الفصل الأول

في مبادئ الإسلام

الإسلام في اللغة: الطاعة والانقياد والمسالمة والمتابعة، ويطلق في الاصطلاح على استسلام المرء إلى الله، وانقياده لأوامره، واجتناب نواهيه، ومتابعته لما جاء به النبي محمد خاتم النبيين. وليس في الإسلام بدع لم يكن معروفًا من قبل، فأركانه الخمسة مقررة جاء بها الأنبياء والرسل قبل، لكن الشيء الجديد الذي جاء به الرسول العربي هو تعميم الرسالة المحمدية لأهل الكون جميعه تحت راية واحدة هي راية الدين الإسلامي. نعم إن الإسلام هو تجديد للنبوات السماوية القديمة وتقويم لما حرَّفه الناس من ديانات السماء التي أوحاها الله إلى رسله، فأحيت قلوبهم وقوَّمت اعوجاجهم، حتى بعث الله محمد بن عبد الله العربي القريشي الأمي بدينه الجديد لإصلاح ما أفسد الناس من ديانات الأنبياء الأقدمين الذين قصَّ علينا أمرهم في القرآن الكريم أو لم يقصص، قال تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ * وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ * فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ.

وللإسلام أركان وقواعد، أما الأركان فخمسة؛ وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام. وأما القاعدة الأساسية التي يقوم عليها بنيانه قد بيَّنها الله في قوله: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ * قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ.

هذه هي القاعدة الأساسية التي بُني عليها الإسلام، وهي كما نرى قاعدة تعتمد على أن الإسلام هو الدين الأول الذي بعث به الله أنبياءه ثم حرَّفه الضالون من بعد، فجاء محمد به خالصًا من الشوائب، ورسالة سيدنا محمد هي رسالة عامة للبشر أبيضهم وأصفرهم وأسودهم وأحمرهم، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، ولا امتيازات لعنصر على عنصر ولا لجماعة على جماعة إلا بالصلاح، وأن الإنسان أخو الإنسان والبشر كلهم أبناء أسرة واحدة، وأنها ما صارت قبائل وشعوبًا للتخاصم والتشاجر، بل للتعارف والتراحم: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ.

وللإسلام شعائر وطقوس تعبُّديَّة من حج وصلاة وصوم وزكاة وغير ذلك، ولكلٍّ منها حكمة ومزايا يفهمها أهل العلم والزكانة، كما أن للإسلام مبادئ يمكننا إجمالها في النقاط التالية:
  • (١)

    الاعتقاد بوجود الله وحده، لا شريك له ولا صاحبة ولا ولد، وهو خالقٌ لكل شيء عالمٌ بكل شيء، يحيي ويميت، قديم باقٍ، قادر قوي، سميع بصير، منتقم، حكيم في أفعاله، عادل في قضائه.

  • (٢)

    وجوب تحكيم العقل ودراسة الكون والتفكُّر في آثار الله للوصول إلى الإيمان الصحيح؛ فإن المقلِّد الجاهل بعيد كل البعد عن روح الإسلام والإيمان الكامل.

  • (٣)
    تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض؛ فقد قال الإمام محمد عبده: اتفق أهل مكة الإسلامية إلا قليلًا ممن لا ننظر إليه، على أنه إذا تعارض العقل والنقل أُخذ بما يدل عليه العقل، وبقي في النقل طريقان؛ الطريق الأولى: هي طريق التسليم لصحة المنقول من الاعتراف بالعجز عن فهمه، وتفويض الأمر إلى الله في فهمه. والطريق الثانية: تأويل النقل مع المحافظة على قوانين اللغة حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل.١
  • (٤)

    لا سلطان على مسلم إلا سلطان الله والعقل الصحيح والعلم الثابت عن رسول الله ، ولا وسطاء بينه وبين الله، والمسلم عبد الله فقط، حرٌّ من كل عبودية لما سوى الله سبحانه.

