الفصل الرابع

أقسام الوجود

(١) تعدادها

بعد لواحق الوجود ومبادئه تأتي بضعة أمور عامة على أعظم جانب من الأهمية لذاتها ولما يترتب عليها من أثر في سائر المسائل الفلسفية. ونحن نحصرها في خمسة أقسام، هي: الفعل والقوة، الجوهر والعرض، الماهية والوجود، العلة والمعلول، الغاية والوسيلة.١
ونسميها بأقسام الوجود؛ لأن منها ما يتحقق في بعض الموجودات دون بعض، أو في بعض الموجدات تارة وفي بعض آخر تارة أخرى على التوالي: فمن الموجودات ما هو بالفعل من وجه أو وجوه ثم يعود إلى القوة، ومنها ما هو بالقوة من وجه أو وجوه ثم يخرج إلى الفعل، ومنها جواهر، ومنها أعراض. والموجودات المتحققة ماهيات مع وجود، بينما الممكنات ماهيات وحسب، ثم يحصل الوجود لما يتحقق منها. والموجودات متفاعلة: فمنها علل، ومنها معلولات. وهي مترتبة: فمنها غايات، ومنها وسائل. فهذه الأمور عامة في عموم الوجود، وليس بعد من «لواحق الوجود بما هو موجود إلا ما كان مشتركًا لجميع الأجناس الموجودة».٢ هذا فضلًا عن أن الله ينفرد عن سائر الموجودات بأنه فعل محض لا تخالطه قوة، وجوهر لا تحل فيه أعراض، ووجود لا تحده ماهية، وعلة قصوى لا معلول بحال، وغاية أخيرة لا وسيلة على الإطلاق، فها نحن أولاء نشرحها حتى تتضح من جميع نواحيها.

(٢) الفعل والقوة

أما الفعل فأمره ظاهر حتى ليس يمكن تعريفه لبساطته وظهوره؛ فإنه من المعاني الأوائل المعلومة بداهة. وأصل اللفظ قوله عن حدث العمل أو فعل العمل. ولما كان الفعل كمالًا ما، فقد أطلق اللفظ أيضًا على كمال الفعل أو تمامه بعد الحركة التي هي فعل غير تام لا يوجد إلا بالتدريج. والقول بالتغير الدائم أو التطور الخالق، كما يقول هرقليطس وهجل وبرجسون، لا ينافي الفعل: فما دام هناك تغير أو خلق فهذا يعني أن هناك انتقالًا من شيء إلى شيء، أو من حال لشيء إلى حال آخر، أي إن هناك فوارق، والفعل لازم قبل حدوث الفارق ولأجل حدوثه. ويطلق اسم الفعل بطريق التناسب، كما يطلق اسم الوجود نفسه وأسماء لواحقه؛ لأنه متباين بتباين الموجودات وأفعاله، وله مع ذلك وحدة نسبية كالوحدة التي لاسم الوجود وأسماء لواحقه.

وأما القوة فأمرها خفي يقتضي إمعان النظر، وقد أنكرها بعض الفلاسفة وغلط فيها آخرون. الأصل في استكشاف القوة والتمييز بينها وبين الفعل هو التغير الذي تظهرنا عليه التجربة ظاهرة وباطنة؛ فإننا إذ نرى الأشياء تتغير فتوجد بعد لاوجود، أو يوجد لها حال لم يكن لها، نميز بين ما حدث بالفعل وما لم يحدث ويمكن أن يحدث. فإذا رأينا مثلًا حبة قمح تزرع فتنبت حبوبًا مثلها، خطر لنا حتمًا أن الحبوب النابتة إنما نبتت بقوة ما في الحبوب المزروعة، وأن ليس لحبة فول قوة على إنبات قمح، ولكن لها قوة على إنبات فول، وأن ليس لقطعة حديد أو خشب أو طباشير قوة على إنبات شيء. وإذا رأينا إنسانًا ما يقرأ ويكتب، ويترك القراءة والكتابة ويعود إليهما متى شاء؛ أدركنا أن له قوة عليهما لم تكن له قبل تعلمهما، وليست لغيره ممن لا يزالون أميين. وهذه خطوة أولى لتعرف القوة بما هي، أو لتعرف وجودها على الأقل.

ونستطيع أن نتقدم خطوة أخرى لنعرفها بما ليست هي، فنقول: أولًا تبعًا لما تقدم إنها ليست مجرد الإمكان المنطقي لما لا يتضمن تناقضًا، فإذا قلنا إن القوة وجود غير متحقق وممكن التحقق، أردنا أنها شيء ما في طبيعة الموجود المتغير زائد على مجرد الإمكان وأقرب منه إلى التحقق. ثانيًا: ليست القوة هي الفعل كما يذهب إليه منكروها، فقد وجد بين الفلاسفة القدماء من ادعوا أن القوة لا توجد إلا متى وجد الفعل، وأن الذي لا يبني ليس له قوة البناء، ولكنها للذي يبني في الوقت الذي يبني.٣ ويكاد يجمع الفلاسفة المحدثون على إنكار القوة كذلك: فديكارت اعتبر الأجسام امتدادًا وحسب، وعلل فعلها بحركة من خارج دون حاجة إلى قوى فيها، واعتبر النفس جامعة للأفعال الوجدانية وفاعلة على الدوام دون حاجة إلى قوى، وهو ينبه على «أن الفكر عين الجوهر المفكر أو النفس، وأن الامتداد عين الجوهر الممتد أو الجسم»،٤ «وأن القوة العارفة ما هي إلا قوة واحدة بعينها تسمى بسبب تعدد وظائفها: عقلًا خالصًا أو مخيلة أو ذاكرة أو بصرًا أو سمعًا» … إلخ، كل ما في الأمر «أسماء نلتزم التمايز بينها،٥ لا أشياء موجودة حقًّا». وهذا ما يدعيه لوك، فهو أيضًا ينبه على «أن القوى تجريدات، لا موجودات متمايزة». «وأننا لا نشعر بالقدرة إلا حين نفعل، وما الفعل الحر إلا الفعل نفسه، فإذا لم نقدر على الفعل لم نكن أحرارًا؛ إذ لا معنى للاعتقاد بالقدرة دون الفعل، وما اعتقادنا بالحرية إلا اعتقاد بإمكان تكرار فعل سابق لمجرد كون هذا الفعل قد سبق».٦ ثالثًا: ليست القوة فعلًا كامنًا كما صوره ليبنتز فقد قال: إن من الأفعال التامَّ الظاهر، ومنها الناقص الكامن، ولا حاجة إلى القوة التي ليست بفعل، إنما القوة توتر متجه إلى الفعل بذاته ومعطل أو معوق، مثله مثل مشدود إلى جسم ثقيل أو قوس مشدودة، فلا يُفعل بتحريك محرك مغاير كما هو حال الجسم في رأي أرسطو وديكارت، بل بتوتره وتلقائيته التي تجعل منه وسطًا بين القوة والفعل كما عرفهما أرسطو.

والأدلة على نفينا هذه الآراء واضحة لأقل تدبر حتى لنعجب كيف غابت عن هؤلاء الفلاسفة، إلا أن يكونوا قد انساقوا إليها بموجب مبدأ خاطئ قبلوه فلزمتهم نتائجه. والمبدأ الخاطئ ههنا أن العقل لا يقبل إلا المعاني الجلية المتميزة كالمعاني الرياضية، والقوة غامضة محجوبة عن الحس والعقل، وإذن فهي غير مقبولة، ويجب أن تفسر بطريقة ما. ولكن الطرق التي ابتدعت لا تفسر شيئًا، فالرأي الأول يترك الموجودات وأفعالها لمطلق الإمكان، أي للفوضى والمصادفة؛ فإن مطلق الإمكان يتناول إمكانات لا تحصى. والواقع أن لكل موجود إمكانات معينة محدودة، حتى إمكانات الحرية، فليس في مقدور الحرية الإنسانية أن تغير طبيعة الإنسان أو طبائع الأشياء، ولا أن تفعل كل ما نريده أو نتمناه، فإذا كانت إمكانات كل موجود معينة محدودة، كان هذا دليلًا على أن كل موجود إنما يفعل (أو ينفعل) بقوى فيه معينة محدودة.

والرأي الثاني يقبل الفعل دون شرطه فيجعل الفعل مستحيلًا، وذلك بأن اكتساب فن من الفنون أو علم من العلوم يقتضي قوة له، فإننا إذا رسمنا حروف الهجاء أو أرقام الأعداد ونطقنا بها أمام طفل وقرد، تعلمها الطفل ولم يتعلمها القرد مهما كررنا المحاولة. وإن استئناف مزاولة الفن أو العلم المكتسب يقتضي بقاء القوة عليه وبقاء المكتسب منه، بينما المزاولة والاكتساب واستئناف المزاولة أمور ممتنعة على فائدة القوة؛ كالقرد في المثال السابق، وعلى الحاصل على القوة دون اكتساب؛ كالأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب. ولو تأمل أصحاب هذا الرأي لوجدوا أن ما لا قوة له فهو لا يفعل، اللهم إلا بتحريك خارجي، وهذا التحريك في مذهبهم المنكر للقوة والكيفية هو نقله، أي تحريك مادي آلي، فكيف وأين تبدأ الحركة؟ وكيف ندرك معنى من المعاني حين يصل إلى سمعنا ذبذبة مادية إلا أن نكون قد حفظنا العلاقة بين هذه الذبذبة وبين المعنى، فكانت لنا قوة على هذا الحفظ وعلى استئناف الإدراك؟ وكيف يحدث الماء مثلًا حدوثًا مطردًا بتفاعل الأوكسجين والهيدروجين إذا كان هذا التفاعل حركة آلية صرفًا ولم يكن في كل من العنصرين قوة مرتبة إلى قوة الآخر متجهة إلى هذا التركيب، معينة بمقدار بحيث لو زاد المقداران المتفاعلان على المقدار المعين بقي الزائد خارج التركيب. وليست تقتضي المادة لذاتها أو الحركة لذاتها تركيبًا معينًا ولا مقدارًا معينًا؟ والعلوم الطبيعية حافلة بأمثلة من هذا القبيل ومن الإسراف، بل من التناقض الصريح إرجاع أفعال متباينة إلى مصدر واحد بالذات تفاديًا من قبول القوة — كما صنع ديكارت، والمنطق يقضي بإرجاع كل منها إلى مصدر خاص.

والرأي الثالث ابتدعه ليبنتز لكي يوفق بين التجربة التي ترينا أشياء وأفعالًا تكون بعد أن لم تكن، وبين مذهبه العقلي المطلق القاضي بالتصور الجلي المتميز ليس غير، فاستبعد القوة كوسط بين الوجود الظاهر وبين مطلق اللاوجود، أو التي هي وجود غير معين ومن ثمة غير متصور طالما لم تتعين بالفعل. واستعاض عنها بفعل ناقص يتجه إلى التمام، أو وجود كامن يتجه إلى الظهور، فيكون وسطًا ممكن التصور. ولكن هل نستطيع أن نتصور أفعالنا جميعًا كامنة فينا منذ ميلادنا وتظهر بالتوالي؟ وهل نقول إن الكائن عن آخر كان فيه على هيئة مصغرة؟ وهل كانت الحبوب النابتة موجودة في الحبة المزروعة بعددها ومقوماتها لكن في كمية متضائلة؟ هل كان العلم كامنًا في الطفل قبل أن نعلمه إياه؟ إذا سايرنا أفلاطون وأجبنا بالإيجاب، بقي أن النفس في مذهب أفلاطون تعلمت في حياة سابقة بكل معنى التعلم، فكانت بالقوة إليه وإلى مزاولة العلم بعد ذلك؛ إذ إن الفكر الكامن شيء ومزاولته شيء آخر.

نتقدم خطوة أخرى في تعريف القوة بالنظر في أنواعها؛ فإنها تنقسم إلى فعلية وانفعالية، وإلى طبيعة ونطقية، وإلى قريبة وبعيدة. القوة الفعلية أو الفاعلية هي قدرة الموجود على إحداث تغيير في موجود آخر، أو في نفسه بما هو آخر، أي بما هو حاصل على قوة انفعالية إلى جانب قوته الفعلية: كالطبيب الذي يداوي نفسه، فإنه يفعل ذلك بعلمه الطبي الذي هو قوته الفعلية، فيؤثر في مرضه الذي هو آخر بالنسبة إليها ويقبل الدواء. وبعبارة أخرى: إن الموجود الذي يغير ما بنفسه هو مغير ومتغير من وجهتين متمايزتين لا من جهة واحدة. والقوة الانفعالية أو المنفعلة هي قدرة في الموجود على قبول فعل موجود آخر، أو فعل منه هو بما هو آخر، وذلك كالداء بالنسبة إلى المداوي وإلى الدواء في المثال السابق، أو كعقل الطفل بالنسبة إلى المعلوم والمتعلم.

والقوة الطبيعية هي التي في طبيعة الموجود، سواء أكان فاعلًا أم منفعلًا، وهي محدودة نحو شيء واحد أو وظيفة واحدة: كالنار تسخن، أو العقل يعقل، أو المخيلة تتخيل. والقوة النطقية أو العقلية هي التي في النفس الناطقة بما هي ناطقة، وتتناول العلوم والفنون، وليست محدودة نحو طرف واحد، بل قد تفعل طرفًا أو الآخر بحسب الاختيار: فعلم الطب يشتمل على معرفة الصحة والمرض، فهو في النفس قوة الصحة والمرض جميعًا، ولو أن معرفة أحد الضدين هي المقصودة فيه بالذات، ومعرفة الضد الآخر بالعرض، فهو يعلم الصحة لكي يحدثها ويصونها، ويعلم المرض ليزيله لا ليحدثه، والإرادة تجرح أحد الضدين. وعلم الأخلاق يشتمل على معرفة الخير والشر، فهو في النفس قوة الاثنين، إلا أن المقصود فيه فعل الخير واجتناب الشر، وقد ترجح الإرادة فعل الشر.

