لإرادتنا فاستثارة لغريرة نضال الظروف وحرصًا على التغلب عليها حتى لا تطأطئ الأنفة الإنسانية فينا لأحكام المقادير إذا كانت قديرة على أن تظل حاكمة للمقادير مصرفة للظروف. لذلك فرحنا وزاد بنا الفرح حيث استوقفنا أوتموبيلًا يقلنا، وإن ظل فرحنا ممزوجًا بالخوف ألا يتحقق عزمنا، وطلبنا إلى السائق أن يسرع إلى الفندق، وجعلنا ننظر إلى عقارب الساعة في كل دقيقة عدة مرات، وصرفنا شغلنا هذا عن التفكير في الاستمتاع بجمال الوقت وبالشمس المشرقة في سماء صفو، وبالهواء الرقيق المنعش لكل ما في المدينة والباعث لها مختلف صور النشاط المرح الجميل.

وبلغنا الفندق، ولم يبقَ على موعد القطاع غير ربع ساعة، ودفعنا حسابنا، وطلبنا إلى رجال الفندق إنزال متاعنا. على أن فكرة مرت بخاطر السائق وأفضى بها إلينا عن طريق مترجم الفندق جعلتنا أكثر اطمئنانًا لإدراك القطار؛ ذلك أن يذهب بنا إلى محطة «بودابست كلانفرد» بدل الذهاب إلى المحطة العامة، وإذ كانت «كلانفرد» ضاحية والطريق إليها خلوًا، فيمكن العربة أن تنهب الطريق المختزل إليها، فنستفيد بضع دقائق تكفل لنا إدراك القطار.

ووصلنا المحطة، وتولى الحمالون العناية بمتاعنا بعد ما اطمأنت نفوسنا إلى أنَّا انتصرنا على الظروف واحتفظنا بأنفتنا الإنسانية عزيزة كريمة، وبقينا ننعم بهذا الانتصار في انتظار القطار، وننعم معه بما شغلنا قبل ذلك عنه من جمال الوقت وصفو السماء ورقة الهواء، ولما أوينا إلى ديواننا في القطار وأوى إليه معنًا متاعنا كان لنا في ابتسامنا للانتصار شاغل عن التفكير في مغادرة بودابست، وفي انحدار أيام جميلة من حياتنا في غيابات الماضي وما يثيره إحساس كهذا من بعض الوجوم في قراره النفس. وذهب القطار ينهب بنا سهول المجر، ويلقي من الضوء الساطع على خضرتها البادية الذبول لمقتبل الخريف ما جعل هذه الخضرة تبسم وتنتعش وتشعر بريح كأنه ريح الربيع. وتبدت من هذه الخضرة الذاهبة مع سهول المجر إلى غاية حدود الأفق ألوان ضاحكة وأخرى باسمة تتعاقب مع سير القطار مبتهجة كلها بضياء الشمس وبنفحة ربيعية ضعف فيها أملها منذ توالت عليها رياح الخريف. وظللنا كذلك ساعتين متعاقبتين اقتربنا أثناءهما من الحدود بين المجر والنمسا، وفيما نحن كذلك مبتهجين مع الزرع والشجر بلألاء الضياء إذا غمام بدأ يعترض صفو السماء، وإذا سحب بدأت تنضم للغمام وتتراكم ثم تتراكم حتى أذهبت الأمل الربيعي الضاحك، وأعادت إلى الخضرة الباسمة قتامًا ورعدة. وأعان السحاب ريح بدأت بليلة رقيقة ثم تزايدت حتى صارت صرصرًا عاتية، وتلاطمت السحب فإذا البرق يخطف الأبصار، وإذا الرعد تصطك له المسامع، ثم إذا المطر ينهمر انهمار السيل، فلا يمنع انهماره خطف البرق ولا قصف الرعد ولا تزايد دكنة السحاب وقتام الجو. على أن عزيمة القطار المستمدة من عزيمة الإنسان لم تهن ولم تفتر، بل ظل مواصلًا طريقه يشق الرياح والمطر ويهزأ بالبروق والرعود. واحتمينا نحن في ديواننا بأن أحكمنا إقفال نوافذه، وكنا قبل ذلك قد فتحناها لنتصل من نفحة الربيع بأمل لم يلبث أن ولى وذهب. ويخطف البرق ويقصف الرعد وتضرب أمواه المطر زجاج النوافذ كأنها أسواط من نقمة السماء، وننظر نحن إلى ذلك كله مبتهجين به ابتهاجنا بالشمس والضوء والهواء الرقيق من قبل، واجدين فيه جديدًا تطرب له النفس طربها لكل جديد لا يصيبها منه مكروه.