  • (٥)
    العمل واجب لكل قادر عليه، وأن لكل نفس مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ، وأباحه لكل واحد.
  • (٦)
    أباح الإسلام لمعتنقيه كل شيء طيب خالص نافع للإنسان من مشرب ومطعم وملبس، كما أباح له أن يتناول من الطيبات ما شاء أكلًا وشربًا ولباسًا وزينة، ولم يحظر عليه إلا ما كان ضارًّا بنفسه، أو بمن يدخل ولايته، أو ما تعدى ضرره إلى غيره.٢
  • (٧)
    عبادات الإسلام كلها تتفق مع ما يليق بجلال الله وسمو وجوده عن الأشباه والنظائر، ويلتئم مع المعروف عند العقول السليمة؛ فالصلاة ركوع وسجود ودعاء وتضرع، والصوم حرمان يعظم به أمر الله في النفس، وتُعرَف به مقادير النعم عند فقدها ومكانة الإحسان الإلهي في التفضل بها، والحج تذكير للإنسان بأوليات حاجاته، وتعهُّد له بتمثيل المساواة بين أفراده ولو مرة في العمر يرتفع فيها الامتياز بين الغني والفقير والصعلوك والأمير،٣ والزكاة تطهير للمال بالإحسان إلى الفقراء والإنعام على المعوزين.
  • (٨)

    واجب على المسلم تدارس القرآن وطلب العلم من ديني ودنيوي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

  • (٩)
    واجب على المسلم عمل الخير والإحسان، وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
  • (١٠)

    إن للنيات والأعمال الباطنة الخفية ما للأعمال المكشوفة من ثواب وعقاب، فيجب على المسلم أن يحسن سريرته كما يحسن ظاهره: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.»

  • (١١)

    إن المسلم محاسَب على أعماله كلها إن خيرًا أو شرًّا، وإنه مبعوث بعد موته لهذا الحساب، وليس ذلك على قدرة الله بعزيز.

  • (١٢)

    القرآن هو كتاب الإسلام، وفيه قواعده وأسسه وتعاليمه، وهي قواعد تختص بالعبادات والمعاملات والتشريع والأخلاق والواجبات، وليست هذه القواعد قواعد مفصلة، ولكنها أصول أولية وقواعد كلية ترك فيها الشارع الجزئيات لاجتهاد الفقهاء والمجتهدين، يستنبطونها منه بحسب مستواهم العلمي والفكري ومقتضيات ظروفهم الحيوية.

  • (١٣)

    وجوب اتِّباع ما أمر به النبي وما نقله الثقات عنه مما يتعلق بمسائل الدين. أما مسائل الدنيا، فالناس أعلم بمصالح دنياهم.

  • (١٤)

    الفطرة السليمة والعقل الصحيح هما المرجع الديني فيما لم يذكره القرآن وموثوق السنة، فكل ما أقرَّته الفطرة السليمة والعقل الصحيح والقلب السليم فهو من الإسلام.

  • (١٥)

    القصد والاعتدال في كل شيء؛ فإن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولن يشادَّ الدين أحد إلا غلبه.

  • (١٦)

    لا ضرر ولا ضرار؛ فإن الإسلام لم يفرض على أهله ما فيه ضرر عليهم، كما أنه لم يُبِح لهم أن يضروا غيرهم، والضرر يُزال قطعًا.

  • (١٧)

    ما تعارف عليه الناس، وما أجمعوا على استحسانه ورأوه حسنًا فهو عند الشرع حسن ولو لم يُنصَّ عليه.

  • (١٨)

    الرجل والمرأة متساويان في جميع التكاليف الدينية والمدنية إلا في أحوال قليلة؛ فقد أباح للمرأة ما دامت من أهل التصرف أن تتزوج بنفسها، وأن توكِّل غيرها، ولها أن تشترط طلاق نفسها.

  • (١٩)
    لا إكراه في الدين؛ فقد قال سبحانه: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ، ما لم يؤذِ الآخرين أو يتعدى عليهم وعلى حقوقهم.
  • (٢٠)

    الجهاد واجب على المسلم، وكذلك إعداد كل ما يحتاج إليه من عدة ودراسات وخطط.

١  الإسلام دين الفطرة، لعبد العزيز جاويش، ص٥٣.
٢  رسالة التوحيد لمحمد عبده، ص١٧٤، الطبعة الخامسة.
٣  رسالة التوحيد، ص١٩١–١٩٣، الطبعة الخامسة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١