الفصل الرابع

في شعائر الإسلام وأحكامه

كمُلتْ شعائر الإسلام خلال السنوات العشر التي قضاها الرسول الكريم في دار الهجرة؛ فقد شرع منذ وصوله إليها في إقامة مسجده للقيام بشعائر الإسلام وتعليم المسلمين آداب الدين وتعاليمه، والقضاء بينهم فيما يقع بينهم من المشكلات الدينية والاجتماعية والاقتصادية والقضائية، والمشاورة في كل أمر يحزب بالمسلمين ويتعلق بجماعتهم، أو استقبال الوفود والرسل الذين يفدون على النبي ممثلين بلادهم أو مستنيرين بالهدي المحمدي، وفيما يلي بيان أجلِّ شعائر الإسلام:

(١) الأذان

أول شعيرة دينية نظمها الرسول في المدينة هي الأذان؛ فقد كان المسلمون يجتمعون للصلاة لا يناديهم إليه أحد، هم أنفسهم يعرفون المواعيد، ولكن لما كثروا وكثرت مشاكلهم تكلموا يومًا في حضرة الرسول في اتخاذ وسيلة لجمع المسلمين للصلاة، فاقترح بعضهم اتخاذ ناقوس النصارى، وقال الآخرون باتخاذ بوق — قرن — اليهود. ولكن لم يُعجب الرسول هذان الاقتراحان، فقال لبلال، وكان حسن الصوت جهوريًّا: قم فنادِ بالناس للصلاة. فكان بلال ينادي بالناس: الصلاة جامعة، الصلاة جامعة. وكان يصعد أطول بيت في المدينة فينادي الناس بذلك، إلى أن بُني المسجد النبوي فصار ينادي من فوقه.١ وقد اختلف الفقهاء والمؤرخون في الأذان المعروف كيف وُجد؛ فقال بعضهم: إنما جاء به الوحي إلى النبي. وقال آخرون: بل جاءت به رؤيا رآها عبد الله بن زيد بن ثعلبة الأنصاري؛ فقد رووا أنه: بينما كان بين اليقظان والنائم إذ رأى شخصًا يلقِّنه الأذان، فحفظه وأتى الرسول وقصَّ عليه الخبر، فقال له: إنها لرؤيا حق، ولقِّن ذلك بلالًا. فلما سمعه عمر ثاني يوم، قدم إلى النبي وهو يقول: والله لقد رأيت مثله يا رسول الله.٢

(٢) تحويل القبلة

كان الرسول يجعل قبلته منذ الإسلام إلى بيت المقدس، ولكنه كان يجعل الكعبة بينه وبين المقدس، وكان كثيرًا ما يقلِّب نظره في السماء ينتظر الوحي من عند ربه بتحويل القبلة إلى الكعبة. وقد ظل الرسول يصلي إلى بيت المقدس حتى شعبان من السنة الثانية للهجرة، واليهود يجادلونه بما يعلمون وما لا يعلمون، ويفتنون المسلمين ويتخذون من مسألة القبلة والتوجُّه إلى البيت المقدس وسيلة للمحاجَّة أو سبيلًا لإقناع الرسول في مماشاتهم في دينهم، فلعله يفعل وتصبح الجزيرة العربية كلها جزيرة يهودية؛ نظرًا لما كانوا يرونه من النبي من المداراة أول الأمر، فلما خابت أمانيهم ونزل قوله تعالى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (سورة البقرة: آية ١١٤)، فتحوَّل الرسول عن بيت المقدس إلى الكعبة، واطمأنت قلوب العرب بذلك، وانشرحت صدورهم لما للكعبة المقدسة في نفوسهم من مكانة في جاهليتهم وإسلاميتهم، وكل ذلك كان خذلًا لليهود وتهوينًا من شأنهم.

(٣) الصلاة

كانت شرائط الصلاة وأوقاتها وأنواعها وأحكامها مقررةً مفصَّلة في العهد المكي، ولم يحدث في العهد المدني تشريعٌ للصلاة سوى ما كان متعلقًا بصلاتَي الجمعة والخوف. أما الصلاة الجمعية فلم يعرف أن النبي كان يصليها في مكة، بل إنه أول ما صلَّاها في المدينة كما تؤيد لك آيات سورة الجمعة، المدنية (٧–٩): يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، على أن بعض الروايات والآثار تذكر أن الرسول كان يصلي بالمسلمين صلاة الجمعة في مكة منذ عهد مبكر، وأن الأنصار كانوا يجمعون قبل ذهاب الرسول إليهم. وأما صلاة الخوف فقد شُرعت حين أذن الله بالقتال بعد الهجرة، قال تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ (سورة النساء: ١٠١-١٠٢).

(٤) التطهير للصلاة

روى الفقهاء والمفسرون أن المسلمين كانوا يتطهرون من الحدثين الأصغر والأكبر للصلاة منذ العهد المكي، ولكن الآيات القرآنية المتضمنة لذلك هي آيتان مدنيتان في «سورة النساء (٤٣)، وفي سورة المائدة (٦)»، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا.

