جَدُّ القُرُود

(١) مَهارَةُ «الرُّبَّاحِ»

كانَ السُّلْطانُ «الرُّبَّاحُ» قِرْدًا كَبِيرًا، مَوْفُورَ الْمَهارَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْفُورَ الْعَقْلِ وَالْحِكْمَةِ.

ظَلَّ يَسُوسُ مَمْلَكَتَهُ الصَّغِيرَةَ فِي الْغابَةِ، زَمَنًا طَوِيلًا، وَلكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُقَدِّرُ الْعَواقِبَ تَقْدِيرَ الْعاقِلِ الْحَكِيمِ الْمُجَرِّبِ …

وَلَعَلَّكُمْ تَسْأَلُونَنِي، أَيُّها الْأَبْناءُ الْأَعِزَّاءُ: كَيْفَ كانَ السُّلْطانُ ماهِرًا، وَلَمْ يَكُنْ عاقِلًا؟

وَلَكُمُ الْحَقُّ فِي هَذا السُّؤالِ، فَإِنَّ مَهارَةَ هَذا الْقِرْدِ الْكَبِيرِ، كانَتْ تَتَجَلَّى فِي قُدْرَتِهِ عَلَى تَسَلُّقِ الْأَغْصانِ بِذِراعَيْهِ الطَّوِيلَتَيْنِ، كَما تَتَجَلَّى فِي الْوَثْبِ — مِنْ شَجَرَةٍ إِلَى أُخْرَى — فِي مِثْلِ خَطْفَةِ الْبَرْقِ. وَفِي اسْتِطاعَتِهِ الْعَدْوَ بِسُرْعَةٍ لا مَثِيلَ لَها، فَإِذا جَرَى لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مِنَ الْحَيَوانِ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ.

وَقَدْ أُعْجِبَتْ مَجْمُوعَةُ الْحَيَواناتِ بِما اتَّصَفَ بِهِ «الرُّبَّاحُ» مِنْ خِفَّةِ الْحَرَكَةِ، وَسُرْعَةِ الْوَثْبِ، وَالْجَراءَةِ الشَّدِيدَةِ. وَلكِنَّهُ كانَ إِذا أَقْدَمَ عَلَى عَمَلٍ، لَمْ يُفَكِّرْ فِي نَتِيجَتِهِ، وَلَمْ يَسْتَشِرْ عَقْلَهُ فِيما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْعَواقِبِ.

وَقَدْ جَرَّتْ عَلَيْهِ تَصَرُّفاتُهُ غَيْرُ الْحَكِيمَة، نَكَباتٍ عَظِيمَةً؛ لِأَنَّهُ جَهِلَ أَنَّ الْمَهارَةَ والْقُدْرَةَ، لا تُغْنِيانِ عَنِ الْعَقْلِ وَالْحِكْمَةِ.

(٢) شَيْخُ الْقُرُودِ

كانَ السُّلْطانُ «الرُّبَّاحُ» أَقْدَمَ قِرْدٍ عاشَ عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ، فَهُوَ — كَما تَقُولُ الْأُسْطُورَةُ — جَدُّ الْقُرُودِ الَّتِي تَرَوْنَها فِي هَذِهِ الدُّنْيا.

وَكانَ يَمْشِي عَلَى قَدَمَيْهِ كَما يَمْشِي الْإِنْسانُ، سَواءً بِسَواءٍ.

فَلا تَعْجَبُوا إِذا احْتَرَمَتْهُ دَوابُّ الْغابَةِ كُلُّها وَعَظَّمَتْهُ، لِأَنَّهُ يَمْشِي عَلَى قَدَمَيْهِ كَما يَمْشِي النَّاسُ: مَرْفُوعَ الرَّأْسِ، مُعْتَدِلَ الْقامَةِ، قادِرًا عَلَى أَنْ يُوَجِّهَ نَظَرَهُ حَيْثُ شاءَ، وَيَتَطَلَّعُ إِلَى ما يُرِيدُ.

وَلَمْ يَكُنْ كَسائِرِ الْحَيَوانِ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ، مَحْنيَّ الظَّهْرِ، يَتَدَلَّى رَأْسُهُ عَلَى الْأَرْضِ، لا يَرَى السَّماءَ، إِلَّا بِجُهْدٍ وَعَناءٍ.

وَلكِنَّهُ أَضاعَ — بِحَماقَتِهِ — هَذِهِ الْمِيزَةَ الَّتِي كانَتْ لَهُ، أَضاعَها عَلَى نَفْسِهِ، وَعَلَى أَبْناءِ جِنْسِهِ الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِ.

لَقَدْ أَصْبَحَ السُّلْطانُ «الرُّبَّاحُ» — فِي أَواخِرِ أَيَّامِهِ — يَمْشِي فِي الْأَرْضِ عَلَى يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ جَمِيعًا.

وَصارَتِ الْقِرَدَةُ — بَعْدَ ذَلِكَ — تَمْشِي، مِثْلَ ما أَصْبَحَ يَمْشِي، عَلَى أَرْبَعٍ، كَغَيْرِها مِنَ الدَّوابِّ.

