الفصل السابع

تمرُّد في البرِّية

في صبيحة أحد أيام شهر يوليو المبهجة وصل، حسب الاتفاق، الأمير رولاند مُترجلًا إلى ظلِّ البرج الضخم، الذي يُعد اليوم آخر ما تبقَّى من قصر الأمير الناخب في هوكست، على رافد ماين. ووجد جريسل هناك في انتظاره، وحدَه دون أيِّ أحد من البقية. تبادل الاثنان التحية، وقال الأمير:

«جوزيف، لقد قررتُ منذ عدة أيام تعيينَك نائبًا لي في هذه المهمة.»

«أنصحك يا رولاند ألا تُقدِم على فعلِ شيء كهذا.»

«لماذا؟»

«لأن الأمر سيبدو تفضيلًا لي، وسيُثير الغيرة بين الصفوف، وهو ما علينا تجنُّبه.»

«في رأيك، مَن هو الأنسب لتولي هذا المنصب؟»

«كونراد كورزبولد.»

«ماذا؟! ونُخاطر بتقسيم السلطة؟ فأنا عازم على تولي القيادة كما تعلم.»

«سيظل كورزبولد طَوع أمرك حتى وإن عيَّنتَه مُساعدًا لك، شأنه شأن بقيتنا. إنه شخص نشيط، ويُمكنك توجيه طاقته في المسار الصحيح. فبدلًا من كونه ناقدًا سيُصبح واحدًا ممَّن يُوجَّه لهم النقد، وهذا سيشغله. كما أن تعيينك له في هذا المنصب سيبيِّن له أنك لا تَحمل أي ضغينة تجاهه بسبب ما قاله بالأمس.»

«يبدو، يا جريسل، أنك تظنُّ أنه من واجب القائد السعي من أجل كسب ود أتباعه.»

«لا؛ ولكني أرى أن اللباقة صفة مُهمة. فكما تعلم أنت لست جنرالًا لأحد الجيوش. ويُمكن لأفراد العصبة تنحيتُك متى شاءوا ليختاروا مَن يخلفك، أو يُمكنهم التخلي عنك ولن يُمكنك استدراك ذلك. فلا تتبع أسلوبًا صارمًا بل أسلوبَ رجلٍ يسعى لانتخابه لمنصب رفيع.»

«أخشى أنني لستُ مؤهلًا لتأدية هذا الدور، يا جريسل.»

«رولاند، إن أردتَ النجاح في المهمة التي اضطلعت بها، فعليك أن تتكيَّف مع الوضع الراهن كما هو بالفعل وليس كما تتمنَّاه أنت. لقد وقفت في صفك مساء أمس ونجحت في إقناع الآخرين بفعل الشيء ذاته، ولكن لا أحد يُنكِر أنك تحدَّثتَ إلى هؤلاء الرجال بعجرفة غير مقبولة. عجبًا، لو كنت أحد ضباط الإمبراطور ذاته لما تصرفت بهذا الشكل. كنتُ أُنصتُ لما تقوله وأقول في نفسي: «مِن أين أتى هذا الشاب بكل هذا القدر من التعالي؟» لقد تماديتَ حتى إنك أمرتَ كورزبولد بترك العصبة.»

«لماذا أيدتني، إذن؟»

«لأنني لم أرغب في رؤية مُغامَرة سطو واعدة تَفسد في مهدها، فقط لغياب بعض عبارات التهدئة.»

ضحك رولاند بشدة. كان صباحًا باعثًا على الحماس وهو في مزاجٍ جيد.

«يُمكن وصف كلماتك لكورزبولد بأي صفة باستثناء أنها كانت تُمثِّل عبارات تهدئة.»

«أعلم؛ فقد كنت مضطرًّا لسَحقِه. لقد كان السبب وراء تلك الجلبة؛ لذا لم أرحمه وكان عليه أن يتحمَّل جزاء صنيعه. لكن الآخرين، ربما باستثناء جينسبين، رفاق يتَّسِمون بالطيبة والصدق والصلاح، ولم أودَّ رؤيتهم يقعون فريسة للتضليل. أرى أنه ينبغي عليك الإقلاع تمامًا عن فكرة العقاب، مهما كان قدر الإساءة الموجه إلى سلطتك.»

«حسنًا، أَخبِرني إذن كيف أتعامل عندما يحدث تمرُّد؟»

«يجب أن تَثِق في مدى وعي بقية أفراد عُصبتك حتى تُصعِّب الأمر على الشخص المخالف.»

«ولكن ماذا لو افترضنا أنهم ليس لديهم هذا الوعي؟»

هز جريسل كتفَيه.

«أخشى أنك آنذاك لا حيلة لك. ولكن على أيِّ حالٍ لا طائل من الحديث عن الشنق أو تنفيذ أيِّ عقوبة أخرى ما دُمتَ أنك لا تَمتلِك سلطة فعل ذلك. وهذا ما قصدته بتشبيه الجنرال الذي ذكرتُه؛ فالجنرال بإمكانه إصدار أوامر بشنق أيِّ جندي في جيشه، وحينئذٍ يُؤخذ الرجل ليلقى مصيره شنقًا امتثالًا لأمر الجنرال، ولكن قرار تنفيذ حكم الإعدام على أحد أفراد العصبة يتطلَّب إدانته بتصويت أغلبية زملائه؛ لأنه حتى إذا حكمت أغلبية بسيطة على أحد المُنتمين للأقلية فهذا يعني اندلاع حربٍ أهلية بيننا. فلنَفترض على سبيل المثال أن هناك اقتراحًا بشنقك، وجاء تصويت أحد عشر فردًا لصالح إعدامك بينما عارض تسعة أفراد هذا الاقتراح. هل تَعتقد أننا نحن التسعة سنَرضخ لهذا الحكم؟ كلَّا، على الإطلاق. أنا نفسي رغم كوني أكثر الرجال تفضيلًا للحلول السِّلمية عندما ذكرتُ هذا الأمر شعرت بأنني يجب حينها أن أستلَّ سيفي وأطيح بصاحب اقتراح الإعدام قبل أن تتسنَّى له فرصة إخراج سلاحه. بعبارة أخرى، كنت سأقتله درءًا للخلاف، وبعدها يُمكننا أن نتجادل كالرجال لتسوية الأمر.»

«جريسل، لماذا لم تَقُل كل هذا ليلة أمس؟»

«ليلة أمس لم يكن لديَّ هدف سوى حثِّ كورزبولد على نسيان تهديدك للعصبة بشنق أحدهم. فلولا ذلك لما استطعت أبدًا إجراء اقتراع الثقة. لكنك رأيت بالتأكيد كيف حرص بقية الرجال على دعمك حينما عُرضَ موقفُك على نحو صحيح، وهو أمر، لسببٍ ما، ظننتَ أن فعله ينتقص منك.»

