الرفيقة

أول نظرة

هي الدقيقة الفاصلة بين نشوة الحياة ويقظتها، هي الشعلة الأولى التي تنير خلايا النفس، هي أول رنَّة سحرية على أول وتر من قيثارة القلب البشري، هي آونة قصيرة تعيد على مسمع النفس أخبار الأيام الغابرة، وتكشف لبصرها أعمال الليالي، وتبين لبصيرتها أعمال الوجدان في هذا العالم، وتتيح سر الخلود في العالم الآتي، هي نواه تطرحها عشتروت١ من العلاء، فتلقيها العيون في حقل القلب فتستنبتها العواطف ثم تستثمرها النفس، أول نظرة من الرفيقة تشابه الروح الذي يرف على وجه القمر ومنه انبثقت السماء والأرض، أول نظرة من شريكة الحياة تحاكي قول الله «كن».

أول قبلة

هي الرشفة الأولى من كأس ملأتها الآلهة من كوثر الحب، هي الحد بين شك يراود القلب فيحزنه ويقين فيغبطه، هي مطلع قصيدة الحياة الروحية والفصل الأول من رواية الإنسان المعنوي، هي عروة توثق غرابة الماضي ببهاء الآتي وتجمع بين سكينة الشواعر وأغانيها، هي كلمة تقولها الشفاه الأربع معلنة صيرورة القلب عرشًا، والحب مليكًا، والوفاء تاجًا، هي ملامسة لطيفة تحاكي مرور أنامل النسيم على ثغر زهرة الورد حاملة معها تنهدًا مستطيلًا لذيذًا وأنَّة خفية عذبة، هي بدء اهتزازات سحرية تفصل المحبين عن عالم المقاييس والكمية إلى عالم الوحي والأحلام، هي ضم زهرة الشقيق إلى زهرة الجُلَّنَارِ ومزج أنفاسهما لتوليد نفس ثالث، وإذا كانت النظرة الأولى تشابه نواة ألقتها إلهة الحب في حقل القلب البشري فالقبلة الأولى تحاكي أول زهرة في أطراف أول غصن في شجرة الحياة.

القران

ها هنا يبتدئ الحب أن ينظم نثر الحياة وينشئ من معانى العمر سُوَرًا ترتلها الأيام وتنغمها الليالي، ها هنا يزيح الشوق ستائر الأشكال عن معميات السنين الماضية، ويؤلِّف من نتف اللذات سعادة لا يفوقها غير سعادة النفس عندما تعانق ربها، القران هو اتحاد ألوهيتين على إيجاد ألوهية ثالثة على الأرض، هو تكاتف اثنين قويين بحبهما لمقاومة دهر ضعيف ببغضه، هو تمازج خمرة صفراء برحيق قرمزي لتوليد شراب برتقالي٢ يحاكي لون الشفق عند مجيء الفجر، هو تنافر روحين من التنافر، واتحاد نفسين مع الاتحاد، هو حلقة ذهبية من سلسلةٍ أولُها نظرة وآخرها اللانهاية، هو انهمال غيث نقي من سماء طاهرة نحو طبيعة مقدسة لاستخراج قوي حقول مباركة، فإذا كانت النظرة الأولى من وجه المحبوبة مثل نواة ألقتها المحبة في حقل القلب، والقبلة الأولى من شفتيها تشابه أول زهرة في غصن الحياة، فالقران بها يحاكي أول ثمرة من أول زهرة من أول نواة.
١  عشتروت إلهة الحب والجمال عند قدماء سكان فينيقيا ولبنان، وهي التي يدعوها اليونان أفروديت والرومان فينوس.
٢  اللون البرتقالي يتولد كيماويًّا من الأحمر والأصفر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