وَما زالَتِ الْقِرَدَةُ كَذَلِكَ، إِلَى يَوْمِنا هَذا: حُرِمَتْ مَزِيَّةَ الْمَشْيِ عَلَى قَدَمَيْنِ فَقَطْ؛ فَلَوْلا حَماقَةُ جَدِّ الْقُرُودِ «الرُّبَّاحِ»، لَما حُرِمَتْ تِلْكَ الْمَزِيَّةَ الْعَظِيمَةَ، مَزِيَّةَ السَّيْرِ كَما يَسِيرُ الْإِنْسانُ!

(٣) رَعِيَّةُ السُّلْطانِ

أَمَّا رَعِيَّةُ السُّلْطانِ «الرُّبَّاحِ»، فَكانَتْ مُؤَلَّفَةً مِنْ جَماعَةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الدَّوابِّ وَالْحَشَراتِ وَغَيْرِها: كانَ أَكْبَرَ رَعِيَّتِهِ: الْفِيلُ. وَكانَ أَصْغَرَ رَعِيَّتِهِ: النَّمْلَةُ.

وَكانَ بَيْنَ أَفْرادِ شَعْبِهِ: كَلْبٌ، وَقِطٌ، وَفَأْرَةٌ.

وَكانَتْ عِنْدَهُ فِي أَرْضِهِ: بِرْكَةُ ماءٍ واسِعَةٌ، وَعَصًا مِنَ الْعِصِيِّ الْخَشَبِيَّةِ الْجَمِيلَةِ، وَنارٌ مُتَّقِدَةٌ، لَيْلَ نَهارَ.

وَكانَتِ الرَّعِيَّةُ كُلُّها — مِنَ الْحَيَواناتِ — مُجْمِعَةً عَلَى الْوَلاءِ لِلسُّلْطانِ «الرُّبَّاحِ»؛ فَهِيَ دائِمًا تَحْتَرِمُ فِيهِ قُدْرَتَهُ عَلَى السَّبْقِ وَالْفَوْزِ، وَلا تُخالِفُ لَهُ أَمْرًا فِي شَيْءٍ كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ.

وَهَكَذا كانَ قَوْلُ ذَلِكَ السُّلْطانِ «الرُّبَّاحِ» مُطاعًا دائِمًا فِي أَرْضِهِ؛ وَحُكْمُهُ نافِذًا لا مَرَدَّ لَهُ بَيْنَ أَفْرادِ شَعْبِهِ.

وَقَدْ عَرَفْتُمْ — يا أَبْنائِيَ الْبَرَرَةَ — أَنَّ الْماءَ يُطْفِيءُ النَّارَ الْمُتَّقِدَةَ، وَيُخْمِدُها فِي الْحالِ، إِذا نَحْنُ صَبَبْناهُ عَلَيْها.

وَلكِنَّ الْأُسْطُورَةَ الْإِفْرِيقِيَّةَ تُحَدِّثُنا أَنَّ الْماءَ — فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ — لا يُطْفِيءُ النَّارَ. فَهِيَ تَظَلُّ مُوقَدَةً لا تَخْبُو، تُضِيءُ ما حَوْلَها طُولَ اللَّيْلِ، وَتَبْعَثُ الدِّفْءَ فِي الجَوِّ كُلِّهِ صَباحَ مَساءَ!

وَأَمَّا الْماءُ فَكانَ صافِيًا طَهُورًا، لا تُعَكِّرُ صَفْوَهُ شائِبَةٌ، وَلا يَقِلُّ أَوْ يَنْقَطِعُ طُولَ الْوَقْتِ، فَتَرْتَوِي بِهِ الْحَيَواناتُ، وَلا تَشْكُو الْعَطَشَ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقاتِ.

إِنَّ النَّارَ والْماءَ أَصْلُ الْحَياةِ، وَلِهَذا عاشَ الْماءُ والنَّارُ — مُنْذُ قَدِيمِ الزَّمانِ — صَدِيقَيْنِ مُتَحابَّيْنِ، وَما زالا عَلَى صَداقَتِهِما وَأُلْفَتِهِما إِلَى عَهْدِ ذَلِكَ السُّلْطانِ «الرُّبَّاحِ». النَّارُ: تُدْفِئُ الْجَوَّ، وَتُنْضِجُ أَلْوانَ الطَّعامِ، وَالْماءُ: يُرْوِي الْعِطاشَ، وَيُنَظِّفُ الْأَشْياءَ.

وَلَمْ تَكُنِ الصَّداقَةُ — يَوْمَئِذٍ — مَقْصُورَةً عَلَى الْماءِ والنَّارِ وحْدَهُما، بَلْ كانَتْ عامَّةً بَيْنَ أَبْناءِ الشَّعْبِ، تُؤَلِّفُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ جَمِيعًا: فَكانَ الْقِطُّ صَدِيقًا لِلْفَأْرَةِ، لا عَدُوًّا لَها، كَما نَرَى الآنَ، وَلَمْ يَكُنْ يَخْطُرُ لَهُ أَنْ يَعَضَّها، أَوْ يَفْتِكَ بِها، وَإِنَّما كانا يَتَعاوَنانِ عَلَى الْعَيْشِ، فِي مَحَبَّةٍ وَصَفاءٍ.

وَلَمْ تَكُنِ الْعَصا الْخَشَبِيَّةُ تَهُمُّ بِضَرْبِ الْكَلْبِ، بَلْ كانَتْ — عَلَى حالِها — وادِعَةً ساكِنَةً، لا تَرْضَى أَنْ تُؤْذِيَ أَحَدًا.