«عزيزي جوزيف، إنَّ اللوم الهائل الذي أمطرتني به هذا الصباح كفيل بإبطال التصويت الذي حصلتُ عليه ليلة أمس.»

«عزيزي رولاند، أنا لا ألومك على الإطلاق؛ أنا فقط أحاول سرد الحقائق أمامك حتى تتمكَّن من استيعابها.»

«لا بأس، ولكن ما يُزعجني هو أن تلك الحقائق لم تُعلَن في الوقت المناسب حتى أتخذ قراري بتحمُّل المسئولية أو التملُّص منها. لا أظنُّ أن العمليات العسكرية الناجحةَ يمكن أن تنفِّذها مجموعةٌ صغيرة من الأفراد الذين ينتمون لطائفة واحدة، يضطرُّ رئيسها لتدليل أفرادها وطلب معذرتهم قبل أن يتفوَّه بعبارة مثل: «فلتذهبوا إلى الجحيم!» لم أكن لأقبل بالقيادة ليلة أمس إن علمتُ بهذه الشروط.»

«حسنًا، لم يَفُت الأوان بعدُ على تراجُعك. فالسفينة لن تغادر فرانكفورت قبل المساء، والعودة إلى هذه المدينة لا تَتجاوز مسافة الفرسخين. وفي غضون نصف ساعة على الأكثر سيجتمع جميع رجال عصبتنا هنا. والآن هو الوقت الأمثل لمُصارحتهم بالأمر؛ لأنه عندما يحين صباح الغد لن يكون أمامك فرصة للانسحاب.»

«فات أوان ذلك، يا جريسل، حتى الآن أيضًا. فإن كان قد عجز أفراد العصبة بالأمس عن جمع الأموال التي نَدين بها لجوبل، فهل هناك أمل بأن تجد عملة نقدية واحدة في جيوبهم اليوم؟ وهل أفهم من ذلك أيضًا أنك ترفض أن تكون نائبًا لي؟»

«لا؛ ولكني أُحذِّرك أنها لن تكون خطوة صائبة. أنت واثق تمامًا من إخلاصي، وبصفتي جنديًّا، كما وصفتني أنا ورفاقي ليلة أمس، أرى أنني هكذا سأكون قادرًا على الوقوف في صفك والحديث لصالِحِك أكثر مما سيئول إليه الحال وأنا مَدين لك لترقيتك لي.»

«حسنًا فهمت. لهذا فأنت تَنصحني باختيار كورزبولد، أليس كذلك؟»

«بلى.»

«ولمَ لا يكون جينسبين، الذي أعلن تمرُّده شأنه شأن كورزبولد؟»

«حسنًا، ليَكن جينسبين إن كنت تفضِّله.»

«لقد أظهر عقلًا راجحًا ليلة أمس؛ فقد كان في أحد الجانبَين حينًا وفي الآخر حينًا.»

«يا قائدي العزيز، لقد كُنا جميعًا ضدك ليلة أمس عندما تحدَّثت عن الشنق، بل وقبلها عندما ذكرت أمر الطرد من العصبة.»

«نعم أفترض أنكم كنتم كذلك، وجرت الأمور كما ذكرتها تمامًا، ولديكم مبرراتكم بلا شك. ولكن أيعني ذلك أنني إن أصدرتُ أمرًا فربما أجد مَن يَمتثل له ومن يَعصيه، وفقًا لأهوائكم في تلك اللحظة، هذا احتمال مُشجِّع لم أتوقَّعْه. فعندما عاهدني عشرون رجلًا بأنهم سيُنفِّذون بأمانة كلَّ ما تعهدت به نيابةً عنهم، كنت أتوقَّع منهم أن يلتزموا بهذا العهد.»

«رولاند، أرى أنك لستَ مُنصفًا. لم يرفض أحد، وربما لن يفعل ذلك أحد. وإن عصى أحدهم أمرًا فيُمكنك التصرُّف كما يحلو لك، لكن أتمنَّى أن تدرك تمامًا ضعف موقفك عند حديثك عن العقوبة القاسية.»

أجابه رولاند باقتضاب: «حسنًا، حسنًا.» وشبَّك يديه خلف ظهره، ودون أن ينبس ببنت شفة أخذ يذرع ضفة النهر جَيئة وذهابًا محنيًا رأسه في تفكير عميق.

كان إبرهارد هو الوافد التالي، وحيَّا جريسل بحرارة، وبعدها توافد باقي أفراد العصبة واحدًا تلو الآخر واجتمعوا في موقع المهمة. لم يُلقِ رولاند التحية على الوافدين الجدد وواصل سيره التأملي.

وأخيرًا دقَّ جرس البرج تسع دقات بطيئة رنانة متتالية، ورفع رولاند رأسه وتوقَّف عن تسكُّعه. وكان جريسل يتفحصه بقلق عندما أتى باتجاه الجماعة، لكنه لم يَستوضح من ملامحه ما إذا كان عازمًا على استكمال المهمة أم أنه قرَّر الانسحاب.

سأل رولاند: «هل أتى الجميع؟»

جاءه الرد: «لا؛ لم يصل كورزبولد وإيزلبرت وراسلشتاين وجينسبين بعد.»

لم يظهر على ملامح القائد أيُّ استياء نظرًا لعدم التزامهم بالموعد، وقال: «إذن سنَنتظرهم بضع دقائق أخرى»، ومن هذا، افترض جريسل أنه لم يكن يَنوي فقط استكمال المهمة، بل وإنه أخذ تحذيره له على محمل الجد. سار إبرهارد وأحد رفاقه سريعًا باتجاه فرانكفورت، آملًا أن يَلمحُوا المتأخرين، بينما استكمل رولاند سيره بجانب النهر. وفي نهاية المطاف عاد إبرهارد ورفيقه واقترب الأول من رولاند قائلًا:

قال: «لا أثر لأيٍّ من هؤلاء الأربعة.» وأضاف: «ماذا تقترح أن نفعل؟»

ابتسم رولاند.

«أظن أن ستة عشر رجلًا مُجتمِعين على هدف واحد قادرون على إنجازِ ما يُمكن لعشرين رجلًا مُنقسِمين إنجازه. أقترح إذن أن نمضي قُدمًا، إلا إن كنت ترى ضرورة وجود هؤلاء الأربعة؛ ففي هذه الحالة ليس بوسعنا شيء سوى الانتظار.»

قال إبرهارد: «أنا أؤيد المُضيَّ قُدمًا»؛ والتفتَ بعدها إلى البقية الذين اجتمعوا حول قائدهم، وطلب رأيهم. ووافق الجميع على المضيِّ قُدمًا فورًا.