والقوة القريبة هي المهيأة لكل التهيؤ للخروج إلى الفعل حالما تفعل علتها أو يترفع المانع لها، وهي القوة في الحقيقة. أما القوة البعيدة فهي التي لا تخرج إلى الفعل إلا بعد مرورها بالمراحل التي تفصل بينها وبين التهيؤ الأخير، فإذا قلنا إن الكائن الحي هو بالقوة في العناصر الكيميائية، أو إن هذا الطفل فيلسوف أو شاعر بالقوة؛ فإننا نقول ذلك بضرب من التجوز يعود إلى الإمكان المنطقي، وقد بينا أن ليس أي شيء كان هو بالقوة أي شيء كان.

في ضوء هذه الإيضاحات نفهم تعريف ابن سينا للقوة بأنها: «ما به يجوز من الشيء فعل أو انفعال.»٧ وتعريف ابن رشد بأنها: «الاستعداد الذي في الشيء والإمكان الذي فيه لأن يوجد بالفعل.»٨ فالعبارتان تعرفان القوة، لا في ذاتها، وهي غير مدركة بما هي كذلك، بل الفعل، وهي إنما تعترف به؛ إذ إنها نسبة إليه، أي كافية له، أو قدرة عليه واستطاعة له. والعبارتان تثبتان القوة على أنها وجود حقيقي وإن لم تكن فعلًا. وقول ابن سينا: «ما به يجوز من الشيء فعل أو انفعال» يضارع قول ابن رشد «الاستعداد الذي في الشيء والإمكان الذي فيه» لا مجرد الإمكان أو القوة البعيدة، بل الاستعداد الوجودي الذي بدونه لا يجوز من الشيء فعل أو انفعال. فأصل اللفظ الدلالة على ما ليس موجودًا بالفعل لكنه يقدر أن يوجد أو يقوى على الوجود بالفعل. فلا ينبغي أن يصدنا خفاء القوة في ذاتها عن وضعها في الوجود كقسيمة للفعل، من حيث إنها نسبة حقيقية إلى الفعل لولاها لا يوجد الفعل، وإنها كالفعل تقال بطريق التناسب لتباينها بتباين الموجودات وأفعالها، مع الوحدة الدال عليها اسمها والمعرفة ههنا.

ففي المسألة ثلاثة مذاهب: مذهب يقول بالقوة وحسب، كما نراه عند هرقليطس وهجل وبرجسون، فيتصور الوجود غير معقول وصيرورة صرف. ومذهب يؤمن بالفعل وحسب، فيجمع الكل في واحد، ويعتبر الصيرورة وهمًا، كما نرى عند بارمنيدس، أو شبه وهم، كما نرى عند سبينوزا. قال بارمنيدس: «الوجود موجود، فلا يحدث عنه وجود»، ظانًّا أن الوجود هو بالفعل حتمًا، وأنه متجانس على ما يشبه أن يبدو في ذهننا، فلا كثرة ولا صيرورة، غير عارف أن الوجود قد يكون أيضًا بالقوة، أو أن القوة نوع من الوجود، وأن الصيرورة خروجها إلى الفعل، وغير عارف أن وحدة معنى الوجود في الذهن هي ثمرة تجريد عقلي من موجودات متعددة يقال عليها بالتشكيك لتغايرها، فالكثرة ممكنة، وهي الأصل الذي يواجهنا بادئ ذي بدء. أما سبينوزا فقد قبل الكثرة، لكن على أنها كثرة صفات وأحوال لجوهر كلي واحد، وقَبِل الصيرورة، لكن على أنها صيرورة آلية تتدافع فيها الأحوال أي الجزئيات، ويفعل كل منها بما يتلقى من دفع لا بقوة مركوزة فيه. وهذا نوع من التوسط بين بارمنيدس وهرقليطس، مع ميل إلى الأول أشد، من حيث إن الأصل عنده أيضًا الوحدة والثبات، وإنه لا يبقى معهما للكثرة والصيرورة إلا ظل من وجود مستند على الجوهر الأوحد.

الوسط الحق هو المذهب الثالث: مذهب أرسطو؛ يجمع بين القوة والفعل، ويرى أن القوة، وإن كانت غير معقولة في ذاتها، فهي معقولة بالقياس إلى الذي يخرج إليه؛ فإن الفعل كمال القوة ومن أجله وُجدت، وهو مُحقِّقها، فما من متغير إلا وله مغير، أو ما من مُتحرِّك إلا وله مُحرِّك، وعلى ذلك يخطئ الذين يفسرون الكون بتطور المادة، واضعين في الأصل القوة والاختلاط زمنًا غير متناهٍ. ولو صح زعمهم لما أمكن أن تخرج الأشياء من القوة إلى الفعل، ومن الاختلاط إلى النظام. وبفضل هذه البديهيات يتفق العقل مع الوجود، ويصعد إلى فاعل أول.

(٣) الجوهر والعرض

من الموجودات ما هو منفصل عما سواه، قائم بذات متقوم في ذاته، معين تعيينًا أوليًّا بماهية باقية ما بقي هو، مثلما نرى في زيد هذا أنه إنسان. ومنها ما هو حال في المتقوم في ذاته، معين له تعيينًا ثانويًّا يجعل منه شخصًا مشارًا إليه، كالمقدار واللون وسائر ما ينضاف على الماهية في الأشخاص. وهذا التعيين الثانوي قد يكون «مفارقًا» زائلًا، وهو في الغالب كذلك. وقد يكون «لازمًا» ثابتًا، كالبياض في ققنس العالم القديم، أو السواد في ققنس العالم الجديد (١٠ج)، دون أن يمنع لزومه وثباته من اعتباره ثانويًّا متمايزًا من الماهية جائز المفارقة.

فالموجود الذي من النوع الأول محل وموضوع للذي من النوع الثاني، وليس هو في محل أو موضوع. وظاهر أن المتقوم في ذاته المقوم لغيره أشرف من هذا المتقوم به. وبهذا الاعتبار اصطلح في العربية على تسمية المتقوم في ذاته «جوهرًا» وعلى تسمية المتقوم في غيره «عرضًا». قال الغزالي: «الجوهر اسم وضعه واضع اللغة لحجر يعرفه الصيرفي، ونقله المتكلم (صاحب علم الكلام) إلى معنى هو أحد أقسام الموجودات.»٩ وقال ابن رشد: «هذا الاسم عند المتفلسفين منقول من الجهر عند الجمهور، وهي الحجارة التي يغالون في أثمانها، ووجه الشبه بين هذين الاسمين أن هذه لما كانت إنما سميت جواهر بالإضافة إلى سائر المقتنيات لشرفها ونفاستها عندهم، وكانت أيضًا مقولة الجوهر أشرف المقولات، سميت جوهرًا.»١٠ واصطلح على اسم العرض للدلالة على ما يعرض للجوهر، أو «أنه منقول مما يدل به عند الجمهور، وهو الشيء السريع الزوال».١١ وهكذا ندرك مبدأ الجوهرية على أنه تعيين لمبدأ الذاتية: «الموجود واحد بعينه تحت أحواله المتعددة المتغيرة.» ومن هذه الوجهة لا يخرج الموجود عن هذين القسمين، فإنه إما جوهر وإما عرض.
للجوهر إذن تعريفان، فهو: الموجود المتقوم في ذاته، وهو موضوع الأعراض أي محلها وحاملها، الأول بمثابة الحد، والثاني بمثابة الاسم. فالأول مفضل، وقول: «المتقوم في ذاته» خير من قول: «الموجود لا في موضوع»، على كثرة ورود هذا التعبير عن ابن سينا وابن رشد، وبيانه بأن الجوهر «يقال لكل موجود لذاته لا يحتاج في الوجود إلى ذات أخرى تقارنها حتى يقوم بالفعل».١٢ أجل إن القولين يرجعان إلى واحد، فالمتقوم في ذاته هو الموجود لا في موضوع، غير أنه يجمل صوغ التعريف في صورة موجبة كلما أمكن ذلك لما هو معلوم من أن التعريف السالب يقول ما ليس الشيء هو ويدع ماهيته خافية، بينما التعريف الموجب يقول ما الشيء هو ويؤدي إلى الذهن معنى ثبوتيًّا ربما لا يؤديه السلب إلا بشيء من العناء، فالإيجاب متقدم على السلب. ثم إن قبول الأعراض ليس شرطًا للجوهرية بإطلاق، هو وظيفة ثانوية للجواهر الحادثة، ويخرج منه الله الذي هو جوهر محض غير قابل لعرض ما، على حين أن التعريف الأول شامل ينطق على كل جوهر.

أما العرض فتعريفه مقابل للتعريف الثاني للجوهر، فإنه «ماهية موجودة في آخر وجودها في موضوع أو محل»، فهو «وجود مقبول لا غير» (نجاة ٢٠٤). فينبغي أن يفهم حلوله في موضوع بمعنى اتحاده به وتقومه فيه، لا كحلول الجزء في الكل، أو الجسم في المكان، أو المعلول في العلة! فليس للعرض من حقيقة إلا بالجوهر: كالشكل واللون والحركة فإنها لا توجد إلا في موضوع، وسنزيد هذا بيانًا فيما يلي. ولنزد الآن في بيان معنى الجوهر بإيراد الاختلاف في استعمال اللفظ، فنقول:

كان أفلاطون يرى أن المثل هي الموجودات الحقة، وأن الأجسام الطبيعية أشباح لها، فثبت عنده أن المثل هي الحقيقة باسم الجوهر، وأن الجزئيات إن أطلق عليها هذا الاسم فبالتبعية وبصفة ثانوية، قال: «لا تسم الماء المحسوس ماء، وإنما قل إنه شيء شبيه بالماء.» وافترق عنه أرسطو؛ إذ ثبت لديه أن المثل لما كانت كليات فيستحيل أن يحصل لها وجود، وأن الموجود حقًّا هي الجزئيات، سواء أكانت مادية محسوسة أو روحية معقولة: كالنفوس الإنسانية والعقول العلوية، فكان يسميها جميعًا جواهر أُوَل، ويسمي المعاني الكلية الماثلة في عقلنا جواهر ثواني، وينبه على أن اسم الجوهر إنما يطلق على الجواهر الأُول والجواهر الثواني لا بالتواطؤ بل بطريق التناسب من حيث إن قوام الجزئي هو بذاته لا بالكلي، وقوام الكلي هو بالجزئي، فالجزئي أولي بالجوهرية. وإذا تأملنا في هذين النوعين من الجوهر وجدنا أن الجوهر الأول هو ما ليس في موضوع ولا يحمل على موضوع، كزيد مثلًا. بينما الجوهر الثاني وإن كان ليس في موضوع فهو يحمل على موضوع، كإنسان في قولنا: «زيد إنسان.»

والفلاسفة الإسلاميون، كابن سينا وابن رشد ومن تبعهما، يعنون بلفظ الجوهر وبصفة شاملة «الموجود لا في موضوع»، وثانيًا وبصفة محدودة «محل الأعراض أو موضوعها». والمتكلمون «يخصصونه بالجوهر الفرد المتحيز الذي لا ينقسم، ويسمون المنقسم جسمًا لا جوهرًا، وبحكم ذلك يمتنعون عن إطلاق اسم الجوهر (كما يطلقه الفلاسفة) على (الله) المبدأ الأول».١٣ وابن سينا، بعد أن عرف الجوهر بأنه الموجود لا في موضوع، وينبه على أن اللفظ مشترك، يقول (في رسالة الحدود) إن هذا اللفظ: «يقال بالذات لكل شيء كان، كالإنسان أو كالبياض، وإن كان موجود، وإن كان كالبياض والحرارة والحركة، فهو جوهر.» كيف يكون ذلك وهذه أمثلة للعرض؟ كيف يمكن الجمع في مدلول واحد بين الإنسان والبياض؟ وقال ابن رشد مثل هذا، وفسره كما يلي: «إن هذا إنما يسمى جوهرًا بالإضافة لا بالإطلاق، ولم يضع واحد العرض من جهة ما هو عرض جزءًا وجوهرًا، بل من جهة ما ظن أنه معرف ذات الجوهر المشار إليه، فمن رأى أن كليات الشيء هي التي تعرف ماهيته، أو أنها الأبعاد الثلاثة، أو أنها أجزاء لا تتجزأ، أو أنهما المادة والصورة، رأوا أنها أحق باسم الجوهر من الشيء المشار إليه، إذا كان من المستحيل أن يكون أوائل الجوهر واسطقساؤه (أي أجزاؤه) ليس بجوهر؛ فإن الشيء الذي هو سبب لأمر ما أحرى بذلك الأمر الذي هو له سبب.»١٤
وفي العصر الحديث نجد ثلاثة تعريفات مشهورة: أولها تعريف ديكارت القائل: إن الجوهر «هو الذي يوجد بحيث لا يفتقر في الوجود إلا لذاته». هذا التعريف مدعاة للبس، فقد يعني: «ما لا يفترق لموضوع أو محل لكي يوجد»، وهذا معنى مقبول. وقد يعني: «ما لا يفترق لشيء آخر كعلة لوجوده»، وهذا معنى يستتبع إما أن الجواهر موجودة بذاتها، ومن ثمة إلهية، أي يستتبع وحدة الوجود، أو أن اسم الجوهر يجب أن يقصر على الله، وحينئذ تكون الموجودات أعراضًا لله، فنقع في وحدة الوجود كذلك. وفعلًا استدرك ديكارت قائلًا: «بدقيق العبارة الله وحده هكذا.»١٥

التعريف الثاني هو الذي يؤسس عليه سبينوزا مذهبه في وحدة الوجود، ويفتتح به كتابه «الأخلاق» حيث يقول: «الجوهر هو الشيء الموجود في ذاته والمُتصوَّر بذاته، أي الشيء الذي لا يفترق تصوره إلى تصور شيء آخر.» وهذا خلط بين الوجود في الذات والوجود بالذات، وخلط بين الوجود في الذات وبالذات وبين المتصور بالذات؛ إذ قد يكون الشيء في ذاته وبذاته ولا يتصوره بذاته بل بواسطة معنى آخر أو معانٍ أخر كما يجري لنا في حق الله.