وَلَمْ تَكُنِ النَّمْلَةُ تَقْرُصُ صاحِبَها الْفِيلَ، بَلْ كانَتْ تُجِلُّهُ — لِمَنْظَرِهِ الْهائِلِ، وَحَجْمِهِ الضَّخْمِ — فَلا تُحاوِلُ أَنْ تُؤْلِمَهُ.

وَهَكَذا سادَ الصَّفاءُ والْحُبُّ أَرْجاءَ الْغابَةِ، إلَى أَيَّامِ حُكْمِ هَذا السُّلْطانِ، حَتَّى حَدَثَ — وا أسَفاهُ — ما لَمْ يَكُنْ فِي الْحِسْبانِ.

(٤) بَدْءُ الشَّرِّ

كانَ السُّلْطانُ «الرُّبَّاحُ» قَدْ طَلَبَ مِنْ خَيَّاطٍ أَنْ يَخِيطَ لَهُ رِداءً يَلِيقُ بِعَظَمَةِ السُّلْطانِ، لِيَظْهَرَ بِهِ أَمامَ عُيُونِ أَفْرادِ شَعْبِهِ، فِي شَكْلٍ مَهِيبٍ، يَتَمَيَّزُ بِهِ عَمَّا حَوْلَهُ مِنْ صُنُوفِ الْحَيَوانِ.

وَلَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ الْخَيَّاطُ إِلَّا أَنْ يَسْتَجِيبَ لِهَذِهِ الرَّغْبَةِ، وَخاطَ الرِّداءَ عَلَى خَيْرِ وَجْهٍ، فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ، وَاعْتَزَمَ أَنْ يُقَدِّمَهُ — فِي غَدٍ — إِلَى السُّلْطانِ «الرُّبَّاحِ»، تَحْقِيقًا لِوَعْدِهِ إِياهُ.

وفِي الصَّباحِ، اكْتَشَفَ الخَيَّاطُ أَنَّ الرِّداءَ قَدْ أَصابَهُ تَلَفٌ: لَقَدْ ظَهَرَتْ فِيهِ خُرُوقٌ كَبِيرَةٌ، لا يَعْرِفُ كَيْفَ حَدَثَتْ فِيهِ، وَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الْعَجَبِ، لِأَنَّهُ لا يَعْرِفُ لَهُ مِنْ سَبَبٍ!

وَأَخِيرًا هَداهُ تَفْكيِرُهُ الطَّوِيلُ إِلَى أَنَّ الْحَيَوانَ الَّذِي يَسْتَطِيعُ إِحْداثَ هَذِهِ الْخُرُوقِ الْكَبيرَةِ فِي ذَلِكَ الرِّداءِ، هُوَ: الْفَأْرَةُ. وَلكِنَّهُ لَمْ يَرَها تَفْعَلُ ذَلِكَ. فَماذا يَصْنَعُ؟

أسْرَعَ الْخَيَّاطُ إِلَى السُّلْطانِ «الرُّبَّاحِ»، يَتَّهِمُ الْفَأْرَةَ بِأَنَّها خَرَقَتِ الرِّداءَ، وَكانَتْ هَذِهِ الشَّكُوَى سَبَبًا فِي شَقاءِ السُّلْطانِ وَشَعْبِهِ جَمِيعًا، كَما تُحَدِّثُنا الْأُسْطُورَةُ الْأَفْرِيقِيَّةُ الْعَجِيبَةُ.

وَقَدْ أَطْلَعَ الْخَيَّاطُ السُّلْطانَ عَلَى سِتَّةِ خُرُوقٍ، بَدَتْ فِي الرِّداءِ، وَأَوْضَحَ لَهُ أَنَّ الرِّداءَ — حِينَ خاطَهُ — كانَ صَحِيحًا سَلِيمًا!

وَقالَ الْخَيَّاطُ مُؤَكِّدًا قَوْلَهُ لِلسُّلْطانِ «الرُّبَّاحِ»: «اَلْحَقُّ أَنِّي حاوَلْتُ جاهِدًا أَنْ أَعْرِفَ السِّرَّ فِي حُدُوثِ هَذِهِ الْخُرُوقِ السِّتَّةِ، فَلَمْ أَصِلْ إِلَى شَيْءٍ، بَعْدَ طُولِ الْجُهْدِ. فَقُلْتُ: أَغْلَبُ الظَّنِّ أَنَّ الْفَأْرَةَ هِيَ الَّتِي ارْتَكَبَتْ هَذِهِ الْفَعْلَةَ. وَلكِنِّي رَأَيْتُ مِنَ الْواجِبِ عَلَىَّ أَنْ أَتَبَيَّنَ الْحَقِيقَةَ.

فَلَمَّا سَأَلْتُ الْفَأْرَةَ عَنْ سَبَبِ هَذِهِ الْخُرُوقِ السِّتَّةِ، اتَّهَمَتِ الْقِطَّ.

فَلَمَّا سَأَلْتُ الْقِطَّ عَنْ هَذِهِ الْخُرُوقِ، قالَ لِي فِي تَأْكِيدٍ: إِنَّهُ رَأَى بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ الرِّداءَ بَيْنَ أَسْنانِ الْكَلْبِ، فَعَلَيْهِ الذَّنْبُ.