سأل إبرهارد: «هل تَنوي اتباع طريق النهر أيها القائد؟»

«نعم، مسافة فرسخين أو ثلاثة، ولكن بعدها سنَسير عبر القرية.»

«ممتاز. يمكننا متابعة السير على مهلٍ على طول الطريق، ويمكن لأصدقائنا اللَّحاق بنا إن عقدوا النية على فعل ذلك.»

أجابه رولاند قائلًا: «هذا صحيح!» وأضاف: «دعونا ننطلق إذن.»

سار الرجال السبعة عشر دون أيِّ تجمُّعات عبر القرية، وحين اقتربوا من حانة على جانب الطريق، انهالت عليهم الصيحات العالية للسُّكارى الواقفين أمامها. كان كورزبولد هو المتحدث باسم الجماعة التي شكَّلها هو ورفاقه والمكوَّنة من أربعة أفراد.

وصاح: «هلمُّوا لنشرب نَخب المجد.» وأردف: «أين كنتم يا شباب طوال هذا الصباح؟»

قال رولاند بحزم: «كان المكان المتَّفق عليه عند برج الأمير الناخب.»

رد كورزبولد قائلًا: «لم يكن المكان الذي اتفقتُ عليه هكذا. فأنا هنا منذ أكثر من ساعة.» وتابع: «لقد أخبرتك بالأمس أنني سأكون عطشانًا فور وصولي هوكست، وأنني سأُحاول معالجة الأمر باللجوء إلى إحدى الحانات.»

تدخَّل إبرهارد ضاحكًا وقال: «أجل، يمكننا جميعًا ملاحظة أنك نجحت في مجابهة هذا العطش.»

«أوه، تقصد أنني ثمل، أليس كذلك؟ سأقاتل أيَّ رجل يقول إنني ثمل. لقد أصابني العطش الشديد بسبب جفاف حلقي من الليلة الماضية، ومن الغبار في أثناء سيرنا في طريق فرانكفورت هذا الصباح. لقد تطلَّب الأمر قدرًا كبيرًا من النبيذ لمواجهة سببَي العطش هذَين. هلموا يا رجال واشربوا نَخب نجاح هذه الرحلة. لا تغضبوا. أيها المالك، أحضر هنا نبيذًا يكفي سبعة عشر رجلًا، ولا تنسَنا نحن الأربعة أيضًا.»

كان الجمع بأكمله يسير تحت الأشجار المواجِهة للحانة، عدا رولاند، الذي كان يقف بعيدًا.

أتاه كورزبولد هاتفًا: «ها هي ذي تحيتُك أيها القائد.» وأضاف: «سأشرب النبيذ برفقتك.»

قال رولاند: «ليس قبل أن نعود بعد تنفيذ مهمة ناجحة.»

صاح كورزبولد وقد أصابه الفواق من أثر الخمر قائلًا: «أوه، هذا هراء!» وتابع: «لا تظن أن منصبَكَ يجعلُك تَستكبر علينا وتحتقر أن تشرب مع رفاقك.»

لم يردَّ رولاند على هجومه الشديد، وعندما رأى الستة عشر رجلًا موقف قائدهم تردَّدوا في الحديث. أما إبرهارد الدبلوماسي فأخذ بعضًا من النبيذ واقترب من رولاند.

وقال بصوتٍ عالٍ: «اشرب معنا أيها القائد»، ثم قال بهمس: «أرى أنا وجريسل أن عليك أن تشرب.»

قال رولاند وهو يتناول منه الكأس: «شكرًا أيها الرفيق.» وأضاف: «والآن أيها الإخوة دعونا نشرب نَخبًا.»

هتف كورزبولد المخمور بصخب قائلًا: «رائع، رائع، رائع!» وتابع: «نَخب نجاح المهمة. هذا هو النخب بلا شك، أليس كذلك أيها القائد؟»

«ليس هذا فقط؛ فهناك إعلان آخر أود تقديمه في هذا النَّخب. فلنشرب في صحة جريسل الذي عينتُه نائبًا لي هذا الصباح. ودعوني أخبركم أننا إذا تصرَّفنا جميعًا بأسلوب مُشرِّف وبكفاءة مثله فإن مخططنا سيُكتب له النجاح.»

حينئذٍ وضع جريسل الذي كان جالسًا على طاولة رأسه بين يديه. وأدرك مصير النصيحة التي قدَّمها، وعلى الفور أصبحت الجماعة أمام تحدٍّ جديد. وظن الآن أن رولاند قد اتَّخذ قراره، رغم كل شيء، بالعودة إلى فرانكفورت، بالمال أو بدونه. وحتى إن كان يَنوي السير باتجاه الراين، فربما سيقع الأسوأ؛ فقد بدا واضحًا أنه عازم على الحكم أو الخراب. وفورًا رحَّب كورزبولد بهذا التحدي. فهبَّ واقفًا وهو يترنح في جميع الاتجاهات، ويُجاهد للوقوف باستقامة بالإمساك بطرف الطاولة التي كان يجلس عليها.

وصاح قائلًا: «توقفوا! توقفوا!» وأضاف: «لا أحد يشرب في صحة هذا النَّخب. تمهلوا، تمهلوا جميعًا! كل شيء بأوانه. إن كنَّا نمتلك حق انتخاب قائدنا كما فعلنا أسفل الصليب المتوَّج بالدِّيك عند الجسر القديم، فإننا نملك الحق لانتخابِ مَن ينوبه! هذ أمرٌ من حق الجماعة أن تُقرِّره، وما يقوله هو اغتصاب للسلطة من جانبه.»

صاح إبرهارد بعنف: «اجلس أيها الأحمق!» وأردف: «إنك سكران. لم يكن الرئيس ليختار مَن هو أفضل منه. ما رأيكم يا رفاق؟»

هتف الجميع مُبدين موافقتهم، ومن بينهم الثلاثة الذين رافقوا كورزبولد.

«والآن أيها السادة لا حاجة للمزيد من اللغط. في نخب جريسل، النائب الجديد للرئيس.»

شرب الجميع النخب بحماس، كان جميعهم واقفين باستثناء كورزبولد الذي جلس على مقعده مُحدِثًا ضجة.

وصاح وهو يُلوِّح بيده قائلًا: «حسنًا!» وأضاف: «حسنًا! حسنًا! هذا ما قصدته بالضبط. جريسل رجل طيب وها قد اختارتْه الجماعة، إنه الشخص المناسب. وها أنا ذا أشرب نخبه. وسأشرب نخب أي شخص، سأفعل!»

وأمسك بكأس النبيذ ليرتشفه من جديد، ولكنه قلبه، وصاح بصوتٍ عالٍ مناديًا على مالك الحانة ليجلب له المزيد.

