الفصل العاشر

أبو عبد الله المرزباني

المرزباني هو أبو عبد الله محمد بن عمران بن موسى بن سعيد، وأصله من خراسان — كما ذكر ابن النديم١ — وهو من بيت رياسة ومجد؛ فقد كان أبوه نائب صاحب خراسان بالباب ببغداد، وقد نُسب إلى بعض أجداده، وكان اسمه المرزبان، وهو اسم لا يطلق عند العجم إلا على الرجل المقدر: العظيم القدر. ومعناه بالعربية: حافظ الحد.٢

ولد في بغداد سنة ٢٩٧ وتوفي سنة ٣٨٤، وقيل: سنة ٣٧٨.

وليس لدينا من أخبار المرزباني إلا نتف يسيرة، وأظهر أخباره أنه كان رجلًا غنيًّا كريمًا يفضل على أساتذته وتلاميذه، وكانت داره مأوى لأهل العلم والأدب يبيتون فيها على الرحب والسعة حين يشاءون، ولم يكن يؤخذ عليه من الهفوات إلا إدمان الشراب، وكان من عادته في ذلك أن يضع بين يديه زجاجة حبر وزجاجة خمر، لا يزال يشرب ويكتب وهو مقسم الفكر والإحساس بين الواقع والخيال، وقد شعر — رحمه الله — بخطر ذلك على عقله وصحته، وظهر تململه حين سأله عضد الدولة مرة عن حاله، فقد أجاب: «كيف حال من هو بين قارورتين؟!» يعني: قارورة الحبر وقارورة الخمر.

وكان في حياته العقلية يؤثر مذهب المعتزلة؛ فقد صنف في أخبارهم كتابًا كبيرًا، وكان المعتزلة في تلك الأيام يقودون الحركة الفكرية والأدبية في الأقطار الإسلامية، وقد أُخذ عليه — سامحه الله — شيء من التسامح في رواية الحديث.

وكان في جملة حاله معروفًا بصدق اللهجة وسعة المعرفة وكثرة السماع، وكان معاصروه يرونه من محاسن الدنيا، ومنهم من يقدمه على الجاحظ، ولعل ذلك هو السبب في تحامل بعض المغرضين عليه كأبي حيان التوحيدي الذي كان يقارنه بابن شاذان وابن الحلال، ممن كان لهم جمع ورواية وليس لهم فيما جمعوه نقط ولا إعجام ولا إسراج ولا إلجام.٣ ولو بقيت كتب المرزباني كلها أو جلها لاستطعنا أن نزن ما كان له من فكر وعقل وأسلوب، ولكن أكثرها ضاع ولم يبق منها إلا النزر القليل، غير أننا نجد ابن النديم مفتونًا به أشد الفتون، وابن النديم حجة في تقدير المصنفين والكتاب والأخباريين، وقد حدثنا أنه رأى كتاب المرزباني عن الشعراء المشهورين والمكثرين من شعراء المحدثين، وقد أثبت في هذا الكتاب مختار أشعارهم وبين أنسابهم وأزمانهم، وأن له كتابًا آخر اسمه «المفيد» يشتمل الفصل الأول منه على أخبار المقلين من شعراء الجاهلية والإسلام، وأخبار من غلبت عليه كنية منهم أو شهر بكنية ابنه أو عرف بأمه أو نسب إلى جده أو عزي إلى مواليه، وما جانس هذه الأحوال.

ويشتمل الفصل الثاني على ما روي من نعوت الشعراء وعيوبهم في أجسامهم وصورهم؛ كالسودان، والعور، والعميان والعمش والبرصان، وسائر ما يؤثر في الجسد من شعر الرأس إلى القدمين عضوًا عضوًا، ويشتمل الفصل الثالث على مذاهب الشعراء في دياناتهم؛ كالشيعة وأهل الكلام والخوارج والمتهمين واليهود والنصارى ومن جرى مجراهم، ويشتمل الفصل الأخير على من ترك قول الشعر في الجاهلية تكبرًا وفي الإسلام تدينًا، ومن ترك المديح ترفعًا، والهجاء تكرمًا، والغزل تعففًا، ومن أنفذ شعره في معنى واحد كالسيد بن محمد الحميري والعباس بن الأحنف ومن جرى مجراهما.