ووقف القطار في محطة الحدود بين الدولتين اللتين كانتا قبل الحرب دولة واحدة ذات كلمة رهيبة، ونظرنا فإذا مراقبو الجواز ورجال الجمرك قد التحف كل واحد منهم معطفًا من جلد يسبح به في لجة الجو، ويصعدون إلى القطار لأداء واجبهم، فيتركون معاطفهم المطيرة عند أبواب العربات ويمرون يحيون السَّفْر في رقة وأدب، ويؤشرون على جوازاتهم ويسألونهم عن متاعهم في رقة وأدب كذلك. والمطر أثناء ذلك دائم الانهمار، والجو قتام، والسحب متراكمة، والظلمة شملت الجو حتى ما تكاد ترجو في شعاعة من الشمس تبعث إلى هذا المأتم المكروب عزاء أو أملًا. وظللنا كذلك بعدما انطلق القطار في أرض النمسا، ظللنا ساعة أو أكثر من ساعة نستمع إلى نقر المطر على الزجاج، ونرقب تسرب بعضه بين أخشاب النوافذ، فلما آن لهذه الثورة أن تهدأ، وللسماء أن تمسك ماءها، وللسحب أن يتوارى بعضها بعدما أضناه الانهمار، كنا قبيل الغروب، وعلى ساعة من «فينا».

وحانت منا التفاتة إلى ناحية الغرب، فإذا صيحة تدفعها الغريزة إعجابًا وإكبارًا، وإذا أنفاسنا تمسكها الصدور أمام جلال المغرب الرائع، بقيت في هذا الجانب من السماء سحب منثورة اختبأ وراءها قرص الشمس ليرسل في أثير الهواء المشبع بذرات الماء من أشعته الدامية ما تخشع أمامه القلوب تقديسًا لجماله الباهر. وتحيط أطواق من عسجد ومن لجين بالسحب البعيدة عن القرص، فتجعل منها في لجة السماء بحيرات سبكت شواطئها من فضة ومن ذهب، ثم إذا هذه الأطواق تستحيل في مختلف ألوان قوس قزح التي حللتها كرات الماء الباقية معلقة في الهواء. ثم إذا الغرب كله التهب بنار وبنور يسرع تتابع ألوانه، كأنما تتلاعب بها بلورات الماء التي انعكست عليها أشعة ضياء الشمس المسرعة الانحدار، وازدادت حمرة السماء كأنما اختلط فيها باللهيب دم جعل ينهمر انهمار المطر من قبل، أثرًا لمعركة حامية أعلنها الملائكة والشياطين بين السحاب والسماء، وكلما توالت هذه الصور الأخاذة باللب والفؤاد ازددنا تقديسًا للطبيعة المحسنة الجزاء بعد غضبها وثورتها، وأذكرني هذا المنظر وملائكته وشياطينه حديث عكرمة إذ قال: والذي نفسي بيده ما طلعت الشمس قط حتى ينخسها سبعون ألف ملك يقولون لها اطلعي، فتقول أأطلع على قوم يعبدونني من دون الله، فيأتيها شيطان حتى يستقبل الضياء يريد أن يصدها عن الطلوع فتطلع على قرنيه فيحرقه الله تحتها. وما غربت قط إلا خرَّت لله ساجدة فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن السجود فتغرب على قرنيه فيحرقه الله تحتها؛ وذلك قول النبي : «تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان». ذكرت بإزاء منظر الغروب الرائع حديث عكرمة هذا، وسألت نفسي: أكل هذا اللهب وكل هذه الدماء التي اصطبغت بها السماء لهب شيطان واحد ودماؤه، أم هو لهب المعركة الحامية بين الملائكة والشياطين ودماء عديد منهم لا يحصيه علم الإنسان؟!

ظلت المعركة السماوية حامية الوطيس زمنًا لم نرَ فيه المتحاربين، ولم نرَ غير آثارها الدائمة التغير يتغالب فيها الدم واللهب والفضة والذهب، وكأنما كان هؤلاء الملائكة والجن فنانين في قتالهم، فلا يرضون أن يتناثر من دمهم ولهبهم ومن فضتهم وذهبهم إلا المقادير التي تبدع في السماء أبهى الصور وأكثرها أخذًا باللب ولعبًا بالفؤاد. فهذا الشفق الملتهب بالحمرة القانية شق طريقه من خلال شعاع متورد، كأنما الشمس تعود أدراجها كي تعيد إلى النهار المحتضر حياة ونشاطًا، ثم لا يلبث الشعاع أن يخبو لتندلع في نواحي السماء الداكنة الزرقة ألسنة كأنها في حمرتها ألسن الثعابين الضخمة المخوفة، ويبدو في الجانب الآخر قوس قزح بألوانه السبعة، ثم يختفي، ثم يبدو من جديد، ثم إذا اللهب القاني قد غمر ألسنة الثعابين وامتد حتى أحاط سحبًا مجاورة بأطواق من نار، ثم إذا هدنة في المعركة السماوية يشعرك بها بدء انحلال الدماء واستحالة لون السماء إلى شيء من الزرقة، ثم ما نلبث أن نرى صورة أخرى للمعركة بدت في الجانب الشرقي من السماء، حتى لكأنما لهذه الحرب ميادين مختلفة مثلما كان للحرب العظمى. ولقد كان هذا المغيب حقًّا مغيبًا أعظم، وكان هذا الشفق مما يتضاءل أمام جلاله كل شفق.