قال رولاند بلهجة حاسمة: «والآن يا رفاق فلنَصطف. فأمامنا مسيرة طويلة في انتظارنا. هلمَّ يا جريسل علينا أن نتقدم الجمع؛ فأنا أود أن أطلعك على مسئولياتك.»

لقد كان بالأحرى موكبًا عشوائيًّا ذاك الذي غادر هوكست.

بدأ رولاند بالحديث بينما يسير بجوار جريسل، قائلًا: «ربما يجدر بي توضيح السبب وراء عدم عملي بالنصيحة التي حثَثتني عليها هذا الصباح بشدة بشأن تعيين نائبٍ لي. في الحقيقة وددتُ أن أُلقِّنَك درسًا، ولم أستطِع منْع نفسي من أن أثبت لك أن الأزمة تَختفي حين نواجهها فورًا وبحزم، بينما إذا حاولنا التوصُّل لحلٍّ وسط بشأنها؛ فهناك خطر أن ينفلت زمام الأمور من بين أيدينا.»

«أُقرُّ بذلك. لقد نجحت أيها القائد في ذلك للتو، والسبب يعود لرجاحة عقل معظم أفراد جماعتنا ويَقظتهم هذا الصباح. ولكن انتظر حتى يأتيَ الليل، بعد عدة كئوس من النبيذ، فإن حاولت الحصول على دعمهم حينها، فالأرجح أنك ستفشل.»

«ولكنهم لن يشربوا هذه الليلة.»

«كيف يُمكنك أن تمنعهم من الشرب؟»

أجابه رولاند ضاحكًا: «انتظر وسترى.»

وصلوا إلى مُفترق طرق بحلول هذا الوقت، وكان هناك طريق يتجه إلى الجنوب الغربي بينما الآخر يمتد غربًا في خطٍّ مستقيم. كان الطريق الأيسر بلا شكٍّ أفضل طريق؛ فليس عليهم سوى اتباع مجرى رافد ماين وصولًا إلى نهر الراين. إلا أن رولاند اختار الطريق الأيمن.

قال له نائبه: «ظننتُ أنك كنت تنوي السير بمحاذاة النهر.»

أجابه رولاند، دون مزيد من التوضيح: «لقد غيرتُ رأيي.»

في البداية كان كورزبولد عازمًا على تقدُّم الرَّكْب. كان سيُظهر لرفاقه بأنه لم يكن ثملًا، ويدفعهم لاتِّباعه، ولكن لم تُطاوعه ساقاه العنيدتان على تنفيذ قراره المُمتاز هذا، وبدأ بالتقهقر تدريجيًّا حتى تخلَّف في المؤخرة. وحين علت الشمس أكثر، وازدادت حرارتها، فضحته خطاه، وقَبِل دون اعتراض مساعدة اثنين من رفاقه اللذين رافقاه للشرب في هوكست. وسيطرت عليه حالة من الكآبة والتجهُّم عندما انقضت الحماسة التي أثارها النبيذ. وبعد ذلك بقليل رغب في الاستلقاء على جانب الطريق وسمح للبقية القاسية الناكرة للجميل باستكمال طريقهم دونه، ولكن شجَّعه رفاقه على بذل المزيد من الجهد، ونجحوا بنحوٍ ما في جرِّه في مؤخِّرة الموكب.

وعندما اقتربوا من قرية زيلسهايم، طلب رولاند من نائبه إبلاغ السائرين أنهم لن يتوقفوا قبل وقت وجبة منتصف النهار.

تَبعُد زيلسهايم عن هوكست أكثر من فرسخ، واستطاع كورزبولد أن يظلَّ مُستيقظًا ليؤكد لنفسه أن المسافة كانت تستحق كأسًا أخرى، إلا أن رفاقه واجهوا صعوبة في جرِّه عبر تلك المنازل التي علَّقَت علامة حانة على أبوابها. وفي البلدة الأكبر هوفهايم، التي تبعُد خمسة فراسخ عن فرانكفورت، استقبل أفراد المَوكب الأمر ذاته، وحينئذٍ كان هناك بعض التذمر؛ لأن النهار أصبح شديد الحرارة، وكان الطريق شاقًّا للغاية في كل مكان.

رغم الاستعداد البدني الجيد لهؤلاء الرجال، فإنَّ المشيَ لم يكن أبدًا تدريبهم المعتاد. وكانت جبال تاونوس الخلابة، التي تُمثِّل اليوم ساحةً تدريبية مليئة بالبهجة للسيارة، وتُعدُّ عمليًّا إحدى ضواحي فرانكفورت، في ذلك الوقت برِّيةً غير مُستكشَفَة، غاباتها كانت وكرًا لقُطاع الطُّرُق الهائمين؛ حيث لم يكن لرجلٍ أن يَجرُؤ على المغامرة بدخولها دون المخاطرة بحياته. وكان رجل العصور الوسطى لا يجرؤ على الابتعاد عن حدود المدينة إلا نادِرًا، وها هم أولاء لصوصنا المُغامِرون، الذين يبدو عليهم ملامح القوة الكافية التي تُؤهِّلهم لتحمل التعب الشديد، ثبت أنهم لا يَقوون على تحمُّل حرارة الشمس الحارقة طول الطريق العديم الظلال، وبحلول وقت وصولهم بريكنهايم، التي تبعُد عن فرانكفورت بالكاد ستة فراسخ، بدءوا بمسح العَرق من فوق جباههم وساد شعور عام بأنهم لا يُمكنهم التحمُّل أكثر من ذلك.

وفي بريكنهايم دعا رولاند إلى التوقُّف لتناول وجبة منتصف اليوم، وكان مُضطرًّا للانتظار قرابة النصف ساعة حتى يأتي آخرُ شريد من طاقمه الصغير من الطريق ويصل إلى المرج الأخضر أمام الحانة التي وقع عليها الاختيار لتكون موقع تناول الطعام. كانت المؤن الوحيدة المتوفِّرة هي الخبز الأسود ونوع من الجبن الريفي الخشن، ولكن كان لديهم إمداد وفير من هذه الأطعمة، إلى جانب الكثير من النبيذ الجيِّد وهو شيء مُهم بالنسبة لعابري الطريق المتعثِّرين؛ لأن بريكنهايم لا تزال على بُعد أكثر من فرسخ شمال هوخهايم الشهيرة.