والتعريف الثالث شائع لدى الحسيين وكنط ومن جاء بعده من التصوريين، وهو قولهم: إن «الجوهر فكرة محل أو موضوع ثابت الكيفيات متغيرة». يقولون إنه فكرة أو معنى، فلا يعتقدون بموضوعيته، مع فارق في تفسير أصل هذه الفكرة: الحسيون يفسرونه بأن الذهن يلاحظ توزع الإحساسات في مجموعات وتلازمها فيها، فيعتاد اعتبارها شيئًا واحدًا يدل عليه بلفظ واحد، كالإنسان والفرس والشجر، دون أن يدري لتوزيع الإحساسات وتلازمها علة ما، فيقدر له أساسًا ويسميه بالجوهر. فهم يكررون هنا ما يقولونه في سائر المعاني. ويذهب كنط إلى أن المعاني، ومنها معنى الجوهر، أمور لا ينالها الحس، ولكنها غريزية في العقل نستخدمها لتنظيم التجربة، ونستدل عليها برسوم خيالية، والرسم الخيالي للجوهر: «بقاء كمية المادة»، وبتعبير آخر: تلازم الإحساسات كما يقول الحسيون. وهذا يقودنا إلى الفحص عن قيمة معنى الجوهر، فنقول:

محال أن يكون الجوهر فكرة ذاتية لا غير كما يُدون؛ فإن الظواهر موجودة، وشرط الموجود موجود. محال عدم الإقرار بفاعل للفعل ومُظهر للظاهرة. وإذا كان الجوهر مجرد فكرة ناشئة عن تلازم الظواهر أو بقاء كمية المادة، أفليس هذا التلازم أو هذا البقاء بحاجة إلى تعليل؟ ولكنهم لا يدرون له تعليلًا، وإذا كان الجوهر عبارة عن جملة ظواهر، فأين توجد الظواهر؟ هل هي موجودة بذاتها؟ إنها إذن جواهر، أم هي موجودة في غيرها؟ إن هذه الأغيار إذن جواهر، وإلا تداعينا إلى ما لا نهاية. إنهم يخطئون في تصور الظواهر خطأ ساذجًا للغاية: فإن الحواس تدرك الكيفيات لا قائمة بذاتها، بل متشخصة في موضوع؛ إذ ليس يوجد «بياض» (مجرد)، بل يوجد «أبيض» (مشخص)، أعني حصول البياض للشيء الذي يصير به أبيض. ولذا كان للإحساس مقدار كما يقرره علم النفس، فيبدو اللون ممتدًّا بالغًا ما بلغ صغره، ويبدو الصوت كميًّا؛ بحيث إذا أردنا أن نعبر عن الواقع تعبيرًا صادقًا، لم نقل إن الحواس تدرك اللون والشكل والصوت والطعم والرائحة والحرارة، وإنما قلنا إنها تدرك المتلون والمتشكل وذا الصوت وذا الطعم وذا الرائحة والحار … وما إلى ذلك، دون أن تميز أول الأمر العرض من الجوهر، ولكن العقل يميز؛ إذ يرى الشيء باقيًا هو هو في طبيعته بينما الأعراض تتغير، فيعلم أن جوهر الشيء متمايز من أعراضه حقًّا.

ويخطئ الظاهريون في تصور العرض إجمالًا؛ فإنهم يتخيلونه كما يرون اللون مثلًا واردًا على الشيء من خارج وملصوقًا به، ويظنون أننا نحن الذين نفترض له موضوعًا أو محلًّا خاليًّا. والحقيقة أن الجوهر أو الشيء أو الموجود يتكون ويدوم معه أعراضه يظهر بها وفيها، فنعرفه في نوعه وشخصه بها وفيها؛ إذ إنها «ظواهره» وليست حجبًا تخفيه وتخدع عنه. والحقيقة أن العرض صادر عن الجوهر ومقبول فيه صدورًا وقبولًا ذاتيًّا، كما نرى الأشياء من جامدة وحية تظهر طبعًا بأعراض خاصة، وحتى حين يكون العرض مقبولًا من خارج، كلون الذي ينتقل من مناخ إلى آخر، أو طعم النبات والحيوان يتغير بتغير الاستنبات والمأكل والبيئة، أو كالعلم يلقنه المعلم، فإن الجوهر يتمثله ويجعله جزءًا من ذاته. فليس حدوث العرض في الجوهر كوقوع لون صناعي على سطح الشيء، ولكنه فعل ذاتي للجوهر.

هذا الذي تحسه الحواس ويعقله العقل، يتأيد ويتضح إلى أبعد حد بالولوج إلى «الأنا» الذي هو الجوهر المدرك بالوجدان: فليس من ينكر أننا نضيف ظواهرنا الوجدانية إلى ذات ثابتة هي «الأنا» حتى في الحالات المسماة بأمراض الشخصية. فالتغيرات النفسية تبدو لنا لا كأنها مطلق ظواهر بل على أنها ظواهرنا نحن تتعاقب مع بقاء شخصيتنا، فندرك الأنا تارة حاسًّا وطورًا عاقلًا أو مريدًا أو منفعلًا أو متخيلًا أو متذكرًا. فاعجب للظاهريين يَدَّعون أنهم لا يقرون إلا بالتجربة ثم يكابرون في شهادة الوجدان هذه: لِمَ تكون شهادته أقل صدقًا في إدراك بقاء الشخصية منها في إدراك تعاقب الظواهر؟ إن الشواهد على بقاء الشخصية كثيرة واضحة كل الوضوح: فالعادة، سواء أكانت جسمية أم ذهنية، تكتسب بتكرار الفعل، ولا يفيد التكرار إلا إذا حدث في ذات بعينها، والذكر والتذكر يدلان على أن هناك ذاتًا بعينها تستعيد الماضي وتصل بينه وبين الحاضر، وإلى الذكر والتذكر يرجع تداعي الصور الذي يُعوِّلون عليه أكبر التعويل، كما يرجع الشعور بالتبعية. إن الظاهرية عبارة عن إلغاء الحياة الوجدانية؛ فإن هذه الحياة قائمة على الثبات والاستقرار، ولولاهما لما أمكن أن توجد ظواهر متنوعة متغيرة.

ولنا على الظاهريين شاهد من أنفسهم: فقد حاروا في تفسير «الوهم والجوهر» كما يقولون، فتساءل ديفيد هيوم: إذا كانت الإحساسات والأفكار منفصلة مستقلة، فكيف يمكن أن يوجد بينها مبدأ ارتباط؟ ثم قال: إن هذه مسألة مستعصية على فهمه. وقال ستوارت مل: إن سلسلة الظواهر الباطنة تعرف ذاتها ماضية ومستقبلة، فنضطر للاعتقاد بأن النفس أو الأنا شيء آخر غير السلسلة، فنقع في تناقض. فهم ينكرون الجواهر ويجوهرون الظواهر، فيجتمع لهم جواهر كثيرة لأنهم لم يريدوا أن يعتقدوا بجواهر قليلة!

(٤) الماهية والوجود

الموجود الحادث أو المخلوق، كما أنه مركب من فعل وقوة، ومن جوهر وعرض، فهو مركب من ماهية ووجود. وهذا التركيب الأخير أعمق وأدق على التصور. وله تاريخ إن تتبعناه وقفنا على منشأ النظرية المقصودة به، ومراحل تكوينها، ووجوه إنكارها، فاتضحت أكثر من اتضاحها بالتفسير والتدليل، أو جاء التفسير والتدليل في سياق العرض التاريخي فكانا أقرب تناولًا. نقول إذن:

لعل أفلاطون أول من التفت إلى النسبة بين الوجود والماهية، دون أن يبين المسألة لذاتها، ودون أن يتبين ما يستتبعه. ذلك بأن الجسميات عنده «مشاركات» في المثل، فوجودها ليس لها بذاتها، وإلا لكانت دائمة ثابتة كالمثل، من حيث إن الماهيات بمعزل عن الزمان والتغير، والمثل أنفسها إن اعتبرناها موجودات مطلقة بناءً على بعض النصوص، كان وجودها لها بذاتها غير متمايز من ماهياتها تمايز وجود الجسميات من المثل؛ وإن جعلناها مصنوعة من مثل الخير بناءً على نصوص أخرى، رجع حكمها إلى حكم الجسميات فوجد فيها ذلك التمايز لأن وجودها منحة من مثال الخير وتحقيق لماهياتها. والآلهة المنوعون من الإله الصانع للكون، وجودهم متمايز من ماهيتهم كذلك؛ لأنه وجود ممنوح، وفي الإله الصانع للكون الوجود ذاتي للماهية. هذه الحالات مستخلصة اجتهادًا من مواقف أفلاطون، وهي تعود إلى اثنتين: حالة الموجود بذاته، وليس فيه تمايز بين وجوده وماهيته، وحالة المصنوع، وفيه ذلك التمايز.

بيد أن أفلاطون لم يلتفت إلى نتيجة بالغة الأهمية، وهي أنه إذا كان الثبات الدائم موجودًا بذاته، فيتعين أن تكون المادة المتغيرة موجودة بغيرها، وهو يعتبرها موجودة بذاتها منذ الأزل، ويعتبر علامة تبعيتها للإله الصانع أنه نظمها بعد اضطراب وفوضى، لا أنه خلقها أيضًا. واليونان على العموم لم يعرفوا فكرة الخلق، فالإله الصانع لا يمنح مطلق الوجود، بل يطبع في المادة الموجودة بذاتها أشباهًا أو أشباحًا للمثل.

وقد تقدمت المسألة مدى فسيحًا بفضل أرسطو؛ إذ كان أول من وضعها وضعًا صريحًا، وأول من ميز بين الوجود والماهية، ولكن في الذهن وفي المنهج العلمي فقط، ثم انساق إلى عين النتائج لاتفاقه مع أستاذه في غيبة فكرة الخلق وفيما تستتبعه هذه الغيبة من إثبات أزلية العالم. فمن الناحية التمييز بين الماهية والوجود، يجعل منهما مطلبين مختلفين للعلم: مطلب ما؛ أي: ما الشيء الذي هو موضوع العلم، ومطلب هل؛ أي: هل الموضوع موجود؟ ويعلن أن الوجود لا يدخل في تعريف الماهية، وأننا ندرك ما الإنسان أو ما المثلث، دون حاجة إلى إدراك وجودهما بالفعل. وينبه على أن العلم بوجود الموضوع يجب أن يقدم على تعريف الموضوع، أي على العلم بماهيته إذ كان الموضوع غير موجود، كالغول أو العنقاء، لم يبق هناك من معنى لتعريفه، أو جاء التعريف منصبًّا على الاسم فقط كما نعينه تعيينًا عرفيًّا، لا على شيء موجود أو ممكن الوجود. هذا إذن تمييز حاسم،١٦ بيد أنه لا يعدد الوجهة المنطقية.

فإذا ما قبلنا على الوجهة الميتافيزيقية أو الوجودية، ألفينا أرسطو يوحد بين الماهية والوجود في وجود جميع مراتب الموجودات، وهذه المراتب عنده ثلاث: المرتبة العليا تشمل الآلهة محركي الأفلاك، وهؤلاء عقول مفارقة للمادة أي أرواح بسيطة بريئة من كل تركيب، فهم موجودون بذواتهم أزلًا أبدًا، فلا تمايز فيهم بين ماهيتهم ووجودهم. والمرتبة التالية تضم الأفلاك، وهذه مركبة من نفس ناطقة ومن الجرم الذي نراه: النفس الناطقة روحية، وحكمها حكم المحركين، وجرم الفلك عنصر واحد هو الأثير لا يكون ولا يفسد، فهو ثابت، أزلًا أبدًا، وإذن فالأفلاك موجودة بذاتها، فلا تمايز فيها بين ماهية ووجود.

هل نجد هذا التمايز في المرتبة الأخيرة المحتوية على الأجسام الكائنة الفاسدة تحت فلك القمر، وهي مركبة من صورة ومادة وأعراض، ومنحلة من هذا التركيب بعد وقت، فيبدو أن الوجود فيها متمايز من الماهية؟ لكن لا، فإنها كانت موجودة بأنواعها منذ الأزل، لم يخلق هذه الأنواع خالق ولم يصنعها صانع، بل يتكون أفرادها بتأثير الحركات السماوية والأرضية: المادة غير متكونة ولا مندثرة، وإذن فهي موجودة بذاتها، والصورة «مطوية في قوة المادة» متى ظهرت كانت منبع وجود، وكان اتحادها بالمادة اتحاد فعل بقوة، وكانت هذه الأجسام كأنها موجودة بذاتها من جراء أن العنصرين المركبة منهما موجودان بذاتهما، فلا تمايز فيها بين ماهية ووجود، على حين أنه يمكن إثبات هذا التمايز تبعًا لفلسفة أفلاطون بالرغم من قيام المادة بذاتها، وذلك لوجود الصور عن المثل، أو عن صنع الإله الصانع طبقًا للمثل، وقد أبطل أرسطو وجود المثل فأبطل تبعية الأجسام التي تحت فلك القمر، أو هو لم يدع لها سوى تبعية للحركات السماوية والأرضية تخرج بها من القوة إلى الفعل، أو تتطور بها.