وله كتاب آخر اسمه «الرياض» ذكر فيه أخبار المتيمين من الشعراء الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين، وفيه ذكر الحب وما يتشعب عنه وذكر ابتدائه وانتهائه، وما ذكر من أهل اللغة من أسمائه وأجناسه، واشتقاق تلك الأسماء بشواهد من أشعار الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين والمحدثين.

وليس المهم أن نلخص وصف ابن النديم لمؤلفات المرزباني، ففي مقدور القارئ أن يرجع إليه في الفهرست،٤ ولكن يهمنا أن نشير إلى أن مجموعة مؤلفات المرزباني تدور حول نقطة واحدة هي تنظيم الثقافة الأدبية.

فقد عني الرجل بأن يجمع أخبار الشعراء ويرتبها ترتيبًا قد يعجز عنه أدباء اليوم فيضع للجاهليين كتابًا، وللمحدثين كتابًا، وعُني كذلك بأن يضع مؤلفات مستقلة في أكثر الشئون الأدبية؛ ككتابه عما وصف به العرب الصيف والشتاء، والحر والبرد، والغيوم والبروق، والرياح والأمطار، والرواء والاستقساء، وما دخل في جملتها من أوصاف الربيع والخريف، وكتبه عن الزهد والزهاد، والحجابة والحجاب، والعدل والسيرة، وأخبار الأولاد والزوجات والأهل وما جاء فيهم من مدح وذم، وكتابه عن الأنوار والثمار الذي ساق فيه طرفًا مما قيل في الورد والنرجس وجميع الأنوار من الأشعار، وما جاء فيها من الآثار والأخبار، وكتابه في نسخ العهود إلى القضاة، وكتابه عن أشعار النساء … إلخ.

ومن المدهش أنه ألف كتابًا في أخبار الشعراء سماه «المعجم» تحدث فيه عن نحو خمسة آلاف شاعر، وأثبت فيه أبياتًا لكل من تحدث عنهم من الشعراء، فمن الذي يعرف اليوم هذا المقدار من أسماء الشعراء مع أننا اجتزنا من تاريخ الأدب نحو خمسة عشر قرنًا، وكان المرزباني لم يجتز منه غير خمسة قرون؟

ومما يوضح ما أشرنا إليه من عناية ذلك الرجل بتنظيم الثقافة الأدبية أنه ألف كتابًا سماه «تلقيح العقول» في أكثر من مائة باب، جمع فيه كل ما يهم المتأدبين الاطلاع عليه مما قيل عن العلم والأدب وما جانس ذلك.٥
ولم يطبع من مؤلفات المرزباني — فيما علمنا — غير كتاب الموشح الذي نشرته جميعة نشر الكتب العربية بالقاهرة سنة ١٣٤٣ﻫ، وهو كتاب جيد حدثنا المؤلف في مقدمته أنه اهتم بذكر ما أنكر على الشعراء في أشعارهم من العيوب التي سبيل أهل عصره ومن بعدهم أن يجتنبوها ويعدلوا عنها، وأنه أودع كتابه ما سهل وجوده وقرب متناوله من ذكر عيوب الشعراء التي نبه عليها أهل العلم وأوضحوا الغلط فيها؛ من اللحن والسناد والإيطاء والإقواء والإكفاء والتضمين والكسر والإحالة والتناقض، واختلاف اللفظ، وهلهلة النسج، وغير ذلك من سائر ما عيب على الشعراء قدمائهم ومحدثيهم في أشعارهم خاصة، سوى عيوبهم في أنفسهم وأجسامهم وأخلاقهم وطبائعهم وأنسابهم وديانتهم، وغير هذه الخصال من معايبهم التي استقصاها في كتابه الملقب «بالمفيد»، وسوى سرقات معاني الشعر التي أتى بكثير منها في كتابه الذي تحدث فيه عن فضائل الشعر ووصف محاسنه ومنافعه ومضارّه وأوزانه وعيوبه، ونعت أجناسه وضروبه وعروضه وأعيانه ومختاره وتأديب قائليه ومنشديه، والبيان عن منحوله ومسروقه، وما يتصل بذلك من مختلف الأغراض.٦