أقبل المُتسكِّعون مَثنى وفُرادى، وبعضهم غاص في المقاعد التي أمام الحانة، وبعضهم استلقى ممددًا على العشب القصير، وعلى الفور غطَّ كورزبولد ورفاقه الثلاثة في النوم. لم يكن حتى رولاند ليَحلُم بقيادة عصابة أكثر بؤسًا وانصياعًا كتلك. فقد اختفت تمامًا أيُّ قدرة لهم على القتال، أو حتى الجدال. ولم يَكترثُوا بمكان وجودهم أو بما يقال لهم. وكلُّ ما كانوا يَرغبون به هو أن يُتركوا وشأنهم، حتى إنهم لم يظهروا أدنى اهتمام بإعداد وجبتهم المقتصِدة. وخفَّف حصول كلٌّ منهم على كوب من النبيذ من شعورهم بالوهن، إلا أن كورزبولد عبَّر عن مدى استيائه بالشتائم المشينة حتى وهو ينهض لشرب النبيذ. وقال إنه كان عازمًا على عيش حياة مُقتصِدة في المستقبل، لكنه لم ينجح في مَسعاه بعد أن نفدت مُخصَّصاته المالية بسبب طول وشدة هذا السَّفر الصعب.

اقترب جريسل من رئيسه.

وقال له: «ستُواجهنا بعض الصعوبة عندما يتعين علينا دفع ثَمن هذه الوجبة. أرى أن جميع هؤلاء الرجال مُفلسون بالفعل.»

أجابه رولاند قائلًا: «أخبرهم أنهم ليس عليهم القلق بهذا الشأن.» وتابع: «لقد سددت الفاتورة، وسأَحرص على ألا يَمُوتوا جوعًا أو عطشًا قبل أن نصل نهر الراين.»

تابع جريسل قائلًا: «أقترح أن يضع كلٌّ منا جميعَ الأموال التي بحوزته في صندوق وتتولى مسئولية هذا الصندوق لجنةٌ يُعيِّنها الرجال. فما رأيك في هذا الاقتراح؟»

«لا أجد ما أقوله. أرى أنه قد فات أوان هذا الاقتراح؛ فقد أصبحَت جيوب المشاركين فارغة.»

تابع جريسل قائلًا: «إنهم يعلمون بأن بعضَنا يمتلك المال، أنا على سبيل المثال، وهم يتمنون أن نتشاركه كما يجب أن يفعل الرفاق الجيدون، هذا ما قالوه على الأقل.»

«إنه قول يستحق الاحترام، ولكنِّي لا أوافِق عليه. ما مقدار المال الذي بحوزتك يا جريسل؟»

«الثلاثون تالرًا كما هي تقريبًا لم أمسسها، وإبرهارد يمتلك المبلغ نفسه تقريبًا.»

«حسنًا، الخمسون تالرًا ستبقى في أمان في جيبي، ولكن لن تدخل هذه العملات صندوق أيِّ لجنة قد يعيِّنها الرجال، وإن اختاروا لجنة فدعهم يُموِّلونها بأنفسهم.»

«سيُلاقى هذا القرار ببعض الاستياء، أيها القائد.»

«أظنُّ ذلك. مع ذلك، وكما تعلم، أنا مُستعدٌّ دائمًا لفعل أي شيء يترك أثرًا طيبًا في نفوسهم؛ لذا يُمكنك إخبارهم أنك وإبرهارد وأنا، ثلاثتنا سنُساهم في أموال الصندوق بمبلغ يُعادل المبلغ الذي سيجمعه الثمانية عشر رجلًا. فهذا البذخ من جانبنا لا بد أن يرضيهم.»

«لن يُرضيَهم أيها القائد؛ لأنه لا أحد من بين الثمانية عشر رجلًا يمتلك كرويتسرًا واحدًا.»

«حسنًا فليكن. هذا كل ما أستطيع فعله. عليك يا جريسل أن تُناشدهم أن يفكِّروا بعقلانية. فإذا شارك كل واحد من الثمانية عشر رجلًا بتالر واحد، فكلٌّ منا نحن الثلاثةَ سيُساهم بستة تالرات مقابل كل تالر يَدفعونه. اسألهم إن كانوا لا يرَون أننا نتعامل معهم بسخاء ونحن ندفع ستة أضعاف ما يدفعه أيٌّ منهم لتوفير رأس المال للجنة.»

«إنها القدرة وليسَت الرغبة ما يَفتقرون إليه، أيها القائد.»

«جوزيف، إنهم لا يتمتعون بأيِّ منطق. إنهم يُثرثرون بشأن الرفقة، وعندما يتعلق الأمر بممارسة السلطة يُطالبون بالمساواة. كيف إذن يدَّعون الإنصاف وهم يؤكدون نكرانهم لما نفعله عندما نعرض عليهم تحمُّل ستة أضعاف ما عليهم تحمله؟»

لم يُضِف نائب الرئيس المزيد، ولكنه غادر ليُعلن القرار للرجال، ويبدو أن تفكير القائد أخرس أيَّ مُعارَضة، أو أنهم كانوا متعبين للغاية بحيث لم يستطيعوا الدخول في جدال.

عند تقديم الخبز الأسود والجبن، وقدِرٍ أخرى من النبيذ، جلس الجميع وأكلوا بنهم. انتهت المأدبة، وكان لدى جريسل إعلانٌ ليُذيعَه على الرجال. أخبرهم أنهم أمامهم ساعة راحة قبل أن يَنطلقوا في طريقهم مرةً أخرى. وأخبرهم أن القائد هو الذي دفع ثَمن الوجبة والنبيذ، فلا داعيَ للقلق بشأن الحساب، ولكن إن رغب أحد في المزيد من النبيذ فعليه أن يتحمَّل ثَمنه بنفسه. ومع ذلك، فإنهم قبل مسيرةِ ما بعد الظهيرة سيحصلون أيضًا على كئوس من النبيذ على نفقة القائد. استقبل الرجال هذا الإعلان في صمت، وتمدَّد الرجال فوق العشب ليستفيدوا من ساعة الراحة أقصى استفادة. تجوَّل رولاند بمفرده ليتفحص القرية. وجلس نائب القائد وإبرهارد معًا عل طاولة يتحدثان بهمس.

قال إبرهارد: «حسنًا، ما رأيك في كلِّ ما يحدث؟»

أجابه جريسل قائلًا: «لا أعلم.» وأضاف: «إذا تمكَّن بارونات نهر الراين من رؤيتنا، وعلموا أننا ننوي مهاجمتهم، أتخيل أنني سأسمع صخب ضحكاتهم المدوية.»

قلَّد إبرهارد البارونات وضحك. لقد كان شخصًا مرحًا.

وقال: «لا أشك في ذلك؛ ولكن من منطلق الحديث عن التوقعات، ما رأيك في القائد؟»

«لا شأن لي في هذا أيضًا. ففي هذا الصباح حاولت جاهدًا أن أُقدِّم له نصيحة جيدة. وطلبتُ منه تعيين أحد الساخطين سواء كورزبولد أو جينسبين ليكون نائبًا له بدلًا مني؛ لأنني ظننتُ أنه إذا ألقى على عاتقَيهما قدْرًا من المسئولية، فإن هذا سيقينا النقد قليلًا.»

