الفصل التاسع

أخبار التوحيدي١

يختلف عمل التوحيدي عن أعمال كتَّاب الأخبار والأقاصيص أشد الأختلاف؛ فهو لا يهتم بأهل البادية، ولا يسلك مسلك الرواة الذين يُعنون بتقييد الغريب من الأخبار والأشعار، وإنما يهتم بالنواحي التاريخية والأدبية من حياة الرجال؛ فهو الذي دوَّن المناظرة بين أبي سعيد السيرافي٢ ومتى بن يونس٣ في المفاضلة بين النحو العربي والمنطق اليوناني. وهذه المناظرة تدل على قوة عجيبة في التوحيدي، وهي مَثَل أعلى في لغة الجدل والحوار بين المتناظرين، ولا يتسع المقام لتحليل هذه المناظرة فليرجع إليها من شاء في معجم ياقوت.٤
ولكن لا بد أن نشير هنا إلى أن التوحيدي يصرح بأن أهل عصره كانوا ينقلون فلسفة اليونان عن اللغة السريانية، ويقول على لسان السيرافي في محاورة متى:
أنت لا تعرف لغة يونان، فكيف صرت تدعونا إلى لغة لا تفي بها، وقد عفت منذ زمن طويل وباد أهلها، وانقرض القوم الذين كانوا يتفاوضون بها ويتفاهمون أغراضهم بتصرفها؟ على أنك تنقل عن السريانية، فما تقول في معانٍ متحولة بالنقل من لغة يونان إلى لغة سريانية، ثم من هذه إلى لغة أخرى عربية؟!٥

ولعل هذا هو السر في أن العرب ظل محصولهم الفلسفي غامضًا؛ لأنهم اضطروا إلى العناية بدرس ما وصل إليهم عن اليونان في إبهام وغموض، وقد واجهت هذه المشكلة وأنا أدرس فلسفة الغزالي، فوصلت بعد الدرس إلى أن الفلاسفة المتفوقين من العرب هم الرجال الذين بنوا فلسفتهم على أساس العقلية العربية، وكان اتصالهم بالفلسفة اليوناية اتصال ثقافة لا اتصال نقل ومحاكاة، وكذلك نجح ابن رشد ونجح الغزالي؛ لأنهما ابتدآ من نقطة مفهومة هي النفس العربية أو الإسلامية، ثم مضيا يتعقبان ما يقضي به العقل أو ما يوحي به الدين، واستطاعا بذلك أن يخلقا الحماسة للفلسفة في البيئات الإسلامية، وأن يخلقا لها ألوفًا مؤلفة من الأصدقاء والأعداء.

ومن أهم ما أبدع التوحيدي حديث السقيفة، وهو حديث عجيب مهد له بالكلمة الآتية:٦

سمرنا عند القاضي أبي حامد ليلة ببغداد بدار ابن جيشان بشارع الماديان؛ فتصرف بنا الحديث كل متصرف، وكان والله غزير الرواية، لطيف الدراية، له في كل جو متنفس، وفي كل نار مقتبس، فجرى حديث السقيفة، وتنازع القوم الخلافة، فقال: ركب كلٌّ منَّا فنًّا، وقال قولًا، وعرض بشيء. فقال أبو حامد: هل فيكم من يحفظ رسالة أبي بكر إلى علي وجواب علي له ومبايعته إياه عقيب تلك الرسالة؟

فقال الجماعة: لا، والله! فقال: هي والله من درر الحقائق المصونة، ومخبآت الصناديق المحوطة، ومنذ حفظتها ما رويتها إلا للمهلبي في وزارته، فكتبها عني في خلوة بيده، وقال: لا أعرف في الأرض رسالة أعقل منها ولا أبين، وإنها لتدل على علم وحلم، وفصاحة وفقاهة وبعد غور، وشدة غوص. فقال له واحد من القوم: أيها القاضي، فلو أتممت المنة علينا بروايتها؛ سمعناها ورويناها عنك، فنحن أوعى لها من المهلبي وأوجب ذمامًا عليك … إلخ.

