الفصل السابع

إخناتون وثورته الدينية (١٣٧٠–١٣٤٩ق.م)

كانت مصر في حاجة بعد وفاة أمنحوتب الثالث إلى ملك قوي الشكيمة مثل تحوتمس الثالث، يصد عنها هجوم الطامعين فيها ويقفهم عند حدهم، ويقمع الفتن التي يديرونها في بعض الأصقاع الآسيوية.

ولكنها وجدت من إخناتون (أمنحوتب الرابع) ملكًا مسالمًا، وفيلسوفًا هادئًا، منصرفًا إلى دعوة دينية.

حقًّا إن دعوته هي اقتراب من رسالة التوحيد.

فلقد فكَّر طويلًا في تبسيط العقيدة الدينية، ورأى من تعدد المعبودات ما يتنافى مع التبسيط الذي ينشده، كما رأى في استفحال سلطان كهنة المعابد وتدخُّلهم المستمر في شئون الدولة خطرًا على أداة الحكم، فناوأهم وناوءوه، ودعا إلى توحيد الآلهة، وجعل من القوة الكامنة في الشمس (آتون) رمزًا للإله الواحد.

كل هذا لا شبهة فيه، فدعوته وقتئذٍ كانت سليمة، وكان تفكيره تقدميًّا.

ولكن الواجب الأول على رئيس الدولة أن يعمل على حفظ كيانها؛ لأن المحافظة على كيان الوطن أول واجب مفروض عليه بل على كل مواطن، وهو واجب مقدم على الأبحاث الفلسفية والدينية.

أما «إخناتون» فقد صرف كل همه إلى الثورة الدينية في وقت كان فيه الوطن في خطر، ومن هنا كانت المآخذ على شخصيته وسياسته.

ففي عهده حرك الحيثيون الفتن في سورية واستولوا على مدنها الشمالية، وانتقضت مدن عديدة في فينيقية وفلسطين، وسرى الانحلال إلى أطراف الدولة، فلم يحرك «إخناتون» ساكنًا ومضى في تأملاته ودعوته الدينية.

وفي نحو السنة السادسة من حكمه أعلن دعوته، وجاهر بها على ملأ الناس، وخاصم من أجلها الكهنة ورجال الدين كافة.

كانت دعوته قريبة من التوحيد، ولكنها لم تصل إلى الكمال الذي وصلت إليه الرسالات السماوية.

fig29
شكل ٧-١: إخناتون، ملك مصر وصاحب الثورة الدينية القريبة من التوحيد.
فمن أناشيده الدينية الدالة على ذلك قوله:١
أنت تشرق ببهاء في أفق السماء
يا آتون الحي، يا بداية الحياة.
عندما تبزغ في الأفق الشرقي،
تملأ البلاد بجمالك.
أنت جميل، عظيم، متلألئ، وعالٍ فوق كل بلد،
وتحيط أشعتك بالأراضي كلها التي خلقتها.
لأنك أنت «رع» وتصل إلى نهايتها،
وتخضعها لابنك المحبوب.
وبالرغم من أنك بعيد فإن أشعتك على الأرض،
وبالرغم من أنك أمام أعينهم فلا يعرف أحد خطوات سيرك.
وعندما تغرب في الأفق الغربي،
تسودُّ الأرض كما لو كان حل بها الموت.
ينام الناس داخل حجرة وقد لفوا رءوسهم،
فلا ترى عين عينًا أخرى.
ويمكن أن تُسرق أمتعتهم التي يضعونها تحت رءوسهم فلا يحسون بذلك،
يخرج كل أسد من عرينه،
وجميع الزواحف تخرج لتلدغ،
ويلف الظلام كل شيء ويعمُّ الأرض السكون؛
لأن الذي خلقهم يرتاح في أفقه.
وعندما يصبح الصباح وتطلع من الأفق،
وعندما تضيء كآتون أثناء النهار،
تطرد الظلمة وتمنح أشعتك،
فالأرضان في عيد كل يوم،
ويستيقظ الناس ويقفون على الأقدام،
لأنك أنت الذي أيقظتهم.