(٥) الصوم

فرض الله الصوم على المسلمين في السنين الأولى من العهد المدني، والمشهور أنه فُرض بعد تحويل القبلة بشهر؛ أي في الثالث من السنة الثالثة للهجرة، وقد تضمنت آيات سورة البقرة (١٨٣–١٨٧) بعض أحكامه، حيث يقول الله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.

(٦) الحج

هو من أقدم الشعائر التي كان العرب والمسلمون يفعلونها في الجاهلية والعهد المكي، وقد تضمن العهد المدني بيان المناسك وكيفية الأداء وكيفية الاعتمار والطواف، وغير ذلك من الآداب. انظر آيات سورة البقرة (١٥٨، ١٨٩، ١٩٦–٢٠٣) وسورة آل عمران (٩٦-٩٧)، وسورة المائدة (١-٢، ٩٤، ٩٧)، وسورة الحج (٢٥–٣٧)، وهي كلها آيات مدنية بيَّن فيها سبحانه آداب الحج وكيفيته وأحكامه وطقوسه.

(٧) الزكاة

كانت الزكاة مشروعة منذ العهد المكي، ولكن مواردها ومصارفها لم تنظَّم إلا في العهد المدني؛ فقد كانت الزكاة في العهد المكي نوعًا من الصدقة يعطيه المرء إلى الفقراء إحسانًا إليهم وتطهيرًا لماله، أما في هذا العهد فقد أضحت ضريبة رسمية يجب إعطاؤها ودفعها لتنظيم الدولة الجديدة، التي هي وحدها تعرف المصارف الواجب إنفاق ذلك المال فيها. قال تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (سورة التوبة: آية ٦٠).

(٨) الأنفال

النفل والغنيمة هو ما ينفله الله على المسلمين من أموال أهل الحرب بعد هزيمتهم، والفيء هو ما يفيئه الله على المسلمين من أموال صلح المقاتَلِين. وقد اختلف المسلمون في الأنفال التي ساقها الله تعالى إلى المسلمين في غزوة بدر، فقد ادَّعاها الذين أخذوها، وادعاها المقاتلون ومن أحاطوا بالرسول يحرسونه خشية قتله، وتضاربت أقوال المسلمين في ذلك حتى نزل قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (سورة الأنفال: الآية الأولى). ولقد قسَّمه الرسول أربعة أخماس الأنفال في المحاربين، وجعل الخمس الباقي للرسول وذوي القربى واليتامى والمساكين وأبناء السبيل.٣

(٩) الإرث والوصية وأموال اليتامى

أنزل الله في الآيات المدنية المبكرة أحكام الوصايا والمواريث للحاجة الملحة إلى معرفة أحكام الله في هذه الأمور الهامة؛ فقد كانوا في الجاهلية يخبطون خبط عشواء، ويحكمون أحكامًا عجيبة في تقسيم المواريث، وأحوال الوصايا، وأموال اليتامى، وكانوا يقسِّمون أموال الميت تقسيمات غريبة، ولم يُتَح للإسلام في عهده المكي أن يهتم بهذا الأمر الحيوي، فلما انتظمت أمور الدولة في العهد المدني نظَّمها، وفي آيات سورة البقرة (١٨٠–١٨٢) وسورة النساء (٧، ٨، ١٢، ٣٢، ٣٣، ١٢٧، ١٧٦) تفصيل دقيق للأحكام الشرعية المتعلقة بهذه القضايا وبالقضايا المالية الأخرى.

(١٠) الجهاد

ليس في القرآن المكي شيء ذو غناء يتعلق بالجهاد وأحكامه، وجميع الآيات الواردة في الجهاد وتشريعاته ووقائعه هي آيات مدنية، وهذا أمر طبيعي؛ لأنه ملائم لروح الحركة الإسلامية؛ فقد كانت في مكة ضعيفة ساذجة تحاول أن تتقوَّى وتقوم على رجليها، فلما أُتيح لها ذلك في العهد المدني أمر الرسول بالجهاد وجعله شعيرة من شعائر الدين. ولما بايع الرسول الأنصار بايعهم على الجهاد والاستماتة في سبيل الله ونشر الدين الحنيف. والآيات القرآنية المدنية التي تحض على الجهاد والاستماتة في سبيل ذلك قد شغلت أكبر حيِّز في القرآن، وما ذلك إلا لأهميتها وارتكاز الحركة عليها، وجعله فرضًا على كل مسلم قادر في بدنه وماله وعقله.

١  المسائل للسيوطي، ص١٢.
٢  جامع الترمذي، ص٢٦، طبع الهند.
٣  راجع كتاب الأحكام السلطانية للماوردي، ص١٢٠–١٥١، ففيه تفصيل أحكام الأنفال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١