هل نقول إن تمايزًا بين الماهية والوجود يظهر في الصورة العرضية من حيث إنها طائرة على الجوهر مفارقة له أو قابلة للمفارقة؟ كلا، فإن اتحادها بالجوهر كاتحاد الصورة الجوهرية بالمادة، فيظل الجوهر واحدًا تمام الوحدة، وإن تمايز العرض من الجوهر ففي الذهن فقط لا في الوجود الواقعي.

ومنذ القرن الثاني للميلاد حمل المفكرون المسيحيون على مقدمات الفلاسفة اليونان ونتائجها. فقد قرأوا في مفتتح سفر التكوين الذي هو مفتتح التوراة: «في بدء خلق الله السماوات والأرض»، فعرفوا أن الله خالق الأشياء، أي مُوجِدُها مادة وصورة، وموجدها بعد أن لم تكن موجودة. وقرأوا في سفر الخروج (الفصل الثالث، الآية ١٤) أن موسى التمس من الله أن يفصح له عن اسمه كي يبلغه إلى بني إسرائيل فقال الله: «أنا الموجود، كذا قل لبني إسرائيل: الموجود أرسلني إليكم.» وقرأوا في سفر ملاخي (الفصل الثالث، الآية ٦): «قال رب الجنود (السموية): أنا هو الرب ولا أتغير.» وقرأوا في آيات أخرى كثيرة عن الله وصفاته، فعلموا أن الله واحد ليس غير، وأنه هو الموجود الوحيد القيوم الذي وجدوه بذاته، وما عداه فوجوده به، وأنه ثابت لا يطرأ عليه تحول، وما عداه هو الذي يعتريه التحول، فكان الثبات أخص صفات الله في نظرهم، وكانت الصيرورة أخص صفة للمخلوقات. ولقد ألحوا في تأييد هذه المعاني وفي نقد الآراء اليونانية، وكان القديس أوغسطين (٣٥٤–٤٣٠) أبرعهم تأييدًا وأشدهم نقدًا.

وجاء بويس (٤٧٠–٥٢٥) فتعمق المسألة لتحديد وجه التمايز بين الله والمخلوقات، فرآه في بساطة الله وتركيب المخلوقات، وبَيَّن ذلك تَبيُّنًا غدا معه هذا التمايز مرعيًّا في علم اللاهوت من عبده، قال: «الجوهر الإلهي صورة من مادة، ومن ثمة هو واحد (غير مركب في ذاته)، وهو ما هو أي عين ماهيته، وسائر الموجودات ليست هي ما هي أي عين ماهيتها؛ لأنها مركبة، كتركيب الإنسان مثلًا من نفس وجسم، فليس الإنسان أحد هذين الجزأين دون الآخر، وإذن فمن وجه ليس هو ما هو.» في هذا النص الملخص لرأيه لا يظهر أن الوجود مقصود كجزء من مركب، وإنما المقصود الماهية المركبة في ذاتها المتمايزة (باعتبارها ماهية تامة) من أي جزء من أجزائها. فقوله: إن الجوهر المخلوق ليس هو ما هو، يعني أنه لا يتوحد مع الصورة التي تجعله ما هو، وأنه معروض لأعراض تزيد في تركيبه، وليس الوجود مذكورًا بين هذه الأعراض. والوحدة التي يثبتها الله هي توحد الجوهر الإلهي مع الصورة أو الماهية الإلهية. والتمايز الذي يضعه في المخلوق تمايز بين الجوهر والصورة.

ثم كانت للمفكرين الإسلاميين جولات في هذا المضمار، فقد قرأوا أيضًا أن الله خالق وأنه هو القيوم. ففهم المتكلمون منهم أن العالم حادث أُوجد بعد عدم، واستنتج فريق منهم أن وجود المخلوق غير ماهيته»؛ قالوا: «إن وجود السواد زائد على كونه سوادًا، وإنه يجوز خلو تلك الماهية من صفة الوجود، وإن المعدومات الممكنة قبل دخولها في الوجود ذوات وأعيان وحقائق، وإن تأثير الفاعل ليس في جعلها ذوات، بل في جعل تلك الذوات موجودًا.»١٧ وفهم الفلاسفة منهم أن الخلق لا يستلزم أزلية العالم، وأزلية العالم لا تغني عن علة أزلية؛ إذ إنه ممكن، وإن الوجود الممكن علة لا محالة. فقال ابن سينا: كل وجود فإما واجب وإما ممكن، ووجود كل ممكن الوجود هو من غيره، وليس لكل ممكن علة ممكنة بلا نهاية، بل إن الممكنات تنتهي إلى علة واجبة الوجود؛ فوجود الممكن في الأعيان أو في الأذهان معنى مضاف إلى حقيقته.١٨ وقد غلا ابن سينا في التمييز بين الماهية والوجود حتى جعل من الوجود في الموجود الممكن عرضًا للماهية.
وقد عارض ابن رشد هذه النظرية معارضة شديدة. إنه لم يعن بمعالجة المسألة بأطرافها دفعة واحدة، ولكنه عرض لها كلما سنحت له الفرصة، وفي كل مرة يعنف صاحبها تعنيفًا أليمًا. قال: «العدم ليس فيه إمكان أصلًا.»١٩ فاستبعد تلك الفكرة الغريبة التي خطرت لبعض المتكلمين من أن للممكن والمعدوم ضربًا من الوجود هو وسط بين مطلق اللاوجود ومطلق الوجود، وذلك لتفسير الخلق «من العدم» على اعتبار أن حرف «من» يفيد أخذًا من شيء وأن المأخوذ منه موجود على نحو ما. قال: «الوجود عند ابن سينا عرض لاحق للماهية … وقد غلط في هذا غلطًا كثيرًا؛ إذ يُسأل عن ذلك العرض، إذا قيل فيه إنه موجود، هل يدل على عرض موجود في ذلك العرض، فتوجد أعراض لا نهاية لها، وذلك يستحيل.»٢٠ «ولكن هذا شأن هذا الرجل في كثير مما يأتي به من عند نفسه»،٢١ «فإن دل (الوجود) على معنى زائد على الذات، فعلى أنه معنى ذهني ليس له خارج النفس وجود إلا بالقوة»،٢٢ فإن «الوجود في البسيط هو نفس الماهية»،٢٣ «وإن معطي الوحدانية، التي هي شرط في وجود الشيء المركب، هو معطي وجود الأجزاء التي وقع منها التركيب؛ لأن التركيب هو علة لها»،٢٤ وإن «معطي رباط الأشياء المرتبطة بعضها مع بعض هو معطي الوجود»،٢٥ وإن «التركيب ليس هو مثل الوجود، بل مثل التحريك، أعني صفة انفعالية زائدة على ذات الأشياء التي قبلت التركيب، والوجود هو صفة هي الذات بعينها، ومن قال غير هذا فقد أخطأ».٢٦

ولما ترجم الغربيون إلى اللاتينية كتاب الشفاء لابن سينا، في أواخر القرن الثاني عشر، وشروح ابن رشد على كتب أرسطو، في أوائل القرن التالي، واطلع فيها اللاهوتيون على منطوق المسألة ومختلف الآراء، راقتهم نظرية ابن سينا واتخذوها أصلًا يبنون عليه ويُفرِّعون منه، مع تفاوتٍ في التعمق والإحكام. فكان القديس توما الإكويني أبعدهم غورًا وأسدهم رأيًا كما كان شأنه في سائر المسائل، رأى في قسمة الموجود إلى واجب وممكن رجوعًا إلى التعريف الوارد في التوراة، وبيانًا للفارق الأول الحاسم بين الله والمخلوقات؛ لقيام هذا الفارق على أول المعاني وأشملها، وهو معنى الوجود، الله هو العِلِّيَّة الأولى، والعلة الأولى موجودة بذاتها ضرورة، فلا تغاير في الله بين ماهية ووجود، بينما المخلوقات ممكنات فقط، ليس الوجود متضمنًا في ماهياتها، وإذا أضيف إليها فالإضافة خارجة عن الماهية لا ذاتية لها. وآية إمكانها بادية فيها: فإنها متغيرة قابلة للأعراض، والتغير انتقال من القوة إلى الفعل، وما يخالطه شيء بالقوة فليس يوجد بذاته؛ لأن الموجود بذاته حاصل على كل وجوده فلا يتغير، ولو كان وجودها من ماهياتها لوجدت دائمًا وعلى حال واحدة كالماهية. وقبل الأعراض لازم من التغير، ونسبة القابل إلى المقبول كنسبة القوة إلى العقل.

وعلى ذلك يقر الإكويني ابن سينا على إثبات التمايز الحقيقي بين الماهية والوجود في المخلوق، ويجد أنه كان قليل التوفيق في جعله الوجود عرضًا للماهية، وفي تصوره الإمكان كأنه قوة فعلية كأولئك الفريق من المتكلمين. فيقر ابن رشد على نقيض هاتين الدعوتين، ويلاحظ أن الإمكان لا يعتبر وسطًا بين العقل والقوة، وإنما هو قابلية صرف للوجود، ووجوده متعلق بالإرادة الإلهية. وقد يجوز القول بمعنى واسع إن الوجود عرض للماهية من حيث إنه غير داخل في حدها، إلا أن إضافة الوجود إلى الماهية تختلف عن إضافة العرض إلى الجوهر: العرض وجه معين للجوهر، بينما الوجود تحقيق الجوهر ماهيته وملابساتها، وفي الموجود المتحقق بالفعل، ليس الوجود والماهية شيئين تامين متجاورين؛ إذ ليست الماهية موجودة دون الوجود، وليس الوجود شيئًا ما دون الماهية، وإنما الوجود فعلية الماهية، أي كونها بالفعل. فنسبة الوجود إلى الماهية نسبة فعل إلى قوة، فاجتماعهما في المخلوق اتحاد تام يجعل منه كائنًا ذا وحدة تامة من حيث إن كلًّا منهما ضروري للآخر متمم له. وهذا تطبيق لنظرية الفعل والقوة بَيَّن أهميتها الجلية.

ذلك رأي القديس توما الإكويني في المسألة، فيه شيء من أوائل المفكرين المسيحيين، وشيء من ابن سينا، وشيء منه هو. إن فكرة الخلق هي التي أثارتها ووجهت إلى هذا الحل. لذا لم تخطر للفلاسفة القدماء، أو لم تخطر إلا للذين منهم اعتقدوا بالحدوث في الموجودات وبالقدر الذي تصوروه منه فيها، كما رأينا أفلاطون يُتبع الآلهة والماديات لصنع الإله الصانع من مادة موجودة بدونه. ولذا لا يثيرها أصحاب وحدة الوجود إلا قالوا: إن تمايز الوجود والماهية هو في الذهن فقط، من حيث إنهم لا يميزون بين خالق ومخلوق إلا تمييزًا ذهنيًّا، وإنهم يؤلهون الوجود أجمع فيمحون الحدوث ويحلون الوجوب في كل ماهية. ولذا أيضًا لا يثيرها أصحاب المذهب الحسي أو الاسمي، من حيث إن التمييز الحقيق بين الماهية والوجود أعمق من أن يظهر للحواس، ولا ينفذ إليه إلا العقل الذي ينكرونه. فهذه المسألة تطبيق فلسفي لعقيدة الخلق، وبيان لتركيب المخلوق وتبعيته في مقابلة بساطة الخالق واستقلاله. هي إحدى المسائل العقلية التي كان العقل غافلًا عنها، فنزل بها الوحي، فعالجها العقل بتطبيق نظرية الفعل والقوة من جهة الوجود، فحصل على تركيب في المخلوق هو أعمق وأسبق كل تركيب، ودخلت المسألة هكذا في عداد المسائل العقلية، واستغنت عن شهادة الوحي في إثارتها وفي تأييدها.

هذا وقد خاض فيها بعض الفلاسفة المعاصرين من الوجوديين الملحدين الماديين، ولكن مع العبث بلفظ الماهية بنقله من معناه المتعارف إلى معنى الشخصية، فخلطوا خلطًا غريبًا. يقول «جان بور سارتر»: إن الاعتقاد بإله خالق هو الذي يوحي بفكرة الماهية النوعية وفكرة سبقها على الوجود، من حيث إن الخلق تحقيق شيء معلوم أولًا. أما الذي لا يؤمن بالله ولا بالماهيات النوعية (مثله هو) فإنه يسلم بهذا السبق للموجودات الخاضعة خضوعًا تامًّا للإنية الطبيعية والتي نجدها معينة في كيانها وأفعالها، ولا يسلم به بالنسبة للإنسان، فإن في الإنسان، وفيه وحده، عدم تعيين يتعين بفعل حريته فيكون الشخصية الخاصة بكل فرد من الأفراد والتي هي ماهيته. وبهذا المعنى يكون الوجود سابقًا على الماهية، أي إن الإنسان يوجد ثم يصير جبانًا أو جسورًا، أمينًا أو خائنًا، عالمًا أو جاهلًا … إلى آخر ما يتعين به كل فرد. تلك هي الماهية حتى اطرحنا جانبًا الماهية النوعية المشتركة بين كثيرين والمستلزمة عقلًا يعلمها وإرادة توجدها، وظاهرٌ أن هذا ليس هو المقصود بمسألتنا الميتافيزيقية.