•••

يغسلون أجسامهم ويلبسون ملابسهم،
ويرفعون أذرعهم ابتهالًا عند ظهورك،
والناس جميعًا يؤدون أعمالهم،
وتقنع كل الحيوانات بمراعيها،
وتزدهر الأشجار والنباتات،
والطيور التي تطير من أعشاشها،
تنشر أجنحتها لتمدح قوَّتك.
وتقف الحيوانات على أرجلها وكل ما يطير أو يحط.
إنهم يعيشون لأنك أشرقت من أجلهم،
وتسير السفن نحو الشمال ونحو الجنوب؛
لأن الطرق كلها مفتوحة عندما تظهر،
وتسبح الأسماك في النهر أمامك.

•••

لأن أشعتك تتغلغل في المحيط،
أيها الخالق لبذرة الحياة في النساء.
إنك أنت الذي يجعل من البذرة السائلة إنسانًا،
إنك أنت الذي يعنى بالطفل في بطن أمه،
وأنت الذي يهدئه بما يوقف بكاءه؛
لأنك تعنى به وهو في الرحم.
أنت الذي يعطي النفس ليحتفظ حياة كل من يخلقهم،
عندما ينزل الطفل من بطن أمه ليتنفس في اليوم الذي يُولد فيه،
تفتح فمه، وتمده بكل ما يحتاج إليه،
وعندما يصرخ الفرخ وهو داخل البيضة.
فأنت الذي يمده بالنفس في داخلها ليعيش،
وعندما تتم خلقه داخل البيضة تجعله يكسرها،
ويخرج من البيضة وهو يصوص عندما يحين موعده،
ويمشي على رجليه عندما يخرج منها.

•••

ما أعظم أعمالك التي عملتها!
إنها خافية على الناس،
أنت الإله الأوحد لا شريك لك في الملك.
لقد خلقت الدنيا كما شئت،
عندما كنت وحدك،
الناس والماشية والوحوش الضارية،
وكل ما على الأرض يسعى على قدميه،
وكل ما يرتفع في السماء ويطير بجناحيه.

•••

في بلاد سورية والنوبة وأرض مصر،
تضع كل شيء في مكانه.
إنك أنت الذي يمدهم بما يحتاجونه،
ويحصل كل شخص على طعامه وسنوات حياته مقدرة له،
يختلف الناس في لغاتهم،
كما يختلفون أيضًا في طبائعهم.
يمتاز لون جلودهم عن بعضهم البعض؛
لأنك أنت الذي يميز أهل الأمم الأجنبية.
أنت الذي خلقت نيلًا في ذلك العالم الآخر،
وأنت الذي يأتي به عندما يشاء لتبقي على الناس؛
وذلك لأنك أنت الذي خلقتهم لأجل نفسك.
وأنت سيدهم جميعًا، سيدهم الذي يشغل نفسه من أجلهم،
سيد كل أرض الذي يشرق لأجلهم،
أنت آتون شمس النهار عظيم البهاء.

•••

أنت الذي يعطي الحياة أيضًا لكل البلاد الأجنبية البعيدة؛
لأنك خلقت نيلًا في السماء،
لينزل لأجلهم ويُحدث أمواجًا فوق الجبال،
مثل أمواج البحر؛
لتروي حقولهم في قراهم.
ما أجمل أعمالك يا رب الأبدية!
فالنيل الذي في السماء خلقته للأجانب،
ولكل حيوانات الصحراء التي تسعى على الأقدام.

•••

أما النيل الحقيقي فإنه ينبع من العالم الآخر لأجل مصر.
تغذي أشعتك كل مرج،
وعندما تشرق تحيا وتنمو لأجلك.
وجعلت فصول السنة لتغذي كل ما خلقت،
فالشتاء يبرد أجسامهم،
والحرارة تجعلهم يحسون بك.
لقد خلقت السماء البعيدة لتشرق منها،
وحتى ترى كل ما صنعت،
وذلك عندما كنت وحيدًا،
تشرق في صورتك كآتون الحي،
لامعًا مضيئًا في جيئتك ورواحك.
جعلت ملايين الصور من نفسك وحدها،
وسواء أكانت مدنًا أم بلادًا أم حقولًا طريقًا أو نهرًا؛
فإن كل عين تراك فوقها مشرقًا؛
لأنك آتون (شمس) النهار على الأرض.