فَلَمَّا سَأَلْتُ الْكَلْبَ، أَنْكَرَ التُّهَمَةَ بِشِدَّةٍ، وَاتَّهَمَ الْعَصا.

فَلَمَّا سَأَلْتُ الْعَصا، أَخْبَرَتْنِي أَنَّ النَّارَ هِيَ الَّتِي أَلْحَقَتِ الْأَذَى بِالرِّداءِ، وَأَنَّ الْعَصا مِنَ التُّهَمَةِ بَراءٌ.

فَذَهَبْتُ إِلَى النَّارِ، أَسْأَلُها عَمَّا فَعَلَتْهُ بِالرِّداءِ؛ فَلَمْ تَلْبَثِ النَّارُ أَنْ زَعَمَتْ — مُصَمِّمَةً عَلَى زَعْمِها — أَنَّ الْماءَ هُوَ الَّذِي خَرَّقَهُ.

فَلَمَّا سَأَلْتُ الْماءَ عَنْ ذَلكَ، أَنْكَرَ التُّهَمَةَ كُلَّ الْإِنْكارِ، وَزَعَمَ أَنَّ الْفِيلَ هُوَ الَّذِي أَتْلَفَ الرِّداءَ.

وَلَمَّا سَأَلْتُ الْفِيلَ، اتَّهَمَ النَّمْلَةَ، بِأَنَّها فَعَلَتْ تِلْكَ الْفَعْلَةَ.

فَوَقَفْتُ حائِرَ الذِّهْنِ، مُشَتَّتَ الرَّأْيِ، لا أَدْرِي عَلَى الْحَقِيقَةِ: مَنِ الَّذِي صَنَعَ هَذِهِ الْإِساءَةَ، فِي الْخَفاءِ؟!»

(٥) غَضَبُ «الرُّبَّاحِ»

وَما عَرَفَ السُّلْطانُ «الرُّبَّاحُ» مِنَ الْخَيَّاطِ تَفْصِيلَ هَذا الْحَادِثِ الْغَرِيبِ، حَتَّى امْتَلَأَتْ نَفْسُهُ غَضَبًا وَحَنَقًا، وَشَقَّ عَلَيْه أَنْ يَرَى رِداءَهُ قَدْ أَصابَهُ التَّلَفُ، فَالْتَفَتَ إِلَى الْخَيَّاطِ، قائِلًا: «لَقَدْ تَبَيَّنْتُ — مِنْ قِصَّتِكَ — أَنَّ أَبْناءَ شَعْبِي يَخْتَصِمُونَ جَمِيعًا، مِنْ جَرَّاءِ هَذا الرِّداءِ الْمُخَرَّقِ، وَأَنَّهُمْ يَتَّهِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي ذَلِكَ؛ فَيَشْتَبِهُ الصَّادِقُ والْكاذِبُ، والْمُحْسِنُ والْمُسِئُ! فَلا تَتَوانَ فِي إِحْضارِهِمْ إِلَيَّ، حَتَّى أَتَعَرَّفَ مِنْهُمْ جَلِيَّةَ الْأَمْرِ. وَإِنِّي لَقادِرٌ عَلَى أَنْ أَجْزِيَ الْمُسِئَ بِإساءَتِهِ.»

ثُمَّ أَطْرَقَ السُّلْطانُ «الرُّبَّاحُ» مُفَكِّرًا فِي هَذا الْحادِثِ، وقالَ، وقَدْ دَهِشَ كُلَّ الدَّهَشِ لِما سَمِعَهُ مِنَ الْخَيَّاطِ: «يا لَلْعَجَبِ! لَمْ أَعْهَدْ مِثْلَ هَذا، فِي حَياتِي، مِنْ قَبْلُ. هَلْ أَقِفُ أَمامَ هَذا الْأَمْرِ حائِرًا، لا أَعْرِفُ حَقِيقَتَهُ؟ كَيْفَ يَحْدُثُ — فِي عَهْدِي — هَذا الْجُرْمُ الْكَبِيرُ؟ وَعَلَى مَنْ تَقَعُ التَّبِعَةُ فِيهِ، يا تُرَى؟ يَنْبَغِي أَلَّا أَنْفَرِدَ بِالرَّأْيِ، فِيما جَرَى. لا بُدَّ مِنَ اسْتِشارَةِ الْوَزِيرِ الثَّعْلَبِ: «ابْنِ آوَى»، فِي هَذا الْأَمْرِ الْخَطِيرِ!»

ثُمَّ أَذِنَ السُّلْطانُ «الرُّبَّاحُ» لِلْخَيَّاطِ فِي الْجُلُوسِ.

فَاتَّخَذَ الْخَيَّاطُ مَجْلِسَهُ، كَما أَشارَ السُّلْطانُ، ثُمَّ أَخْرَجَ إِبْرَتَهُ مِنْ جَيْبِهِ، لِيَرْفُوَ الْفُتُوقَ الَّتِي حَدَثَتْ فِي الرِّداءِ.

فَأَسْرَعَ إِلَيْه السُّلْطانُ «الرُّبَّاحُ» يَقُولُ لَهُ: «حَذارِ أَنْ تَرْتُقَ الْفُتُوقَ الْآنَ؛ فَإِنَّ خُصُومَكَ سَيُنْكِرُونَ عَلَيْكَ شَكْواكَ، إِذا أَصْلَحْتَ الثَّوْبَ؛ وَسَيَزْعُمُونَ لَكَ أَنَّهُ سَلِيمٌ لَمْ يُخَرِّقْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَأَنَّ اتِّهامَكَ لَهُمْ باطِلٌ.»