(٥) العلة الفاعلية

القسمة السابقة إلى ماهية ووجود تقودنا رأسًا إلى قسمة الوجود إلى علة ومعلول: ذلك بأنه متى انقسم الوجود إلى واجب بذاته ووجوده عين ماهيته، وإلى ممكن بذاته مركب من ماهية ووجود مفتقر إلى موجد؛ كان لكل موجود علة وجود إما ذاتية وإما خارجية. والإيجاد أو التحقيق أشهر معنى للعلية، ولكنه ليس المعنى الأوحد، ولا المعنى الأول أو الأعم. فالمعنى الأول والأعم أن العلة أو السبب (والاسمان مترادفان) «ما يلزم عنه شيء ما». وبهذا المعنى الأعم تنقسم العلة إلى منطقية ووجودية.

العلة المنطقية تبدو واضحة في القياس والاستقراء حيث المقدمتان علة النتيجة: متى اجتمعتا في العقل لزمت عنهما النتيجة، أي صدرت عنهما ضرورة، فكانت معلولة لهما تبدو كذلك في ارتباط خصائص الموجود بماهيته وتفسير الماهية للخصائص. مثل مساواة زوايا المثلث القائمتين، فإنها لازمة عن ماهية المثلث، وبهذه الماهية يبرهن عليها؛ ومثل العلم والفن والدين فإنها لازمة عن وجود العقل في الإنسان وتفسر به.

والعلة الوجودية: «كل ما يشارك في إيجاد الشيء إما في ذاته أو في وجوده»، فمن حيث ذاته نطلب تعليله بمادته وصورته، وهذا واضح في الصناعيات؛ إذ إننا نفسرها بالمادة المركبة منها، مع الخواص الطبيعية لهذه المادة، وبالصورة أي بهيئة أجزاء المادة، وتركيبها بعضها مع بعض، وتفاعلها بفضل هيئتها وتركيبها. بل هذا واضح نفس الوضوح في الموجودات الطبيعية المركبة، كأجساد الأحياء تفسرها الفسيولوجيا بالمادة والصورة على النحو المتقدم. فالمادة والصورة علتا طبيعة الشيء تجعلانه على ما هو عليه، ومن حيث وجوده نطلب العلة التي حققته، وهذه هي العلة الفاعلية تدل عليها، بقولنا: «كل ما يظهر للوجود فلظهوره علة»، وهذا أدق من قول القائلين: «لكل معلول علة»؛ فإن لفظ «المعلول» يتضمن معنى العلة، وهذا دور منطقي أو مصادرة على المطلوب. ويستقيم القصد إذا عنينا بلفظ «المعلول» ما ليس له بذاته عِلِّيَّة ذاته، أي الممكن الذي شأن المعلولية. وأخيرًا العلة الفاعلية لا تفعل إلا إذا حملت على الفعل بغاية تحققها، فالغاية علة من حيث إنه لولاها لما فعل الفاعل.

هذه أربعة أنحاء من العِلِّيَّة: تختلف فيما بينها اختلافًا كليًّا، ولو أن كل علة هي علة المعلول بأكمله، ولكن على وجه خاص يستحيل معه أن تقوم إحداها مقام الأخرى، ويتفق في صفة مشتركة تجعل كل واحدة منها علة، وهذه الصفة هي «التأثير»، ولكن على نحو خاص بكل منها: فالعلة الغائية تؤثر في العلة الفاعلية بالجذب أو الإغراء، والعلة الفاعلية تؤثر بالفعل والإيجاد، والعلتان المادية والصورية تكونان الماهية أو الطبيعية. وعلى ذلك فاسم العلة من الأسماء التي تقال بطريق التناسب، أي باتفاق من وجه واختلاف من وجه. ولما كانت المادة والصورة متعلقتين بالماديات، كان محل الكلام عنهما في الفلسفة الطبيعية التي نعرض لها في الكتاب التالي. أما الفاعل والغاية فيمتدان إلى كل موجود، فيرجعان إلى هذا المحل، الذي يضم المعاني المتعلقة بمطلق الوجود، ولقد كان كلاهما هدفًا لحملات عنيفة التقت فيها المذاهب والأدلة في العقل وفي الوجود، فالخوض فيهما تلخيص لهذا الكتاب برمته.

هذا المبدأ البديهي الذي نطبقه عفوًا وبلا انقطاع، ونبني عليه جميع شئوننا من مادية ومعنوية، قد حمل عليه جمع من الفلاسفة الحسيين والتصوريين، وبذلوا أقصى ما يستطاع بذله من دقة التحليل وبراعة النقاش في سبيل إبطال قيمته وتفسير منشئه. وها نحن أولاء نستعرض حججهم ونرد عليها، وفي هذا الرد نجلو معنى العِلِّيَّة الفاعلية ونوطد الثقة بموضوعيته. الحجة الأولى: تاريخيًّا ومنطقيًّا، تلك التي قدمها أناسيداموس، أحد أقطاب قدماء الشكاك، قال: الجسم لا يحدث جسمًا؛ إذ يستحيل أن يحدث شيء لم يكن موجودًا وأن يصير اثنين بعد أن كان واحدًا. ولا يحدث اللاجسمي لاجسميًّا؛ وذلك لنفس السبب، ولسبب آخر هو أن الفعل والانفعال يقتضيان المماسة، واللاجسمي مُنَزَّه عنها. ولا يحدث الجسم لاجسميًّا ولا اللاجسمي يحدث جسمًا؛ لأنهما متغايران، لا الجسم يحتوي طبيعة اللاجسمي، ولا اللاجسمي يحتوي طبيعة الجسم، فالعِلِّيَّة ممتنعة. هذه الحجة ترجع إلى قدماء الطبيعيين وبارمنيدس وبروتاغوراس وسائر الذين لم يميزوا بين الفعل والقوة، فلم يفطنوا إلى إمكان إحداث جسم جسمًا، وأن يحدث لاجسمي لاجسميًّا؛ لتكافؤ الطرفين ولإمكان احتواء العلة على المعلول احتواءً بالقوة. وإذا سلمنا أن الجسم لا يحدث لاجسميًّا، فلسنا نسلم أن اللاجسمي لا يحدث جسميًّا؛ فإن الأعلى إذا لم يَحتوِ على الأدنى بالفعل، فقد يحتوي عليه بالقوة، وقد يحدثه دون حاجة إلى مماسة. وعلى كل حال تكفي كلمة واحدة لاستبعاد هذه الحجة: وهي أنها تنفي التغير من الوجود، والتغير واقع ولا يفسر إلا بالعِلِّيَّة.

وقد جمع هيوم الحجج، كما جمعها من قبله مالبرانش؛ قال: إن مبدأ العِلِّيَّة لا يستنبط استنباطًا مستقيمًا من مبدأ عدم التناقض، وإذن فهو ليس أوليًّا. وهذه حجة مقدمها حق وتاليها باطل؛ وذلك لأن مبدأ العِلِّيَّة يستند على مبدأ عدم التناقض استنادًا غير مستقيم أو بالرد إلى الخلف من جهة أن إنكاره زعم بأن شيئًا يوجد دون أن يكون له ما به يوجد؛ وهذا تناقض صريح.

ولكن هيوم يعتبر هذه الحجة قاطعة، فيرتب عليها حجة أخرى هي أن ربط مبدأ العِلِّيَّة بمبدأ عدم التناقض مصادرة على المطلوب. وذلك أن أنصار العِلِّيَّة يقولون: إن الشيء الذي يظهر للوجود إنما يظهر عن علة، وإلا كان علة نفسه؛ وهذا محال، أو كان معلولًا للعدم، وهذا محال أيضًا. وهم لا يفطنون إلى أن هذا التدليل على العِلِّيَّة يعتمد على العِلِّيَّة نفسها، أي إنه يفترض المطلوب الذي هو ضرورة العلة؛ إذ يجب التدليل على هذه الضرورة قبل الاحتجاج ببطلان وضع العِلِّيَّة في الشيء الذي يظهر للوجود أو في العدم. وجوابنا أن لا وجه للظن بأن في هذه القسمة التي يعول عليها برهان الخلف مصادرة على المطلوب؛ إذ إن النظر ههنا واقع على عين الوجود، أي على موجود يظهر للوجود، فهو بهذا الاعتبار لا يظهر بنفسه، ولا يفعل العدم، فيبقى أنه يظهر بفعل موجود آخر هو علته. وهذه القسمة أولية إطلاقًا لأولية معنى الوجودي واللاوجود المركب منهما مبدأ عدم التناقض الذي هو مبدأ أول بلا منازع.

وتفاديًا لشبهة المصادرة هذه ندلل على مبدأ العِلِّيَّة على الوجه الآتي: إن إنكار هذا المبدأ يعدل إثبات أن الحدث، وهو الموجود بذاته، يمكن أن يكون غير محدث، وغير المحدث موجود بذاته، فيخرج لنا أن الموجود الحادث غير المحدث هو موجود بذاته ولا بذاته في آن واحد، وهذا خلف.

ويرتب هيوم نتيجة أخرى على استحالة استنباط مبدأ العِلِّيَّة من مبدأ عدم التناقض استنباطًا مستقيمًا، فيقول: وإذن فمعنيا العلة والمعلول متغايران، ويستحيل أن نعلم العلة من المعلول أو المعلول من العلة علمًا مبدئيًّا أي قياسيًّا، إنما هي التجربة التي تعرض علينا الظواهر متعاقبة. ومتى كان معنيَا العلة والمعلوم متغايرين، فمن السهل علينا أن نتصور شيئًا أيًّا كان كأنه غير موجود الآن وكأنه موجود في اللحظة التالية، دون أن نرفق به معنى متميزًا لعلة أو مبدأ محدث، فيكون الفصل بين معنى العلة ومعنى بداية الوجود أمرًا ممكنًا. والجواب أن ههنا خلطًا بين حالتين مختلفتين: إحداهما مجرد تخيل شيء ما غير موجود ثم تخيله موجودًا، والحالة الأخرى مقارنة بين وجوده الآن وبين عدم وجوده في اللحظة السابقة. فما إن نعتقد هذه المقارنة حتى نرى أن خروجه من اللاوجود إلى الوجود فعل علة بالضرورة.

قد تأثر كنط بنقد هيوم تأثرًا قويًّا، فسلم بأن النسبة بين المعلول والعلة خارجة عن مفهومهما، وأن التجربة هي التي تعرض علينا الحدين مرتبطين. ولما كانت التجربة جزئية متغيرة، فهي لا تصلح أساسًا للضرورة والكلية اللتين يدعيهما العلم. غير أن كنط كان مقتنعًا أشد اقتناع بقيمة العلم، مصرًّا كل الإصرار على إنقاذه من تشكك الحسيين، وكان عارفًا تمام المعرفة أن العِلِّيَّة دعامة القوانين العلمية، وأنه لو كان منشؤها عادة متكونة بتكرار التجربة كما يقولون، لكان بالإمكان، وقد علمنا ذلك، أن نرجع عن اعتقادنا بضرورتها، والواقع أن الاعتقاد بضرورتها مستمر غير منقطع. يبقى أن هذه النسبة آتية من العقل، لا عقل مدرك كما تصوره أفلاطون وديكارت وليبنتز، ويرفضه الحسيون بحق، بل عقل موقوف عند حده، مبرأ من دعوى إدراك الوجود، وظيفته تأليف الأحكام الضرورية.

هذه الأحكام نوعان: أحكام تحليلية، وأخرى تركيبية. الأحكام التحليلية هي التي محمولها مستفاد من تحليل معنى الموضوع، مثل قولنا: «قبلية»؛ لأنها تؤلف «قبل» التجربة أي بدون معونتها، ولكنها أحكام تفسيرية فقط، لا يزيدنا المحمول فيها علمًا بالموضوع، ولا تفيد في إقامة العلم، والعلم واقع على التجربة.

والأحكام التركيبية تؤلف بين حدين متغايرين مستفادين من التجربة مع نسبة بينهما تبدو ضرورية، فحيث يؤدي إلينا الحس أن «الشمس تسطع وهذا الحجر يسخن»، يؤدي إلينا العقل أن «ضوء الشمس يسخن الحجر»، أي إن العقل يزيد نسبة العِلِّيَّة على الظاهرتين المحسوستين يربط بها بينهما برباط ضروري، فتسمى هذه الأحكام «بعدية»؛ لأنها تثبت المحمول للموضوع أو تنفيه عنه تبعًا للتجربة.٢٧ وعلى هذا الوجه يبرره الحكم العلمي، فلا إنكار للعلم كما ينكر الحسيون، ولا دعوى النفاذ إلى بواطن الأشياء كما يدعي العقليون المسرفون، ولكن توسط بين الفريقين، يحق شيئًا عند كل منهما ويبطل شيئًا، ويجمع بين ما يحق في مذهب واحد.

ونحن نقول: ذاك وسط ظاهري لا حقيقي، وتلك تعريفات خاطئة وتحديدات ناقصة. فأولًا ليس بصحيح أن الحكم التحليلي هو الذي محموله مفهوم موضوعه وحسب، وإنما هو بنوع خاص ذلك الذي يستخرج محموله بتحليل موضوعه في ذاته أو جوهره، من حيث إنه قد يكون للموضوع خواص لازمة له كلزوم المحمول المذكور في مفهومه أو تعريفه، فتكون النسبة بينها وبينه ضرورية أيضًا. مثال ذلك ما نراه في الإنسان من علم ودين وأخلاق وفن وضحك وصناعة وحضارة، فإن كل أولئك للإنسان بسبب كونه ناطقًا، فتضاف إليه إضافة ضرورية ولو لم تظهر في «النطق» الذي هو حد الإنسان، ولم نفكر فيها وقت تفكيرنا في حد الإنسان.