وقد راجعنا كتاب الموشح عدة مرات فلم نظفر للمؤلف بما يميزه عن غيره من مصنفي الروايات والأخبار، وإن كنا نعترف بأن الرجل أجاد الجمع والتنصيف، وقدم للقارئ معارض مختلفة مما أخذ على الشعراء، وأكثر ما أثبته لا نجده اليوم في غير كتابه، وإن كنا نعثر على أصوله مبعثرة هنا وهناك، فأنت حين تطلع على كتاب الموشح ترى مواده معروفة لك مستأنسة إليك بطول ما صادفتها في شتى المطالعات، ولكنك لو أردت أن تظفر بمجموعة ما قال النقاد القدماء عن الأخطل أو جرير مثلًا لما استطعت أن تجدها منظمة على نحو ما تجدها في هذا الكتاب، على أن المؤلف كثيرًا ما تظهر شخصيته فيُعرف رأيه ومذهبه في النقد؛ كقوله مثلًا في نقد قول الطائي:

وقد سد مندوحة القاصعا
ء منهم وأمسك بالنافقاء
ولم نعب من هذه الألفاظ شيئًا غير أنها من الغريب المصدود عنه، وليس يحسن من المحدثين استعمالها؛ لأنها لا تجاور بأمثالها ولا تتبع أشكالها، فكأنها تشكو الغربة في كلامهم.٧

ومعنى هذا أن الغريب الوحشي قد يحسن استعمالها إذا اطرد في كلام متأبد غريب، أما في الكلام السلس فاستعماله غير مقبول، وهو يوافق بعض الموافقة ما يراه الجاحظ من أن الوحشي من الكلام يفهمه الوحشي من الناس كما يفهم السوقي رطانة السوقي، والتفاهم عند المرزباني والجاحظ هو الأساس في اختيار الألفاظ؛ إذ كان الناس لا يقبلون الألفاظ أو يرفضونها إلا موصولة بما يألفون.

ولا يخلو المرزباني — على فضله — من تحامل؛ فقد رأيته يغض من قيمة مختارات أبي تمام إذ يقول:
وللطائي سرقات كثيرة أحسن في بعضها وأخطأ في بعضها، ولما نظرت في الكتاب الذي ألفه في اختيار الأشعار وجدته قد طوى أكثر إحسان الشعراء، وإنما سرق بعض ذلك فطوى ذكره وجعل بعضه عدة يرجع إليها في وقت حاجته، ورجاء أن يترك أهل المذاكرة أصول أشعارهم على وجوهها ويقنعوا باختياره لهم فتبغي عليهم سرقاته، ولا يعذر الشاعر في سرقاته حتى يزيد في إضاءة المعنى، أو يأتي بأجزل من الكلام الأول، أو يسنح له بذلك معنى يفضح به ما يتقدمه ولا يفتضح به، وينظر إلى ما قصده نظر مستغن عنه لا فقير إليه.٨

ففي هذه الفقرة تجن شديد على أبي تمام، وإزراء بإحسانه في تأليف مختاراته، وما أحسب الخاطر الذي مر ببال المرزباني مر ببال ناقد شريف القصد، فهو يرى أن أبا تمام قصر اختياره على الأشعار التي لم يسرق منها، وأنه طوى الأشعار التي يرجو أن يغير عليها، وأنه أراد أن يصرف المتأدبين بمختاراته عن الرجوع إلى الأصول التي سرق منها ما استجيد من شعره …

ولا أدري كيف يصح هذا من المرزباني إلا أن أرجح أنه كان من خصوم أبي تمام. وقد كان أبو تمام ابتلي في حياته وبعد مماته بمعارضة شديدة كادت تقتلع مجده من جذوره، وترمي به في هاوية العفاء، وسبب ذلك أن أبا تمام ظفر بشهرة قوية أخملت مئات الشعراء، والشهرة القوية تخلق الخصوم مخلقًا وترمي صاحبها بعداوات مسمومة لم يجترح في خلقها إثمًا ولا جناية، حتى صح للمرزباني على نزاهته أن يتهمه بسوء النية في تأليف المختارات، مع أن في الحماسة بابين لم نجد لهما مثيلًا في مجموعة أدبية؛ وهما باب المراثي وباب النسيب.