فَقالَ الْخَيَّاطُ لِلسُّلْطانِ «الرُّبَّاحِ»: «السَّمْعُ لَكَ والطَّاعَةُ. ولكِنِّي أَسْأَلُكَ راجِيًا أَنْ تَكُفَّ عَنِ اسْتِشارَةِ وَزِيرِكَ الثَّعْلَبِ: «ابْنِ آوَى»؛ فإِنَّ مَشُورَتَهُ لا تُعْقِبُ إِلَّا أَذًى، ولا تُنْتِجُ إِلَّا شَرًّا! وقَدِ اشْتَهَرَ هَذا الثَّعْلَبُ دائِمًا بَيْنَنا — مُنْذُ عَرَفْناهُ وعَرَفَنا — بِالْوَقِيعَةِ والدَّسِّ، وَالْخَدِيعَةِ والْغَدْرِ. فَلا تُعَوِّلْ عَلَى مَشُورَتِهِ.»

وكانَ الْخَيَّاطُ صادِقًا فِي حُكْمِهِ عَلَى الثَّعْلَبِ «ابْنِ آوَى»؛ مُخْلِصًا فِي نَصِيحَتِهِ لِلسُّلْطانِ «الرُّبَّاحِ» ألَّا يَسْتَشِيرَهُ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ الَّذِي حَدَثَ، وَلكِنَّ السُّلْطانَ «الرُّبَّاحَ» لَمْ يَشأْ أَنْ يَتَلَقَّى نَصِيحَةَ الْخَيَّاطِ بِالْقَبُولِ؛ لِأَنَّ «الرُّبَّاحَ» كانَ شَدِيدَ الْوُثُوقِ بِذَكاءِ وَزِيرِهِ الثَّعْلَبِ: «ابنِ آوَى»، وَسَعَةِ حِيلَتِهِ. وَلِذَلِكَ أَصَرَّ عَلَى أَنْ يَعْرِضَ الْأَمْرَ عَلَيْهِ، وَيَسْتَشِيرَهُ، فِيهِ.

(٦) مَشُورَةُ الثَّعْلَبِ

وَقَدْ أَفْضَى السُّلْطانُ إِلَى الثَّعْلَبِ: «ابْنِ آوَى» بِما أَحْدَثَهُ الْجُناةُ مِنْ خُرُوقٍ فِي الرِّداءِ؛ فَرَسَمَ لَهُ «ابْنُ آوَى» خُطَّةَ الْقِصاصِ مِنَ الْآثِمِينَ، وَزَيَّنَ لَهُ أَنْ يُنَفِّذَها كَما رَسَمَها لهُ.

لَقَدْ قالَ الثَّعْلَبُ «الشَّغْبَرُ» لِلسُّلْطانِ «الرُّبَّاحِ»: «إِيَّاكَ أَنْ تَتَهاوَنَ فِي هَذا الْأَمْرِ؛ فَإِنَّ الَّذِي اعْتَدَى عَلَى الرِّداء يَعْلَمُ حَقَّ الْعِلْمِ أَنَّهُ رِداءُ السُّلْطانِ؛ وَلكِنَّ جُرْأَتَهُ وَسُوءَ أَدَبِهِ، جَعَلَتْهُ يَفْعَلُ فَعْلَتَهُ، لا يُبالِي شَيْئًا، وَلا يَخْشَى أَحَدًا! وَيَجِبُ أَنْ يَنالَ جَزاءَهُ الرَّادِعَ لِغَيْرِهِ، حَتَّى لا تَفْسُدَ الْأُمُورُ.»

وَقَبِلَ السُّلْطانُ «الرُّبَّاحُ» مَشُورَةَ الثَّعْلَبِ الْغادِرِ الْخَبِيثِ، وَلَمْ يَعْبَأْ بِنَصِيحَةِ الْخَيَّاطِ الْمُخْلِصِ الْأَمِينِ!

وَبَعْدَ قَلِيلٍ: أَحْضَرَ «ابْنُ آوَى» جَمِيعَ الْمُتَّهَمِينَ بِخَرْقِ الرِّداء؛ وَمَثَلُوا بَيْنَ يَدَيِ السُّلْطانِ «الرُّبَّاحِ»، كَما أَمَرَهُمُ الثَّعْلَبُ.

فَوَقَفَتِ الْفَأْرَةُ الرَّمادِيَّةُ الصَّغِيرَةُ ساكِنَةً، وَإِلَى جانِبِها الْقِطُّ الْأَبْيَضُ مُمْتَثِلًا، فَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الشَّعْرِ ذَلِيلًا.

وَكَذَلِكَ وَقَفَتِ الْعَصا الْخَشَبِيَّةُ، وَإِلَى جانِبِها بَدَتِ النَّارُ الْمُلْتَهِبَةُ، وَبِقُرْبِها بِرْكَةُ الْماءِ الواسِعَةُ، وَوَقَفَ الْفِيلُ غَيْرَ بَعِيدٍ، وَإِلَى جانِبِهِ النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ عَلَى طَرَفِ وَرَقَةٍ فِي شَجَرَةٍ عالِيَةٍ.