وحديث السقيفة حديث ممتع، والذي يهمنا قبل تحليله هو إيراد ما كتبه ابن أبي الحديد في التعقيب عليه؛ لأن لذلك أهمية عظيمة في إعطاء ما نحن بصدده من إنشاء القصص التاريخي صبغة واقعية، ويتلخص نقد ابن أبي الحديد في أن حديث السقيفة هذا شبيه بكلام التوحيدي ومذهبه في الخطابة والبلاغة، وأن خطب عمر وأبي بكر ورسائلهما خالية من البديع ومن صناعة المحدثين الظاهرة في ذلك الحديث، وأن الذي يتأمل كلام التوحيدي يعرف أن ذلك الحديث خرج من معدته، ويدل عليه أنه أسنده إلى القاضي أبي حامد المروزي، وهذه عادته في كتابه «البصائر» يسند إلى أبي حامد كل ما يريد أن يقوله هو من تلقاء نفسه إذا كان كارهًا لأن ينسب إليه.

ومما يؤيد أنه مصنوع أن المتكلمين — على اختلاف مقالاتهم — من المعتزلة والشيعة والأشعرية وأصحاب الحديث، وكل من صنف في علم الكلام والإمامة؛ لم يذكر أحد منهم كلمة واحدة من هذه الحكاية. ولقد كان الرضي يلتقط من كلام عليٍّ اللفظة الشاردة والكلمة المفردة الصادرة عنه في معرض التألم والتظلم، فيحتج بها ويعتمد عليها، وكأنما ظفر بملك الدنيا ويودعها كتبه وتصانيفه، فأين كان الرضي من هذا الحديث؟ وكان الباقلاني شديدًا على الشيعة، عظيم العصبية على عليٍّ، فلو ظفر بكلمة من كلام أبي بكر وعمر في هذا الحديث لملأ الكتب والتصانيف بها وجعلها هجيراه ودأبه، ثم قال: «والأمر فيما ذكرناه من وضع هذه القصة ظاهرة لمن عنده أدنى ذوق في علم البيان ومعرفة كلام الرجال، ولمن عنده أدنى معرفة بعلم السير وأقل أنس بالتواريخ.»٧
وخلاصة الحادث الذي من أجله هذا الحديث أن أبا بكر لما استقامت له الخلافة بين المهاجرين والأنصار بلغه عن علي تلكؤ وشماس،٨ فكره أن يتمادى الحال فتبدو العورة وتتفرق ذات البين، فدعا إليه أبا عبيدة في خلوة، وكان عنده عمر بن الخطاب، وأوصاه بأن يتلطف في دعوة علي إلى مبايعة أبي بكر وإعلان الرضا عن خلافته، فلما همَّ أبو عبيدة بالانصراف لمعالجة الأمر الذي نُدب له تبعه عمر فزوده بآيات من التلطف يلقى بها ابن أبي طالب، فلما وصل إليه بثه ما تلقاه من أبي بكر وعمر؛ فرقَّ قلب علي واعتذر عن تخلفه بحزنه البليغ على فقد الرسول، ثم عاد أبو عبيدة فبلَّغ عمر نجاح مسعاه، وفي اليوم التالي ذهب عليٌّ إلى المسجد فاخترق الجماعة وبايع أبا بكر، ثم استأذن للقيام وتبعه عمر مكرمًا له مستأثرًا لما عنده.
تلك خلاصة القصة، ولكن أهمية الحديث ترجع إلى ما فيه من الصور الفنية التي تأنق التوحيدي في صوغها كل التأنق. وانظر ما وصف به أبو بكر بوادر الشر المخوف الذي يهدد كيان المسلمين لو طال الشقاق:٩

امضِ إلى عليٍّ واخفض له جناحك، واغضض عنده صوتك، واعلم أنه سلالة أبي طالب، ومكانهُ ممن فقدناه بالأمس مكانهُ. وقل له: البحر مغرقة، والبر مفرقة، والجو أكلف، والليل أغدف، والسماء جلواء، والأرض صلعاء، والصعود متعذر، والهبوط متعسر، والحق عطوف رءوف، والباطل عنوف عسوف، والعجب قداحة الشر، والضغن رائد البوار، والتعريض شجار الفتنة، والقحة ثقوب العداوة. وهذا الشيطان متكئ على شمله، متحيل بيمينه، نافخ خصييه لأهله، ينتظر الشتات والفرقة، ويدب بين الأمة بالشحناء والعداوة … يوسوس بالفجور، ويدلي بالغرور، ويمني أهل الشرور … ولا بد الآن من قول ينفع إذا أضر السكوت وخيف غبه، ولقد أرشدك من آفاء ضالتك، وصافاك من أحيا مودته بعتابك، وأراد لك الخير من آثر البقاء معك.