•••

أنت في قلبي،
وليس هناك من يعرفك،
غير ابنك «إخناتون»؛
لأنك أنت الذي خلقته عالِمًا بمقاصدك ومدركًا لقوتك.
أنت الذي صنعت الدنيا بيديك،
وخلقت الناس كما شئت أن تصورهم،
فهم يحيون عندما تشرق،
ويموتون عندما تغرب.
إنك أنت الحياة بعينها،
ويعيش الإنسان فقط إذا أردت.
تتعلق العيون بالجمال حتى تغيب،
ويترك الناس أعمالهم تغرب في الغرب.
ولكن عندما تشرق ثانيةً،
يزدهر كل شيء لأجل الملك؛
لأنك أنت الذي خلقت الأرض.
وأنت الذي خلقتهم (الناس) لأجل ابنك،
الذي وُلد من صُلبك.
ملك الوجه القبلي والوجه البحري: إخناتون،
وزوجة الملك العظيمة … نفرتيتي،
عاشت متمتعة بالشباب دائمًا وإلى الأبد.

فالقارئ لهذا الدعاء يرى في واضعه سعة الأفق وعمق التفكير، وإحاطته بالكثير من أسرار الكون بالنسبة للعصر الذي ظهر فيه إخناتون، أي في القرن الرابع عشر قبل الميلاد.

ولعلك تلحظ في حديثه عن رأفة الله بشعوبه، أنه ذكر سورية والنوبة قبل مصر في تعداد الشعوب، وهذا يدل على أن تأملاته الفلسفية قد طغَتْ على النظرة القومية الجديرة بملك مصر، بل بكل مواطن من أهلها.

(١) التوحيد عند قدماء المصريين

ويبدو من المحاضرة التي ألقاها علينا العلَّامة المؤرخ أحمد كمال باشا سنة ١٩٠٧م بنادي المدارس العليا، أن عقيدة التوحيد كانت معروفة لدى المصريين القدماء قبل إخناتون، وقبل عصر الأسرات الملكية، فقد قال في هذه المحاضرة تحت عنوان «التوحيد عند قدماء المصريين»:

«قال تعالى: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، هذه هي صيغة التوحيد عند المسلمين، وهي موافقة تقريبًا للصيغة التي كان يدين بها المصريون قبل عصر الأسرات الملكية، ويدلنا على ذلك رسوم هيروغليفية، وُجدت في أوراق البردي القديمة وترجمتها:

«الله وحده لا ثاني له، يودع الأرواح في الأشباح، أنت الخالق، تَخلق ولا تُخلق، خالق السموات والأرض.»

وإن الإفرنج كانوا يعتقدون إلى ما قبل عشر سنين٢ أن قدماء المصريين وثنيون، ولكن زال هذا الاعتقاد باكتشاف هذه الصيغة التي يعززها عدم وجود أصنام في مقابر ذلك العهد القديم، ثم قال: من أين أتى التوحيد لقدماء المصريين على هذه الصورة؟ أتاهم التوحيد من نوح عليه السلام فقد كان موحدًا، بدليل قوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا،٣ والخطاب للمسلمين الذين قدَّمنا عقيدتهم في التوحيد، وهنا يتجه اعتراض مؤدَّاهُ أن الشرك كان شائعًا عند قدماء المصريين بدليل قوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ،٤ ومعلوم أن يوسف كان سجينًا عند فرعون مصر، ونجيب على هذا بأن عقيدة الشرك لم تدخل إلا مع العرب في الجاهلية الذين دخلوا مصر في العهد القديم، أي قبل عصر الأسرات، وأن الوثنية أتَتْ من بلاد العرب في الجاهلية بدليل أن محمدًا وجد بالكعبة ٣٦٥ صنمًا فهشَّمَها، وأن من الأصنام العربية اللات والعزى ومناة.»٥
ثابر إخناتون على دعوته، ونقل العاصمة من طيبة إلى بلدة جديدة (أخت آتون)، أي سماء آتون، ومكانها الآن في تل العمارنة.٦
fig30
شكل ٧-٢: الملكة نفرتيتي زوجة إخناتون.

وتيمَّن باسم آتون فغيَّر اسمه، وسمَّى نفسه «إخناتون» أي سرور آتون، بعد أن كان اسمه أمنحوتب.

وناصرَه قلة من قومه، ولكن كهنة المعابد، كهنة آمون، حاربوه حربًا شعواء، وانضمت إليهم غالبية الشعب، فكان عهده عهد ثوران في الخواطر وتبلبل في الأفكار.

على أنه عُني بتقدم الفنون الرفيعة، فكان عهده ممهدًا للشأو الرفيع الذي بلغته في عهد صهره توت عنخ آمون.

