الحزام الطائر

نيويورك، ٢٧ ديسمبر ١٩٦٨؛ جُرِّب المحرِّك التفاعلي الكون-ذري، الذي اخترعه البروفيسور الشهير بيير ليمينتور من جامعة السوربون في باريس — وجرى تحسينه مؤخرًا — في حرم جامعة كولومبيا بالأمس. ألقى ليمينتور خطابًا أمام خمسة وثمانين عالمًا وفيزيائيًّا مختارين بعناية في «قاعة الفلسفة» قبل التجربة العملية لاختراعه مباشرة.

تحدَّث ليمينتور بالتفصيل عن التقدُّم الكبير في مجال علم الذرة في السنوات الأخيرة، وخاصةً الربط الناجح بين القُوى الكونية والذرية، وهو اكتشافه الذي نال شهرةً واسعة. قبل عام ١٩٦٠، كان من المستحيل تسخيرُ واستغلالُ طاقةِ الانفجارات الذرية واستخدامُ القُوى الذرية الجبَّارة لأغراضِ الطاقة، فيما عدا المُفاعل الذري المُزعِج وغير الفعَّال الذي يُصدِر إشعاعاتٍ خطيرة، والذي صار الآن عتيقَ الطراز. أما مولِّد الموجات الكونية الخاص به، والمقترن بمحرك قياسي سريع مفتِّتٍ للذرات، فقد غيَّرَ فكرتنا عن الطاقة بشكلٍ كامل. كان الدمج بين المحرِّكَيْن يؤدِّي وظيفتَيْن جديدتَين مهمَّتين؛ أولًا: كان المحرِّك الكوني الذي يعمل بقوةِ عشرين مليارَ إلكترون فولت يُحوِّل طاقته الأساسية إلى كموم؛ أي كتلة. وهذا بدوره يمتصُّ أشعة جاما الصادرة عن المُحرِّك الذري بشكلٍ تامٍّ ويُبطِل عملها؛ وبذلك، ولأول مرة، يقضي على كلِّ الإشعاع الضارِّ الصادر من المفاعلات الذرية.

ويرى البروفيسور ليمينتور أن هناك العديدَ من التطبيقات العملية لاكتشافه في كل المجالات الممكنة، مثل: ساعات الجيب الذرية، ودراجات وسيارات وطائرات تعمل بالطاقة الذرية، وغير ذلك من الاستخدامات.

الحزام الطائر

في الرابعة من مساءِ أمسِ، استعرَضَ البروفيسور تطبيقًا جديدًا مثيرًا لاختراعه أمام العديد من العلماء الذين اجتمعوا من أركان العالم الأربعة.

كان الصحفيون والعلماء يقفون في حرمِ جامعة كولومبيا ليُشاهدوا الحزام الطائر الكون-ذري، هذا الاختراع الجديد والثوري؛ وهو عبارة عن جهازٍ يتكوَّن من محرِّكَيْن تفاعليَّيْن كون-ذريَّيْن مصغَّرَيْن، صُمِّما بحيث يُمكن ربْطُهما على ظهر الملَّاح الجوي بواسطة حزام خاص. المُحرِّكان مصنوعان من السيليكوتيتانيوم، وطولهما أقلُّ من قدَم، ويبلغ قُطْر كلٍّ منهما حوالي ست بوصات. وثمة أنبوبٌ من التيتانيوم يربط بينهما موثوقٌ بحزام إلى ظهر الملاح، ويوجد قلب المفاعل على ظهر الملاح مُثبتًا بالأنبوب الأفقي الذي يربط بين محرِّكَيِ المفاعل، وهو عبارة عن قالب دائري مصنوع من السيليكوتيتانيوم تُولَّد فيه الطاقة. القالب معزول على نحوٍ جيد بواسطة الأسبستوس الخلوي بحيث تقل الحرارة المفقودة إلى أقصى درجة مُمكنة. ويُمكن تدوير المحرِّكَيْن في دائرة كاملة، ويستطيع الملَّاح الجوي التحكُّمَ في هذه الحركة بواسطة عدة مقابض موجودة في لوحة التحكم المُثبتة أمامه؛ وحيث إنه يُمكن توجيه اندفاعِ المحرِّكَين في اتجاه أي درجةٍ على البوصلة، فإنه يُمكن لمَنْ يرتدي الحزام الطائر أن يتحرَّك في أيِّ اتجاهٍ يريده؛ إلى أعلى أو أسفل، أو شمالًا أو جنوبًا أو شرقًا أو غربًا.