ما هذا الذي تسوَّل لك نفسك، ويدوي به قلبك، ويلتوي عليه رأيك، ويتخاوص دونه طرفك، ويسري فيه ظعنك، ويتراد معه نفسك، وتكثر عنده صعداؤك، ولا يفيض به لسانك؟ أعجمة بعد إفصاح؟! أتلبيس بعد إيضاح؟! أدين غير دين الله؟! أخُلُق غير خُلق القرآن؟! … إنك والله جد عارف باستجابتنا لله عز وجل ولرسوله ، وبخروجنا عن أوطاننا وأموالنا وأولادنا وأحبتنا، هجرة لله عز وجل، ونصرة لدينه، في زمان أنت فيه في كِنِّ الصبا، وخدر الغرارة، وعنفوان الشبيبة، غافل عما يشيب ويريب، لا تعي ما يراد ويشاد، ولا تحصل ما يساق ويقاد، سوى ما أنت جار عليه إلى غايتك التي إليها عدل بك، وعندها حط رحلك، غير مجهول القدر، ولا مجحود الفضل.

ونحن في أثناء ذلك نعاني أحوالًا تزيل الرواسي، ونقاسي أهوالًا تشيب النواصي، خائضين غمارها، راكبين تيارها، نتجرع صعابها، ونُشرِج عِيابها، ونحكم أساسها، ونبرم أمراسها، والعيون تحدج بالحسد، والأنوف تعطس بالكبر، والصدور تستعر بالغيظ، والأعناق تتطاول بالفخر، والشفاه تشحذ بالمكر، والأرض تميد بالخوف، ولا ننتظر عند المساء صباحًا، ولا عند الصباح مساء، ولا ندفع في نحر أمر إلا بعد أن نحسو الموت دونه، ولا نبلغ مرادًا إلا بعد الإياس من الحياة عنده … إلخ.

وهناك صفحة في غاية الجودة كتبت على لسان عمر — رضي الله عنه، أوصى أبا عبيدة أن يواجه بها عليًّا — كرم الله وجهه — وصفحة أخرى خاطب بها عمر عليًّا حين تلاقيا بعد البيعة، وهذه وتلك من آيات النثر الفني.

والحديث طويل، ولا حاجة إلى الإفاضة في تحليله، فليرجع إليه القارئ إن شاء.

وهذا النمط من تنسيق الأخبار معروف عن التوحيدي، وما نحسبه ألَّف كتابًا إلا أنطق الناس فيه بفنون من الأحاديث فيها متعة للعقل والذوق والإحساس.١٠

هوامش

(١) في هذا الكتاب فصل عن أبي حيان التوحيدي في الباب الخامس.
(٢) توفي السيرافي في بغداد سنة ٣٦٨ وكان من كبار النحاة.
(٣) متى بن يونس باحث من رجال القرن الرابع كان مشغوفًا بنشر علوم اليونان.
(٤) معجم الأدباء (٣ / ١٠٥–١٢٤).
(٥) (٣ / ١٠٨).
(٦) ورد حديث السقيفة في شرح ابن أبي الحديد لنهج البلاغة (٢ / ٥٩٢) وأثبته القلقشندي في صبح الأعشى (١ / ٢٣٧) وبين النصين اختلاف قليل.
(٧) (٢ / ٥٩٧) شرح نهج البلاغة.
(٨) التلكؤ: الإبطاء والاعتدال. والشماس: النفور.
(٩) خُدِع جماعة من وزارة المعارف المصرية فظنوا هذه المحاورة صحيحة النسب فاختاروا منها قطعة نسبوها إلى أبي بكر في كتاب المحفوظات للمدارس الثانوية.
(١٠) ضاق المجال عن تحليل المناظرات التي دوَّنها التوحيدي، ويكفي أن يعرف القارئ أن تدوين المناظرات كان من أهم ما يمتاز به القرن الرابع، ونحن نرشد إلى هذا العنصر من النثر الفني ليتعقبه من شاء، فقد يطول القول إن مضينا ندرس كل ما اهتم به كتاب ذلك العهد من فنون البيان.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