ثانيًا: إن الحكم التحليلي نوعان، لا نوع واحد فقط كما اعتقد كنط وسائر الفلاسفة المحدثين؛ فإن هناك نوعًا آخر من التحليل والأولية هو عكس النوع السابق وله عين القوة، ونعني به تضمن المحمول للموضوع، كالفرد والزوج فإنهما قسمَا العدد ويتضامنانه. وقد نبه أرسطو على النوعين، ودعاهما بالحمل الذاتي أي الإضافة الذاتية.٢٨
وقال ابن سينا: «الحمل الذاتي يقال على وجهين، فإنه إما أن يكون المحمول مأخوذًا في حد الموضوع، مثل الحيوان في حد الإنسان، وإما أن يكون المحمول مأخذوذًا في حده الموضوع أو جنسه، مثل الفطوسة التي يؤخذ في حدها الأنف، والمثلث الذي يؤخذ في حده السطح.» وقال ابن رشد: «ما بالذات يكون في القضايا الحملية على وجهين؛ أحدهما أن يكون المحمول مأخوذًا في جوهر الموضوع، مثل النطق المأخوذ في جوهر الإنسان، والثاني أن يكون الموضوع مأخوذًا في جوهر المحمول، مثل وجود الزوايا المساوية لقائمتين في المثلث.»٢٩ ففي كل من النوعين يلزم التوحيد بين الحدين؛ لأن النسبة بينهما ذاتية. وترجع العِلِّيَّة إلى النوع الثاني، ولئن لم تكن النسبة بين المعلول والعلة داخلة في مفهوم العلة أو في مفهوم المعلول، كما يريد هيوم وكنط، إلا أنها لاحقة ضرورة لوجود المعلول، من حيث إنه معلول لآخر ويستحيل وجوده من دون أن يكون معلولًا، كما يستحيل وجود إنسان غير ضحاك أو وجود مثلث لا تكون زواياه مساوية لقائمتين، فهناك نسبة ضرورية بين ممكن الوجود وبين وجوده الفعلي متى وجد، وهذه النسبة تحليلية، ورفضها رفض لمبدأ عدم التناقض كما تقدم. هي نسبته من المعلول إلى علته أو من الخاصية إلى الماهية، بعكس النسبة من العلة إلى المعلول أو من الماهية إلى الخاصية، والنسبتان ضروريتان لا فرق بينهما في الضرورة. هكذا يحل الإشكال الذي استعصى حله على الكثيرين، وتثبت للعلية قيمتها المطلقة.

وكثيرون، من بينهم كنط، اعتقدوا أن مبدأ العِلِّيَّة، إنْ سلمنا به، يقضي بالرجوع من علة إلى علة دون الانتهاء إلى علة أولى تكون التفسير الأخير للعلية. وفي هذا الاعتقاد إيهام للمبدأ يعدل الإنكار؛ إذ إن عدم الوقوف عند حد في سلسلة العلل معناه عدم الوصول إلى علة بمعنى الكلمة، أعني علة غير معلولة، وترك السلسلة معلقة. وهذا مناف لمبدأ العِلِّيَّة؛ فإنه في الحقيقة يقتضي علة غير معلولة تكون بداية مطلقة للعلية، ولا صعوبة في تصور مثل هذه العلة، بل إن كل علة فهي بهذه المثابة: أجل إن العلة التي تقبل فعل علة أخرى لكي تصير فاعلة هي علة ناقصة تحدونا إلى التماس علة لعليتها، لكنها من جهة ما هي علة وفاعلة لا تقبل فعل علة أخرى ولا تتغير، وإنما هي تفعل بما لديها من قوة على الفعل، كالساخن حين يسخن والمعلم حين يعلم، فإن الفعل تحقيق في المنفعل للقوة الفاعلية التي في الفاعل، وكل ما هنالك أن للعلة الأولى من القوة وما يغنيها عن كل قوة سواها. فالتسلسل إنكار للعلية لا تطبيق لها كما يحسبون، ومعنى المبدأ أن لكل ظاهرة علة، لا أن لكل علة علة.

بعد رد هذه المحاولات لتجريح مبدأ العِلِّيَّة، نسأل: كيف نحصل على هذا المبدأ؟ إن خصومه مجمعون على أنه غير آت من التجربة، سواء الظاهرة والباطنة. وقد كان هيوم أدقهم تحليلًا وأكثرهم إسهابًا بهذا الصدد، قال: إن التجربة تؤدي إلينا ظواهر متعاقبة، ولا يشعرنا التعاقب بقوة فيما يسمى علة يحدث بها ما يسمى معلولًا. ونحن نعلم أن حركة أعضائنا تعقب أمر إرادتنا، ولا ندرك علاقة ضرورية بين الحركة والأمر، ولا نشعر بأننا نستخدم الأعضاء المتوسطة بين أمر الإرادة والفعل، ولا نفهم كيف يمكن لفعل ذهني كالأمر أن يحرك عضوًا ماديًّا. فللتعبير عن الواقع لا ينبغي القول إن هناك أحداثًا، بل يجب الاقتصار على القول إن ظاهرة قد ظهرت. وأما أنها معلول أو ليست معلولًا، فهذه مسألة أخرى. وما معنى العلة سوى عادة ذهنية يولدها جريان الظواهر، من خارجية وداخلية، وتحملنا على توقع ظاهرة معينة كلما أدركنا ظاهرة أخرى معينة ارتبطت بها في تجربتنا الماضية، وما يزعم لها من ضرورة ناشئ من أن العادة تجعل الفكر غير قادر على عدم تصور اللاحق وعدم توقعه إذا ما تصور السابق. بل ذهب جون ستوارت مل إلى أن الإنسان المثقف المعتاد التجريد يستطيع أن يعود ذهنه تصور أحداث تحدث بدون علة، وأن الذين يعتقدون بالمصادفة والقدر والمعجزة والحرية هم أناس يعتقدون فعلًا بعدم ضرورة العلة.

ولنا على هذه الأقوال ملاحظات:
  • فأولًا: أن معنى العلة يبدو أوليًّا في العقل سابقًا على تكوين التجربة، ونحن نرى الأطفال يسألون عن العلل وهم موقنون بأن هناك عللًا، بحيث يبدو الاعتقاد بالعِلِّيَّة واحدًا عند جميع الناس وفي جميع الأعمار، مع أن المذهب الحسي يقضي بأن تكون قوة العادة معادلة لمبلغ التجربة.
  • ثانيًا: أننا في إبان تكوين التجربة لا نضع علاقة العِلِّيَّة بين كل سابق وكل لاحق كيفما اتفق، ولكنا نسمي «عللًا» بعض أشياء معينة، ونسمي «معلولات» أشياء أخرى معينة، ولا نجد من أنفسنا القدرة على عكس هاتين التسميتين: فلِمَ هذا إلا أن يكون مفهوم العِلِّيَّة متحققًا في الطائفة الأولى، ومفهوم المعلولية متحققًا في الطائفة الثانية.
  • ثالثًا: محال أن يفلح إنسان في تصور أحداث تحدث بدون علة: فالمصادفة نفي للقانون وليست نفيًا للعلية؛ إذ إنها لا تعني أن الأحداث تخرج من العدم، بل تعني فقط أن الأحداث تحدث بفعل علل غير مطردة ولا منسقة فيما بينها. وليست المعجزة نفيًا للعلية، ولكنها معلولة لإرادة الخالق التي تقف فعل قانون طبيعي لغرض روحي أعلى. والحرية هي نفسها علة الاختيار والتنفيذ. وأخيرًا القدر إما أن يتصور قدرًا إلهيًّا فيرجع إلى العلة الإلهية، أو يتصور قوة عمياء فيكون قوة وعلة على كل حال. وإذن فقد كان مل واهمًا حين اعتقد أن العلة غير المطردة ليست علة، والحقيقة أنها رباط بين شيئين تكررا أو لم يتكررا. كما أنهم جميعًا كانوا واهمين حين اعتقدوا أنهم يفسرون القوانين الطبيعية بالتداعي والعادة، بينما لا يفسر التداعي بغير اطراد الظواهر، فهو معلول لا علة، والمسألة باقية: ما علة اطراد الظواهر؟
  • رابعًا: وهؤلاء الفلاسفة يعترفون بالعِلِّيَّة مرغمين؛ إذ يستخدمونها دون أن يشعروا، فيدلون على أن الطبع يعود حتمًا مهما يبذل من جهد في التطبع: إنهم يفسرون معنى العلة بتكرار التجربة، وهذا يعني أن التكرار علة توجد فينا توقع اللاحق بعد إدراك السابق، فيفسرون العلة بالعِلِّيَّة. وهذا كنط يقر بأننا نحس أنفسنا منفعلين في الإحساس، وأنه يلزم عن ذلك أن نعتقد بأشياء خارجة، فيطبق مبدأ العِلِّيَّة، وهو القائل الملح في القول «إن العلة مقولة جوفاء لا يجوز استخدامها إلا في داخل الفكر.» وهذا مل رأى أن العلم مؤلف من قوانين تجمع بين سوابق بعينها ولواحق بعينها، فاتخذ من طرائقه الأربع المعروفة وسائل لفصل «السابق الضروري» كما يقول، من بين سائر السوابق ووضعه موضع العلة، فأقر بوجوب التفرقة بين محضر التلازم أو التقدم وبين العِلِّيَّة، واضطر إلى أن يصف بالضروري السابق المتوقف عليه اللاحق، فوصل إلى هذه النتيجة العجيبة وهي أن لا رباط ضروري بين اللواحق والسوابق، وهذا ما يريده المذهب الحسي. ولكن هناك سوابق ضرورية، وهذا ما يقتضيه العلم وتشهد به التجربة، فهذه السوابق غير ضرورية وضرورية في نفس الوقت! فهل من شواهد أبلغ من هذه على أن المبادئ الأولية مقارنة للعقل، وأنها إن أنكرت بالقول لا تنكر بالفكر، وأن منكريها مناقضون أنفسهم حتمًا، وأن أهون الرد عليهم بيان هذا التناقض؟

وبعد تفنيد إنكار المفكرين وتفسيراتهم المتهافتة نعود إلى سؤالنا: كيف نحصل على معنى العلة؟ فنقول: إن التجربة الظاهرة في حد ذاتها لا تبين مباشرة إلا عن تعاقب الظواهر، ولا تؤدي إلينا التبعية العِلِّيَّة، فإن هذه التبعية أمر غير محسوس محجوب عن الحواس. وفي هذا نتفق مع الحسيين، ثم نفترق عنهم للفور فنقرر أن العقل هو الذي يدرك معنى العلة حالما تتأدى إليه مدركات الحواس: ذلك بأنه يرى أشياء (جواهر وأعراضًا) تظهر للوجود بعد أن لم تكن موجودة، فيحكم بأن ما يوجد بعد أن لم يكن موجودًا إنما يقبل الوجود من غيره لا من نفسه. وهكذا يدرك معنى العلة في ضوء معنى الوجود، من حيث إنه يدرك ابتداءً أن ما يحدث فلا بد له من علة تحدثه.

وليس علمنا بالعلة مقصورًا على هذا الاستدلال الجاف: فإن التجربة الباطنة تمدنا بشعور قوي بها كلما أظهرتنا على أفعال تصدر عنها وتقر فينا، كالتعقل والتخيل والإرادة، وأفعال أخرى تصدر عنا وتتعدى إلى غيرنا، كاللمس والتحريك والضرب والقطع، وطائفة ثالثة من الأفعال تصدر عن غيرنا وتتعدى إلينا. وفي كل هذا نشعر بأنفسنا فاعلين ومنفعلين، نعلم، ليس فقط أن المعلول يحدث (بعد) الفعل، بل أيضًا وبخاصة أنه يحدث (عن) الفعل، وأنه متصور ومطلوب قبل الفعل، بينما التوقع الناشئ التداعي يعني مجرد انتظار اللاحق بعد إدراك السابق. ولذا كان الفعل والمفعول فِعْلَنا ومفعولَنا، وكنا مسئولين عنهما بإقرار من ضميرنا، والحسيون في جملتنا، إلا أن يتحدوا الضمائر جميعًا فيَدَّعُوا أن شعر المعري أو شعر المتنبي ليس لأحد، وأن أقوالهم هم، ملفوظة ومكتوبة، في العِلِّيَّة وغيرها من المسائل، ليست ولا لأحد! وهذه هي فعلًا النتيجة المحتومة لمذهبهم إن كانوا صادقين.

ولهذا المذهب وجه آخر: فقد اتخذ وسيلة لتأييد ركنين دينيين: الركن الأول أن الله لما كان الموجود بذاته فهو الفاعل الأوحد، وليست المخلوقات بفاعلة. والركن الثاني: إمكان المعجزات، على حين أن الترابط الضروري بين المسببات والأسباب يقضي على هذا الإمكان. وقد استغل الغزالي هذين المعنيين ضد الفلاسفة؛ قال: «إن استمرار العادة (بالأسباب والمسببات) مرة بعد أخرى يرسخ في أذهاننا جريانها على وفق العادة الماضية، وإن «من جعل مجاري العادات لازمة لزومًا ضروريًّا أحال جميع المعجزات.» «والاقتران بين ما يعتقد في العادة سببًا ما يعتقد مسببًا ليس ضروريًّا عندنا، بل كل شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمن لإثبات الآخر، ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر:٣٠ مثل الرِّي والشرب، والشبع والأكل، والشفاء وشرب الدواء. وإن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه يخلقها على التساوق، لا لكونه ضروريًّا في نفسه غير قابل للفرق، بل في المقدور خلق الشبع دون الأكل، وإدامة الحياة مع جَزِّ الرقبة … ونحن نجوز ملاقاة القطن للناس دون الاحتراق، ونجوز انقلاب القطن رمادًا محترقًا دون ملاقاة النار، وهم (أي الفلاسفة) ينكرون جوازه، وليس له دليل إلا مشاهدة محصول الاحتراق عند ملاقاة النار، والمشاهدة تدل على الحصول عنده لا على الحصول به … ونجوز أن يلقى نبي في النار ولا يحترق، إما بتغيير صفة النار، أو بتغيير صفة النبي … فإنا نرى من يطلي نفسه بالطلق ثم يقعد في تنور موقدة ولا يتأثر به.»٣١ هذا كلام صريح كل الصراحة، لم يقل هيوم أو غيره من المحدثين أصرح منه.