وشدت أنظارنا إلى السماء أثناء هذه الحالات جميعًا ونحن ذهول، شردت ألبابنا في عبادة هذا الإبداع، مفتونون به عن كل ما يتخطاه القطار من سهل أو جبل، ناسون أن ثم أرضًا، وأنَّا نقطع أبعاد هذه الأرض إلى غاية نقصدها. ولم نتبادل أثناء ذلك إلا عبارات الإعجاب: أجدَّ في السماء جديد يهتز الفؤاد لروعة جماله؟ ولم يوقظنا من ذهولنا إلا أن تبدت عمائر «فينا» يحجب بعضها بعض السماء، هنالك أدركنا أن في الحياة شيئًا غير ما كنا نشهد، وأسفنا لهذا الذي أفسد علينا بهرنا وذهولنا، والذي نبهنا إلى الزمن وفراره، وإن كانت الطبيعة قد عنيت بأن تهوِّن علينا من أسفنا، فلم تقم عمائر فينا إلا ساعة آذن المغيب بالانحدار في غيابات الليل وظلماته.

وذكرت خلال الدقائق الباقية على دخول القطار المحطة مغارب الشمس التي بقيت مرتسمة صورتها في نفسي فصارت بذلك جزءًا من حياتي؛ ذكرت مغرب شمس سنة ١٩٢١، وأنا على بحيرة ليمان صحبها مطلع قمر ما رأيت وما أحسبني أرى مثله شعرًا وجمالًا، وذكرت مغرب شمس شهدته في الرفييرا ووراء جبال «فل فرانش» وآثاره الفاتنة على البحر المتوسط، وذكرت مغارب شمس مصر الساحرة، ومن بينها ما شهدت بين طهطا وسوهاج سنة ١٩٢٢، لكني لم أذكر في هذه كلها ولا في غيرها واحدًا في روعة هذا المغيب الباقية آثاره الذاهبة تتبدى بين عمائر عاصمة النمسا.

أم هي كانت ما كان هذا المغيب روعة وجلالًا، ولكننا معشر الإنسان نستمتع بما في الحاضر من مسرة أو ألم، ومن حزن أو فرح، حتى يهوِّن علينا النسيان أمره، ليكون دائمًا متاعنا بجمال الحاضر ونعيمه دائم التجدد لا تفسده الذكريات الحية لما ابتلعه جوف الماضي من مشاهد ومشاعر؟ لا أدري! ولكني ما أزال أذكر مغيب الشمس بين بودابست وفينا وقد مضى عليه أكثر من شهرين، وأحسبني ما رأيت مثله مغيب شمس ولا مشرقها، ولا مطلع قمر ولا مغيبه.

•••

ووقف القطار وشغلنا بالنزول منه وبتعهد متاعنا حين حمله إلى أوتموبيل يقلنا إلى فندق اختاره رجال فندق بودابست، وكان جو فينا في هذه الساعة معطرًا بما خلف المطر في السماء من صفو وفي الجو من رقة وفي الطرق من نظافة، وجعلت العربة تدور بنا في شوارع خالية إلا من قليل من المارة وقليل من العربات، حتى وصلنا إلى «الرنج» أكبر شوارع العاصمة وأجملها، وهناك استدارت العربة حتى وقفت عند فندق أستوريا، فأوينا إلى الغرفة التي اخترناها فيه، وظللنا هنيهة ننتظر أن يصعد عماله لنا بالمتاع.

أتدري فيم كان حديثنا حين نزلنا إلى المدينة من جديد؟ كان هذا المغرب البديع الذي اتشحت به السماء فأحيت صورتها في النفس أساطير النيران المقدسة وآلهتها والقرابين التي تقدم إليها عن عقيدة وإيمان: وما نزال حتى اليوم كلما ذكرنا هذا المغرب نعود بنفوسنا إلى الساعة التي شهدناه فيها فنحياها من جديد، وننسى حين نحياها حياة الحاضر ومشاهده ومحسوساته.

وكم يحيا الإنسان في حاضره من ساعات ماضية تجدد في نفسه ذكريات مقدسة كلها حتى ما يبعث منها للنفس أعمق الألم، وهذه الساعات هي حياة الإنسان، لأنها كل ما كسبه الإنسان من الحياة، هي وحدها التي عشناها عيشًا إنسانيًّا صحيحًا، لم نكن أثناءها صورة متجددة من كل الخلائق ينسخ الحاضر منها الذاهب، بل كنا إيانا، فيها بلغت نفسنا أسمى ما تستطيع النفس بلوغه في هذا العالم، فاحتوت العالم وسمت بمعناه إلى أسمى ما تستطيع إداركه من المعاني؛ هذا هو العيش، وهذه الساعات دون غيرها هي الحياة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