ويغلب على المرزباني أن يسوق المآخذ بدون أن يتعقبها بنقد أو تمحيص، وأحيانًا يضيف إليها كلمة صغيرة تعين رأيه، من ذلك أنه نقل الكلمة الآتية بسندها عن بعض معاصريه:

دخلت على أبي تمام الطائي وقد عمل شعرًا لم أسمع أحسن منه، وفي الأبيات بيت واحد ليس كسائرها، فعلم أني وقفت على البيت فقلت: لو أسقطت هذا البيت! فضحك وقال:

أتراك أعلم بهذا مني؟ إنما مثل هذا مثل رجل له بنون جماعة كلهم أديب جميل مقدم ومنهم واحد قبيح متخلف فهو يعرف أمره، ويرى مكانه ولا يشتهي أن يموت، ولهذه العلة ما وقع مثل هذا في أشعار الناس.٩
ونقل بعد ذلك هذه الكلمة: «قال مثقال الشاعر: قلت لأبي تمام: تقول الشعر الجيد ثم تقول البيت الرديء! فقال: مثل هذا مثل رجل له عشرة بنين منهم واحد أعمى فلا يجب أن يموت.» وفي التعقيب على هاتين الفقرتين يكتفي المرزباني بأن يقول: «وهذه حجة ضعيفة جدًّا.»١٠

وأحيانًا قليلة يبسط القول بعض الشيء في النقد والمقابلة كما فعل في نقد قول امرئ القيس:

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلِ
بصبح وما الإصباح منك بأمثل

فقد بين أن أفضل منه قول الطرماح بن حكيم:

بلى إن للعينين في الصبح راحة
لطرحهما طرفيهما كل مطرح
ثم قال: «فأحسن في قوله وأجمل وأتى بحق لا يدفع، وبين عن الفرق بين ليله ونهاره، وإنما أجمع الشعراء على ذلك — أي: حضور الهم بالليل وذهابه بالنهار — من تضاعف بلائهم بالليل وشدة كلفهم؛ لقلة المساعد وفقد المجيب وتقييد اللحظ عن أقصى مرامي النظر الذي لا بد أن يؤدي إلى القلب بتأمله سببًا يخفف عنه أو يغلب عليه فينسى ما سواه.»١١ وللمرزباني ملاحظات صغيرة متفرقة قد لا يتنبه إليها القارئ المتصفح ويستجيدها المتأمل؛ كقوله في التعقيب على قول أبي العتاهية:
حلاوة عيشك ممزوجة
فما تأكل الشهد إلا بسم

فالمعنى صحيح؛ لأن الشاعر جعله مثلًا لبؤس الدنيا الممازج لنعيمها، ولكن يلاحظ المرزباني أن العبارة غير مرضية؛ لأنا لم نر أحدًا أكل شهدًا بسم، وأجود من هذا البيت لفظًا وأصح معنى قول ابن الرومي:

وهل خلة معسولة الطعم تجتنى
من البيض إلا حيث واشٍ يكيدها
مع الواصل الواشي وهل تجتني يد
جنى النحل إلا حيث نحل يذودها١٢

وتلك ملاحظة دقيقة، وهي تذكر بما نقله عن أحد معاصريه وقد سأل أبا تمام: أخبرني عن قولك:

كأن بني نبهان يوم وفاته
نجوم سماء خر من بينها البدر
أردت أن تصف حسن حالهم بعده أو سوء حالهم؟ فأجاب أبو تمام: لا والله إلا سوء حالهم؛ لأن قمرهم قد ذهب. فقال المعترض: والله ما تكون الكواكب أحسن ما تكون إلا إذا لم يكن معها قمر.١٣

وقد أشار المرزباني في غير موضع إلى وحدة البيت، فقد تحدث عما أخذ على امرئ القيس في قوله يصف الليل:

فقلت لها لما تمطى بصلبه
وأردف أعجازًا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجل
بصبح وما الإصباح منك بأمثل

فإنه لم يشرح ما أراد بالبيت الأول إلا في البيت الثاني، وهذا عيب عند العرب؛ لأن خير الشعر ما لم يحتج البيت منه إلى بيت آخر، وخير الأبيات ما استغنى بعض أجزائه ببعض إلى وصول القافية كقول الشاعر:

الله أنجح ما طلبت به
والبر خير حقيبة الرجل

فإن قوله: «الله أنجح ما طلبت به» كلام مستغن بنفسه وكذلك باقي البيت. على أن في هذا البيت واو عطف عطفت جملة على جملة وما ليس فيه واو عطف أبلغ. وأجود من هذا قول النابغة الذبياني في اعتذاره إلى النعمان:

ولست بمستبق أخًا لا تلمه
على شعث أي الرجال المهذب
فكلامه في أول البيت مستغن بنفسه، وكذلك آخره حتى لو ابتدأ مبتدئ فقال: «أي الرجال المهذب» لاعتذار أو غيره لأتى بكلام مستوفٍ لا يحتاج إلى سواه.١٤

وقد أشار الجاحظ في بعض كتبه إلى هذه المسألة، ومن الخير أن ننبه القارئ إلى أن وحدة البيت لا تنافي وحدة القصيدة، وإن ظن ناس غير ذلك، فإن الوحدة في البيت يراد بها اتساق النغم والألحان؛ بحيث يصح الوقف في نهاية كل بيت، ولهذا قيمة في الرنة الموسيقية التي يحرص عليها شعراء العرب أشد الحرص، أما وحدة القصيدة فيراد بها وحدة الغرض، وذلك أن يقدر الشاعر لنفسه صورة شعرية يرسمها رويدًا رويدًا في نظام وانسجام إلى أن يتمها بتمام القصيدة.

ولأجل أن نبين للقارئ أن وحدة البيت ضرورية جدًّا لحفظ الموسيقا الشعرية ننقل له قطعة لأبي العتاهية خلت من وحدة البيت على نحو ما يخلو منها الشعر الفرنسي مثلًا، ولنتأمل كيف يقول:

يا ذا الذي في الحب يلحى أما
والله لو كلفت منه كما
كلفت من حب رخيم لما
لمت على الحب فذرني وما
ألقى فإني لست أدري بما
بليت إلا أنني بينما
أنا بباب القصر في بعض ما
أطوف في قصرهم إذ رمى
قلبي غزال بسهام فما
أخطا بها قلبي، ولكنما
سهماه عينان له كلما
أراد قتلي بهما سلما

وهذا النوع من الشعر كان يسميه القدماء «المضمن» وهو عندهم من الشعر المعيب؛ لأن خير الشعر في حكمهم ما قام بنفسه وكفى بعضه دون بعض، ولا نزال نحن نتبع أسلافنا فيما اطمأنوا إليه من خصائص القوافي والأوزان؛ لأن للإلف أثرًا شديدًا في تكوين الذوق، والشعر من الفنون التي تتحكم في قدرها الأذواق.

وفي الموشح عبارات نقديةٌ تكاد تبلغ الغاية في دقة الوصف، وليتأمل القارئ ما نقله المؤلف في تحديد الشعر الجيد عن محمد بن يزيد النحوي:
أحسن الشعر ما قارب فيه القائل إذا شبه، وأحسن منه ما أصاب به الحقيقة ونبه فيه بفطنته على ما يخفى على غيره، وساقه برصف قوي واختصار قريب، وعدل فيه عن الإفراط.١٥

وهذا كلام دقيق وإن كنا لا نوافق ابن يزيد في استهجانه قول بعضهم في النحافة:

لو أن ما أبقيت مني معلق
بعود ثمام ما تأرود عودها

وقال الآخر يصف سرعة ناقته:

ويمنعها من أن تطير زمامها

لأن في الإزراء بمثل هذه الأخيلة إزراء بمواهب الذكاء، فهناك أخيلة شعرية تجافي الحقائق في كثير من الأحيان، ولكنها تظل مع ذلك مقبولة يهش لها الذوق لدلالتها على ما وهب الشاعر من بارع الذكاء.

وقد استنكر النقاد قول المتنبي:

كفى بجسمي نحولًا أنني رجل
لولا مخاطبتي إياك لم ترني

وعدوه غلوًّا غير مقبول مع أننا قد نستطيب قول بعض المولدين:

عادني ممرضي فلم ير مني
فوق فرش السقام شيئًا يراه
قال لي أين أنت قلت التمسني
فبكى حين لم تجدني يداه

ولسنا نستطيب هذا لصحة معناه، وإنما نستطيبه للصورة التي قدمها الشاعر في وصف آثار النحول.