وجاء تراجع الدولة وتفككها في عهده، وتغلغل الحيثيين في الولايات السورية، وسكوت إخناتون عنهم، وامتداد العصيان إلى فلسطين، فكانت هذه الأحداث مضعضعة لدعوته الدينية.

ولا غرابة في ذلك، فإن المصير السياسي للدول له الشأن الأول في النجاح أو الإخفاق الذي يُصيب الدعوات الدينية أو السياسية أو الاجتماعية فيها، فلا عجب أن أخفقت دعوة إخناتون؛ لأن كيان الدولة السياسي قد تصدَّع في عهده، ومات بعد أن حكم نحو تسعة عشر عامًا.

(٢) خلفاء إخناتون

تزوج إخناتون بفتاة مصرية اشتهرت في التاريخ وهي «نفرتيتي»٧ فصارت ملكة مصر.

ولم يُرزق منها بأولاد ذكور، وأنجبت له بنات.

(٢-١) سمنخ كارع

ولما تُوفِّي إخناتون خلفه على العرش صهره وأخوه «سمنخ كارع»، ولم يدم ملكه طويلًا.

(٢-٢) توت عنخ آمون

وبعد وفاته خلفه «توت عنخ آمون»، وهو صهر آخر لإخناتون، وقد حكم نحو عشر سنوات.

وتقدمت في عهده الفنون والهندسة والعمارة ومظاهر الثراء والحضارة الرفيعة، ومات في سن مبكر إذ لم يتجاوز العشرين من العمر.

fig31
شكل ٧-٣: توت عنخ آمون، «القناع الذهبي لمومياته».

وهو الذي اكتُشف مقبرته وكنوزه سنة ١٩٢٢م، ذلك الاكتشاف الذي دوَّى صداه في العالم، وجعل اسم توت عنخ آمون في الخالدين، وصار على تعاقب السنين حديث الناس في شتى أقطار المعمورة لما بدا على ذخائره من الروعة والعظمة، وتجلى فيها مبلغ ما وصلت إليه مصر القديمة من الحضارة والتقدم في الفنون الرفيعة، وفي أساليب المعيشة وقوة العقيدة.

(٢-٣) آي

انقطع نسل ملوك الأسرة الثامنة عشرة بوفاة توت عنخ آمون من غير عقب من الذكور.

واعتلى العرش بعده الكاهن «آي» فترة وجيزة؛ إذ كان موظفًا كبيرًا في القصر الملكي، وكان شيخًا كبيرًا طاعنًا في السن فأهَّلَتْه هذه الظروف مجتمعة إلى اعتلاء العرش.

(٢-٤) حور محب

ومرت فترة ضعف واضطراب بدأت من أواخر عهد إخناتون.

وكادت البلاد تقع في هاوية الانقسام الداخلي والانحلال، لولا أن قيَّض الله لها زعيمًا من عامة الشعب، أهَّلَتْه مواهبه وشخصيته لتسلُّم زمام الأمور وإنقاذ الوطن، وهو «حور محب» الذي كان من ضباط الجيش في عهد إخناتون، وقائد الجيش في عهد توت عنخ آمون.

ثم شغل المركز الذي شغله من قبل أمنمحات الأول، فلقد برز أيضًا من صفوف الشعب وأنقذ مصر من الفوضى والانحلال، وكلاهما كان عصاميًّا، وكلاهما أسس ملكًا عظيمًا.

fig32
شكل ٧-٤: حور محب برز من صفوف الشعب.

و«حور محب» من إقليم المنيا، ولم يكن طامعًا ولا راغبًا في أن يؤسِّس أسرة ملكية ولا أن يكون هو ملكًا؛ ولذلك يُعد من الأسرة الثامنة عشرة، وإنما مهَّد الأسرة التاسعة عشرة التي كان لها في تاريخِ مصر القديمة شأنٌ كبير.

تولى حور محب الملك؛ لأن الظروف دفعته إلى ذلك دفعًا لإنقاذ البلاد من الهاوية التي تردت فيها، فقد دخل طيبة زعيمًا لمصر وقائدًا لجيشها، وتُوج فيها ملكًا عليها.

فعاد إلى مصر الاستقرار الداخلي.

ولم يكن مؤيدًا لدعوة إخناتون الدينية، ووقف في صف كهنة آمون، فأيدوه وناصروه.