كذلك أراد مالبرانش أن يقيم فلسفة دينية تثبت تبعية المخلوقات للخالق تبعية مطلقة، كما يقتضي معنى المخلوق بالنسبة إلى معنى الخالق، وتناهض الفلسفات التي تضع المخلوقات بإزاء الخالق متقومة بذاتها فاعلة بقوى فيها، وأهمها فلسفة أرسطو وأتباعه من المدرسيين، فشايع ديكارت في إنكار الصور الجوهرية وما تنطوي عليه من القوى الفاعلية في المخلوقات، فلم يبق لها عنده عِلِّيَّة، وشايع ديكارت في استقلال كل من النفس والجسد بذاته، وما ينتج عن هذا الاستقلال من استحالة التفاعل بينهما، كما شايعه في الآلية الكونية التي تقصر التفاعل على مجرد صدام خارجي بين أجزاء المادة، بل أربى عليه بأن سلب المادة كل قوة على مثل هذا الصدام، فعاد إلى حجة أناسيداموس وقال مثله: لا علاقة عِلِّيَّة من جسم إلى روح، ولا من روح إلى جسم، ولا من جسم إلى جسم، ولا من روح إلى روح، وحشد الحجج المعروفة.

إنا لنعجب لهؤلاء المفكرين كيف لم يتنبهوا إلى الإشكالات التي يثيرها مذهبهم هذا، وهي كثيرة خطيرة: أولها دور منطقي أو مصادرة على المطلوب تقطع عليهم الطريق إلى الله فتقضي على المذهب من أساسه، تليها إشكالات في حق الذات الإلهية، فأخرى في حق الموجودات. أجل يلزمهم الدور أو المصادرة حين يتحدثون عن الله وهم عاجزون عن البرهنة على وجود الله: ذلك بأن علم الإنسان بالله يُكتسب بتطبيق مبدأ العِلِّيَّة للصعود من المخلوقات إلى الخالق، ولكن مبدأ العِلِّيَّة مجرح في نظرهم، غير ذي موضوع في المخلوقات وغير ذي قيمة، وإذن فليس يجوز تطبيقه للبلوغ إلى الله. فإن قالوا: إن الوحي وما يستند عليه من معجزات ينبئنا بوجود الله، سألناهم: ألسنا نعرف الوحي من بلاغ السلف للخلف، أي من طريق العِلِّيَّة، فكيف نأخذ بالعِلِّيَّة في هذه النقطة وننبذها في سائر النقاط؟ فسواء أرادوا أن يعتمدوا على العقل أو على النقل فلا مخرج لهم من هذين المأزقين.

ولا مخرج لهم من الإشكالات التي في حق الذات الإلهية: فإنه إذا كان الله هو الفاعل الأوحد الخالق في العباد أفعالهم، فإليه تعود الأفعال الشريرة، فلا يتصف بالقداسة والكمال. وإذا كانت الأفعال الشريرة عائدة إليه، فكيف ينهانا عنها ونحن لا نملك عملًا؟ هذا تناقض ينتزع من الله صفة الحكمة. وكيف يتوعدنا بالعقاب عليها، ويعاقب فعلًا كما يؤكد الشرع؟ هذا تناقض آخر ينتزع من الله صفة الطيبة وصفة العدل. كذلك نقول في الأفعال الخيرة: كيف يأمرنا بها وليس في وسعنا أن نأتيها بأنفسنا؟ وكيف يعدنا بالثواب عليها، وثبت فعلًا كما يؤكد الشرع، ولا فضل لنا فيها؟ فماذا يبقى لله من صفات الألوهية، بل من صفة التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، والعدل والظلم؟

وإذا اتجهنا إلى المخلوقات وجدنا فيها شواهد أخرى على تهافتهم: إنها جميعًا تبدو ناقصة نازعة إلى الاستكمال، وإذا لم يكن استكمال الموجود بفعل منه فلم يوجد؟ وبخاصة متى كان عاقلًا مريدًا مندوبًا لاستكمال خلقي وديني. ثم إن لكل موجود طبيعة تبدو في أفعاله المطردة، ونحن نسمي هذه الأفعال طبيعية بسبب اطرادها، فإن اطراد الفعل يدل على أنه صادر عن قوة قارة في الموجود، ولكل موجود هيئة أي تركيب من أجزاء أو أعضاء، ولكل جزء أو عضو هيئة وتركيب: فلم هذا التركيب العجيب المتناسق مع خصائص الأشياء بحيث نرى العين مثلًا تدرك الضوء واللون ولا تدرك غير ذلك. ونرى الأذن تدرك الصوت ولا تدرك غير ذلك … وهلم جرًّا. وإذا ما تلف عضو أو اضطرب جزء منه، انعدم الفعل أو اضطرب بنفس المقدار. فكيف لا نعتبر العضو أو جزأه علة؟ وما وجه الضرورة لتركيبات مختلفة تصدر عنها أفعال مختلفة؟ ولِمَ يحدَّ الله أي شيء من أي شيء بأي شيء أو بدون شيء؟

لقد ظنوا أن في اختصاص الله بالعِلِّيَّة وسلبها عن المخلوقات تمجيدًا لله، والأمر على العكس؛ فإن عالمًا فعالًا لأشد إظهارًا للقدرة الإلهية وأعظم تمجيدًا لله من عالَم ساكن ميت مسرح أشباح وأوهام، أليس يقدَّر الصانع بقدر صنعه؟ فظنوا أن عِلِّيَّة المخلوقات قوة إلهية خالقة. والأمر ينحصر في الإخراج من القوة إلى الفعل دون إيجاد من عدم. فكما أن وجود المخلوقات مشاركة في الوجود الإلهي الذي هو وجود بالذات، كذلك عِلِّيَّة المخلوقات مشاركة في العِلِّيَّة الإلهية التي هي عِلِّيَّة بالذات. فنحن بإزاء عِلِّيَّة أولى مستكفية بذاتها، وعلية ثانية قابلة، منها الوجود والقدرة على الفعل. وإن العقل ليقر بالعِلِّيَّة الثانية بداهة، كما هو مشاهَد، ويتأيد إقراره البديهي بالأسباب التي ذكرناها. ولابن رشد كلمتان جامعتان حاسمتان لا نرى خيرًا منهما لاختتام هذا البحث: «أما الأشعرية فقد أنكروا الأسباب والمسببات، وهذا نظر خارج عن الإنسان بما هو إنسان.» وقال: «العقل إدراك الموجودات بأسبابها، وبذا يفترق من سائر القوى المدركة، فمن رفع الأسباب فقد رفع العقل.»٣٢ ومن قبله اعتقد الفلاسفة الإسلاميون بالعقل وعلية المخلوقات، وناضل عنهما المعتزلة أروع نضال.

(٦) العِلِّيَّة الغائية

والعقل هو أيضًا الذي يستشف العِلِّيَّة الغائية من وراء الظواهر المحسوسة، ويرى بين الغائية والفاعلية علاقة السابق واللاحق، فإذا رفعنا الغايات رفعنا العقل، وفاتنا التفسير النهائي للأشياء المستند على قضيتين كبريين: أولاهما أن كل فاعل فهو يفعل لغاية، والثانية أن كل مفعول فقد كان غاية قبل أن يفعل، والاثنتان متعادلتان ينظر في كل منهما إلى وجهة. وإنما قدمنا الكلام على العِلِّيَّة الفاعلية لظهورها ولنفعها في الفحص عن العِلِّيَّة الغائية، التي وإن كانت أولية مثلها، إلا أنها أدق على الفهم.

وخصوم الغائية هم الحسيون كافة، ينضم إليهم بعض العقليين، فالحسيون يجحدون العقل ومدركاته، فلا يعتقدون بترتيب سابق، بل يدعون أن كل ما يتكون من أشياء ويحدث من أفعال فهو نهاية ونتيجة لعوالم مادية آلية، ولا تحقيق لغاية. ويفسرون الطبيعة بقولهم إن ذرات المادة تحركت منذ القدم بجميع الحركات الممكنة، وائتلفت بجميع الهيئات، وانتهت إلى الهيئات الراهنة. وإننا نحن الذين نفترض الغايات افتراضًا لما نشعر به من توخينا الغاية في أفعالنا، فنتصور الطبيعة على مثالنا، ونقول مثلًا: إن للطير جناحين (لكي) يطير، بينما التجربة لا تدل على أكثر من أن الطير يطير؛ (لأن) له جناحين، والجناحان تكونا اتفاقًا. هكذا يقولون، والمحدثون منهم آخذون عن القدماء بدون تغيير، أعني عن ديموقريطس، إمام المذهب المادي وتابعيه أبيقور ولوكريس.

وأشياعهم من العقليين يخضعون الطبيعة للآلية كي يفرضوا على العلم الطبيعي أن يكون هندسة وميكانيكا، ومن ثمة ضروريًّا ومعقولًا في عرفهم، فيضعون في المادة قوانين ذاتية تنظمها، ولا يدعونها للمصادقة، وبينما يقف بعضهم عند هذا الحد، مثل سبينوزا، يذهب بعض آخر، مثل أفلاطون وديكارت، إلى إخضاع هذه الآلية لصانع أو خالق، فينتهون إلى سيطرة الغائية على الآلية في جملة الكون. فلنشرع في تعريف العِلِّية الغائية وفي إثباتها.

«العلة الغائية هي التي لأجلها الشيء (أو الفعل، وهي) علة بماهيتها ومعناها لعلية العلة الفاعلية، ومعلولة لها في وجودها.» هذه العبارة لابن سينا٣٣ إيجاز للمذهب العقلي الصحيح الصادر عن أرسطو وعن أفلاطون من قبله، وهي تشير إلى دليل أول بقولها: إن الغائية علة لعلية العلة الفاعلية: ذلك بأنه لولا الغاية لاستوى الفعل وعدمه عند الفاعل، فاستحال عليه الميل إلى أحدهما، واستمر على السكون، فالفعل كما كان فعلًا، دليل على أن الفاعل قد ارتضى غاية ارتضيت له غاية، وأن فعله كان لأجل تحقيق هذا الغاية. وبتعيين الغاية يتعين الفعل، فإن الفاعل يبذل فعلًا معينًا ليحدث مفعولًا معينًا، والفعل المعين هو الذي يتجه إلى غايته، أي الذي ينتهي بذاته إلى حد مناسب له. ولولا هذا الحد أو الغاية لكان أي فعل يحدث أي مفعول اتفاقًا ومصادفة، وهذا ممتنع لامتناع تحرك الفاعل إذا لم تعين وجهة فعله. فالفاعل، كما أنه يحتوي على علة البدء بالفعل، يحتوي كذلك على علة اتجاه الفعل. فالعلة الفاعلية مبدأ الحركة، والعلة الغائية مبدأ قصد الحركة، وهي نهايتها متى صدر الفعل.

هذا بالنسبة إلى الفعل في كل فاعل. فإذا ما نظرنا إلى الفاعل في ذاته، كماهية أو طبيعة، وجدناه كلًّا منظمًا، مطرد الاتجاه إلى تحقيق غايات معينة بوسائل معينة هي الخصائص والميول والغرائز والأعضاء. وتعيين الفعل ووسائله أو شروطه، دليل على أن الفعل الصادر عن قوة ما أو ميل أو غريزة أو عضو، هو من جهة أخرى علة هذه القوة، أي الغاية التي وجدت القوة لأجلها، فهو صادر عنها وهي مهيأة له: فلولا الطيران مثلًا لما فُهم تركيب الجناحين، فالطيران علة الجناحين على نحو ما، أي علتهما الغائية أو ما لأجله الجناحان. وكذلك يقال في الرؤية للعين، وفي السمع للأذن، وفي كل قوة على العموم، فإنها مهيأة لفعلها.

وعلاوة على ترتيب كل موجود على خياله، نشاهد ترتيبًا للموجودات فيما بينها: فالحركات السماوية آية في الانسجام، والألفة الكيميائية آية أخرى، فكأن العناصر الطبيعية يختار كل منها أليفًا، وبمقدار محدد، فتوجد عنها نفس المركبات. والأرض بينها وبين الشمس مسافة تتيح للحياة الوجود والنمو، والتربة تركيبها ضامن لغذاء النبات والحيوان، وتركيب الهواء يجعل بعضه صالحًا للنبات وبعضًا آخر صالحًا للحيوان، فيشهق هذا ما يزفر ذاك، بحيث لولا النبات ما عاش الحيوان. وثمة أمثلة عديدة لا تحصى إلا بإحصاء العلوم، فإن كل علم عبارة عن ترتيب ما، وبين العلوم ترتيب وترابط، والذين يستهينون بالترتيب محتجين بما يبدو من إخلال به، يسلمونه من حيث لا يريدون؛ إذ ليس يعتبر النقص كذلك إلا بالقياس إلى غاية.