والجهاز مزوَّد كذلك بهاتف لا سلكي مُصغَّر يعمل كمُرسِل ومستقبِل للموجات القصيرة. وثمة خريطةٌ أوتوماتيكية متصلة بلوحة التحكم المثبتة على صدر الملَّاح تتغير أثناء طيرانه ليعرف الطيار اتجاهه، وتُضاء هذه الخريطة ليلًا. أما الملَّاح فكان يَرتدي خوذةً بلاستيكية مفرَّغة ومصنوعة من طبقتَيْن، وبها كذلك مَخْرَج للأكسجين في حالةِ ارتفاعِ الملَّاح إلى ما يَزيد عن عشرة آلاف قدم. وكان يَرتدي بزَّةً عازِلةً تُشبه المستخدَمة في تسلُّق الجبال، مصنوعةً من مادة الثيرموبليكس لحمايته من درجات الحرارة المنخفضة التي تصل إلى سالب ٦٥ درجة فهرنهايت. وإذا دعَتِ الحاجةُ، يُمكن تسخينُ البزَّةِ من خلال أنبوبٍ صغيرٍ مَرِن يتصل بمُولِّد الطاقة.

أما المحرِّكان فقد كانا يُصدِران معًا قوةَ دفعٍ قصوى تبلغ ٥٥٠ حصانًا، ويمكنهما الميلُ بسرعةِ طيرانٍ تصل إلى ٤٧٥ ميلًا في الساعة، على ارتفاعٍ يصل إلى عشرة آلاف قدمٍ بأقل قدرٍ من الرياح.

رحلة الطيران

في الخامسة وأربعين دقيقة من مساء أمس، كان الدكتور فيلو هاريس الفيزيائي بجامعة كولومبيا، البالغُ من العمر اثنين وثلاثين عامًا، يستعِدُّ لإجراء تجربة عملية لحزامِ الطيران الكون-ذري. كان المسارُ التجريبي يمتد من نيويورك إلى فيلادلفيا، وهي مسافة تبلغ ٨٥ ميلًا، ثم العودة؛ مما يجعل المسافةَ ١٧٠ ميلًا إجمالًا.

في الخامسة وخمسٍ وأربعين دقيقة، اندفَعَ هاريس في الهواء بزاويةِ انحرافٍ طفيفة في اتجاه فيلادلفيا. انبعثَتْ من المحرِّكَيْن تياراتٌ كمومية يميل لونها للأحمر في عَرْضٍ مثيرٍ للطاقة؛ ومع ذلك أسرَعَ البروفيسور ليمينتور في توضيحِ أنَّ هذه التيارات الحمراء لا تُقارَن بما ينبعث من عوادِم الصواريخ؛ حيث إنها ليسَتْ شديدةَ السخونة، كما أنها ليسَتْ ألسنةً من اللهب. وفسَّرَ البروفيسور أن الصواريخ تستخدم الوقودَ أو الموادَّ الكيماوية التي تحترق؛ ما ينتج عنه غازاتٌ متوهِّجة ساخنة للغاية؛ أما المحرِّك الكون-ذري فيُنتِج قوتَه الدافعة بتحويلِ الطاقة الذرية الكهربائية إلى طاقةٍ كمية تتوهَّج بحرارةٍ معتدلة.

خلال الدقائق القليلة التالية، كان صوتُ هاريس يَصْدُر من السماعات المكبِّرة ليُعطينا وصفًا جاريًا لهذا التقدُّم السريع. طار بسرعةٍ فوق بايون ونيو برونزويك وترينتون، وفي الخامسة وستٍّ وخمسين دقيقة، أيْ بعد مرور إحدى عشرة دقيقة، كان يحلِّق فوق فيلادلفيا، حيث كانت هناك كشافاتٌ كبيرة تُتابِع رحلتَه، وكانت أضواؤها مسلَّطةً عليه. حلَّقَ برشاقةٍ فوق كامدن، ثم اتجه شمالًا إلى مدينته.

في تمام السادسة وست دقائق، ظهر هاريس مرةً أخرى فوق حرم جامعة كولومبيا، وهبط بخفةٍ في السادسة وست دقائق وخمسٍ وأربعين ثانيةً في البقعة نفسها التي صعد منها. كان إجمالي الوقت الذي انقضى في رحلةِ الذهاب والعودة إحدى وعشرين دقيقة وثلاثةَ أرباعِ دقيقة.

ومن المثير أن عمليتَيِ الصعود والهبوط لم تُصاحِبْهما أيُّ ضوضاء — هذا إذا قارنْتَ بين ضوضاءِ المحرِّك الكون-ذري وبين الطائرة النفَّاثة التقليدية. كان الصوت يشبه صوتَ تسرُّبِ الهواء من فوَّهةٍ في ضغطٍ مرتفعٍ نسبيًّا.

قال الدكتور هاريس بعد الهبوط: «لم أستخدم قوةَ الجهاز بالكامل في الرحلة. أعتقد أنه يمكن القيام بالرحلة في ١٨ دقيقةً بالتمام والكمال!»

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.