أشار إبرهارد قائلًا: «تبدو لي هذه الفكرة صائبة للغاية.»

«حسنًا، لقد رأيت كيف تجاهَل هذه النصيحة على الفور، ولكن رغم كل هذا أرى أنه قد يَمتلك حِكمة تفوق ظنوني. انظر كيف اتَّخذني دِرعًا. فهو لا يُعطي الرجال أي أوامر بنفسه، فقط يأمرني بتمريرِ ما يُريده بشأن هذا الأمر أو ذاك. يبدو أنه مُصمِّم على القيادة بطريقته الخاصة، ورغم ذلك فهو حريص على ألا يتسبَّب في نزاع شخصي بينه وبين أتباعه.»

«هل تظن أن هذا جبن منه؟»

«لا؛ إنه ليس بجبان. إنه ينوي بلا شك أن أتحمَّل أنا وطأة أي غضب من جانب الرجال. وفي حال نشوب عصيان سيبدو الأمر وكأنهم يعصُون أوامري أنا وليس أوامره. فإن لم يكن الأمر ذا أهمية بطريقة أو بأخرى، فلا أظن أنه سيتدخَّل، لكني أعتقد أنه عندما تصل الأمور لنقطة حرجة، فإنه سُيطيح بي جانبًا كما لو أنني ريشة في مهبِّ الريح، وسيُواجه الرجال بنفسه مهما كانت العواقب. هذا الصباح ظننت أنهم سيفوزون في وضعٍ كهذا ولكنَّني لستُ واثقًا الآن. أرأيت كيف أعلن تعييني على الملأ، وهو ينتظر منك بالطبع مساعدته. أخبرني، عندما كنا وحدنا بجانب البرج، أنك الرجل الأكثر رجاحة في العقل من بينِهم، ومن الواضح أنه استغلَّ هذا الأمر، ولم يمنحهم لحظة للتفكير، وأنت دعمته في ذلك. لقد حقَّق مقصده، ومنذ ذلك الحين لم يوجِّه لهم كلمة واحدة، وكل الأوامر يُمرِّرها من خلالي، لكنني كنت أعلم أنه ينوي أن يسلك طريق النهر، كما أخبرك، لكنه قادنا عبر منطقة التلال هذه بدلًا من ذلك حتى أصبح جميع الرجال على وشك السقوط. أما هو فقد ادَّخر النبيذ ولم يتناوله، وهو الآن في حالة جيدة. أُدرك جيدًا أنه اجتاز ضفتَي نهر الراين، من إيرنفيلس إلى بون؛ لذا فإن هذه المسيرة لا تعني له شيئًا. وفي نهايتها سيَشعُر وكأنه خرج في نزهة، أما هؤلاء الرجال فيرقدون على الأرض كالموتى الراقدين تحت التراب.»

قال إبرهارد وهو مُستغرق في أفكاره: «أنا لا يُمكنني فهمه.» وتابع: «ما تعليمه؟ يبدو أنه تلقى تعليمًا جيدًا، ولكنِّي أجده جاهلًا ببعض الأمور العامة وكأنه طفل؛ فهو على سبيل المثال، لا يعرف الفرق بين مكانة الحِرَفي الماهر والتاجر الذي يَحترف المساومة! كيف كانت تنشئتُه؟ من الواضح أنه ليس من طبقة التجار، ومع ذلك نجح في إقناع رئيس التجار، الرجل الأكثر تحفُّظًا، بالانخراط في تلك المغامَرة الجامحة والمخاطرة بماله وبضائعه لدعمه. هذه المهمة ستُكلِّف السيد جوبل ما لا يقل عن خمسة آلاف تالر، كل هذا إرضاءً لشابٍّ أتاه من الشارع دون مقدمات. كما أنه ليس بحِرفي من أي نوع؛ إذ عندما انضم إلينا لم يكن يمتلك أيَّ مهارة سوى مهارته في الإمساك بقبضة السيف.»

رد جريسل: «لقد قال إنه مُعلِّم فنون المبارزة بالسيف.»

«أعلم أنه قال ذلك، ولكن عندما عرضنا عليه أجرًا مقابل تعليمه لنا، تجاهل الأمر. والهمُّ الأول لمُعلم المبارزة هو جمْع الأموال، شأنه شأننا. ولكن من الواضح أن الأموال لا تحظى باهتمام رولاند، وفي النهاية علَّمَنا دون مقابل. ومعلمو المبارزة لا يشجِّعون على مهمات القرصنة، بالإضافة إلى أنهم يتمتَّعون دائمًا باللباقة والأدب، ويتأدَّبُون مع الجميع. في بعض الأحيان أخذت أراقب رولاند عن كثب، محاولًا دراسة شخصيته، وفي أثناء مُحاولتي ضبطته وهو ينظر إلينا بازدراء في بعض الأحيان، وأقسم لك أنني حينها كنت أشعر بإحراج شديد. أتعلم، يا جريسل، هذا الشاب يتمتع بالصفات المعتادة التي يتحلَّى بها النبلاء أكثر من الصفات التي يتمتع بها أي تاجر؟»

اعترف جريسل قائلًا: «إنه أشبه بلغزٍ بالنِّسبة إلي، وإن لم تفشل هذه الرحلة في بدايتها فأنا لست واثقًا من إتمامها بنجاح.»

لاحظ جريسل نظرة تحذيرية في عينَي إبرهارد، فألقى نظرة خلفه ليجد رولاند واقفًا وراءه. قال الشاب بهدوء:

«إنها لم تَفشل في بدايتها؛ لأننا بالفعل على بُعد أكثر من خمسة فراسخ من فرانكفورت. ولا بد أن ينجح مسعانا؛ فأنا محظوظ بوجود مُستشارَين حكيمَين مثلكما جالسَين أمامي.»

لم يردَّ أيٌّ من الرجلين. وكان كلاهما يتساءل عن مقدار ما سمعه قائدهم. وجلس على المقعد بجوار إبرهارد وقال له:

«أتمنى أن تتصرَّف وكأنك نائبي الثاني. وإن وقع لي أيُّ مكروه، فسيأخذ جريسل مكاني، وعليكَ أنت أن تأخذ مكانه. بالمناسبة هذا تعيينٌ وليس انتخابًا. ولن أعرض الأمر على العصبة. ببساطة ليس عليك سوى التصرُّف كنائب ثانٍ، وهذا كلُّ ما في الأمر.»

أجابه إبرهارد قائلًا: «حسنًا، أيها القائد.»

«جريسل، كم لديك من أموال؟»

«ثلاثون تالرًا.»