وإذا أخذنا بتمييز كنط بين غاية باطنة في الموجود وغاية ظاهرة خارجة عنه، لم نعط هذا التمييز سوى قيمة اعتبارية: فالنبات والحيوان غايتهما الباطنة من الاعتداء حفظ حياتهما، والأغذية غايتهما الظاهرة، فالغايتان متحدتان. ولا يوجد مثل هذا التقابل إلا باعتبار النسبة من الأعلى إلى الأدنى، أما الأدنى نفسه فهو غاية ظاهرة للأعلى وليس له غاية باطنة تقابله، ففي كل ترتيب الأدنى مرتب للأعلى وحسب. وقد يتعذر تعيين الغاية الظاهرة لموجود ما، ولكن ترتيب هذا الموجود في ذاته دليل كاف على أنه أوجد لنفع وفائدة. وكم من المنافع والفوائد ظلت خافية أزمانًا متطاولة ثم بانت للباحثين. فمن المعقول أن نقيس الحاضر إلى الماضي وننتظر استكمال علمنا بالوجود.

فلا محيص من الفرق بين الغائية والمصادفة فرقًا حاسمًا: والواقع أننا نرى البذرة تخرج نباتًا من نوعها فندرك أن هذا طبيعي، ونرى المطر والبرد يهلكان النبات فلا نحكم بأن المقصود بهما هذا الإهلاك، بل ندرك أن الأمر يحدث مصادفة. وكلما أردنا نعلل فعلًا ما من أفعال أي موجود كان، وجدناه يقتضي غاية بالضرورة، كما أنه يقتضي فاعلًا. ليس مبدأ الغاية محض تطبيق تجربتنا الباطنة على التجربة الظاهرة، ولكنه مبدأ مطلق مهيمن على كل موجود وكل فعل. ولا نستثني الإنسان؛ فأفعاله البدنية تعلل بتركيب بدنه، كما تعلل أفعال سائر الموجودات بتركيبها، فتؤدي أعضاؤه وظائفها، أي غاياتها دون أن يريد أو يحس، كالقلب والمعدة وما إليهما. وأفعاله المعنوية وغاياته المقصودة تنتهي إلى غاية أخيرة مركوزة فيه طبعًا، هي طلب السعادة؛ إذ إنه يفعل كل ما يفعل ابتغاء أن يصير سعيدًا، ولولا هذه الغاية لما خرج من القوة إلى أي فعل، بحيث تعود الغايات المباشرة في الإنسان، أي المعلومة المقصودة، إلى غاية غير مباشرة، وتعود جميع الغايات غايات مباشرة لعلة تصورتها وأرادتها وأوجدتها. فإذا سأل الحسيون، وهم يسألون فعلًا: كيف تفعل الغاية وهي معدومة في الحال رهينة بالاستقبال؟ أجبناهم أنها موجودة حالًا في قوة الماهية أو الطبيعة، فعالة بها.

وشتان بين هذا التفسير الصادر عن فطرة العقل، وبين التفسير الحسي المعتمد على المصادفة كل الاعتماد: فأولًا يفترض الحسيون أن جميع التأليفات الممكنة بين أجزاء المادة قد حدثت تارة أو طورًا، وأن كل موجود فهو نتيجة لمحاولات كثيرة، بيد أننا نستطيع أن نفترض أن أبسط التأليفات هي التي تكررت بلا انقطاع لبساطتها وسهولة ائتلافها، وأن التأليفات المعقدة لم تحدث قط أو حدثت نادرًا لتعقدها وصعوبة اجتماعها، فكيف نفسر وجود الكائنات المعقدة؟ وثانيًا: هم يكلون إلى البيئة غير الحية غير الحاسة غير العاقلة، تكيف المادة حتى تصير حية حاسة عاقلة. والفرق هائل والمسافة سحيقة بين كل درجة من هذه الدرجات والتي تليها، فلا تعبر. وثالثًا: هم يتصورون هذا التكييف حركة نحو الأحسن الأكمل، والحركة في ذاتها ممكنة أيضًا نحو الأسوأ، فلم حدثت في سبيل التقدم؟ إذا أردنا جعلها معقولة فيجب أن نفترض في السديم الأول اتجاهًا غائبًا؛ إذ إن المادة لا تنتظم من تلقاء ذاتها، وهي بذاتها لا تقتضي تركيبًا معينًا، فكيف ائتلفت أجزاء الجناحين والأذن والعين وما إلى ذلك من أعضاء عجيبة مدهشة؟

أفليس يلزم القول بسبق الغايات من حيث إن الغاية تنطوي على وحدة نظامية تعين الأجزاء وتعين ائتلافها؟ إن الغاية علة حقًّا، بل هي علة العلل ما دامت هي التي تبعث الفاعل على الفعل، فيؤثر الفاعل في المادة أو في الصورة أو في كلتيهما. فقولنا: «إن كذا هو من أجل كذا» تعليلٌ حقيقي له مثل ما للعلة الفاعلية من قيمة وجودية وعقلية. يعارض الحسيون الغاية بالنتيجة، وليس بين هذين المعنيين تعارض، بل من الممكن أن تكون النتيجة غاية في نفس الوقت: إذا قيل إن الساعة تقيس الزمان (لأن) أجزاءها منسقة فيما بينها، فليس للقائل أن يستنتج أن هذه الأجزاء لم تنسق (لأجل) قياس الزمان، وإذا قيل إن الطير يطير (لأن) له جناحين، وأنه حي يرزق (لكونه) محكم التركيب، فليس يمحو هذا القول السؤال عمن رَكَّبه وأحكم تركيبه، ولِمَ كان له جناحان، يعترف الحسيون بأن المصنوعات الإنسانية مسبوقة بصورها في أذهان صناعها وبالغاية منها. فإذا ما عرضوا للموجودات الطبيعية التي هي أيضًا جميلة منسقة من الوسائل والغايات، أبوْا إلا أن يعتبروها نتائج علل آلية: في أي منطق يجوز تقرير نوعين من العِلِّيَّة متضادين كل التضاد لتفسير شيئين متشابهين تمام التشابه، فتكون طائراتنا غائية وأجنحة الطير آلية؟

هذا هو المذهب العقلي السليم، نادى به إنكساغوراس حين قال: «هو العقل الذي رتب الكل، وهو علة الأشياء جميعًا.» وسمع سقراط قارئًا يقرأ هذه العبارة، فغشيته نشوة عظيمة، وراح يفكر أن جلوسه بالسجن، مثلًا، لا يعلل بحركات عظامه وعضلاته، بل باستصوابه أن يتحمل القصاص الذي استصوبت المحكمة فرضه عليه، وإلا لكانت عظامه وعضلاته حملته إلى بلد آخر. وثبت لديه أن تسميتها عللًا منتهى الضلال، وأن العلة الحقة عاقلة تلحظ معلولها قبل وقوعه وترتب الوسائل إليه، فإن شيئًا لا يفعل إلا إذا قصد إلى غاية، أو قصد به إلى غاية بتركيب سببها في طبيعته. والغاية لا تتمثل إلا في العقل. أما المادة فشرط للفعل، أو علة ثانوية خلو من العقل، يستخدمها العقل وسيلة وموضوعًا، فليس يعلل العالم بالعناصر كعلل أصيلة، بل بعلة عليا عاقلة تسخر العناصر لغايات. واقتنع أفلاطون بهذا الرأي، وراح يبشر به في إيمان وحماسة لا مزيد عليهما، واتخذ منه أساسًا أقام فوقه مذهبًا كان أول فلسفة عقلية تامة المعالم، واقتنع بالرأي أرسطو، وأشاد بالعقل أيما إشادة: رفعه فوق سائر القوى الداركة، وقال: إنه أشرف جزء في الإنسان، وإن فعله ألذ فعل لأنه تصور الأمور الجميلة الإلهية، بل هو السعادة القصوى، والإنسان لا يحيا على هذا النحو بما هو إنسان، بل باعتبار أن فيه شيئًا إلهيًّا. وهذه القضية النظرية تستتبع نتيجة عملية يعبر عنها الفيلسوف بقوله: «فلا ينبغي اتباع الذين يحثوننا على أن نفكر أفكارًا إنسانية لكوننا أناسي، وأفكارًا فانية لكوننا فانين، بل يجب أن نعمل كل ما في الوسع لكي نحيا وفقًا لهذا الجزء الذي هو أشرف قوانا، فلئن كان صغير المقدار فإنه يعلو على سائر الأجزاء علوًّا كبيرًا قوة وكرامة.»٣٤

فما أشد الأسف لانحراف الفلاسفة عن هذا الطريق الملكي، وسلوكهم طرقًا ملتوية مظلمة لا منفذ لها إلا إلى الإخفاق في تفسير الوجود وفي تدبير الحياة. وهذا الكتاب شاهد على أنهم كثير، وأن الفلسفة لتبدو في معظمها — إن لم نقل في كلها — مشبعة بالشك والإنكار، حتى لقد يظن بنا الكثيرون لأول وهلة قسطًا كبيرًا من التفاؤل أو السذاجة لمعارضة الشك ومناصرة اليقين، لكنا نأمل أن يقتنعوا بأدلتنا، فيستنير وجه الفلسفة في نظرهم، ويحل الإيمان في قلوبهم، ويفرحوا بالعقل أعظم فرح.

١  «ينقسم الوجود بأعراضه الذاتية إلى أصناف وأحوال: مثل كونه مبدأ وعلة ومعلولًا، وانقسامه إلى ما هو بالقوة وما هو بالفعل، وإلى القديم والحادث، والقبل والبعد والمتقدم والمتأخر، والكلي والجزئي والتام والناقص، والواحد والكثير، والواجب والممكن: فإن هذه العوارض تثبت للموجود من حيث هو موجود لا من حيث إنه شيء آخر أخص منه» (الغزالي: معيار العلم، ص٢١١). «كون الشيء جوهرًا وعرضًا هي القسمة الأولى التي ينقسم بها الوجود بما هو موجود» (ابن رشد: تفسير ما بعد الطبيعة ص٧٥٩). «الموجود بما هو موجود ينقسم بالذات إلى القوة والفعل» ص١١٠٤. «الموجود ينقسم إلى ما بالقوة وإلى ما بالفعل في كل واحد من أجناس المقولات» ص١٤٣٩.
٢  ابن رشد: المصدر السابق، ص٣٣٨.
٣  أرسطو: ما بعد الطبيعة، م٩ ف٣. انظر تلخيصنا لردوده في ف ي١٧٦.
٤  كتاب «مبادئ الفلسفة». م١ فقرة ٦٩.
٥  كتاب «قواعد تدبير العقل» فقرة ٧٩.
٦  كتاب «محاولة في الفهم الإنساني»، م٢ ف٢١ فقرة ٦، وكتابنا ف ح٤ ص ١٣٩.
٧  النجاة، ص٣٤٨.
٨  تلخيص ما بعد الطبيعة، ص٤١.
٩  معيار العلم، ص٥١.
١٠  تلخيص ما بعد الطبيعة، ص٧.
١١  الموضع السابق.
١٢  ابن سينا: رسالة الحدود.
١٣  الغزالي: معيار العلم، ص١٩٣، وتهافت الفلاسفة، ص١٠.
١٤  تلخيص ما بعد الطبيعة، ص٧ باختصار.
١٥  مبادئ الفلسفة، المقالة الأولى، الفقرة ٥١، باختصار.
١٦  كتاب التحليلات الثانية: م٢ ف١، وكتاب ما بعد الطبيعة: م٧ ف٥ وف ٦.
١٧  كتاب محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، لفخر الدين الرازي ص٣٤ و٣٧ من طبعة القاهرة.
١٨  العلم الإلهي من كتاب النجاة، وأول كتاب الإشارات، وفي مواضع أخرى كثيرة.
١٩  تهافت التهافت، ص٧٤، ص٢٢٢.
٢٠  تهافت التهافت، ص٣٠٤.
٢١  تلخيص ما بعد الطبيعة، ص٨.
٢٢  تهافت التهافت، ص٣٩٢، ص٣٩٣.
٢٣  تهافت التهافت، ص١٧٢، وص٤٠٠ على التوالي.
٢٤  تهافت التهافت، ص١٧٢، وص٤٠٠ على التوالي.
٢٥  تهافت التهاف، ص١٨٠ و٣٣١ على التوالي.
٢٦  تهافت التهافت، ص١٨٠ و٣٣١ على التوالي.
٢٧  هكذا يعرف كنط والمحدثون إجمالًا لفظي a priori وa posteriori، أي من جهة استقلال الحكم عن التجربة أو تبعًا لها، على حين أن أرسطو ومن بعده أشياعه جميعًا يعرفون القبلي a priori، ويعرفون البعدي a posteriori بأنه الحكم الذي يصدر عن العلم بالمعلول، من حيث إن المعلول متأخر بالطبع عن علته.
٢٨  أرسطو: كتاب التحليلات الثانية أو كتاب البرهان م١ ف٤، وأيضًا كتاب ما بعد الطبيعة م٥ ف١٨.
٢٩  تلخيص ما بعد الطبيعة، ص٩.
٣٠  أي إنهما متباينان وليس هذا حكمًا تحليليًّا، كما سيقول هيوم وكنط، وذكرناه عنهما، فالمذهب جار من قدماء الشكاك إلى أيامنا.
٣١  تهافت الفلاسفة: ص٢٧٢، ٢٧٦، ٢٧٨-٢٧٩، ٢٨٥، ٢٨٧.
٣٢  تهافت الفلاسفة: ص٤١٧، وص٥٢٢.
٣٣  ما بعد الطبيعة في كتاب الإشارات والتنبيهات.
٣٤  انظر ف ي، دفاع أرسطو عن الغائية، فقرة ٦١، إشادته بالعقل، فقرة ٨٠.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١