مقدمة ومنهج

ليس التاريخ، مهما كان موضوعه: رجلًا أو دولة أو فنًّا أو علمًا، إلا صنعة شخص أو أشخاص في إطارٍ من الزمن؛ فما من حدث من أحداث التاريخ إلا كان من ورائه شخص أو أشخاص، وما من دولة قامت أو سقطت إلا كان ذلك نتيجة عمل شخص أو أشخاص، وما من نظام زال ليحل مكانه نظام آخر إلا كان ذلك ثمرة أعمال رجال كانوا هم العامل الأول فيه، وهكذا إلى سائر الموضوعات والجوانب التي يتناولها التاريخ والمؤرخون.

ومن ثَمَّ، كانت الأهمية البالغة للتراجم والمترجمين؛ لأن هذه التراجم هي التي تفسر التاريخ تفسيرًا صحيحًا، وهي التي تعين على فهمه حقًّا، وهي أولًا وأخيرًا التي تبعث فيه الحياة، ما دام التاريخ ليس إلا وصفًا صادقًا لسير هذه الحياة بما تشمل من كائنات.

ومن ثَمَّ أيضًا، كانت دقة المؤرخ أو المترجم، وكان عمله يقتضيه حذرًا بالغًا يقيه الوقوع في الخطأ، واعتماد كل ما يقع لديه من أقاصيص ومأثورات تتناول من يترجمه من هذه الناحية أو تلك.

كما تقتضيه بذل الجهد في فهم مَن يترجم له من كل نواحيه، بما في ذلك النواحي العقلية والنفسية والأخلاقية وما يتصل بها، والبصر بالعصر الذي نشأ فيه، والبيئة التي تقلَّب في أرجائها، والعوامل التي تأدَّت به إلى ما عُرف به من أفكار وآراء تتمثل في المذهب الذي أُثِر عنه، والآثار التي كانت لهذا المذهب.

من أجل ذلك كله، رأينا أن نسير في هذا البحث طبقًا لهذا النهج الذي نوجزه في هذه البحوث أو الفصول:
  • (١)

    دراسة العصر الذي عاش فيه.

  • (٢)

    دراسته باعتباره إنسانًا منذ نشأ حتى صار صاحب مذهب أصبح خالدًا في الفقه.

  • (٣)

    دراسة طريقته وفقهه.

  • (٤)

    نزعاته أو اتجاهاته الفقهية، وبخاصة الإنسانية منها.

  • (٥)

    صور من الخلاف بينه وبين الفقهاء الآخرين.

  • (٦)

    وأخيرًا، أثره ومآل مذهبه.

وفي كل هذه المباحث لن نألو — بفضل الله تعالى ومشيئته — جهدًا في استقراء المراجع الأصلية، وتحرِّي الأمارات والقرائن والدلائل، للوصول منها جميعًا إلى الحقائق التي لا شك فيها، وسنحاول أن نكون منصفين طالبين الحق وحده، والله يهدي إلى سواء السبيل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