(٧) مُحاكَمَةُ الْجُناةِ

وَبَدَا الْقَلَقُ عَلَى الْمُتَّهَمِينَ، وَهُمْ وُقُوفٌ، وَدارَ بَيْنَهُمُ الْهَمْسُ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يُعِدُّ نَفْسَهُ لِلتَّخَلُّصِ مِنَ التُّهَمَةِ، وَإِلْقاءِ التَّبِعَةِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ رِفاقِهِ؛ حَتَّى يَنْجُوَ هُوَ بِبَدَنِهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ الَّتِي سَيُشِيرُ بِها الثَّعْلَبُ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الثَّعْلَبَ سَيُشِيرُ بِأَشَدِّ الْعُقُوبَةِ وَأَقْساها، وَأَنَّ السُّلْطانَ سَيَقْبَلُ مَشُورَتَهُ.

فَقالَ السُّلْطانُ «الرُّبَّاحُ» لِلْخَيَّاطِ: «أَظْهِرِ الرِّداءَ.»

فَرَفَعَ الْخَيَّاطُ الرِّداءَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَفِيهِ الثُّقُوبُ السِّتَّةُ.

وَالْتَفَتَ السُّلْطانُ إِلَى رَعِيَّتِهِ، سائِلًا إِيَّاهُمْ: «أَيُّكُمُ اقْتَرَفَ هَذا الْجُرْمَ الْكَبِيرَ فِي الرِّداءِ؟»

فَقالَتِ الْفَأْرَةُ: «لَقَدِ اقْتَرَفَهُ الْخَيَّاطُ نَفْسُهُ، وَلا ذَنْبَ لَنا.»

فَصاحَ الْقِطُّ: «بَلِ الْفَأْرَةُ هِيَ الَّتِي اقْتَرَفَتْهُ، لا سِواها.»

فَقالَ الْكَلْبُ: «بَلِ الْعَصا الْخَشَبِيَّةُ هِيَ الْجانِيَةُ، لا الْفَأْرَةُ.»

فَصاحَتِ الْعَصا: «بَلِ الْجانِي هُوَ الْكَلْبُ وَحْدَهُ، لا أَنا.»

فَقالَتِ النَّارُ: «الْماءُ هُوَ الَّذِي خَرَقَ الرِّداءَ، وَأَنا مِنْهُ بَراءٌ.»

وَقالَ الْماءُ: «لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إِلَّا النَّارُ، وَأَنا بِذَلِكَ أَشْهَدُ.»

وَصاحَ الْفِيلُ: «بَلِ النَّمْلَةُ هِيَ الَّتِي فَعَلَتْهُ، وَعَلَيْها الْوِزْرُ.»

وَقالَتِ النَّمْلَةُ: «كَلَّا، ما فَعَلَهُ إِلَّا ذَلِكَ الْفِيلُ الثَّقِيلُ.»

(٨) حُكْمُ السُّلْطانِ

فَقالَ الثَّعْلَبُ «ابْنُ آوَى»: «إِنَهُمْ يُنْكِرُونَ الْجَرِيمَةَ، وَيَأْبَوْنَ الاِعْتِرافَ بِالْحَقِيقَة. وَالرَّأْيُ عِنْدِي أَنْ يُعاقَبُوا جَمِيعًا.»

فَالْتَفَتَ السُّلْطانُ «الرُّبَّاحُ» إِلَى الْخَيَّاطِ، وَقالَ لَهُ: «أَنْتَ تَتَّهِمُ الْفَأْرَةَ بِأَنَّها هِيَ الَّتِي اعْتَدَتْ عَلَى الرِّداءِ.»

فَقالَ الْخَيَّاطُ، وَإِبْرَتُهُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ، يُشِيرُ بِها: «نَعَمْ أَتَّهِمُها، وَلا أَحْسَبُنِي أَظْلِمُها بِهَذا الاِتِّهامِ.»

فاتَّجَهَ السُّلْطانُ بِنَظَرِهِ إِلَى الْقِطِّ، وَقالَ لَهُ: «تَعالَ يا «أَبا خِداشٍ»، هَلُمَّ فَعَضَّ الْفَأْرَةَ.»

وَسُرْعانَ ما جَعَلَ الْقِطُّ يَعَضُّ الْفَأْرَةَ بِأَسْنانِهِ الْحادَّةِ.

ثُمَّ قالَ السُّلْطانُ «الرُّبَّاحُ» لِلْكَلْبِ: «وَأَنْتَ، يا «ابْنَ وازِعٍ»: هَلْ تَتَّهِمُ «أَبا خِداشٍ»؟»

فَأَجابَهُ الْكَلْبُ: «نَعَمْ أَتَّهِمُهُ، وَأَنا عَلَى ثِقَةٍ بِما أَقُولُ.»

فَقالَ لَهُ السُّلْطانُ: «إِذَنْ، هَلُمَّ فَعَضَّ الْقِطَّ، عَلَى الْفَوْرِ.»

فَأَسْرَعَ الْكَلْبُ إِلَى الْقِطِّ — مُطِيعًا لِلْأَمْرِ — وَأَنْشَبَ أَنْيابَهُ فِي فَرْوَتِهِ النَّاعِمَةِ، يَعَضُّها بِشِدَّةٍ، وَالْقِطُّ يُحاوِلُ الْفَكاكَ.