«يا لك من رجل مُقتصِد! هل ستُقرضني هذا المبلغ حتى نصل إلى أسمانسهاوزن؟»

«بالطبع.» وأخرج جريسل محفظته وأفرغ الأموال، وتولَّى رولاند مسئوليتها.

«ماذا عنك يا إبرهارد؟ كم تمتلك من الأموال؟»

«أنا أمتلك خمسة وعشرين تالرًا.»

«هل يُمكنني اقتراضهم منك أيضًا؟»

«أوه، أجل.»

تابع الشاب حديثه وهو يأخذ الأموال: «كنتُ أُفكِّر أنَّ فكرة هذه اللجنة المكونة من عدة رجال لها مزاياها الخاصة؛ لذا فقد شكَّلتُ أنا اللجنة، بالتعيين وليس بالانتخاب، وسأتولَّى صرف الأموال. كم المبلغ الذي يمتلكه رجالنا؟»

«ولا كرويتسر واحد، حسب معلوماتي.»

«حسنًا، في هذه الحالة لن تُجديَ مُحاوَلتي في جمع المال منهم. والآن كما كنت أقول يا جريسل، إن حدث أي شيء لي، فعليكَ أنت استكمال تنفيذ الخطة في ضوء الخطوط التي وضعتُها. أول شيء بالطبع هو الوصول إلى أسمانسهاوزن.»

تجرَّأ جريسل على الحديث قائلًا: «لا يمكن أن يحدث لك شيء قبل أن نصل إلى هناك.»

«لستُ واثقًا من ذلك. الشمس في أوجها اليوم، وإن أصابتني ضربتها، اتركني مستلقيًا حيث أنا، ولا تَسمح لأيِّ شيء بمقاطعة المسيرة. وبمجرد وصولكم إلى أسمانسهاوزن، عليكما أنتما الاثنان أن تَحرصا على مراقبة النهر جيدًا. وعندما تلمحان السفينة، اجمعا الرجال وقُوداهم إليها. ستَنتظرنا السفينة على بُعد نحو نصف فرسخ شمال أسمانسهاوزن.»

تناقَش الثلاثة حتى انقضت الساعة، ثم ألقى رولاند عباءته على ذراعه، ووقف ثم قال لنائبه:

«مِن فضلك تولَّى مهمة إيقاظ الرجال؛ وأنت يا إبرهارد أخبر مالك الحانة أن يعطي كلَّ فرد إبريقًا من النبيذ. سنَسلُك الطريق إلى فيسبادن. سأسير ببطء في المقدمة، حتى تتمكَّن أنت والرفاق من اللَّحاق بي.»

وهنا، ابتعد القائد الشاب وهو يسير مُتمهلًا بلا اكتراث، تاركًا المهمة الشاقة لمرءوسيه والمتمثِّلة في إعادة الرجال المتعَبين إلى عملهم مرةً أخرى. بدت علامات الضيق على جريسل بينما ضحك إبرهارد.

وعلى بُعد مسافة قصيرة شرقَ فيسبادن انحرف القائد بجماعته عن الطريق، وبهذا عبروا باتجاه يسار فيسبادن، ووصلوا إلى قرية سونينبرج. توقَّفت الجماعة المتعثرة عن السير فترةً وجيزة لحين شراء المُؤَن اللازمة، وحمل كلُّ رجل نصيبه، الذي يكفيه بالكاد لتناول العشاء والإفطار، وحصلوا على كمية من النبيذ ليستمتع كلٌّ منهم بحوالي لتر ونصف، وهي كمية وافرة تكفي لإرواء العطش ولكنَّها لا تصل إلى حد الإسراف.

تذمَّر الرِّفاق عندما أُجبروا على مغادرة سونينبرج. فكانوا يأملون قضاء الليلة في فيسبادن، وأفصحوا بصوتٍ عالٍ عن رضاهم عن المسافة التي قطعوها من البلاد حتى الآن. لم يتفوَّه قائدهم بكلمة، وإنما ترك جريسل وإبرهارد يتعاملون معهم. ودفع هو ثمَنَ المُؤَن والنبيذ، ثم أرخى عباءته الفضفاضة فوق ذراعِه وانطلق باتجاه الغرب وكأن شمس المغيب هي وجهتَه. تبعه البقية ببطء، وعلا وجوهَهم تجهُّم شديد. فقد كانوا في بلاد برية غير معروفة لأيٍّ منهم. وصارت التلال أكثرَ ارتفاعًا وانحدارًا، حتى إنه لم يكن هناك طريق ممهَّد ليتبعوه، لكن رولاند، الذي يبدو أنه كان يعرف طريقه، سار بثبات إلى الأمام متقدمًا حتى على نائبيه. علت سحابة من الغيوم شرقًا، وأعقبت حرارة النهار عاصفة رعدية مدوية أعلى جبال تاونوس، وصحبَها وابل من الأمطار على ما يبدو، ورغم ذلك لم يتخلف أيٌّ منهم عن المسيرة.

عندما وصل القائد برفاقه إلى وادي ولوف الذي يقع على بُعد حوالي فرسخين ونصف من سونينبرج، كانت الشمس قد غابت. وهناك وجد الرجال أنفسهم وسط برِّية يجري خلالها تيار صاخب. وأعلن رولاند بأن هذا سيكون مكان تخييمهم الليلة. وفي الحال علَت صيحات المعارضة. فكيف لهم أن يُخيِّموا دون خيام؟ كانت هناك أمطار غزيرة وشيكة. وبالنظر إلى أصوات الرعد، كانت ستحدث سيول عارمة.

قال لهم رولاند: «ليلتفَّ كلٌّ منكم في عباءته، وناموا تحت الأشجار. لقد فعلت ذلك كثيرًا، وسأُكرِّر ذلك الليلة. وإن لم تتعبوا بالقدْر الذي يدفعكُم للانخراط في سبات عميق، فسأكون سعيدًا لقيادتكم عدة فراسخ أخرى.»

تجمَّع الرِّجال في حلقة وأجرَوا جلسة استشارية بتجهُّم وصوت خفيض. وقرروا سريعًا العودة إلى سونينبرج، وهو القرار الذي أجمعوا عليه من قبل ولم يكن يجدر بهم التخلي عنه. فجميعهم أبناء مدن، ولم يقضوا ليلةً في حياتهم دون سقف يعلو رءوسهم، وكان رضاهم بالأماكن التي اقترحها قائدهم للمبيت أشبه برميهم بعيدًا في جزيرة صحراوية. لقد أذهلهم غُموض الغابة. ولم يسعْهم سوى التفكير بأن الغابة مليئة بالحيوانات البرِّية، وأنه في مكان قريب يَختبئ المجرمون الذين لا يقلون وحشية عن الحيوانات. تحرَّك الرجال الثمانية عشر باتجاه قائدهم الجالس على ضفة المجرى المائي وتتدلى قدماه في زبد الماء، مُتجاهلين جريسل وإبرهارد الواقفَين في جانب يُراقبان تشاورهم بملامح قلقة.