والمرزباني يهتم بتقييد ما يؤثر عن أخلاق الشعراء وتظهر في ثنايا كلامه نزعة الحقد على المشاهير، وإن اجتهد في إخفاء ذلك وحاول أن يصبغ كلامه بصبغة البحث الصرف، فقد حدثنا أن أهاجي البحتري للخلفاء والملوك أشبه بهجاء سفلة الناس ورعاعهم، وأنها تجمع بين سخافة اللفظ وهلهلة النسج والبعد عن الصواب، وأنه قد هجا نحوًا من أربعين رئيسًا ممن مدحهم منهم خليفتان: هما المنتصر والمستعين. وساق بعدهما الوزراء ورؤساء القواد ومن جرى مجراهم من أعاظم الكتاب والكبراء بعد أن مدحهم وأخذ جوائزهم، وأن حاله في ذلك تنبئ عن سوء العهد وخبث الطوية، وأنه نقل نحوًا من عشرين قصيدة من مدائحه لجماعة توفر حظه منهم عليها إلى مدح غيرهم وأمات أسماء من مدحهم أولًا مع سعة ذرعه بقول الشاعر واقتداره على التوسع فيه.

ويقول المرزباني في التعقيب على هذه المثالب:
ولم أذكر حاله في ذلك على طريق التحامل مع اعتقادي فضله وتقديمه، ولكني أحببت أن أبيِّن أمره لمن لعله انستر عنه، وحسبنا الله ونعم الوكيل.١٦

وظاهر هذه الكلمة نزيه، ولكنها تمثل شهوة خفية طالما التبس أمرها على الناقدين، على أن المرزباني مشكور على أي حال، فمن أمثال هذه الهفوات تنكشف جوانب من النفس الإنسانية، والناقد مسئول عن كشف ما يتعذر كشفه على الجمهور من أخلاق الشعراء والكتاب والباحثين.

ومن يدري! فلعل الناس يعيشون في رذائلهم أضعاف ما يعيشون في فضائلهم، ولست أريد بهذا كمية الحياة، وإنما أريد روحها وسرها، فإن النفس لا تجانب الجادَّة السوية إلا وهي ثائرة، والنفس في لحظات الثورة تحيا حيوات طويلة قوية يصغر بجانبها ما تقضيه في هدوء ووقار من طوال السنين، ولو أن المرزباني قدر أنه قد يجيء من رجال الأخلاق من يعلل هفوات البحتري بمثل ما عللنا لرأى أنه ليس مما يشفي النفس أن يبين أمر البحتري لمن لعله انستر عنه! وما الذي كان يقع لو ظلت صغائر البحتري مستورة وظفر بلسان صدق من الآخرين؟

هذا؛ وقد كنا نحب أن نطيل القول في نقد ما اشتمل عليه كتاب الموشح، وخاصة ما وقع بين شعراء العصر العباسي وبين رجال اللغة؛ كالأصمعي وابن الأعرابي، فإن ذلك يمثل النزاع بين القديم والحديث، وتلك إحدى المشاكل التي تتجدد على اختلاف العصور.

وفيما رواه المرزباني طائفة من الطرف والفكاهات كانت تحسن روايتها في هذا الكتاب، ولكنا نرى الاكتفاء بما أسلفناه، راجين أن يكون فيه كشف عن منهج المرزباني في إحياء الثقافة الأدبية، ونشر ما تداوله الناقدون من هفوات الشعراء.

والموشح مطبوع يستطيع الرجوع إليه من يريد المزيد.١٧

هوامش

(١) الفهرست ص١٩٠، طبع القاهرة.
(٢) ابن خلكان (٢ / ٣٢٧).
(٣) ياقوت (٣ / ٣٠١).
(٤) انظر: ص١٩٠، ١٩٣.
(٥) الفهرست ص٩١.
(٦) راجع: مقدمة الموشح.
(٧) الموشح ص٣١١.
(٨) ص٣١٢.
(٩) ص٣٢١.
(١٠) ص٣٢، ٣٣.
(١١) ص٣٢، ٣٣.
(١٢) ص٢٦١.
(١٣) ص٣٠٧.
(١٤) ص٣٣، ٢٦١.
(١٥) ص٣٤٣.
(١٦) راجع: ص٣٣٦.
(١٧) من أظراف ما نقل المرزباني من أخبار النزاع بين اللغويين والشعراء ما جاء في ص٢٩٦: «حدث العباس بن ميمون قال: سمعت الأصمعي يقول: حضرنا مأدبة وأبو محرز الأحمر وابن مناذر معنا، فقال له ابن مناذر: يا أبا محرز! إن يكن امرؤ القيس والنابغة وزهير ماتوا فهذه أشعارهم مخلدة، فقس شعري إلى أشعارهم، قال: فأخذ صحفة مملوءة مرقًا فرمى بها عليه!»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