وَحَدَّقَ السُّلْطانُ إِلَى الْقِطِّ، وَقالَ لَهُ: «وَأَنْتَ، يا «أَبا خِداشٍ»؛ هَلْ تَتَّهِمُ الْكَلْبَ؟»

فَقالَ لَهُ الْقِطُّ: «نَعَمْ، أَتَّهِمُهُ، وأَنا عَلَى ثِقَةٍ بِما أَقُولُ.»

فَمالَ السُّلْطانُ عَلَى الْعَصا، قائِلًا لَها: «أَيَّتُها الْعَصا الْخَشَبِيَّةُ: جاءَ الْآنَ دَوْرُكِ فِي أَداءِ واجِبِكِ. هَلُمِّي، فاضْرِبِي ظَهْرَ الْكَلْبِ الْجانِي أَوْجَعَ الضَّرْبِ.»

فَقالَتِ الْعَصا مُتَأَلِّمَةً، وَهِيَ تَضْرِبُ الْكَلْبَ: «إِنَّ النَّارَ هِيَ الَّتِي فَعَلَتْ ذَلِكَ الْجُرْمَ الشَّنِيعَ.»

فَما لَبِثَ السُّلْطانُ أَنِ اشْتَدَّ غَضَبُهُ، وَقالَ لِلنَّارِ: «هَلُمِّي أَيَّتُها النَّارُ، فَأَحْرِقِي الْعَصا الْخَشَبِيَّةَ.»

فَلَمَّا أَطاعَتِ النَّارُ، قالَ السُّلْطانُ لِلْماءِ: «تَعالَ أَيُّها الْماءُ؛ فأَطْلِقْ مَوْجاتِكَ، لِتُطْفِئَ النَّارَ عَلَى الْفَوْرِ.»

ثُمََّ الْتَفَتَ السُّلْطانُ إِلَى الْفِيلِ، قائِلًا لَهُ: «أَمَّا أَنْتَ — يا «أَبا حَجَّاجٍ» — فَعَلَيْكَ أَنْ تَغْطِسَ فِي الْبِرْكَةِ، وَأَنْ تَنْفُخَ فِي الْماءِ لِيَتَعَكَّرَ، وَيَسِيلَ عَلَى الْأَرْضِ.»

فَلَمَّا فَعَلَ، الْتَفَتَ السُّلْطانُ إِلَى النَّمْلَةِ، قائِلًا: «تَعالَيْ — أَيَّتُها النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ — فاقْرُصِي الْفِيلَ «أَبا حَجَّاجٍ»؛ فَإِنَّكِ تُوَجِّهِينَ إِلَيْهِ الاتِّهامَ بِأَنَّهُ خَرَقَ الرِّداءَ.»

وَهَكَذا تَوالَتِ الْعُقُوباتُ، واحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى، حَتَّى شَمِلَتِ الْجَمِيعَ، دُونَ اسْتِثْناءٍ، لا فَرْقَ بَيْنَ الْمُذْنِبِينَ وَالْأَبْرِياءِ.

(٩) عاقِبَةُ الطَّيْشِ

هَكَذا شَقِيَ الشَّعْبُ الْمِسْكِينُ بِذَلِكَ التَّصَرُفِ السَّيِّئِ؛ تَصَرُّفِ السُّلْطانِ «الرُّبَّاحِ» الَّذِي لَمْ يَكُنْ عاقِلًا فِي رَأْيِهِ، وَلا عادِلًا فِي حُكْمِهِ؛ وَلكِنَّهُ قَضَى بِالْعُقُوبَةِ عَلَى الْجَمِيعِ، دُونَ تَمْيِيزٍ بَيْنَ ظالِمٍ ومَظْلُومٍ، كَأَنَّهُمُ اشْتَرَكُوا فِي الْجِنايَةِ!

وَهَكَذا حَلَّ الْخِصامُ فِي الْبُقْعَةِ مَحَلَّ الْوِئامِ، وَسادَتِ الْبَغْضاءُ والتَّنافُرُ بَيْنَ أَفْرادِ ذَلِكَ الشَّعْبِ الْمَنْكُوبِ.

لَقَدِ انْساقَ السُّلْطانُ «الرُّبَّاحُ» وَراءَ عاطِفَتِهِ وَهَواهُ، فَلمْ يَكُنْ مُوَفَّقَ الرَّأْيِ وَلا كانَ حَسَنَ التَّصَرُّفِ!

إِنَّهُ أَبَى أَنْ يَسْتَمِعَ إِلَى نَصِيحَةِ الْخَيَّاطِ الْمُخْلِصِ، وَتَرَكَهُ لِيَسْتَمِعَ إِلَى مَشُورَةِ الثَّعْلَبِ الْماكِرِ، الَّذِي أَشارَ عَلَى السُّلْطانِ بِرَأْيٍ سَيِّئٍ، كانَ مِنْ نَتِيجَتِهِ الْإِساءَةُ إِلَى رَعِيَّةِ السُّلْطانِ أَجْمَعِينَ!