قال قائد الاجتماع السرِّي: «لقد قرَّرنا العودة إلى سونينبرج.»

وافقه رولاند بابتهاج قائلًا: «قرار مُمتاز.» وأضاف: «إنها قرية جميلة وقد مررت بها عدة مرات. ولكن بالمناسبة، فيسبادن أكبر بكثير وتُعدُّ خيارًا أفضل للرجال المتعبين؛ فهي أقرب بنصف فرسخ.»

بدا المُتحدِّث مُندهِشًا من لهجة رولاند غير المبالية.

«ولكننا لا نعرف الطريق إلى فيسبادن، وفي الواقع لسْنا واثقين إذا ما كنا سنهتدي طريقنا للوصول إلى سونينبرج مع حلول الظلام أم لا.»

«حسنًا لو كنتُ مكانكم لما غامرت بالمحاولة. فلمَ لا تأكلون عشاءكم وتشربون نبيذكم داخل حمى هذا البستان؟»

احتجَّ المتحدِّث قائلًا: «ولكن بحلول هذا الوقت سيحل الظلام وسيكون المكان أشبه بالعالم السُّفلي.»

«حسنًا، فلتبقوا هنا الليلة كما اقترحت.»

«لا؛ إننا مُصمِّمون على الوصول إلى سونينبرج. فالعاصفة وشيكة.»

«في هذه الحالة أيها السادة، لا تجعلوني أُعيق تقدمكم. فالظلام سيزداد حلكة بينما أنتم تُضيِّعُون وقتكم في الحديث.»

«حسنًا، هذا رائع، ولكنَّنا عندما نصل إلى سونينبرج سنحتاج إلى المال.»

«أجل هذا صحيح.»

«لذا فإننا نحتاج إلى تدبير هذا المال.»

«هذا صحيح تمامًا.»

«إذن، إننا نطلب منك أن تُعطينا ثلاثة تالرات لكل رجل منا.»

«أوه، هل تطلبون المال مني؟»

«أجل، إننا نطلبه منك.»

«ولكن هذا سيتطلَّب إعطاءكم كلَّ الأموال التي بحوزتي.»

«لا يُهم. إننا عازمون على أخذها.»

«هل تَقصِد أنكم ستأخذونها منِّي بالقوة؟»

«أجل.»

«حسنًا، إذا كان الأمر كذلك، فربما من الأفضل لي أن أعطيَها لكم عن طيب خاطر، أليس كذلك؟»

«أظن ذلك.»

«أنا أتَّفق معك تمامًا. إنكم ثمانية عشر رجلًا، وجميعكم مسلَّحون بالسيوف، بينما أنا لا أملك سوى سيفي.»

بعد أن قال هذا فكَّ عباءته التي كان يرتديها احتماء من برودة المساء القارصة، وفك من حزامه محفظةً مليئة بالنقود، ورفعها أمام أعينهم.

«بما أن هذه المحفظة مِلكي بلا مُنازع، فإنني أمتلك حرية التصرُّف فيها كما يحلو لي. لذا فأنا أختار أن أقذفها في هذا الجدول، الذي لا يكفُّ عن الصياح مثلكم تمامًا، إلا أن صوته موسيقي أكثر.»

صاح إبرهارد قائلًا: «توقَّف يا رولاند، توقف!» إلا أن تحذيره جاء بعد فوات الأوان. فقد ألقى الشاب بالمحفظة في الماء، واختفت وسط الزبد الكثيف. ونهض واستلَّ سيفه.

«إن كنتم ترغبون في القتال الآن، فسيكون حبًّا فيه؛ فلا يوجد أي مجال للحصول على مال.»

صاح المتحدِّث دون أن يُظهِر أيَّ نبرة عدوانية أخرى لأنه لن ينالَ شيئًا الآن سوى المبارزة بالسيف: «أقسم بالآلهة أنك أحمق ملعون!»

قال رولاند: «أجل، أنا أحمق!» وتابع: «لهذا فأنا أَفضلُ مَن يقودُ رجالًا مثلكم. والآن اذهبوا إلى سونينبرج، أو اذهبوا إلى الجحيم!»

لم يفعل الرجال أيًّا من هذا. وجلسوا تحت الأشجار وتناولوا عشاءهم وشربوا نبيذهم.

اقترب رولاند من نائبيه المتجهمين الواقفين صامتين على مسافة قصيرة من الحلقة التي شكَّلها بقية الرجال، وسألهما قائلًا: «هل ستتناولان العشاء معي؟»

أجابه جريسل بتجهُّم قائلًا: «أجل، ولكني كنت سأسعد أكثر بتناول العشاء معك لو لم تُثبِت صحة كلام هذا الرجل.»

«هل تَقصد أنني أحمق؟ أوه، أنت نفسك فعلت مثله ونعتني بالأحمق هذا الصباح. هيا بنا لنجلس أبعد قليلًا على مجرى الجدول، بحيث لا يُمكنهم سماع ما نقوله.»

وعندما فعلوا ذلك، تابع رولاند حديثه بابتهاج قائلًا:

«دعوني أوضح لكم أنني قبل أسبوع مضى لم أكن أمتلك سوى محفظتي الخاصة، لكن قبل مُغادرتي في هذه الرحلة زرتُ والدتي وقدَّمت لي صرة نقود. ولكنني خلال وجبة منتصَف النهار توقَّعتُ أنهم سيُطالبوننا بالمال؛ لهذا اقترضتُ منكما كلَّ ما تملكونه. وعندما سرت في المقدمة، استعددتُ لما توقعتُ أنه لا مفرَّ من حدوثه، فملأت المحفظة الصغيرة الفارغة بحصًى صغيرة جدًّا جمعتها طوال الطريق. وهي الحافظة هي التي ألقيت محتوياتها بمجرى الماء. كم من المدهش قُدرة العقل البشري على القيام باستنتاجات متسرِّعة! كيف يظنُّ أيٌّ منكما أنني بهذا الغباء لأُلقيَ هذا المبلغ المهم من المال؟ يا صديقيَّ، هذا عالَم لا يُمكنكما الوثوق فيه بكل شيء!»

بعد نصف ساعة كان الجميع مُستلقين مُلتحفِين بعباءتهم، ينامون في هدوء بسبب تعبهم، رغم كونهم في الهواء الطلق. وفي صباح اليوم التالي ساد خوف حقيقي أو مزعوم في المعسكر بأكمله. فلم يكن رولاند موجودًا في أيِّ مكان، ولم يكشف المزيد من البحث عن مكان وجوده.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