ومع أنه نشأ نشأة عسكرية وكان قائدًا للجيش، فإنه قدَّم توحيد الجبهة الداخلية على خوض غمار الحرب.

على أنه حارب الحيثيين.

وعقد مع ملك «خيتا» معاهدة ضمنت له استقرار الأمور مؤقتًا على الحدود، وتفرَّغ للإصلاح الداخلي حتى تستعيد البلاد قوتَها وهيبتَها.

فنظَّم شئون الجيش، وسنَّ القوانين الصالحة لمحاربة الرشوة والفساد في دواوين الحكومة، وأصلح المحاكم ومنع الاختلاس والتهريب عند دفع الضرائب، وطاف في أنحاء البلاد باحثًا عن الأشخاص الأكفاء الذين يمكن أن يأتمنهم على شئون الحكم والعدل والقضاء بين المواطنين، وعاد الأمن وعادت الطمأنينة إلى البلاد، ومات بعد أن حكم ثلاثين عامًا.

كتب عنه الدكتور أحمد بدوي بعنوان «حور محب أبو الشعب وصديق الفلاح» ما يلي ضمن ما قال:

«كان يؤذيه ما رأى من حال الشعب، فالفلاح المسكين قد أُهمل حاله واشتد بؤسه بعد أن تجرع مرارة العيش قبل أيام «حور محب» فشرب منها بالكثير وبالصغير …، فارتاع من حال الشعب، وعزم على إصلاح شأنه وتأمين رزقه، وتوفير سعادته، فعمد إلى إصدار قانون ينظِّم حياة الأمة أملاه بنفسه على كُتَّابه.

ثم فرض على من يخالف القانون أشد أنواع العقاب وآلمها، يستوي في ذلك لديه كبراء الأمة ومن كان صغيرًا، فهو يحمي الفلاح من قسوة رجال الإدارة حين جمع الضريبة، وحماه من أداء الضريبة مرة أخرى إن هي فُقدت في طريقِها إلى دواوين الدولة، ونظم تحصيل الضرائب المفروضة على محاصيل الخضر المنزرعة في أرض التاج، وتحصيل الضرائب من أرزاق الأرض وغَلَّاتها جميعًا، كما حدد القانون شروط تعيين القضاة في محاكم الدولة، فاختارهم من أحسن الناس سيرة وأكرمهم خُلقًا، وأَجْرَئِهم قلبًا، وأطهرهم لسانًا، وأعفهم يدًا، وحرَّم على القضاة أن يُصادقوا أحدًا من الناس، أو يتهادوا مع الناس، أو تكون بينهم وبين الناس معاملات مالية. وهكذا كان حور محب رجل حزم وعزم، لا يلين في الحق، ولا تأخذه في تنفيذه لومة لائم، ردَّ على القوانين المصرية حرمتها وجلالها، فجنَّب البلاد شر الظلم، وطهَّرها من آثار العبث، وصفَّاها من شوائب الباطل، وليس أدل على حزم الرجل وصدق وفائِه لشعبه من تصريحه حين إصدار القانون إذ يقول: «إني قد وضعته لضمان رفاهية شعبي»، ثم يخاطب رجال حكومته آمرًا، فيقول: نفِّذوا أوامري في تطبيق مواد هذا القانون، فإني قد رأيت في هذه البلاد ظلمًا شديدًا، ومن ذلك يتضح لنا أن حور محب كان مصلحًا ومشرعًا وقيِّمًا على تنفيذ ما أصدر من قوانين حريصًا على تطبيقها بالعدل.

وكان فوق ذلك كلِّه إنسانًا قلَّ أن نعرف له في تاريخ الملوك والمالكين من آل فرعون نظيرًا.»٨
١  كما عرَّبها الدكتور أحمد فخري في كتابه «مصر الفرعونية»، ص٣٠٩.
٢  سابقة على سنة ١٩٠٧م.
٣  سورة الشورى، الآية: ١٣.
٤  سورة يوسف، الآية: ٣٩.
٥  صحيفة «اللواء»، عدد ٢٣ ديسمبر، سنة ١٩٠٧م.
٦  بمحافظة جرجا الآن.
٧  هي أخت إخناتون وبنت أمنحوتب (أمينوفيس) الثالث، وكان زواج الأخ بأخته في الأسرات الملكية مألوفًا في ذلك العصر.
٨  أحمد بدوي: في موكب الشمس، ج٢، ص٦٨١.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