وَلَمَّا خَلَا الثَّعْلَبُ «الشَّغْبَرُ» الْماكِرُ الْخَبِيثُ لِنَفْسِهِ — فِي فَضاءِ الْغابَةِ — صاحَ صَيْحَةَ الظَّافِرِ الْمُنْتَصِرِ، وَقالَ: «وا فَرْحَتاهُ! لَقَدِ انْقَضَى عَهْدُ الْمَحَبَّةِ والْوِئامِ، وَالْأُخُوَّةِ والسَّلامِ، وَحَلَّ مَحَلَّهُ عَهْدُ الْبُغْضِ وَالْخِصامِ! وَما حَدَثَ هَذا إِلَّا بِفَضْلِ مَشُورَتِي وَنَصِيحَتِي، وَأَنا ذَلِكَ «الشَّغْبَرُ» الْماكِرُ؛ وَزِيرُ السُّلْطانِ «الرُّبَّاحِ»، سُلْطانِ الْغابَةِ الْأَكْبَرِ! »

(١٠) جَزاءُ الظُّلْمِ

وَما زالَتِ الْخُصُومَةُ ناشِبَةً بَيْنَ هَؤُلاءِ الْمُتَخاصِمِينَ إِلَى الْيَوْمِ.

لَقَدْ لَقِيَ هَؤُلاءِ الْمُتَخاصِمُونَ جَزاءَ كَذِبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَاتِّهامِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، بِغَيْرِ حَقٍّ وَلا دَليلٍ.

فَإِنَّ الْقِطَّ لا يَزالُ يَعَضُّ الْفَأْرَ، وَيَتَرَبَّصُ لَهُ؛ وَلا يَزالُ الْكَلْبُ يَعَضُّ الْقِطَّ؛ والنَّمْلَةُ تَقْرُصُ الْفِيلَ؛ والنَّارُ تُحْرِقُ الْخَشَبَ؛ والْماءُ يُطْفِئُ النَّارَ؛ والْفِيلُ يَغْطِسُ فِي الْبِرْكَةِ وَيُعَكِّرُ الْماءَ! وَلَمْ يَعُدْ بَيْنَهُمْ جَمِيعًا وِفاقٌ أَوْ سَلامٌ.

وَلَمْ يَنْجُ السُلْطانُ «الرُّبَّاحُ» نَفْسُهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ الْأَلِيمَةِ، جَزاءَ خُضُوعِهِ لِوَزِيرِهِ الثَّعْلَبِ الْمَكَّارِ، وَانْخِداعِهِ بِمَشُورَتِهِ.

فَفِي صَباحِ غَدٍ، وَجَدَ السُّلْطانُ «الرُّبَّاحُ» نَفْسَهُ غَيْرَ قادِرٍ عَلَى السَّيْرِ عَلَى قَدَمَيْهِ، إِلَّا خُطُواتٍ قَصِيرَةً، ثُمَّ يَقْفِزُ وَيَتَواثَبُ!

وَصارَ — مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ — لا يَسِيرُ كَما يَسِيرُ الْإِنْسانُ، فِي كُلِّ مَكانٍ، بَلْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ، كَما يَمْشِي سائِرُ الْحَيَوانِ، فَلا يَسْتَطِيعُ الْوُقُوفَ عَلَى قَدَمَيْهِ إِلَّا قَلِيلًا!

لَقَدْ حَرَمَهُ اللهُ نِعْمَةَ السَّيْرِ عَلَى قَدَمَيْهِ، جَزاءَ ظُلْمِهِ، وَسُوء حُكْمِهِ، وَغَفْلَتِهِ عَمَّنْ يَخْدَعُهُ، وَيَمْكُرُ بِهِ.

يُجاب مِمَّا في هذه الحِكاية عن الأسئلة الآتية

(س١) كيف كان السلطان «الرُّبَّاح» ماهرًا، ولم يكن عاقلًا؟
(س٢) مِمَّ كانت تتألف رعِيةُ جدِّ القرود؟
(س٣) كيف كانت العَلاقة بين أَبناء الشعب؟
(س٤) لماذا طلب «الرُّبَّاحُ» من الخيَّاط أن يخيِطَ له رِداء؟
(س٥) ماذا صنع الخياط حين اكتشف خُروقًا في الرِّداء؟
(س٦) ماذا حيَّر الخياط لما سأل الرعِيَّةَ عمَّن أحدث الخُروق؟
(س٧) ماذا صنع «الرباح» حين علم بأن الرعية يتهم بعضُها بعضًا؟
(س٨) لماذا طلب السلطان «الرباح» من الخيَّاط أَلَّا يَرْفُوَ الفُتوق؟
(س٩) لماذا طلب الخياط من السلطان ألا يستشير الثعلبَ في الأمر؟
(س١٠) لماذا أصرَّ السلطان على رأْيه في اختيار مستشاره؟
(س١١) ماذا صنع الثعلب مع الرعِيَّة، تنفيذًا لخطته؟
(س١٢) ماذا أخاف الرعيةَ وهم وُقوف أمام السلطان؟
(س١٣) بماذا حكم السلطان على الرعية التي تبادلت الاتهام؟
(س١٤) لماذا لم يكن السلطانُ «الرُّبَّاحُ» عادلًا في مُحاكمتِه للرَّعِيَّةِ؟
(س١٥) لماذا فرح الثعلب بما جرى لرعية السلطان؟
(س١٦) ماذا كانت نتيجة كذب الرعية: بعضها على بعض؟
(س١٧) ماذا أصاب السُّلْطانَ «الرُّبَّاحَ» وذُرِّيَّتَهُ — من بعده — جزاءَ انخداعِه بِمَشُورَةِ الثعلب؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